القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 18 فبراير 2020

عن الحكومة التونسية وعوائق منح الثقة .

عن الحكومة التونسية وعوائق منح الثقة .
د.سالم لبيض .
18 فبراير 2020
أكثر من ثلاثة أسابيع مرت على تكليف الرئيس التونسي ، قيس سعيد ، الوزير السابق ، إلياس الفخفاخ ، بمهمة تشكيل الحكومة ، مانحا إياه شهرا لعرضها على البرلمان لنيل الثقة. وجاء اختيار الفخفاخ ، بعد أن فشل الحبيب الجملي ، مرشح حركة النهضة ، الحزب الأول في الانتخابات التشريعية ليوم 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 ، في تأمين أغلبية برلمانية تساوي أو تفوق 109 من النواب ، وذلك التزاما بالفقرة الثالثة من الفصل 89 من الدستور التونسي التي تنص على "إجراء رئيس الجمهورية مشاوراتٍ مع الأحزاب والائتلافات والكتل البرلمانية لتكليف الشخصية الأقدر من أجل تكوين حكومة في أجل أقصاه شهر". واجه الفخفاخ الذي رشحه حزب تحيا تونس (14 مقعداً)، الشخصية الأقدر، لتولي رئاسة الحكومة، وأيده في ذلك حزب التيار الديمقراطي (22 مقعداً)، منذ البداية ، إشكالات ذات طبيعة ديونطولوجية صرفة ، مأتاها ترشّحه للانتخابات الرئاسية لسنة 2019 وحصوله على قدر ضعيف جداً من الأصوات ، أي في حدود 11532 صوتا، من ثلاثة ملايين وعشرة آلاف ناخب ، بنسبة 0.34%، محتلا المرتبة 16 من ضمن 26 مرشحا ، وعدم فوز حزبه ، التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات ، وهو الذي يتولى رئاسة مجلسه الوطني ( أعلى سلطة حزبية بين مؤتمرين) بأي مقعد برلماني في الانتخابات التشريعية. ومن ذلك الرميم أو الرماد السياسي ، انبعث إلياس الفخفاخ مكلفا بتشكيل الحكومة التونسية ، مستثمرا رأسمال انتخابيا جاء بقيس سعيد رئيسا ، ومنحه شرعيةً شعبيةً هي الأعلى في سلالم نتائج الانتخابات غير المزيفة التي لم تعرفها تونس إلا بعد سنة 2011 . نبتت شرعية الفخفاخ في قيادة الشأن العام الحكومي من سوء إدارة حركة النهضة ، الحزب ألأغلبي لمفاوضات تشكيل الحكومة التونسية ، وفشلها الذريع في إقناع فُرقاء السياسة التونسية من العائلات الفكرية والسياسية الدستورية واليسارية والقومية العربية والليبرالية في الدخول إلى حكومةٍ غلب لونها الإسلامو ـ سياسي ، فلم تحظ إلا بثقة حزب النهضة وائتلاف الكرامة. دخل المكلف بتشكيل الحكومة عالم السياسة التونسية من بوابة حكومة الترويكا الأولى سنة 2011 برئاسة حمادي الجبالي، وزيرا للسياحة ، ثم للمالية في حكومة الترويكا الثانية سنة 2013 برئاسة علي العريض ، قادما من عالم الهندسة وإدارة الأعمال والشركات الكبرى التي اشتغل فيها ، على غرار شركة "هاتشينسون" المتخصصة في صناعة المطّاط والتابعة لشركة توتال الفرنسية ، ومجمع "أوتوموتيف كافيو" الذي تولى إدارته العامة بعد عودته إلى تونس بداية سنة 2006 . 
أشارت المذكرة التعاقدية من أجل ائتلاف حكومي (13 ص) ، وعنوانها "حكومة الوضوح وإعادة الثقة"، وهي الإعلان السياسي للحكومة المرتقبة ، إلى الالتزام بقيم الثورة واستكمال تحقيق أهدافها وترسيخ المسار الديمقراطي وتحقيق العدالة الاجتماعية وتطبيق الدستور وقيم الجمهورية وتعزيز مكتسبات الدولة الوطنية ، واستكمال مؤسّسات الدولة وأخلقة الحياة السياسية ، والانتقال إلى دولة العدالة الاجتماعية الآمنة والعادلة والمنصفة والاقتصاد الناجع ذي القيمة المضافة العالية ، وإشراك المواطنين وتكريس اللامركزية والسلطة المحلية ، مع تحديد جملة من الأولويات العاجلة ومتوسطة المدى وآليات ممارستها.
أجرى الفخفاخ مشاورات طويلة ومرهقة ومضنية مع مجموعة من الأحزاب السياسية ، اتفق معها على وثيقة التعاقد الحكومي أرضيةً سياسية للحكم ، وعلى أن تتكون حكومته من 28 وزيرا تتقاسمها أحزاب التيار الديمقراطي وحركة الشعب وحركة النهضة وحزب تحيا تونس ومجموعة أخرى من الأحزاب الصغيرة ، بحسب تمثيليتها البرلمانية مع بعض الوزراء غير المنتمين . وقد مكّنت التوزيعية الحكومية حركة النهضة من النصيب الأوفر من الوزراء بست حقائب ، النقل والتجهيز والإسكان والشباب والرياضة والصحة والتعليم العالي والبحث العلمي والشؤون المحلية ، مع حقيبتين لكل من منجي مرزوق أحد مرشحي "النهضة" لرئاسة الحكومة إثر الانتخابات التشريعية والوزير في الترويكا الأولى والثانية ، وأخرى لأسامة الخريجي عميد المهندسين التونسيين، المحسوب بدوره على الإسلاميين . وكان نصيب التيار الديمقراطي ثلاث وزارات ، هي الإصلاح الإداري وأملاك الدولة والشؤون العقارية والتربية ، وحركة الشعب بوزارتين ، التكوين والتشغيل والتجارة ، ومُنحت حركة تحيا تونس وزارتي البيئة والتنمية والتعاون الدولي ، واقتصر نصيب حزب بديل تونس على حقيبة السياحة ، وكذلك الأمر بالنسبة لحزب نداء تونس الذي منح حقيبة العلاقة مع البرلمان . أما بقية الوزارات وكتابتا الدولة فقد اختار لها إلياس الفخفاخ شخصيات نسائية ورجالية مستقلة ، على الرغم من الماضي السياسي والحزبي لبعضها ، وذلك بعد التشاور مع رئيس الجمهورية فيما يتعلق بحقيبتي الدفاع والخارجية ، وكذلك الأمر بالنسبة لوزارة الداخلية التي رُشّح لها المستشار برئاسة الجمهورية هشام المشيشي . إلا أن حركة النهضة نقضت العهد النهائي الحاصل بين الفخفاخ والأحزاب السياسية الذي جرى في الساعات الأخيرة من يوم 15 فبراير/ شباط الجاري ، وقبل ساعة من تقديم قائمة أعضاء الحكومة إلى رئيس الجمهورية وفق الأعراف الدستورية ، معلنة انسحابها  من مشاورات تشكيل الحكومة ، وسحب وزرائها المقترحين . وعلل الحزب الإسلامي انسحابه بعدم موافقته على تمشي تشكيل الحكومة والمقاربة المعتمدة التي أدت إلى إقصاء حزب قلب تونس ، وتمسّكه بوزارة تكنولوجيا الاتصالات الممنوحة للبنى الجريبي ، القيادية السابقة بحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات ، ورغبته في البقاء على رأس وزارة الجماعات المحلية موحدة مع البيئة الممنوحة لحزب تحيا تونس . وتبدو المبرّرات التي سوقتها "النهضة للانسحاب" من حكومة الفخفاخ وعدم منحها الثقة في البرلمان واهية ، فهي من دفع الرجل إلى استثناء حزب قلب تونس منذ البداية ، فقد وصفه رئيس الحركة ، راشد الغنوشي ، بحزب المكرونة الفاسد ، وتعهّد بعدم التحالف معه تحت أي مبرر، وإنْ أدّى الأمر إلى الذهاب إلى انتخابات سابقة لأوانها . و"النهضة" هي من طلبت من مرشحها السابق لرئاسة الحكومة ، الحبيب الجملي ، عدم الحوار مع حزب قلب تونس ، لعدم انتمائه لقوى الثورة ، التي تقتصر، وفق المدونة النهضاوية المعلنة ، على "النهضة" نفسها والتيار الديمقراطي وحركة الشعب وائتلاف الكرامة.
يعلم خبراء السياسة التونسية والعارفون بخفاياها ولعبة مصالحها أن الارتكاز على عدم تشريك الفخفاخ "قلب تونس" مجرّد مسوغ للتعمية وإجهاض ولادة حكومة "النهضة" أولى بتكوينها وفق ما هو مستبطن في خطابها وبيانها للناس . أما السببان الحقيقيان فهما ، من ناحية ، عدم ثقتها في حزب التيار الديمقراطي وحركة الشعب ، وهما حزبان راديكاليان ، شريكان في الحكم ، وهي التي تعودت بشراكة أحزاب نداء تونس وتحيا تونس والوطني الحر وغيرهم من التنظيمات السياسة خفيفة الوزن والمعنى ، ممن لا يعطي أهمية للشفافية ومقاومة الفساد وللمسائل السيادية ، ويشتركون مع "النهضة" كذلك في انحيازهم إلى الخيارات الاقتصادية النيو - ليبرالية التي انتهت إلى خيارات تنموية فاشلة ، سمتها التدخل الأجنبي في القضايا الوطنية والمديونية العالية وانتشار البطالة والفقر والتضخم والجريمة المنظمة، ما يفترض في حكومة الفخفاخ تغييرها والحدّ من آثارها ، وفق ما ورد في وثيقة التعاقد الحكومي . ومن ناحية أخرى ، جموح "النهضة" الضارب للحكم والسلطة ، وما يوفرانه من غنيمة ومكاسب ومنافع ومزايا ، يبدو أنها ذاقت حلاوتها إبّان مختلف فترات حكمها منذ 2011 ، هذا بالإضافة إلى الأخطار التي تتهددها إذا ما آلت بعض الوزارات إلى أحزاب أخرى، وفتح فيها الوزراء المرتقبون تحقيقاتٍ جدّية ، على غرار وزارة تكنولوجيا الاتصالات التي تتمسّك بها حركة النهضة إلى درجة أنها تكاد تجهض مسار تشكيل الحكومة برمته لأجلها ، والذهاب إلى انتخاباتٍ سابقةٍ لأوانها ، ستكون عالية الكلفة والمخاطر، ستواجه فيها حركة النهضة هذه المرة ، علاوة على منافسيها التقليديين ، الرئيس قيس سعيد وجمهوره الانتخابي الطامح إلى اجتياح البرلمان ، وإيجاد التناغم الضروري بين مؤسّسات الحكم في تونس .

