القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 21 أغسطس 2026

قراءة في كتاب : "تجديد المنهج في تقويم التراث" .


 قراءة في كتاب : "تجديد المنهج في تقويم التراث " .       الكتاب PDF

 محمد أحمد الصغير قسم .

تمهيد :

قبل أن نبدأ في عرض المنهج الذي دعا إليه الدكتور طه عبدالرحمن في تقويم التراث، وتقديم نظرية تكاملية لفهم التراث واستيعابه، ينبغي علينا باديء ذي بدء أن نصنّف الاستراتيجيات المختلفة التي حاولت أن تفهم وتستوعب التراث، سواء برفضه كلياً أو قبوله انتقاءً أو كلّياً؛ ويمكننا صياغة المعنى السابق اصطلاحياً كالآتي: "استراتيجيات القطعية مع التراث"، و"استراتيجيات إقامة الصلة مع التراث"([1])، وهي مشاريع فكرية وفلسفية مارست النقد (وأحياناً النقض والتقويض) للتراث، مستخدمة في ذلك أدوات الحداثة وآلياتها التفكيكية ومستفيدة منها.

وفي إطار الحديث عن النقد والتفكيك الذي أتت به حداثة الفلسفة المعاصرة، يتأتى الحديث عن النقد المعاصر للتراث أو بالأحرى التقويمات المعاصرة للتراث، وقد طغت عليها في معظمها، كما يرى الدكتور طه عبدالرحمن، النظرة التجزيئية التفاضلية، التي نظرت في مضامين النصوص التراثية بوسائل تجريدية وتسييسية منقولة، متناسية الوسائل "التسديدية" و"التأنيسية" التي عملت على تأصيل وإنتاج هذه المضامين التراثية.

وقد "بنى طه مقاربته لحقيقة ومنهج التراث على منهجية وآلية وعملية واعتراضية، فأما الآلية فتجسدت في الاعتراض على مقاربة التراث بتسليط آليات منقولة إليه، مما يُفضي إلى نظرة تجزئيّة ظاهرة التهافت، ولذلك فإنّ حقيقة التراث هي مضامينه التي تجتمع إلى الآليات التي أنتجتها، ومنهج التراث هو الذي يتمثل في الممارسة والإشغال التراثي في مظهريه التكامليين : التداخلي والتقريبي [...]، وأمّا العملية فتتمثل في تفعيل التراث وإعماله؛ لأنّ عقل التراث عقل واسع وعلمه نافع يجمع النظر في الأسباب ومقاصد العمل بها، وأخيراً تأتي المنهجية الاعتراضية التي انطلق منها د. طه لتُبطل ما تعرض له التراث من قراءات أهملت جوانبه المضيئة وقصّرت في تبيان مجالات إمكان الاستئناف والمواصلة في العطاء" .([2])

وفي ذلك يأتي قوله تأكيداً : "لقد اتبعنا في الاشتغال بمسالك تقويم التراث منهجية تستمد أوصافها الجوهرية من المبادئ التي قامت عليها الممارسة التراثية الإسلامية العربية؛ فكانت في مقصدها منهجية آلية لا مضمونية : فلم تنظر في مضامين الإنتاج التراثي بقدر ما نظرت في الآليات التي تولّدت بها هذه المضامين وتفرعت تفرعًا، عملاً بمبدإ تراثي، مقتضاه [أنّ اعتبار المعاني لا يستقيم، حتى يستند إلى اعتبار المبادئ]؛ كما كانت، في منطلقها، منهجية عملية لا مجردة : فلم تعتمد معرفة نظرية منقولة ومقطوعة عن الضوابط المحددة والقيم الموجهة للممارسة التراثية، بل استندت إلى أساليب التبليغ العربي في خصوصيتها، وإلى معاني العقيدة الإسلامية في شموليتها، وإلى مضامين المعرفة الإسلامية العربية في موسوعيتها، عملاً بمبدإ تراثي ثانٍ، مقتضاه [أنّ المعرفة لا تثمر حتى تكون على قدر عقول المخاطبين بها]؛ وكانت في مسلكها أخيرًا منهجية اعتراضية لا عَرْضية: فلم تكن تقرّر الأحكام تقريرًا وترسلها في عموم التراث إرسالاً، وإنما كانت تفتح باب السؤال، فتورد ما جاز من الاعتراضات على ما ادعاه بعض من تعاطوا لتقويم التراث من أقوال، بل على ما جئنا به نحن من دعاوى، حتى تمحّصها كما ينبغي وتقوّمها بالوجه الذي ينبغي، عملاً بمبدإ تراثي ثالث، مقتضاه [أنّ الظفر بالصواب لا يكون إلاّ بمعونة الغير]" .([3])

-  نقد الخطابات التجزيئية (للعقلانية المجردة) في القراءة المعاصرة للتراث :

يرتكز عمل الدكتور طه عبدالرحمن في مسألة تجديد النظر إلى التراث على شيئين أساسيين:

أولهما : نقده للخطابات التجزيئية التفاضلية في قراءة التراث والكشف عن مظاهرها الأساسية التي يتجلى فيها هذا التجزيئي المجرّد للمحتوى التراثي والوقوف على الأسباب العامة التي أدت إلى ذلك، وقد انطلق من دعوى مفادها "أنّ التقويم الذي يغلب عليه عملية الانشغال بمضامين النص التراثي، ولا ينظر البتة في الوسائل اللغوية والمنطقية التي أنشئت وبلغت بها هذه المضامين، يقع في نظرة تجزيئية إلى التراث" .([4])

"هذه الدعوى استند في إثباتها إلى مقدّمة التركيب المزدوج للنص، واعتبر أنّ كلّ نصّ حامل لمضمون مخصوص، وأنّ كلّ مضمون مبني بوسائل معينة، ومصُوغ على كيفيات محددة، حيث لا يتأتّى استيعاب المستويات المضمونية القريبة والبعيدة للنص، إلا إذا أحيط علماً بالوسائل والكيفيات العامة والخاصة التي تدخل في بناء هذه المستويات المضمونية. لذا فكل قراءة تراثية تأخذ بالمضامين من دون الوسائل التي أنتجتها واقعة في الإخلال بحقيقة التلازم بين طرفي النص: المضمون والآليات، كما أنّ تقسيم المضامين التراثية إلى أجزاء بينها تفاضل، وانتقاء ما حسن منها ينتمي أصحابها إلى النزعة المضمونية التي حملتهم على اعتناق النظرة التجزيئية، بالإضافة إلى توسلهم بآليات مستمدة من مجالات ثقافية أخرى غير التراث العربي الإسلامي، يسميها طه عبدالرحمن الآليات الاستهلاكية، وقد حصرها في صنفين أساسيين هما: الآليات العقلانية، والآليات الإيديولوجية والفكرانية" . ([5])

وثاني مرتكزات الدكتور طه في تجديد النظر إلى التراث هو إبداعه في "تجديد عطاء التراث واستئناف بنائه"، فيرى الدكتور طه أنّ التراث واحد في حد ذاته ومتعدد باعتبار الذات القارئة له أو بالأحرى باختلاف القراءات والرؤى له، فيقول: "إنّ التراث بوصفه جملة وقائع معلومة يبقى واحداً لا تعدد فيه، ولو أنّ الطرق الموصلة إلى هذه الوقائع هي بعدد المفكرين الذين اشتغلوا به وصفاً أو نقداً" .([6])

"غير أنّ الكثرة التي تناولت التراث بين وصف ونقد لم تصب في طلبها النهوض بالتراث واستئنافاً لبنائه وتجديداً لعطائه، وهذا يرجع، في نظر د. طه عبدالرحمن إلى قصور الفهوم عن طلب حوار مع التراث يتوسل بآليات حديثة منقحة ويشحذ، في الوقت نفسه، آليات إنتاج النص التراثي نفسه، فما هي الخطة القويمة لتجديد عطاء التراث واستئنافه عند د. طه عبدالرحمن؟" . ([7])

يؤسّس الدكتور طه رؤيته للنهوض بالتراث على عدّة محاور أهمها :

"الاحتكام إلى المجال التداولي الإسلامي روحاً ومنهجاً[...]، والتحرر من أيّة سلطة فكرية غربية توجّه البحث، ومن هنا وضَعَ حدّاً لمرجعيات تحشر نفسها في كل قضية، وأزاح كابوس الإحالات المفتعلة والمغرضة لدى الكثيرين من أصحاب القراءات[...]، وضع ما سماه الآليات الإنتاجية التي رتب قوانينها، وبيّن خصائصها، فأصبح مشروعه هرماً معمارياً من المصطلحات والمفاهيم التي تم تشكيلها بتلقائية" .([8]) ومن أهم هذه المحاور أيضاً "استخراج آليات إنتاج النص التراثي وتحديث إجرائيتها بشحذ العدة المنهجية التراثية وتأهيلها لمواصلة العطاء واستئناف البناء" .([9])

وبذلك يمكننا أن نقول: إنّ الدكتور طه صار في نظرته إلى التراث أكثر حداثة من غيره، ويتضح ذلك في أنه لم يطلب من الحداثة إلا أدواتها ووسائلها النافعة، ولم يكتف بذلك فقط، بل طلب مواءمة هذه الوسائل لخدمة إشكالاتنا التراثية، وبذلك فتح الطريق أمام العقل العربي للإبداع من خلال استخراج وتبديل الآليات المنتجة للنص التراثي، ونقد وتمحيص الآليات المنهجية المقتبسة من التراث الغربي، وفي هذا يقول الدكتور طه ينبغي "الخروج عن الطريق الذي اتبعه مفكرو الغرب والعرب على السواء في تقويم التراث الإسلامي العربي" .([10])

نقد النموذج الجابري"التجزيئي التفاضلي" في تقويم التراث :

"لقد اتخذ الجابري النقد سبيله للنهوض بالتراث مهتدياً بالعقلانية، وغايته نقد أنظمة المعرفة، متوسلاً بآليات منهجية ومضامين معرفية غربية من قبيل مفهوم العقلانية ومفهوم السلطة ومفهوم القطيعة، والذي يعنينا هنا هو الاستراتيجية التي اعتمدها الجابري للنهوض بالتراث"،([11])  وهي الاستراتيجية التي استهدفها الدكتور طه عبدالرحمن بالتحليل والنقد.