الجمعة، 17 يناير 2020

ستبقى حيّاً في ذاكرة العرب يا ناصر / صبحي غندور .


ستبقى حيّاً في ذاكرة العرب يا ناصر ..
د.صبحي غندور .
خمسون عاماً تقريباً مرّت على وفاة جمال عبد الناصر، ورغم طيلة هذه الفترة الزمنية، فإنّ لهذا القائد العربي الكبير، الذي عايشته مصر والأمّة العربية في حقبتيْ الخمسينات والستّينات من القرن الماضي، محبّة خاصّة لم يشهد مثلها التاريخ العربي المعاصر. ومنتصف شهر يناير هذا العام هو الذكرى 102 لميلاد عبد الناصر الذي نجح، وهو في بدايات سنّ الثلاثينات، أن يقود تغييراً كبيراً في مصر وفي عموم المنطقة العربية. صحيح أنّ المصريين عرفوا ناصر كحاكم لحوالي 16 سنة جرت فيها الكثير من الإيجابيات والسلبيات كمحصّلة لتجربة حكم قامت على أسلوب "التجربة والخطأ"، لكن العرب غير المصريين نظروا إلى جمال عبد الناصر كقائد تحرّر قومي وملهم وداعم لثورات عربية تحرّرية في مشرق الأمّة ومغربها.    
ورغم مرور نصف قرنٍ من الزمن على غياب ناصر، فإنّه استمرّ حيّاً في ذاكرة معظم العرب الذين عاصروا فترة قيادته للأحداث العربية بحلوها ومُرّها. فيكفي لهؤلاء أنّ ناصر كان رمزاً لوحدة الهموم والآمال العربية، ولصرخة الكرامة والعدل والحرّية ضدّ الاستعباد والاستعمار والظلم والاستغلال. ويكفي شهادة لمقدار قيمة عبد الناصر ومحبّته في عموم المنطقة العربية ما حدث في مناسبتين: يوم استقالته بعد حرب 1967 (مظاهرات 9 و10 يونيو/حزيران)، ويوم وفاته في 28 سبتمبر/أيلول 1970، حيث خرجت ملايين من الجماهير العربية إلى الشوارع، من المحيط إلى الخليج، ومن دون دعوة من أيّ جهة، لتؤكّد تأييدها وحبّها الجارف لجمال عبد الناصر.
لكن المشكلة بثورة 23 يوليو التي قادها عبد الناصر أنّ ساحة حركتها وأهدافها كانت أكبر من حدود موقعها القانوني، أي مصر، وكانت قضاياها تمتدّ لكلّ الساحة العربية، وأيضا لمناطق أخرى في إفريقيا وآسيا، بينما هي دستورياً وقانونياً تتعلّق بمصر وحدها. وواقع الحال هو أنّ "ثورة يوليو" بدأت ثورةً مصرية فقط تتعامل مع جانب محلّي داخلي هو أساساً مبرّر حدوثها عام 1952 (المبادىء الستّة للثورة كانت كلّها محلّية مصرية)، ثمّ نضجت كثورة عربية، ثمّ ارتدّت إلى حدودها المصرية بعد وفاة ناصر.
كذلك من المهمّ النّظر إلى تجربة عبد الناصر في إطار الأوضاع التي كانت سائدة مصرياً وعربياً، وفي إطار الظروف الدولية التي كانت تهيمن على العالم كلّه (الحرب الباردة وصراع المعسكريْن)، وفي إطار طبيعة النظام السياسي في مصر الذي قام على "جبهة ضبّاط" وليس على تنظيم سياسي موحّد الانتماء والفكر والأهداف، علماً أنّ معظم "الضبّاط الأحرار" كان في مطلع الثلاثينات من العمر. فناصر قاد الثورة وله من العمر 34 سنة، وواجه أزمة السويس والعدوان الثلاثي وهو في عمر ال38 سنة، وكان رئيساً لمصر وسورية معاً وزعيماً عربياً ودولياً وهو في عمر الأربعين، ثم وافته المنية وهو في مطلع الخمسينات من عمره.
ويخطئ كثيرون حينما لا يميّزون المراحل في تاريخ التجربة الناصرية، أو حينما ينظرون إلى السياسة التي اتّبعها جمال عبد الناصر وكأنّها سياقٌ واحد امتدّ من عام 1952 حينما قامت ثورة 23 يوليو، إلى حين وفاة ناصر عام 1970.
فقد جعل عبد الناصر من هزيمة عام 1967 أرضاً صلبة لبناء وضعٍ عربيّ أفضل عموماً، وكرّس ذلك في قمّة الخرطوم التي شهدت توافقاً عربياً على كيفية استعادة الأراضي المحتلة وعلى دعم دول المواجهة مع إسرائيل، كما أشرف ناصر على إعادة بناء القوات المسلّحة المصرية وخاض حرب الاستنزاف ممّا مهّد الطريق أمام حرب عام 1973.
"عاش من أجل فلسطين ومات من أجلها"… كان هو الشعار الذي رفعه شعب فلسطين عقب وفاة جمال عبد الناصر عام 1970. ففي 28 أيلول/سبتمبر 1970، مات عبد الناصر بعد أيامٍ طويلة من الإرهاق والسهر المتواصل لوقف سيلان الدم العربي في شوارع الأردن آنذاك نتيجة الصراع بين الجيش الأردني والمنظمّات الفلسطينية، ومن خلال جهدٍ قام به ناصر لجمع القادة العرب في قمّة طارئة بالقاهرة.
وكان ناصر يردّد دائماً: "القدس والضفّة قبل سيناء، والجولان وغزّة قبل سيناء"، و"لا صلح ولا اعتراف بإسرائيل ما  لم تتحرّر كلّ الأراضي العربية المحتلّة عام 1967، وما لم يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة".
فعبد الناصر أدرك هدف حرب 1967 الذي أشار إليه وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك موشي ديان والرئيس الأميركي السابق جونسون، بضرورة تخلّي مصر عن دورها العربي، وإعادة سيناء لها مقابل ذلك، فرفض ناصر استعادة الأرض عن طريق عزلة مصر وتعطيل دورها العربي التاريخي. كما أدرك عبد الناصر  مخاطر الصراعات العربية/العربية التي كانت سائدة قبل حرب 67، فأوقف تدخّل الجيش المصري في اليمن وأقام "تحالف المدفع والنفط" الذي تأكّدت أهميّته في حرب عام 1973.
عبد الناصر أكّد بعد حرب عام 1967 حرصه على تعميق الوحدة الوطنية في كلّ بلدٍ عربي، وعلى رفض الصراعات العربية البينية التي تخدم العدوّ الإسرائيلي (كما فعل في تدخّله لوقف الصراع الداخلي في لبنان عام 1969 بعد صدامات الجيش اللبناني مع المنظّمات الفلسطينية)، فإذا بالأرض العربية بعد غيابه تتشقّق لتخرج من بين أوحالها مظاهر التفتّت الداخلي والصراعات المحليّة بأسماء مختلفة، ولتبدأ ظاهرة التآكل العربي الداخلي كمقدّمة لازمة لهدف السيطرة الخارجية والصهيونية.
نعم يا جمال عبد الناصر، فنحن نعيش الآن نتائج "الزمن الإسرائيلي" الذي جرى اعتماده بعد رحيلك المفاجئ عام 1970، ثمّ بعد الانقلاب الذي حدث على "زمن القومية العربية"، والذي كانت مصر تقوده في فترتيْ الخمسينات والستّينات من القرن الماضي. فاليوم يشهد معظم بلاد العرب "حوادث عنف تقسيمية" و"أحاديث طائفية ومذهبية وإثنية" لتفتيت الأوطان نفسها.. لا الهويّة العربية وحدها!.
هو "زمنٌ إسرائيلي" نعيشه الآن يا ناصر على مستوى العالم أيضاً. فعصر "كتلة عدم الانحياز لأحد المعسكرين الدوليين"، الذي كانت مصر رائدته، تحّول إلى عصر صراع "الشرق الإسلامي" مع "الغرب المسيحي"، بينما يستمرّ تهميش "الصراع العربي / الصهيوني"، وفي هاتين الحالتين،  المكاسب الإسرائيلية ضخمةٌ جداً!.
رحمك الله يا جمال عبد الناصر، فأنت رفضت إعطاء أي أفضلية لعائلتك وأولادك، لا في المدارس والجامعات ولا في الأعمال والحياة العامّة، فكيف بالسياسة والحكم!! وتوفّيت يا ناصر وزوجتك لم تكن تملك المنزل الذي كانت تعيش فيه، فكنتَ نموذجاً قيادياً عظيماً بينما ينخر الفساد الآن في معظم مؤسّسات الحكم بالعالم.
اليوم، نجد واقعاً عربياً مغايراً لما كان عليه العرب في أيامك يا ناصر.. فقد سقطت أولويّات المعركة مع إسرائيل وحلّت مكانها "المعاهدات" والمعارك العربية الداخلية. اليوم أُستبدلت "الهويّة العربية" بالهويّات الطائفية والمذهبية ولصالح الحروب والانقسامات الوطنية الداخلية. اليوم تزداد الصراعات العربية البينية بينما ينشط "التطبيع مع إسرائيل "!!.
اليوم، وجد البعض في المنطقة العربية الحلَّ بالعودة إلى "عصر الجاهلية" وصراعاتها القبلية، تحت أسماء وشعارات دينية!. وبعضٌ عربيٌّ آخر رأى "نموذجه" في الحلّ بعودة البلاد العربية إلى مرحلة ما قبل عصرك يا ناصر، أي العقود الأولى من القرن العشرين التي تميّزت بتحكّم وهيمنة الغرب على الشرق! فهكذا هو واقع حال العرب اليوم بعد غيابك يا عبد الناصر، ما يُقارب نصف قرن من الانحدار المتواصل!. لكن ما لم يتغيّر هو طبيعة التحدّيات المستمرّة على العرب منذ مائة سنة، هي عمر التوأمة والتزامن بين وعد بلفور وبين تفتيت المنطقة وتقسيمها لصالح القوى الكبرى.
ما يحدث الآن في البلاد العربية هو تأكيدٌ جديد على أهمّية إعادة قراءة "المشروع الناصري" الذي لم يمنحه القدر الفرصة الزمنية الكافية لإثبات جدارته. وهناك الكثير ممّا هو صالح للحاضر وللمستقبل معاً كخلاصات من تجربة وفكر جمال عبد الناصر، وما هو مهمٌّ للعرب الآن من ترشيدٍ فكري وسياسي. فلقد كانت ثورة ناصر حركة تغيير شعبية ترفض التغيير عن طريق العنف أو الصراع الطبقي، وتؤمن أنّ الشعب هو "تحالف قوى الشعب العاملة" المؤلفة من: العمّال، والفلاحين، والمثقّفين الوطنيين، والجنود، والرأسمالية الوطنية غير المستغلّة. وكان فكر جمال عبد الناصر مزيجاً من أساساتٍ فكرية شخصية عنده، عبّر عنها في مبادىء ثورة 23 يوليو وفي كتاب "فلسفة الثورة" وفي خطبه بالخمسينات، ثمّ تبلورت حصيلة التجربة والخطأ في إعداد "الميثاق  الوطني" وتقريره عام 1962.
ولقد تَعزّز وتَعمّق فكر جمال عبد الناصر (بدعوةٍ منه أصلاً للمثقّفين) من خلال كتاباتٍ عديدة ساهم بها مفكّرون عرب، ومن مصر تحديداً، لبلورةٍ أكثر عمقاً لما وضعه عبد الناصر من خلاصات أهداف وغايات للأمّة العربية:
  • حرّية بمعناها الشامل لحرّية الوطن ولحرّية المواطن.
  • حرّية المواطن التي تستوجب الجمع بين الحرّية السياسية والحرّية الاجتماعية.
  • العدل الاجتماعي الذي كان يُعبّر عنه كمطلبٍ باسم الإشتراكية.
  • الوحدة بمعناها الوطني الداخلي، وبمعناها العربي الشامل شرط الإجماع الشعبي عليها ورفض العنف كوسيلةٍ لتحقيقها.
  • الاستقلال القومي في مجال السياسة الخارجية ورفض التبعية الأجنبية.