يقول الجابري في كتابه (نحن والتراث) : "الفكر العربي الحديث والمعاصر هو في مجمله فكر لا تاريخي يفتقد إلى الحد الأدنى من الموضوعية؛ ولذلك كانت قراءته للتراث قراءة سلفية تنزه الماضي وتقدسه وتستمد منه [الحلول] الجاهزة لمشاكل الحاضر والمستقبل. وإذا كان هذا ينطبق بوضوح كامل على التيار الديني؛ فهو ينطبق أيضاً على التيارات الأخرى، باعتبار أنّ لكل منها سلفاً يتكئ عليه ويستنجد به" .([12]"من الملاحظ أنّ الجابري قد انتقد المرجعيات أو القراءات التي عدها سلفية، فما هي مرجعيته؟ يبدو أنه ادعى مقاربة التراث موضوعياً وتاريخياً مستلهماً من العقلانية الغربية أدواته، داعياً إلى تحقيق قطيعة مع النظرة التراثية لحل مشكلة الموضوعية وخلق سُبل الاستمرارية أو الاستئناف. هل حقق الجابري قطيعة فعلية مع الفهم التراثي للتراث؟ إذا كانت إيجابية الموقف الجابري من التراث تقضي بأن رفض التراث موقف لا علمي، ولا تاريخي، هو ذاته من رواسب الفكر التراثي في عصر الانحطاط، فإنه مع ذلك، إذ يطلب كسر بنية العقل المنحدر إلينا من عصر الانحطاط وتأسيس عصر تدوين جديد، لا نجده يُقرُّ بهذا المطلب بقدر ما يسقط في الاستنجاد بالحاضر وإسقاطه على الماضي؛ أي اتخاذ سلف خاص هو الغرب موضوعاً بين قوسين، هذا بالإضافة إلى كون التأسيس الذي يدعو إليه يُسقط هواجس الحاضر السياسي على الماضي ليستمد منها أسباب النهوض" .([13])

كانت غاية الجابري النقدية تستهدف في الوقت نفسه "مجاوزة التراث وتحقيق الحداثة بالتماس شروط مد الحاضر في التراث الماضي ، وهذه الشروط التي ليست في حقيقة الأمر سوى نتائج الحداثة الغربية، وبهذا قام الجابري بعكس ما انتقد به غيره من سهولة (الهروب إلى الأمام)، إذ وقع في (الهروب إلى الوراء). يتخذ الجابري العقلانية كمرجعية مطلقة، غير أنه ليس من السهل بناء نظام تصوري دقيق ومحدد لموقفه من التراث، لأن آلية الفصل والوصل المزعومة في كتاب نحن والتراث لم يتحقق بواسطتها تحديد (النحن) لانغماسها وذوبانها في الهاجس السياسي، ولعدم فهم التراث فهماً موضوعياً خارج إسقاطاته التي لا تستوعب لا المرجعية الغربية ولا تحقق التأسيس لامتناع شروطه الكامله، وانحصاره في دائرة التاريخ والسياسة وعدم إنجاز الحوار المطلوب مع التراث" .([14])

ويسمي الدكتور طه عبدالرحمن مثل هذه الاتجاهات بالاتجاه المعكوس صاحب الآراء المنكوسة في فهم التراث([15]) ، إذ يقول : "إنّ قراءة الجابري (الإبستمولوجية) أتت من العثرات المنهجية والثغرات في المعلومات، ما قد يرفع عن قراءته في التراث القيمة العلمية المزعومة، ويُشكك في صلاحية استثمار مقرراتها في مجال الدرس التراثي" .([16])

يواصل الدكتور طه عبدالرحمن نقده للعقلانية المجردة والنظرة التجزيئية في قراءة التراث من خلال نقده لنموذج الدكتور محمد عابد الجابري، باعتباره أكثر المفكرين العرب المعاصرين اشتغالاً بوضع نظرية لفهم وتحليل التراث، وباعتباره أيضاً أحد أهم المنظرين لذلك. يقول الدكتور طه في نقد نموذجه تحت عنوان "دعوى التعارض الأصلي لنموذج الجابري" : "إنّ نموذج الجابري في تقويم التراث يقع في تعارضين اثنين، أحدهما التعارض بين القول بالنظرة الشمولية والعمل بالنظرة التجزيئية، والثاني التعارض بين الدعوة إلى النظر في الآليات وبين العمل بالنظر في مضامين الخطاب التراثي في الآليات" . ([17])

والمطالع لكتابات الجابري، سيجد أنه يتخذ منهجاً شمولياً في تقويم التراث، وينكر على المستشرقين قراءتهم للتراث العربي والإسلامي، ويقوم بتفكيك وحدات التراث إلى أجزاء متناثرة، ويؤكد الجابري منحاه الفكري الشمولي ذلك في كتابه بنية العقل العربي، إذ يقول: "إنّ النظرة الكليّة لها ما يبررها، سواء تعلق الأمر بعلم البلاغة، أو بعلم النحو، أو بعلم الفقه وأصوله، أو بعلم الكلام، فهذه العلوم مترابطة متداخلة بصورة تجعل منها مظاهر أو فروعاً لعلم واحد هو البيان" .([18])

فعلى الرغم من هذا البناء الشمولي للتراث عند الجابري، إلا أنه من وجهة نظر الدكتور طه عبدالرحمن "قد وقع في التناقض بين النظرة الشمولية وبين التطبيق التجزيئي الذي دعا فيه إلى التعامل مع العلوم العربية على اختلافها بصورة تجزيئية، إذ قسمها إلى أنظمة معرفية متفاضلة لا رابطة بينها، وهي: النظام المعرفي البرهاني، كون البرهان مقولة متعلقة بالصورة الاستدلالية العقلية، والنظام المعرفي البياني، كون البيان مقولة متعلقة بالصيغة اللفظية، والنظام المعرفي العرفاني، كون العرفان مقولة متعلقة بالمضمون المعرفي". ويعقّب الدكتور طه عبد الرحمن على ذلك بعدما يورد نموذجين من نصوص القدامى التي استقى منها الجابري هذا التقسيم الثلاثي، وهما: "لطائف الإشارات" للقشيري، وكتاب "الصوفية في إلهامهم"، إذ يقول ناقداً لمنهجية الجابري الشمولية ابتداء ثم المتعارضة عند التطبيق إلى تجزيئية مجحفة : "وإذا اتضح لنا أنّ الجابري اتجه، عند ولوجه باب التطبيق، إلى تقسيم التراث إلى أجزاء متباين بعضها من بعض ومستقل بعضها عن بعض وإلى تفضيل جزء واحد منها على باقي الأجزاء الأخرى، فلا يبقى أي معنى لدعوته إلى الشمولية والتكامل، على خلاف ما يدعيه ، ألا ترى أنّ وحدة التراث تتفكك في يده إلى أجزاء متعارضة متعالية فيما بينها ؟" .([19])

والاعتراض الثاني الذي رآه الدكتور طه عند الجابري هو استمداد الجابري لمفاهيم منقولة من مجال تداولي غربي، ونقلها إلى التراث، من قبيل "العائق الإبستمولوجي"، و"مفهوم القطيعة المعرفية" و"النزعة الأكسيومية"، وغيرها من مفاهيم أخرى تداولية.

"لقد سعى الجابري إلى إنجاز قراءة لم تمارس الحفر المعرفي الخالص في الفكر الإسلامي، قدر ما حاولت إنجاز قراءة توخت رسم علاقة إيجابية مع التراث، أقل ما يقال عنها إنها تأخذ (شاهداً) من الحاضر، لتبحث له عن إرهاصات في الماضي تتمسك به للبقاء" .([20])

وقد أبطل الدكتور طه التقويم التفاضلي للتراث ممثلاً في نموذجه الجابري ـ رحمه الله ـ، "وكشف تقويمه التجزيئي، وقصوره الآلي، واشتغاله بالمضامين، وتوسله بآليات منقولة، مع نزوحه نحو العقلانية المجردة والفكرانية المسيّسة" .([21])

العقلانية المؤيدة تبدع نظرية تقويمية تكاملية للتراث :

من بين الأسباب التي دفعت الدكتور طه عبدالرحمن إلى إنشاء نظرية تكاملية في التراث، "وضع حد للرؤية التجزيئية للتراث، والعقلانية المجرّدة حين تركب الأهواء، وتلقى الأمة في فوهة التشيُؤ والذوبان ، وخاصة عندما تتفاحش التبعية والاستمداد من ثقافة مجالها التداولي مختلف" .([22])

ودعا الدكتور طه إلى نبذ مثل هذه القراءة الناقصة للتراث، وأبطل فحواها، بالآلية المنهجية التي ما فتئ يستخدمها لزحزحة هذا التقليد المعاصر في تقويم التراث. وفي ذلك يقول: "إنّ الحاجة تدعو إلى إنشاء تراث جديد، لا لَوْك أحكام عن تراث قديم [...]، وإنما المطلوب هو صنع خطاب جديد؛ أي بناء تراثنا الحاضر كما بنى المتقدمون تراثهم الماضي، وبدهي أنه لا سبيل إلى بناء هذا التراث الحي إلا بتحصيل أسباب المعرفة على وجهها الأوسع، وتحصيل أسباب العمل على وجهها الأنفع، ثم التوسل بكل ذلك في إنشاء خطاب يضاهي قيمة خطاب المتقدمين، كما يضاهي عطاء خطاب المعاصرين" .([23])

ومن بين الأسس المنهجية التي اعتمدها د.طه في تقويمه للتراث "معرفة جوهرها الوحي، ومرتكزها العقيدة الإسلامية، معرفة تصل العقل بالغيب وتصل العلم بالعمل، معرفة تقوم على أصول ثلاثة: العقيدة واللغة والمعرفة".([24]) وكما نرى أنّ هذه الأسس المعرفية هي الأسس التي تقوم عليها العقلانية المؤيدة.