وقد ارتبطت هذه الغايات لدى عبد الناصر بمسائل ثلاث:
- الأولى : من حيث نبذ العنف كوسيلة للتغيير الاجتماعي أو السياسي أو للعمل الوحدوي القومي.
-  الثانية : من حيث الاستناد الى العمق الحضاري الديني والدور الإيجابي للرسالات السماوية عموماً وللقيم الروحية في المجتمع.
-  الثالثة : من حيث مفهوم ناصر للدوائر الثلاث التي تنتمي إليها مصر: العربية والإفريقية والإسلامية، وبحالٍ من التفاعل والتكامل بين الوطنية والعروبة والانتماء الحضاري الإسلامي.
وفي مناسبة ذكرى ميلادك يا ناصر، ما زال شعب مصر وأمّته العربية يفتقدونك بينهم، ولديهم الحنين لماضٍ عاشوه في ظلّ قيادتك، لكنً الكتابة عنك ليست ابتعاداً عن الحاضر أو تجاهلاً للمستقبل أو مجرّد حنينٍ لماضٍ، بل هي دعوةٌ للاستفادة العربية والمصرية من نهجٍ "ناصري" واجه أزماتٍ وصراعات لعقدين من الزمن (1952-1970)، وما زالت هذه التحدّيات والصراعات تنخر في جسد الأمَّة العربية. وهاهي الأمّة العربية الآن تعاني من انعدام التضامن العربي ومن الانقسامات والصراعات، ومن هشاشة البناء الداخلي في معظم البلاد العربية مما سهّل ويسهّل الهيمنة الخارجية على بعض أوطانها.
مصر تغيّرت، والمنطقة العربية تغيّرت، والعالم بأسره شهد ويشهد في عموم المجالات متغيّراتٍ جذرية.. لكن رغم كلِّ تلك المتغيّرات تبقى يا ناصر في ذاكرة العرب بأنّك كنتَ رمزاً لحقبة زمنية عاش فيها الإنسان العربي مرفوع الرأس، حقبة الكرامة والعزّة والتوحّد.


السبت، 4 يناير 2020

"الثورات العربية" بين موقف القوى القومية والموقف من وجهة نظر قومية .

"الثورات العربية" بين موقف القوى القومية والموقف من وجهة نظر قومية .

الموقف من الثورات العربية يثير لغطا كبيرا منذ 2011 الى الآن الى درجة اننا صرنا نرى العديد من القوى التي لا يوجد في قاموسها السياسي كلمة واحد عن الثورة تتحدث اليوم باسهاب كبير عن هذا المنجز الجماهيري العظيم ، بل اننا لو رجعنا الى كل تاريخها السياسي منذ نشأتها لوجدناها مجرد قوى رجعية لا يتعدى هدفها المشاركة في السلطة ولو مع أعتى الانظمة استبدادا وتخلفا في الوطن العربي وأولها قوى الاسلام السياسي التي تحالفت تاريخيا مع كل انواع الأنظمة وقبلت مهادنتها من أجل السلطة ، وحتى بعض صراعاتها مع بعض الأنظمة لم تكن باي حال من الأحوال من أجل الثورة التي تخوضها القوى التقدمية عادة من أجل شعوبها ، وهذا ما لمسناه بوضوح بعد " ثورة " 17 ديسمبر في تونس حيث اتجهت حركة النهضة مباشرة بعد تسلمها السلطة اثر انتخبات 2011 الى اصدار قوانين العفو التشريعي العام التي وظفتها بالكامل من أجل التعويضات لأتباعها وعقدت الصلح مع جلاديها بتوقيع قانون المصالحة ثم تحالفت معهم لتشاركهم الحكم بنفس السياسات ونفس الخيارات التي انتهت صلاحيتها بقيام الثورة ، مؤكدة نظرتها السياسية الضيقة وطبيعتها الاصلاحية الغنائمية التي تحدّد هدفها المصلحي من المشاركة في الحكم .. وقد كان هذا واضحا منذ زمن من تجارب الاخوان المسلمين الذين كانوا أكثر القوى استعدادا للتنافس مع أكثر الأنظمة فسادا وجورا واستبدادا في جميع الدول العربية التي قبلت انظمتها بفسح المجال أمامهم لخوض الانتخابات والاكتفاء بتمثيل نسبي هش في العديد من الدول بعد فترة الثمانينات مثل المغرب والاردن والكويت ومصر والسودان .. حيث كانوا يتعايشون معها دون أي حرج وهم يساهمون في اضفاء الشرعية عليها وتبييض فسادها ، ولعلنا لا نكون مغالين حينما نقول انهم مستعدون لما هو اكثر سوءا من ذلك وقد شاهدنا احدى الفصائل الاخوانية تقبل بلعبة السياسة في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق بعد الغزو في ظل دستور بريمر ..
وقد اختلط هذه الأيام التخبط الفكري والنفاق السياسي بالأكاذيب المغرضة والتشويه للحركة القومية ، حتى اصبحنا نسمع ان حفتر والسيسي محسوبين على القوى القومية .. ورغم ان بشار الاسد والشهيد معمر القذافي يحضيان بتأييد واسع من الشرائح القومية سواء على خلفية ما سمّي " بالربيع العربي " الذي دبر في هذين القطرين بتدخل سافر من القوى الخارجية أو قبل ذلك ، ولكنه من المؤكد انهما ليسا محل تأييد مطلق بخصوص كل السياسات الداخلية والمواقف المعلنة من جميع القضايا المطروحة على الساحة السياسية العربية والدولية ليس فقط في علاقة بالديمقراطية وحقوق الانسان ، بل حتى في جوانبها المتعلقة بالقضايا ذات الاهتمام المشترك بين القوميين انفسهم كقضية الوحدة والعلاقات العربية العربية والمحاور الدولية وغيرها من القضايا التي شهدت تذبذبا في المواقف من فترة الى أخرى بعضها أضر بالقضايا القومية أكثر مما أفادها .. وهذا يعني ان ترويج فكرة التاييد المطلق التي تحيل الى الفهم بان غاية القوى القومية هي تثبيت سياسات الأنظمة التي تنسب نفسها الى المرجعية القومية وتكرار فشلها وخيباتها وعجزها انما هو ليس من باب الجهل بالمواقف القومية فقط ، بل أيضا ـ وحينما يُحشر المشير خليفة حفتر عمدا ضمن المؤيًّدين ـ فهو من باب المغالطات والتضليل الذي يُستعمل أولا وأخيرا لتشويه الموقف القومي .. فما هو الموقف السليم للقوي القومية من الثورات العربية عموما وما هو الموقف من وجهة نظر قومية ؟
بداية فان المسألة تحتاج الى توضيح عام يهم الموقف القومي الذي شهد تبلورا ونضجا واضحا في أهداف الثورة العربية الشاملة وأدواتها منذ الستينات وما تلاها من مراجعات ، وصل الى حالة من الاجماع العام لدى جميع المرجعيات والفصائل القومية المعروفة على الساحة العربية تتلخص في ناحيتين مهمتين تكاد تكون كلاهما من الثوابت القومية للحركة القومية العربية الى حد الآن :
أولا : اهداف الثورة العربية : وهي بناء دولة الوحدة الديمقراطية الاشتراكية ، التي تعبر عنها مختلف الفصائل القومية بشعار " الحرية والوحدة والاشتراكية " مهما كان الترتيب الذي عرف اجتهادات مختلفة حسب الأولويات التي يمكن ان تشهدها مراحل الثورة العربية الشاملة .
ثانيا : آداة الثورة العربية : وهو قيام ما عرف في ادبيات الفكر القومي بـ " الحركة العربية الواحدة " والتي تحضى باجماع عام تقريبا من جميع الفصائل والمرجعيات القومية بالرغم من وجود اختلافات في مستوى آلية البناء ومراحله في ظل التشتت التنظيمي الذي فرضه واقع التجزئة على الاقل من الناحية الموضوعية فضلا عن بعض النواحي الذاتية المتعلقة بالقوى القومية ذاتها .
اذا كان هذا مهما وواضحا فان تحديد مبرراته الواقعية تعتبر أكثر أهمية في حديثنا عن الواقع العربي وتقييمنا لآداء الحركة القومية على امتداد الساحة العربية منذ سقوط الخلافة العثمانية وما تلاها من فترات الاستعمار الى اليوم ، في واقع قومي قائم الذات يفتقر الى أي جهة رسمية تدافع عن وجوده ومصالحه وتتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية كما يحددها دورها التاريخي مثل ما هو موجود في سائر الأمم : فمن ناحية اولى يعيش الوطن العربي حالة التجزئة التي فرضت غياب الدولة العربية المركزية المدافع الطبيعي عن المصالح القومية والمسؤول الوحيد عن التخطيط والفعل السياسي كطرف مسؤول يحاسب قوميا على سياساته وخياراته ، ومن ناحية ثانية غياب الحركة القومية الواحدة كطرف ثوري مسؤول أمام جماهيره على رسم السياسات العامة لتنظيم يفترض انه ثوري ، يبني التحالفات ، ويخوض المعارك السياسية والميدانية على المستوى القومي والدولي بثقل قومي وامكانيات قومية بكل ما يعنيه ذلك من اضافة للقدرات النضالية عكس ما تتيحه الامكانيات الاقليمية لتحقيق اهدافه القومية . بمعنى أن كل ما ينسب للحركة القومية أو لأي دولة تسمّى قومية نسبة لقيادتها في بعض الأقطار وفي بعض المراحل التاريخية من فشل انما هو منسوب لأطراف غائبة عن الساحة . فلا الدولة القومية المركزية وجدت ، ولا الحركة القومية الجماهيرية موجودة ..
الملاحظة الثانية التي لا تقل أهمية هو ان كل هذا الكم من الفشل يعتبر حجة على الاشكال النضالية الاقليمية التي يحذر منها الموقف القومي حتى وان كانت ممثلة في دول وأحزاب وقيادات ذات مرجعية قومية ، وليس على دولة الوحدة أو على الحركة القومية بتلك المعاني والمفاهيم والمضامين القومية الغائبة الى حد اللحظة ، فالمعارك التي خاضتها الانظمة القومية كلها معارك قطرية بامكانيات الدول الاقليمية ومؤسساتها التي تعمل لحساب الدولة القطرية طبقا لدساتيرها  وليس لحساب المصلحة القومية ، وهي معارك تُحسب فيها جل الحسابات لفائدة الدولة الاقليمية والمصلحة النظامية في السلطة على حساب المصلحة القومية ، وهو ما يجعل الموقف القومي دائما ضدها سواء لطبيعتها الاقليمية أو لانحرافها عن الأهداف القومية مهما كانت مرجعيتها ..
وأمام هذه الثنائية والتداخل في الأدوار بين القوى القومية كما هي موجودة في واقع التجزئة وبين الحركة العربية الواحدة كما يفترض أن تكون لتغيير ذلك الواقع  فان المسألة تحتاج الى توضيح خاص لبيان الفرق بين موقف القوى القومية  والموقف من وجهة نظر قومية من الثورات العربية :
الموقف من الثورات العربية من وجهة نظر قومية يعني الثورة العربية كما يجب ان تكون بالنسبة للقوى القومية حينما تشارك في الثورة أو تفجرها من موقع الطرف الفاعل حتى تصل الى أهدافها المعلنة : دولة الوحدة الديمقراطية الاشتراكية عبر مسيرة طويلة ممثلة في تنظيم قومي واحد وقيادة واحدة واستراتيجيا واحدة ، فهو الذي يرسم سياساته بعيدا عن وصاية الدول الاقليمية ، ويبني تحالفاته ويختار اصدقائه وحلفائه ويحدد أعدائه ، فيحاسب على فشله أو نجاحاته .. 
أما موقف القوى القومية الحالية ممّا يسمّى " الثورات العربية " وهي تفتقد الفاعلية المطلوبة للتأثير المباشر في الأحداث الجارية التي تجبرها على اختيار تقاطعات وتحالفات قد لا تلقى اجماعا كاملا وهي تفتقد حاليا الى وحدة التنظيم ووحدة الممارسة الديمقراطية التي تحسم خلافاتها ، يفترض أن يتحدّد على ضوء طبيعة القوى النشيطة ميدانيا وأهدافها المستقبلية قياسا على المصلحة القومية من حيث نتائجها المحتومة كما يجري التخطيط لها في الواقع وليس استنادا الى ما ترفعه من شعارات أو ما تصرح به قياداتها ، فتخرج عن سياق الثورة كل القوى الغريبة عن الواقع المتدخلة من الخارج ، وكل القوى التي تستهدف تدمير الدولة والمجتمع وتغيير نسيجه ونمطه المجتمعي بالقوة الغاشمة على غرار ما وقع في سوريا وليبيا وبقطع النظر عن أي مسؤولية للسلطة ـ أي سلطة مستبدة ـ في اساليبها ومناوراتها ، اذ لا تنتظر القوى الثورية عادة من أنظمة الاستبداد غير ذلك الرد ، وفي هذه الحالة وحينما تتهدد المجتمع والدولة أخطارا خارجية تستهدف وجود المجتمع وتسيء للثورة ـ اذا تجاوزنا الخلاف حول المفاهيم ـ مثلما حدث في سوريا وليبيا تصبح من مسؤولية الثوار الحقيقيين تطهير الثورة مما يسيء اليها ويحرفها عن أهدافها النبيلة قبل استئناف عملها الثوري لتجنيب مجتمعها مخاطر الوقوع في مشكلات أكبر من مشاكل الاستبداد .. ومثل هذا الموقف الذي عبرت عنه أغلب الفصائل القومية ـ وبقطع النظر عن مواقفها من الأنظمة ـ يستند الى حقيقة علمية مهمة تقول بأن " الوجود شرط التطور " أي أن كل ما يهدّد المجتمع في وجوده يصبح ذا أولوية ، فوجود المجتمع وأمنه وسلامته مقدمة على مطالب الديمقراطية والحرية وغيرها من الشعارات ، وهذا ينطبق على أي حالة أخرى أينما وجدت في الساحة العربية ، فلو حدث مثل هذا في تونس قبل الثورة أو في قطر أو في السعودية وكلها أقطار يعارض القوميون أنظمتها بشدة ، لما تغير الموقف كثيرا بالنسبة للغالبية العظمى .. وهو ما يعني ان معارضة اسلوب التدخل في تغيير الأوضاع الداخلية للمجتمع مثلما حدث على يد حلف الناتو في ليبيا لا يعني بالضرورة مطلق المعارضة للثورة في أي قطر اذا كانت بوسائل شعبية صرفة مثلما حدث في تونس ومصر .. وواجب القوى القومية حينما تكون غير قادرة على قيادة الجماهير لبلوغ أهدافها ان تبحث عن التحالفات والتقاطعات المرحلية التي تستطيع من خلالها تحقيق الحد الأدنى الممكن بأخف الأضرار على السلم الاجتماعي والحفاظ على وحدة المجتمع وسلامته واستقلاله وتحقيق المكاسب الحقيقية في جوانبها السياسية والاقتصادية مع التركيز على أولوية الاشتباك مع الأعداء الاستراتيجيين للمشروع القومي ..
وفي النهاية فان مواقف القوى القومية اليوم وتقاطعاتها السياسية واساليبها النضالية وهي في المرحلة الأولى من البناء لآداة الثورة العربية الشاملة كما تراها القوى الصادقة منها ـ سواء كانت على هذا الموقف أو ضده ـ تعتبر بمثابة حالات الضرورة البعيدة كل البعد عن الاسلوب القومي كما يجب ان يكون ، فهي لا تمثل بأي صغة أو صفة كانت الموقف القومي من وجهة نظر قومية ، فلا الدول ولا الأنظمة ذات المرجعية القومية تمثل الدولة العربية المركزية ، ولا الفصائل المختلفة ، ولا القيادات تمثل الحركة القومية الواحدة .. وهو ما يجعل الموقف القومي القائم على الثوابت القومية وجماهيره المؤمنة بها في حل من تبعات أي فشل يصادف مسيرتها ، ويحملها المسؤولية الأخلاقية والقومية في تدارك العجز والجمود الذي يهدد وجودها ذاتهه أمام الأخطار المحدقة بالوجود القومي ، وهي تدرك منذ البداية ان الاقليمية فاشلة ، وأن المعارك القومية لا يتم فيها النصر الا بوسائل وامكانيات قومية .. 