وهنا نلمح كيف أسهمت العقلانية المؤيدة في شيئين مهمين نحو مسألة التراث:

أولاً : نقد النماذج التجزيئية التفاضلية

ثانياً : تجديد النظر إلى التراث العربي الإسلامي، ومن ثم إنشاء نظرية تقويمية تكاملية لفهمه واستيعابه والاستمداد منه، لذلك وجد الدكتور ضرورة في إنشاء منهج رصين وضع أسسه في كتابه "تجديد المنهج في تقويم التراث"؛ فهو يدخل ضمن "المشاريع المستحدثة في قراءة التراث الإسلامي العربي وتقويمه، فبعد صدور كتابيه: في أصول الحوار وتجديد علم الكلام 1987، والعمل الديني وتجديد العقل 1989، يُقدِّمُ طه مشروعاً جديداً يريد به تجاوز المشاريع السابقة بتمحيصها نظرياً ومنهجياً، والكشف عن أوهامها وخلفياتها، والدعوة إلى الارتباط بالتراث روحاً ومنهجاً، والتمسك به علماً وعملاً"([25])، ثم بعد ذلك يؤسس للعمل الذي نذر نفسه له، وهو: "إنشاء نظرية مستقلة في تقويم التراث حرصنا فيها أشد الحرص على أن تستوفي مسائلها مقتضيات المنهجية" .([26])

وتأكيداً لذلك، يقول الدكتور عباس أرحيله أحد المفكرين المهتمين بفكر الدكتور طه عبدالرحمن، إنّه لما حدث "انقلاب في القيم بين المشتغلين بتقويم التراث، الأمر الذي أحدث معه تقلباً في المقاصد وتشتتاً في المسالك، فشاع التمويه والتزييف في تقويم التراث حتى أضحى ذلك التمويه باطلاً مشهوراً لا خصيم له، أمام هذه الوضعية الفكرية في تقويم التراث وأمام هذا النزوع إلى الانقطاع عنه ووأد الشعور به، أمام هذا الانقلاب والتقلب والتشتت والانعكاس والتمويه وذيوع باطل بدون رادع، جاءت الأسباب المباشرة في "تقديم نظرية جديدة في تكامل التراث في ضوء القواعد المنهجية المستمدة من طبيعة ذلك التراث؛ أي من مجاله التداولي([27])  ـ عقيدة، وفكراً، ولغة- ومن الآليات المنهجية التي أنتجته" .([28])

وختاماً...  فعقل التراث عقل واسع ومؤيّد

يمكننا الإقرار بأنه ما دامت هناك عقلانية مجردة، استعملت آليات محدودة في نقد التراث، على حد تعبير الدكتور طه، فلابد أن توجد أيضاً عقلانية مؤيدة يمكنها أن تتكامل في نظرتها إلى التراث. وفي ذلك يقول الدكتور طه: "فعقل التراث عقل واسع يجمع إلى النظر في الأسباب النظر في المقاصد، وعلمه علم نافع يجمع إلى النظر في الأسباب والمقاصد، والعمل بها وفق ما يفيد الغير ويفيد الآجل، بينما عقل الآليات المنقولة عقل ضيق يقطع الأسباب عن مقاصدها، وعلمها علم مشبوه ، لا يوجد العمل ويحتمل الضرر، وشتان ما بين العقلين وما بين العلمين! " . ([29])  وهكذا نرى الدكتور طه يعود ويذكّرنا بمسلّمته الفلسفية المحورية في درجات العقلانية، فشتّان ما بين العقل المجرد والعقل المؤيد، سواء في فهم التراث أو التعاطي معه، أو في فهم الوجود بشكل عام .


1-  يمكن تصنيف أصحاب هذا الاتجاه إلى فريقين: فريق يدعو إلى النهوض بالتراث من منطلق نقدي تجزيئي، يبتغي الوصل مع اللحظات التراثية القادرة على الإجابة عن راهن الأسئلة المطروحة على العالم العربي الإسلامي، ويمثل هذا الاتجاه المفكر المغربي محمد عابد الجابري. أمّا الفريق الآخر، فيدعو إلى النهوض بالتراث من منطلق نقدي تكاملي يبتغي تحقيق الوصل مع التراث في كليته، ويمثل هذا الاتجاه الدكتور طه عبدالرحمن.