القدس


الأحد، 29 ديسمبر 2019

في ملابسات تشكيل الحكومة التونسية / د.سالم لبيض .


في ملابسات تشكيل الحكومة التونسية .
د.سالم لبيض .
لا يبدو أن مهمة تشكيل الحكومة التونسية، وفق ما أفرزته نتائج الانتخابات التشريعية في 6 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، يسيرة التحقيق، فقد جاء الإعلان عن تلك النتائج مصحوبا ببوادر أزمة سياسية بنيوية، لواقع التشظي والتناثر السياسي الذي بدا عليه المجتمع السياسي التونسي، بأحزابه وجبهاته وائتلافاته ومستقّليه، ممن وجدوا لأنفسهم طريقا إلى قصر باردو (مقر البرلمان). وعلى عكس ما تمّ تسويقه في وسائل الإعلام والمنتديات الاتصالية والصفحات كثيفة الأنصار والمشتركين، المؤثرة في الرأي العام والطبقات الشعبية متوسطة الوعي بقضايا السياسة وخفاياها وإكراهاتها، فإن حركة النهضة (الإسلامية) احتلت المرتبة الأولى فقط في تلك الانتخابات. أما الفوز فيقتضي أن يمكّنها الصندوق من أغلبيةٍ تساعد على تشكيل الحكومة، أو في أقل الأحوال توفر لها إمكانية التحالف المريح مع الأقربين في الأفكار والسياسة لمزاولة الحكم معاً. وهؤلاء الأقربون ممثلون في ائتلاف الكرامة، ومستقليْن اثنين انضمّا إلى كتلتها، في أول تدشين للسياحة الحزبية في مجلس نواب الشعب، المنتخب حديثاً، وكان هؤلاء، منذ البداية، متماهين مع الحركة، ومتناغمين في المواقف إلى درجة التصويت معا لصالح قانون المالية وميزانية الدولة لسنة 2020، ولكنهم لم يمكّنوا حركة النهضة إلا من ثلث أعضاء المجلس، ما يصلح أن يكون ثلثا معطّلا، ولكنه لا يوفر الحدّ الأدنى للحكم وتشكيل الحكومة.
 أدرك حزب حركة النهضة هشاشة وجوده البرلماني، مقارنةً بالمجلسين، الوطني التأسيسي والتشريعي المنتهية مهامه، وتعقيدات التركيبة البرلمانية الجديدة التي ضمّت، هذه المرّة، فسيفساء من الإسلاميين والدستوريين والقوميين العرب والليبراليين والحقوقيين، وحتى يساريين متناثرين هنا وهناك، على الرغم من فشل الجبهة الشعبية، تجمعوا في كتلة حركة النهضة، والكتلة الديمقراطية (حركة الشعب والتيار الديمقراطي)، وقلب تونس، وائتلاف الكرامة، والدستوري الحر، وتحيا تونس، وكتلتي الإصلاح الوطني والمستقبل، المكونتين من أحزاب صغيرة ومستقلين، الأمر الذي جعلها تبحث عن الممكن السياسي، من بينهم، ما يمنحها أغلبيةً برلمانية، تجتاز بها التناقضات السياسية والأيديولوجية الحادّة، والصراعات التاريخية ومعاركها الدموية الموروثة والمستبطنة. 
اختارت حركة النهضة الحبيب الجملي، وكلّفته بتشكيل الحكومة، وسوّقته شخصية مستقلة غير نهضاوية، محاولةً منها كسر جمودٍ آتٍ من رفض الأحزاب السياسية البرلمانية إسناد التكليف إلى رئيس حكومةٍ ينتمي إلى قيادات الحركة الإسلامية. ولكن الرجل لم يفلح في إقناع الحزبين الأكثر قربا لروح الثورة ومبادئها وتطلعاتها واستخداما لمفاهيمها وتمسّكا بأخلاقياتها، واسترجاعا لنفسها واعتزازا بها وتمجيدا لها، باعتراف "النهضة" نفسها التي أرادت الاستثمار في هذا الرأسمال الرمزي، وهما حركة الشعب والتيار الديمقراطي. ولم تفلح محاولات الوساطة وتقريب وجهات النظر التي قادها المسهّلون، أو الوسطاء، على غرار جوهر بن مبارك، والحبيب بوعجيلة القادمين إلى تلك المهمة السياسية الشاقّة من حواشي المجتمعيْن، المدني والإعلامي. ذلك أن الكلمة الفصل، في نهاية الأمر، لم تكن لهما ولا حتى للجمْلي نفسه، وإنما كانت لمن كلّفه، أي رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، والذي كان يجري حواراتٍ موازية في قصر باردو، بوصفه رئيس البرلمان، أو في بيته، أين تدقّق السير الذاتية وتعقد الصفقات السياسية الحقيقية. ويتعلق اختلاف كل من حركة الشعب والتيار الديمقراطي مع رئيس الحكومة المكلف، ومن ورائه الحركة الإسلامية التونسية، بمقاربات الحكم، ومفاهيم السياسة، والقضايا الكبرى، والارتباطات الدولية، واتفاقياتها المجحفة، والمذلّة أحيانا، وبالخطط التنموية، ومسائل المديونية، والبنك المركزي والسياسة المالية والنقدية، والتجارة العالمية والعلاقات الخارجية، والسيادة الوطنية، ومكافحة الفساد والحوكمة والشفافية، والقضاء على البطالة والفقر، وإصلاح قطاعات الصحة والتعليم والنقل، والتصدّي للجريمة المنظمة وتبييض الأموال، ومقاومة الإرهاب واقتلاع خلاياه وأوكاره وجماعاته، وإعطاء أدوارٍ إصلاحيةٍ بامتياز لوزارات الداخلية والعدل والوظيفة العمومية والإصلاح الإداري، وقبل ذلك كله تثبيت مفهوم دولة الرعاية الاجتماعية التي تتعرّض للانتهاك والغدر بها منذ انبعاث فكرة الإصلاحات الهيكلية التي بشّر بها صندوق النقد الدولي سنة 1986، وفرضها على الحكومات التونسية المتعاقبة.
المقاربة الأخرى البديلة القديمة المتجدّدة هي المحاصّة الحزبية والغنائمية السياسية والتمكّن من المواقع في الهياكل القيادية للدولة، وهذه المقاربة تقوم على التفاوض على الوزارات ونصيب كل حزب منها، كما حدث في حكومة الترويكا 2011-2014 التي توزّعت فيها السلطة بين أحزاب النهضة والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات والمؤتمر من أجل الجمهورية، ثم أعيد إنتاجها بعد انتخابات 2014، مع حكومتي الحبيب الصيد الأولى والثانية، اللتين اقتُسمتا بين نداء تونس وحركة النهضة وآفاق تونس والوطني الحر، وتكرّر الأمر مع حكومات يوسف الشاهد التي توزّعت فيها السلطة على أحزاب النهضة ونداء تونس ومشروع تونس وتحيا تونس لاحقا. ولم تستطع تلك التجارب الحدّ من المديونية التي بلغت مائة مليار دينار تونسي بأكثر من 75% من الناتج الوطني الخام، وجعلت من البنك المركزي مؤسسةً مستقلة عن سلطة الحكومة، ما أدى إلى انهيار الدينار أمام اليورو والدولار، وترك الميزان التجاري ينهار لفائدة التوريد الذي ناهز 20 مليار دينار، وما صاحب ذلك من تضخم وارتفاع جنوني للأسعار وانتشار البطالة التي فاقت 15% من اليد العاملة النشيطة. وعلى غرار تلك التجارب، ستتشكل حكومة الحبيب الجملي أو حكومة الكفاءات كما اختار تسميتها، بين كل من حركة النهضة وحزب قلب تونس الذي نعته الإسلاميون بالفساد، وعاهدوا ناخبيهم، في أثناء حملتهم الانتخابية، أن لا يضعوا أيديهم في يده البتة، وأن لا يتحالفوا معه، وإن كلّفهم ذلك إجراء انتخابات جديدة سابقة لأوانها.
نكث الإسلاميون العهد، وتخلوا عن ميثاقهم الغليظ الذي قطعوه على أنفسهم، لينخرطوا في حكومة ببرنامج إسلامو - ليبرالي، على ما في ذلك من مفارقة، لن يختلف عن فلسفة الحكم النيو - ليبرالية التي تقف وراء الهزيمة التنموية التي تعيشها تونس اليوم، لتضم شخصيات كثيرة كانت جزءا من الحكومات السابقة بعد 2011 لم تثبت جدارتها في تسيير الدولة، ولكنها تتمتع بخصلة الطاعة وتنفيذ الأوامر، وأخرى طارئة على عالم السياسة التونسية، ممن يطلق عليهم صفة التكنوقراط، فاقدي الخبرة والمعرفة بالدولة ونواميسها، وكيفية تسييرها، وإكراهات السياسة وضرورات مرونتها، على الرغم من شهادات علمية عالية المستوى نالوها، ومواقع متقدّمة شغلوها في منظمات دولية وأخرى إقليمية. ستضم حكومة الجملي الجديدة شخصيات من مشارب مختلفة لا تحظى بأغلبية مطلقة في البرلمان، ما دفع الحزب إلى التسوّل على عتبات قوى سياسية وكتل برلمانية رفضت المشاركة في الفريق الحكومي، عسى أن تسعفها ببعض الأصوات حتى يحصل أعضاء الحكومة الجديدة على ثقة 109 من النواب، فهل تنجح حكومة الجملي في الامتحان البرلماني العسير؟


الجمعة، 27 ديسمبر 2019

لا لتهميش دور العقل والفكر / د.صبحي غندور .


لا لتهميش دور العقل والفكر .
د.صبحي غندور .
يعيش العرب في هذه الحقبة الزّمنيّة مزيجاً من المشاكل والتحدّيات على المستويين الداخلي والإقليمي . ولعلّ أخطر ما في الواقع العربي الرّاهن هو تغليب العصبيات الفئوية على حساب المشترَك وطنياً وعربياً ، وتهميش دور العقل والفكر في فهم ما يحدث وما يجب عمله .
فالتّعامل مع سلبيّات الواقع والعمل لإيجاد بدائل إيجابيّة يتطلّب الخروج أوّلاً من المأزق الذي يعيشه الإنسان العربي المعاصر في كيفيّة تحديد جملة مفاهيم ترتبط بالهويّة والانتماءات المتعدّدة للإنسان العربي ، وبدور الدّين في المجتمع ، وبالعلاقة الحتمية بين حرّية الوطن وحرّية المواطن ، وبالفهم الصحيح للعروبة وللمواطنيّة وللعلاقة مع "الآخر" ، وفي التلازم المطلوب بين الفكر والحركة .
وهناك قطاعٌ كبيرٌ من العرب لا يجد أهمّية الآن للأمور الفكريّة أو للمؤسّسات المهتمّة بالفكر والثقافة ، وهذه الفئة من العرب تجد أنّ الأولويّة الآن هي للأمور الحركيّة والعمليّة ولمتابعة الأخبار السريعة حيث لا يجوز إضاعة الوقت والجهد في قضايا التفكير والتنظير، بينما في المقابل نجد العديد من المفكّرين العرب الذين يكتفون بطرح الفكر ولا يساهمون في بناء المؤسّسات التي تقدر على تحويل الأفكار إلى برامج عمل تنفيذيّة !.
إذن، هي معضلة في الاتّجاهين ، فالفكر هو الذي يحدّد الأهداف المرجوّة من أيّ عمل ، وهو الذي يصنع وضوح الرؤية خلال مسيرة تنفيذ برامج العمل . لكن لا قيمة للفكر إذا لم يعالج عمليّاً مشاكل قائمة وإذا ما بقي أسير الكتب وعقول المفكّرين . فالقيمة الحقيقيّة لأي فكرة تتحصّل من مقدار تعاملها مع الواقع ومشاكله والقدرة على تغييره نحو الأفضل .
وربّما يكون العرب الآن حالة نادرة بين شعوب العالم المعاصر من حيث تشابك القضايا والأحداث ، واختلاف الأولويّات والاهتمامات لدى أبناء الأمّة الواحدة . فلم تعد هناك قضية مركزيّة واحدة تشدّ اهتمام العرب جميعاً ، كما كان الحال العربي قبل منتصف السبعينات من القرن الماضي ، وأصبح لكلِّ بلد عربي قضيته الخاصّة التي تشغل شعبه وحكومته ، رغم وجود عناوين مشتركة لهذه القضايا مثل : الإصلاح السياسي الداخلي ، التخلّف الاجتماعي والركود الاقتصادي ، تحدّي الأمن والاستقرار ، الحفاظ على الوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي المشترك، إضافةً طبعاً إلى وجود مشكلة الاحتلال الإسرائيليّ ودور القوى الإقليمية والدولية في صناعة أو توظيف أحداث وصراعات المنطقة .
لكنّ في كلّ هذه القضايا والتحدّيات ، هناك حاجة لمجموعة من المفاهيم والضوابط التي ترشد الحركة في معالجة ومواجهة أيٍّ منها . وقد يكون بمقدور الحركات السياسية العربية الناشطة الآن ، أن تحقّق خطواتٍ إيجابية أوسع لو وضعت باعتبارها لائحة “التمييز المطلوب” هذه :
أولاً : التمييز مطلوب لدى البعض في حراكهم السياسي والشعبي ما بين تغيير الحكومات وبين تفكيك الكيانات. فالخلط بين النظام والكيان هو خطر على الوطن كلّه .
ثانياً : التمييز بين الطائفة والمذهب ، وبين الطائفية والمذهبية . فالحالة الأولى هي ظاهرة طبيعية إنسانية موجودة في أكثر من مجتمع يقوم على التعدّدية. أمّا الحالة الثانية ، فهي ظاهرة مرَضيَة تؤدّي إلى تفكّك المجتمع وضعفه وانقسامه .
ثالثاً : التمييز بين الاعتزاز بالوطنية المحلّية ، وبين الانعزاليّة الإقليمية التي لا تحقّق أمناً ولا تصنع وطناً قادراً على العيش في عصر التكتّلات العالمية الكبرى .
رابعاً : التمييز بين أسلوب المقاومة المشروع ضدّ جيش الاحتلال على الأرض المحتلّة ، وبين أساليب العنف الإرهابية التي تستهدف الأبرياء والمدنيين ووحدة المجتمع .
خامساً : التمييز بين الانتماء القدَري للعروبة، وبين تجارب الحركات القومية السياسية . فالعروبة هي انتماء ثقافيّ مشترك بين العرب كلّهم، وهي هويّة حضارية لكلّ أبنائها ، في حين أنّ الحركات القومية هي حركات سياسية لها مضامين فكرية وعقائدية تماماً كحال الحركات السياسية الدينية أو غيرها من الحركات العقائدية.
سادساً : التمييز ما بين قدسية الرسالات السماوية ، وبين إنسانية الفقهاء ورجال الدين والحركات السياسية التي تحمل أسماء دينية . فلا يجوز تكفير الآخرين لمجرّد اختلافهم مع رأي فقيه أو عالم ديني أو حركة سياسية دينية .
سابعاً : التمييز بين الدين والدولة (وليس فصل الدين عن المجتمع) ، وتحديد المرجعية في الأمور الدنيوية القانونية للمؤسّسات الدستورية الإنسانية .
في مقابل هذه اللائحة من “التمييز المطلوب”، فإنّ الحركات الشعبية العربية معنيّة أيضاً بلائحة من “الفصل المرفوض”: 
أولاً : عدم الفصل بين الحرّية السياسية والحرّية الاجتماعية ، “بين لقمة العيش والبطاقة الانتخابية ”.
ثانياً : عدم الفصل بين حرّية الوطن وحرّية المواطن . فالاستبداد الداخلي هو المسؤول عن القابليّة للهيمنة الخارجية ، كما لا يجوز أيضاً التفريط بحرّية الوطن وسيادته من أجل تحصيل الحقوق السياسية للمواطنين .
ثالثاً : عدم الفصل بين أهمّية الإصلاح الداخلي في كلّ بلد عربي وبين إصلاح العلاقات العربية / العربية من أجل تكامل الأقطار العربية واتّحادها على أسس دستورية سليمة، ففي ذلك يتحقّق التقدّم العربي الشامل .
رابعاً : عدم الفصل بين الأطروحات النظرية وبين أساليب العمل التطبيقية . فكثير من الحركات السياسية العربية تقول ما لا تفعل ، وتُمارس عملياً عكس ما تطرحه نظرياً .
خامساً : عدم الفصل بين المنطلقات والغايات والأساليب. فكثيرون يصفون الواقع ويكتفون بالحديث عنه ، ويحصرون فكرهم وأنفسهم في التعامل مع هذا الواقع فقط بدلاً من اعتباره منطلقاً من أجل التغيير وتحقيق مستقبلٍ أفضل ..
وكثيرون يتحدّثون عن الغايات بمعزل عن الواقع ، ويكتفون بوصف الحلول وكأنّها كلمات سحريّة سوف تتحقّق بمجرّد النطق بها ..
وآخرون كثيرون أيضاً استباحوا في أساليبهم ما يتناقض مع الشعارات والغايات التي يطرحونها ، فاجتمع لديهم شرف الأهداف مع انتهازية الأساليب !.
وعادةً ما يرتاح عامّة الناس إلى “التقليد” وإلى “السير على خطى السلف الصالح” وإلى تبسيط التصنيفات والخيارات في الأمور كلّها ، حتّى في القضايا الدينية. لذلك نرى الآن ازدهاراً كبيراً في معظم البلاد العربية لظاهرة “الفتاوى” والركون إلى ما يقوله “المفتون” بدلاً من تشغيل العقل في فهم النصوص . وحينما تتحرّر العقول العربية من قيود تراث الماضي ، وتفرز بين ما فيه من “غثٍّ وسمين”، وعندما يتمّ تفعيل هذه العقول بحثاً عن مستقبلٍ أفضل ، ستنهض من جديد أوطان العرب وشعوبها .
لقد حاولت كلّ التيارات السياسية والفكرية التعامل ، بطريقة مشتركة أو مجزّأة ، مع التحدّيات والمشاكل التي تواجه الأمّة العربية ، لكن بقيت المشاكل والتحدّيات رغم تعثّر أو فشل النظريات الفكرية والحركات السياسية .
وقد مضى نصف قرنٍ من الزمن على محاولات تفكيك هموم الأمَّة العربية وتفكيك شعوبها من أجل تفكيك كياناتها ونزع هُويّتها الثقافية العربية واستبدالها بهُويّات أخرى .. لذلك ، فإنّ التمييز الحاصل بين خصائص القضايا العربية المثارة الآن ، ومسبّباتها وتداعياتها، لا ينبغي أن يكون فصلاً بين هموم الأمَّة والآمال المشتركة بين شعوبها في حياةٍ أفضل .
ففي الأمَّة العربية مزيجٌ مركّب من الأزمات يحتاج إلى مزيجٍ أيضاً من الحلول . فبناء آليات ديمقراطية وانتخابات نزيهة لا يحقّق وحده فقط العدل بين الناس ، أو يصون وحدة المجتمعات، أو يمنع التدخّل الأجنبي ، أو يحرّر الأراضي المحتلّة .. وهي كلّها حالات تعيش معظمها أوطانٌ عربية مختلفة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي . فرفض الحكومات والنظم الشمولية يقتضي الآن عربياً أفكاراً وحلولاً شمولية .
الأمّة العربية تحتاج إلى مشروع فكري نهضوي متكامل يقوم على التلازم والترابط بين شعارات الديمقراطية والتحرّر الوطني والعروبة والعدل الاجتماعي . وبتوفّر هذا المشروع، والمؤسّسات والأفراد العاملين من أجله ، يمكن بناء مستقبل أفضل للأوطان وللشعوب معاً . فالمشكلة ليست بتجارب النظم “الشمولية” فقط، وإنّما هي أيضاً بالأفكار والتجارب “الاجتزائية” التي تُجزِّئ الحلول المنشودة لأمَّةٍ جزّأها منذ قرنٍ من الزمن المستعمر الأجنبي ، ويحاول ورثته الآن تجزئة المجزّأ  .!