2-  إبراهيم مشروح، طه عبدالرحمن، قراءة في مشروعه الفكري، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت 2009، ص 169

3-  طه عبدالرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، المركز الثقافي العربي، بيروت – لبنان (الدار البيضاء – المغرب)، الطبعة الرابعة، 2012م، ص 421

4-  المرجع السابق، ص 23

5-  بو زبرة عبدالسلام، طه عبدالرحمن ونقد الحداثة، جداول للنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 2011م، ص 224

 6-  طه عبدالرحمن، حوارات من أجل المستقبل، دار الهادي، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 2003م، ص 13

7-  إبراهيم مشروح، طه عبدالرحمن، قراءة في مشروعه الفكري، مرجع سابق، ص 159

8-  عباس أرحيله، فيلسوف في المواجهة، قراءة في فكر طه عبدالرحمن، المركز الثقافي العربي، ص ص 103-104

9-  إبراهيم مشروح، طه عبدالرحمن، قراءة في مشروعه الفكري، مرجع سابق، ص 160

10-  د.طه عبدالرحمن، حوارات من أجل المستقبل، مرجع سابق، ص 144

11-  إبراهيم مشروح، طه عبدالرحمن، قراءة في مشروعه الفكري، مرجع سابق، ص 151

12-  محمد عابد الجابري، نحن والتراث، دار الطليعة، 1980م، بيروت، ص 13

13-  إبراهيم مشروح، طه عبدالرحمن، قراءة في مشروعه الفكري، مرجع سابق، ص ص 152-153

14-  المرجع السابق، ص ص 156-157

15 - يقول الدكتور إبراهيم مشروح معقباً على مقولة الدكتور طه عبدالرحمن التي تهمّ من يدعو إلى تجاوز التراث:«إنّ دعوى مجاوزة التراث وتصفية الحساب معه استجابة للتاريخانية أو العقلانية المجردة تقع في نقيض مطلوبها، ذلك أنّ ذريعة التجرد من التراث ومن كل أصالة أو من كل خصوصية تاريخية، إنما تخضع لمعايير هي نفسها ليست إلا قيماً أنتجها هذا التراث الأجنبي، وليس لها من الشمولية أو الكونية إلا ما لهذا التراث نفسه». [انظر: طه عبدالرحمن، حوارات من أجل المستقبل، ص ص 12- 13]. [وانظر أيضاً: د.إبراهيم مشروح، طه عبدالرحمن، قراءة في مشروعه الفكري، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت 2009، ص 158]

16-  طه عبدالرحمن، حوارات من أجل المستقبل، مرجع سابق، ص 25

17-  طه عبدالرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، مرجع سابق، ص 29

18-  محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي – دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، 1986، ص 300

19-  طه عبدالرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، مصدر سابق، ص 33

20-  إبراهيم مشروح، طه عبدالرحمن، قراءة في مشروعه الفكري، مرجع سابق، ص 157

21-  عباس أرحيله، فيلسوف في المواجهة، قراءة في فكر طه عبدالرحمن، مرجع سابق، ص 98

22-  المرجع السابق، ص 100

 23-  طه عبدالرحمن، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، بيروت – لبنان (الدار البيضاء - المغرب)، الطبعة الثالثة، 2012م، ص ص 405–406

24-  عباس أرحيله، فيلسوف في المواجهة، قراءة في فكره طه عبدالرحمن، مرجع سابق، ص 101

25-  المرجع السابق، ص 91

26 - طه عبدالرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، مرجع سابق، ص 12

 27-  التداولي والتداولية: أي مجموعة آليات التواصل والتفاعل داخل الحضارة الإسلامية العربية.

28-  عباس أرحيله، فيلسوف في المواجهة، قراءة في فكر طه عبدالرحمن، مرجع سابق، ص 94

29-  طه عبدالرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، مرجع سابق، ص 423

(مؤمنون بلا حدود) .   



الأربعاء، 19 أغسطس 2026

هل يمكن فصل "التاريخ" كما جرى عن "التأريخ" كما يُكتب ؟ / حوار مع الطيب بوعزة .

هل يمكن فصل "التاريخ" كما جرى عن "التأريخ" كما يُكتب ؟ .. الطيب بوعزة يجيب ..

حاوره : عبد الحكيم أحمين .

تتصارع الروايات في عالمنا وتُستخدم دفاتر الماضي كأسلحة لاغتيال المستقبل؛ فكيف يمكننا أن نقرأ التاريخ دون أن نسقط في فخ اليقين القاتل ؟ وهل الحقيقة التاريخية ممكنة أصلًا ، أم أننا محكومون بقراءة الماضي عبر عدسات مؤرخين مثقلين بتحيزاتهم الواعية واللاواعية ؟

هذه الأسئلة الشائكة والمصيرية ، التي تقف في قلب وعينا الثقافي المعاصر، يقتحمها المفكر العربي الدكتور الطيب بوعزة في كتابه الجديد والمهم "المؤرخ والفيلسوف : أسئلة الإسطوغرافيا وفلسفة التاريخ. مطلقا دعوة ملحة لإيقاظ الوعي النقدي، وفصل لا بد منه بين "التاريخ" كما جرى، و"التأريخ" كما يُكتب . والإسطوغرافيا هي دراسة كيفية كتابة التاريخ، وتتعامل مع كيفية بناء الروايات التاريخية والتحيزات التي يمكن أن تؤثر عليها .