الأربعاء، 18 ديسمبر 2019

نحو تفكيك الملامح الاستراتيجية في خطاب السيد رئيس الجمهورية .


نحو تفكيك الملامح الاستراتيجية في خطاب السيد رئيس الجمهورية .

د.رضا لاغة .


بسم الله وحده ،

هناك قاعدة تعتبر أن المسرح الحاسم والرئيسي الذي تتبعه الاستراتيجيات العسكرية هو الإعلام . لذلك ليس غريبا أن تدور حروب افتراضية تحت أعين الكاميرات ، لأن القادة عادة ما يعرفون أن النجاح يعتمد على موافقة المحيط العلني المشارك لعملية التعبئة الجماهرية ، لأنهم يدركون أن مرجعية التضامن الجماهيري تتهاوى بموجبها دول بأسرها . يحضرنا هنا السجال الدعائي لخطاب الصحّاف و بوش ، حين اعتبر أن معركة أمريكا ضد العراق هي معركة مقدسة غايتها جلب الحرية للمواطن العراقي . كان هذا مجرد شاهد تاريخي من مجمل شواهد تاريخية أخرى . مشهد عقبه وباء من العنف الدفين للحضارة والتاريخ العربي الاسلامي .
ينطبق هذا ، مع اختلاف السياق ، مع خطابات القادة ، ضمن نطاق محدد ترجع أصوله الى ما أسميه "حروب المخاطرة الكلامية". وهي معيار يوضّح أيضا ويشرح بطريقة تفكيكية الخطاب الرمزي الذي ألقاه السيد رئيس الجمهورية الأستاذ قيس سعيد في سيدي بوزيد يوم 17 ديسمبر 2019 .
خطاب مرّ دون أن يثير انتباه المختصين ، بل ثمة ممن يزعمون أنهم كذلك ولكنهم قللوا من أهميته . وهو في اعتقادنا يحتاج الى اهتمام وتجنّب الرؤية العمياء التي استخفّت به .
الحدّ الفاصل في خطاب السيد الرئيس لا يقاس بحجم ما قدّم من انجازات ، بعين المتربّص الحاقد والمضلل (على نحو ما نسمع في بعض وسائل الاعلام) ، بل بفهم الأولوية التي أوقعت السيستام في تناقض واضح مع قيمه الخاصة والتي نعتبرها نحن ، لحظة كوسموبوليتية تواجه لأوّل مرة علنيا ما يحدث في الكواليس من محاولات فنّ التحكّم في المسار حول كيفية إدارة البلاد .
إن خطاب السيد الرئيس ينطوي على استراتيجية توصّف ميزان قوى الصراع . إنه يتضمن إشارة صريحة لفكرة تكثيف الصراع استنادا الى مجتمع مدني متجانس ، منحه تفويض ذاتي للتعامل مع مخاطر بقايا الدولة العميقة وذلك وفق مستويات سنبوّبها كالتالي :
1- تاريخ تحقيب الثورة : أجل هي لا تزال ثورة في ذهن السيد الرئيس . إن رمزية 14 جانفي لم تكن التحقيب المناسب ، لأنه تعمّد حجب الدلالة التاريخية الأصيلة . إن اختزال معنى الثورة في 14 جانفي أو 17 ديسمبر يتنزل في سياق لعبة مجتمع الفرجة بتعبير ايريك فايل ، والذي يركن الى تقوية مرجعية ما . في الحالة الاولى نحن ازاء سلطة جذابة للسيستام ، وبالتالي اعتبار 14 جانفي لحظة استمرارية للجمهورية الاولى ، في حين أن توابع الحالة الثانية ، تظهر الحدث الثوري - بعكس ذلك - كلحظة تحيل إلى مناخ الحرية ، أي بمعنى الطفرة وليس المراكمة بالتعبير الماركسي والتي ولدت في سياق تاريخي يُنْظَرُ له على أنه افراز لثقافة المقاومة الجماعية التي تشكّلت مع جيل الاندفاع ، جيل الشباب الذي يمثّل السيد رئيس الجمهورية إحالة رمزية له .
هذا النوع من الإعلان ، بصرف النظر عن استتباعاته ، يعني أن السيد الرئيس لا ينسجم مع ما تبقّى من معسكر السيستام ، بل إنه يعتبر نفسه المدافع الشرعي عن ضحايا السيستام . وهذا يحسب للرجل ولكنه يطرح مخاطر تستدعي من كل مؤيّد ومشجّع أن يكون متيقّضا للمنطق المضاد ، او ما يسمى في تنفيذ الاستراتيجيات "الحروب الجراحية" التي قد تدور بين الطرفين .
2- الغرف المغلقة : وهي أطر موازية أو مساحات غير مكشوفة تخطط لإصابة جهاز السلطة المناوئ لها بعطب في الصميم . وقد تستعمل في ذلك مزيج متعدّد من الطرق من قبيل الاغتيالات لا قدّر الله ، أو ايقاض الفتن المحسوسة في عقول الجماهير ، وهي عبارة عن أعمال جنونية محسوبة في الداخل ، وقد تكون بالتنسيق مع الخارج .
3- المجتمع المدني المتقدّم عن الاحزاب : إن هذا التمييز يزيد من تكاليف التصعيد ويدفع نحو الافصاح عن ازمة . إنه يكشف عن مقصدية الكارثة الحزبية المنذرة ربما بانتخابات سابقة لأوانها إن لم تتدارك وضعها . هنا ينقل السيد الرئيس التهديد من السيستام الى الاحزاب ذاتها بما فيها تلك التي لها رؤية مناوئة للسيستام . الا انها بحروبها الايديولوجية الجانبية غير المرضية ، تهدّد بإنهيار الرواية المصنوعة من قبل إرادة الشباب ذات يوم (13نوفمبر) صعد فيه السيد الرئيس كممثل لهم . انه هنا لا يعلن عن فضيحة سياسية للأحزاب فحسب ، وانما يمرّ الى مسرح المعركة ضد كل من يتوانى أو يتردّد في أن يصعد من محطة الثورة في قطار الانجاز والقطع مع القديم .
وفقا لهذا التمييز بين المجتمع المدني والاحزاب ، وهو تمييز هيجلي قديم ( انظر كتاب مبادئ فلسفة الحق) ، فان السيد الرئيس كأنما يقول للشباب : الانتصارات المتلاحقة أنتم من يصنعها ، فاستعدوا للتنظّم لا داخل الاحزاب ، وانما ضمن أطر المسؤولية الكوسموبوليتية وقواعدعا المحلية . من هنا يتشكّل قبس النهج الانتخابي للسيد الرئيس برلمانيا . وهو تحذير يخاطب فيه الاحزاب : أنا من يمتلك الشارع وأنتم ازاء اختبار تاريخي ، إما ان تتوافقوا لصالح الوطن أو ان تأكلكم ذرّة التحلل الذاتي لنخوض انتخابات مبكّرة ، أنا فيها الفائز ، أنا فيها من سيكون صاحب القرار.


18/12/2019 .


الاثنين، 2 ديسمبر 2019

موناليزا واقع الحال العربي !


موناليزا واقع الحال العربي !
صبحي غندور .