وفي عصر تختزن فيه ثقافتنا العربية رؤى طائفية وإثنية متحفزة، وتتحول فيه الحقيقة التاريخية الموهومة إلى وقود للانتحار الجماعي ، يصبح تفكيك "صناعة التاريخ" ضرورة لا غنى عنها. فمن هو المؤرخ ؟ وكيف يصنع منظاره الذي ينظر من خلاله إلى الماضي ؟ وهل يمكن أن نثق في شهادته ؟ وماذا نفعل حين تتعدد الشهادات وتتناقض، كما في حالة صلاح الدين الأيوبي بين رؤية ابن الأثير ورؤية ابن شداد ؟

في هذا الحوار العميق ، تغوص "الجزيرة نت" مع الدكتور الطيب بوعزة في قلب هذه الإشكاليات، مستكشفين معه وجوب الانتباه إلى "تاريخ المؤرخ" قبل قراءة تأريخه ، ومناقشًا الاتهامات الموجهة لابن خلدون بالسطو على رسائل إخوان الصفا، ومستشرفًا أهم المستجدات في علم التاريخ اليوم ، وصولًا إلى الخصومة الأزلية والمثمرة بين المؤرخ والفيلسوف، وهو حوار لا يهدف إلى تقديم إجابات نهائية ، بل إلى تسليح القارئ بأدوات الشك المنهجي، لكي يقرأ التاريخ بعين ناقدة، ويدرك أن الحقيقة غالبًا ما تكون بين الصور الشائنة والصور التقريظية، فإلى الحوار:

​أقمت دراستك لعلاقة المؤرخ بالتاريخ تحت عنوان "في وجوب الفصل بين التاريخ والتأريخ"، ما قيمة هذا الفصل بالنسبة للوعي الثقافي ؟

نحتاج في بناء وعينا الثقافي إلى تنسيب الكتابة التاريخية؛ إذ إن الشعور بحتمية المسافة الفاصلة بين التاريخ -أي ما جرى في الماضي- والتأريخ، أي كتابة ما جرى، شرط أساسي لإيقاظ الوعي النقدي الضروري لكل باحث مؤرخ، بل ولكل قارئ يريد الاستعلام عن تاريخ ما من دفاتر المؤرخين، وخاصة في بيئات ثقافية تختزن رؤى طائفية وإثنية متحفزة لاغتيال المستقبل بالتاريخ، كما هو الحال في واقعنا العربي .

وذلك لأن أخطر ما في الخطاب العرقي/الطائفي هو "اليقين" التاريخي الذي يؤسسه. ومن ثم يحتاج ذلك النوع من الخطاب إلى كثير من الوعي النقدي لكي يتحرر من ثقل التاريخ. إن مرض الشك قد يؤدي إلى انتحار فردي، لكن مرض الحقيقة الموهومة أخطر؛ لأنه قد ينتج انتحارا جماعيًّا ! وعليه ، فتنسيب الحقيقة التاريخية ضروري لترقية الوعي.

​كيف يجب قراءة منجز المؤرخ ، أي كتب التاريخ ؟

نحتاج إلى الانتباه إلى تاريخ المؤرخ قبل قراءة تأريخه للتاريخ. وتوكيدي على خطر "تاريخ المؤرخ" لا أشير به إلى ذاتيته الفردية فقط، بل ثمة ما هو أخطر، أي الذات الجمعية التي ينتمي إليها، لأن هذه أكثر وقعًا وتأثيرًا . أما الذاتية بما هي أهواء فردية، فقد يعي المؤرخ مقدارًا من أثرها، لكن المشكلة الكبرى هي أنه قلما يعي "الأنا الأعلى" المستبطن بداخله.

لا يقرأ المؤرخ التاريخ إلا وهو متموضع فيه ، أي إنه حتمًا قابع في زاوية معينة مثقلة بتحيزات ثقافية، تصنع له منظارًا يَحُدُّ من مدى إبصاره .

مثلا في قراءة شخصية صلاح الدين الأيوبي، لا بدَّ لنا من الرجوع إلى ابن الأثير لأنه كان معاصرًا له، لكن سنلاحظ أن ابن الأثير كان لديه موقف عدائي من صلاح الدين. غير أنه من حسن الحظ أن التاريخ يمنحنا أحيانًا أكثر من صوت واحد، مما يوفر إمكان المقابلة والمقارنة .

وفي مثالنا هذا يمكن أن نقابل في شأن تاريخ صلاح الدين بَيْن ابن الأثير وابن شداد ، إذ كلاهما كان معاصرًا له، وكلاهما كتب عنه. وفي سيرة صلاح الدين عند ابن شداد نلقى صورة مقابلة مناقضة للصورة الشائنة التي رسمها ابن الأثير. وتعدد الشواهد ضروري لاستعلام التاريخ والاقتراب من وقائعه، إذ في الغالب لا تكون الحقيقة في الصورة الشائنة ولا في الصورة التقريظية، بل بينهما !