لقد مرّ أكثر من ستّة عشرة عاماً على إشعال شرارة الحروب الأهلية العربية المستحدثة في هذا القرن الجديد، والتي بدأت من خلال الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 وتفجير الصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية فيه، ثمّ من خلال اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في العام 2005، ثمّ بالمراهنة على تداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام 2006، ثمّ بتقسيم السودان في مطلع العام 2011 وفصل جنوبه المختلف دينياً وإثنياً عن شماله، ثمّ بتحريف مسارات الحراك الشعبي العربي الذي بدأ بتونس ومصر متحرّراً من أي تأثير خارجي، وسلمياً في حركته، فانعكس على دولٍ عربية أخرى، لكنّه انحرف عن طبيعته السلمية المستقلّة بسبب التأثيرات والأجندات الإقليمية والدولية المختلفة، كما حدث ويحدث في ليبيا واليمن وسوريا، حيث أراد بعض هذه الأجندات توظيف الانتفاضات الشعبية العربية لكي تكون مقدّمةً للسيطرة والهيمنة من جديد على المنطقة، من خلال إشعال الحروب الأهلية والصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية، ولتغيير سياسات وخرائط أوطان، وليس حكومات وأنظمة فحسب.
وقد رافق، في القرن الحالي، هذه الأجندات الإقليمية والدولية المتصارعة على الأرض العربية لعقدين من الزمن، نموّ متصاعد ومدعوم من الخارج لجماعات التطرّف المسلّحة التي استغلّت حالات الفوضى والعنف لكي تمتدّ وتنتشر، كتنظيميْ "داعش" و"النصرة"، بعدما صنعت والدتهما "القاعدة" لنفسها قيمة دولية كبرى من خلال أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة وفي أماكن أخرى بالعالم.
واستغلّت إسرائيل طبعاً هذه الصراعات العربية البينية وساهمت بتأجيجها، فواصلت عمليات الإستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلّة مراهنةً أيضاً على تحوّل الصراع الأساس في المنطقة من صراعٍ عربي/إسرائيلي إلى صراعاتٍ عربية/عربية، وعربية/إسلامية، وعلى تقسيمات طائفية ومذهبية تبرّر أيضاً الاعتراف العربي والعالمي الشامل بإسرائيل كدولةٍ يهودية.
هو انحطاط، وهو انحدارٌ حاصلٌ الآن، بعدما استباحت القوى الأجنبية (الدولية والإقليمية)، وبعض الأطراف العربية، استخدامَ السلاح الطائفي والمذهبي والإثني في حروبها، وفي صراعاتها المتعدّدة الأمكنة والأزمنة خلال العقود الأربعة الماضية. وقد ساهم في ترسيخ هذا الواقع الانقسامي الأهلي، على المستوى الشعبي العربي، هيمنةُ الحركات السياسية ذات الشعارات الدينية، وضعفُ الحركات السياسية ذات الطابع الوطني أو العربي التوحيدي، إضافةً  لتغييب دور مصر الريادي الإيجابي في الأمّة العربية.
ومهما حدثت تطوّرات إيجابية على الأزمات العربية الراهنة، فإنّ السؤال يبقى: ما ينفع أن تخرج هذه الأزمات من النفق المظلم بينما تستمرّ عيون العرب معصوبةً بسواد الانقسامات الطائفية والمذهبية، وأياديهم مقيّدةً بسلاسل الارتباطات الخارجية!؟.
واقع الحال العربي الآن هو أشبه باللوحة الشهيرة: "موناليزا" أو "الجيوكاندا" التي رسمها الفنان الإيطالي دافنشي، حيث الابتسامة الجميلة في جانبٍ من الوجه وملامح الحزن في الجانب الآخر. فما حدث مؤخّراً من حراكٍ شعبي في السودان والجزائر، ثمّ في العراق ولبنان، أكّد حيوية شعوب البلاد العربية وعدم قبولها بالاستسلام لواقع سياسي فاسد يتحكّم بها رغم إرادتها. لكن ما زالت هذه البلدان التي تشهد انتفاضاتٍ شعبية مهدّدةً بمخاطر أمنية وسياسية كثيرة.
"لا يصحّ إلّا الصحيح"، هو قولٌ مأثور يتناقله العرب، جيلاً بعد جيل. لكن واقع حال العرب لا يسير في هذا الاتّجاه، إذ أنّنا نجد، جيلاً بعد جيل، مزيداً من الخطايا والأخطاء تتراكم على شعوب الأمّة العربية، وعلى أوطانها المبعثرة. فهل يعني ذلك أن لا أمل في وصول أوطان العرب إلى أوضاع صحيحة وسليمة؟! أم ربّما ترتبط المشكلة في كيفية التفاصيل وليس في مبدأ هذا القول المأثور! فإحقاق الحقّ، وما هو الصحيح، يفترض وجود عناصر لم تتوافر بعدُ كلّها في مخاض التغيير الذي تشهده الأمّة العربية. وبعض هذه العناصر هو ذاتي في داخل جسم الأمّة، وبعضها الآخر خارجي، حاول ويحاول دائماً منع تقدّم العرب في الاتّجاه الصحيح.
وصحيحٌ أنّ للأطراف الخارجية، الدولية والإقليمية، أدواراً مؤثّرة في تأجيج الانقسامات، لكن ماذا عن مسؤولية الذات العربية نفسها عمَّا حدث ويحدث من شرخٍ كبير داخل المجتمعات العربية؟. ماذا عن مسؤولية المواطن نفسه في أيّ بلد عربي، وعن تلك القوى التي تتحدّث باسم "الجماهير العربية"، وعن المفكّرين والعلماء والإعلامين الذين يُوجّهون عقول "الشارع العربي"؟!.
فمفهوم "الدولة" القائم على ثلاثية: "الأرض والشعب والحكم"، ما زال موضع نقاش لدى القوى السياسية العربية المتنافسة على المعارضة وعلى الحكم، والتي ينزع بعضها إلى "نظام الفيدرالية" وإلى اللامركزية السياسية، وهو أمر يمسّ جوهر وحدة الأرض والشعب والحكم. فأيُّ  وطنٍ للمستقبل يريده المنتفضون والساعون للتغيير في بعض البلاد العربية؟!، وهو السؤال الذي لم يجد بعدُ إجابةً شافية يتّفق عليها من هم في ساحات وشوارع بلاد العرب المنتفضة الآن!.
وكم هو مؤسفٌ ومحزنٌ معاً أن تقترن الديمقراطية في المنطقة العربية بسمات الاحتلال الأجنبي من الخارج وبالانقسام الطائفي والعرقي من الداخل، وبنموّ المشاعر المعادية للانتماء العربي وللهويّة العربية المشتركة. فقد كانت هذه أيضاً هي سمات صراعات وخلاصات حصلت في أجزاء عديدة من الأرض العربية: دعوة للتدخّل الأجنبي المباشر وحماية بعض الداخل من بعضه الآخر بقواتٍ أجنبية، ثمّ عمليات سياسية ديمقراطية غذّت الفرز الطائفي والمناطقي أكثر ممّا كانت تعبيراً صحّياً سليماً عن تعدّدية في المجتمع وتنوّع في التركيبة السياسية والعقائدية.
ولو سألنا كلَّ إنسانٍ عربي عن أولويّة اهتماماته العامّة الآن، لكانت الإجابة حتماً محصورةً في أوضاع وطنه الصغير، لا "وطنه العربي الكبير"، ولا قضيّته الكبرى فلسطين، فالأمَّة الواحدة أصبحت الآن "أمماً"، وفي كلٍّ منها "أممٌ متعدّدة" بتعدّد الطوائف والأعراق والعشائر، ولدى كلٍّ منها أزمته الحادّة وصراعاته المفتوحة دون أن يلوح أفقُ أملٍ أو حلٌّ قريب.       
إنّ وجود حكوماتٍ فاسدة واستبدادٍ سياسي وبطالة واسعة وفقرٍ اجتماعي وغيابٍ لأدنى حقوق المواطنة المتساوية وللحرّيات العامة وانعدام فرص العمل أمام الجيل الجديد، كلّها عناوين لانتفاضاتٍ شعبية جارية أو كامنة، وراءها عشرات الملايين من المظلومين والفقراء على امتداد الأرض العربية. لكن ماذا بعد الانتفاضات، وعلى أساس أيِّ برنامجٍ للتغيير؟.
إنّ الممارسة الديمقراطية السياسية السليمة يُعبّر عنها عمليّاً في المجتمعات التي لا تخضع للاحتلال أو الهيمنة الخارجية، وتكون العملية الديمقراطية مرتبطة بكيفية اختيار الحكومات (السلطة التنفيذية) وبالرقابة عليها (السلطة التشريعية) وبالمحاسبة لها (السلطة القضائية)، وبحقوق المواطنين المتساوية في المشاركة بالحياة السياسية والاجتماعية، وبضمان الحرّيات العامّة للأفراد والجماعات. لكن الحرّية، قبل أن تُمارَس كعملية دستورية ديمقراطية بين المواطنين، هي حرّية  الأرض وحرّية الوطن وسيادة الشعب على أرضه وقراره الوطني.
في الوقائع الآن، أنّ هناك سعياً محموماً لتدويل الأزمات الداخلية في المنطقة العربية، ممّا يُعيد معظم أوطانها إلى حال الوصاية الأجنبية التي كانت سائدة في النصف الأول من القرن الماضي. ويترافق مع "وقائع" التدويل الجارية حالياً، وجود "وقائع" إسرائيلية تقوم على سعيٍ متواصل منذ عقودٍ من الزمن لدعم وجود "دويلات" طائفية وإثنية في المنطقة العربية. وفي الأفق الآن، مشاريع دولية لعددٍ من بلدان المنطقة تقوم على إعادة تركيبها بأطرٍ سياسيّة ودستوريّة جديدة تحمل الشكل الفيدرالي "الديمقراطي"، لكنّها تتضمّن بذور التفكّك إلى كانتوناتٍ متصارعة في الداخل، ومستندة إلى قوًى في الخارج ومدعومةٍ بتدخّلٍ أجنبي متعدّد الأطراف على أبواب الأمّة العربية. تلك الأمّة التي بدأت كياناتها الوطنية الكبرى تتصدّع واحدةً تِلوَ الأخرى، وكلُّ من فيها من أوطان وجماعات بما لديهم منشغلون!.
وهاهو "الانتداب الأجنبي" الذي خرج من أوطان عربية مركولاً من قبل أهل الدار، يعود الآن من نوافذ عديدة في المنزل العربي المصدّع والمهدّد بالانهيار.