إذن فمشكلة التأريخ متعلقة بتحيزات المؤرخين ؟

نعم.. والتحيز قد لا يكون سياسيا أو عقديا ، بل قد يكون بسبب نوعية الأداة والنظرية التي يعمل بها المؤرخ، أو محدودية الموقع الذي ينظر منه. وشهيرة تلك الطرفة التي رواها فلوطرخس عن حادث وقع بأثينا خلال مسابقة البنطاطلون، عندما رمى رامٍ جُلَّةً فقتل لاعبًا آخر دون قصد، فقيل بأن بركليس قضى يومًا كاملًا في بحث "مَن القاتل؟": هل الجلة؟ أم مَن رماها؟ أم منظمو الألعاب؟ لو استفسرنا الطبيب فسيقول إن الجلة هي التي سببت الموت. وبينما يكون جواب القاضي هو أن القاتل ليس الجلة ، بل الذي رماها، أرجعت السلطة السياسية السبب إلى منظمي الألعاب الذين لم يحسنوا إدارتها.

وهذه الطرفة وأمثالها لا تكشف تداخل العلل في تشكيل الوقائع الإنسانية فقط، بل تكشف أيضًا اختلاف المواقع التي ننظر منها الى الحدث !

وطبيعة الظاهرة التاريخية تقتضي الانتباه إلى تركيبها وتعدد مستوياتها. ولذا كان أهم درس يُعلِّمنا إياه ابن خلدون هو أن علمية التأريخ لا تتحقق بـ"علم" التاريخ، بل بـ"علوم" التاريخ، أي إن بناء المعرفة التاريخية في حاجة إلى ما نسميه اليوم بـ"تكامل المعارف"، وهو ما أنجزه ابن خلدون في نُظْمَتِه الفريدة التي سمَّاها بـ"علم العمران" .

حيث أدرك عدم كفاية تقنية الإسناد الروائية، وعدم قابليتها للأجرأة في تحقيق عموم الأخبار التاريخية؛ لأن مرتكزها هو قياس صدقية الخبر بحالة راويه، والحال أن معايرة الخبر التاريخي بما قيل في أحوال رواته هي في الغالب غير ممكنة ؛ لذا وجب معايرته وفق أحوال العمران وقوانينه . أي بتعبير آخر إن أمر التاريخ لا تكفي فيه مقابلة الأقوال بالأقوال، بل تجب مقابلة الكلمات بالأشياء.

​ثمة كتابات عربية تتهم ابن خلدون بالسطو على رسائل إخوان الصفا، من أشهرها كتاب الدكتور محمود إسماعيل "نهاية أسطورة"، فما رأيك ؟

إن مثل هذا الحكم مجرد افتئات ، حيث لا يميز بين أفكار منبثة، والتنظير المنهجي الذي يبني بها أو يؤسس من خلالها منظومة. ولا يسمح المقام بالاستفاضة في بيان خلل هذا الاتهام، غير أنني أحسب في هذا الإلماح كفاية لبيان الطريقة التي ينبغي اعتمادها في عيار أصالة المفكر، أي التفريق بين الأفكار وإبداع إطار نظري بتركيبها.

إذا انطلقنا من هذا المنظور للنظر في مبنى تهمة السطو، أي تلك النصوص الخلدونية التي قابلها الأستاذ محمود إسماعيل على نصوص من رسائل إخوان الصفا، فهي في تقديري دليل كاف على ضعف الاتهام، إذ إن محتواها ليس مؤطرا في تلك الرسائل، بل إن ذلك المحتوى كان شائعا في نصوص المتن السياسي والنفسي الأرسطي والأفلاطوني، التي ترجم بعضها إلى اللسان العربي قبل ميلاد زيد بن رفاعة وأبي الحسن الزنجاني وغيرهما من مؤسسي جماعة إخوان الصفا.

كما لم يتنبه الأستاذ محمود إلى أن التوصيف الجغرافي الخلدوني لأقاليم العالم، الذي يزعم أنه منقول من رسائل جماعة الإخوان، هو توصيف سابق على وجود تلك الجماعة ذاتها، إذ يرجع إلى الخريطة المأمونية التي وضعها حكماء بيت الحكمة، لتكون أكثر دقة وتطويرا من خريطة الجغرافي الإغريقي مارينوس.

ولعلي أجزم بالقول إن مصدر معرفة ابن خلدون بهذه الخريطة ليست رسائل إخوان الصفا، بل كتاب "التنبيه والإشراف" للمسعودي؛ لأن فيه توصيفا وافيا لِمَلْمَحِ خريطة المأمون. هذا إضافة إلى وقوع صاحب كتاب "نهاية أسطورة" في أخطاء أخرى ليس هذا مقام عَدِّها.

عقدت الباب الأول من كتابك لدراسة الأطر المنهجية للممارسة التأريخية، كيف قاربت تلك الأطر؟ وما هي النتائج التي توصلت إليها ؟

ثمة طريقة في بحث المنهجيات التأريخية من مدخل التاريخ ذاته ! أي ليس بوصفها أشكالا منهجية نعتمدها للتأريخ، بل بما هي ذاتها ناتج تاريخي، أي واقعة تحت ضغط النظام المعرفي والشرط الثقافي للحظة إنتاجها. مثلا إن مكمن الاختلاف بين إسطوغرافيين معاصرين مثل جوناثان جورمان وهيرمان بول، يكمن في مقدار إعمال التاريخ في قراءة كيفيات التأريخ .

إذ بينما يسلك جورمان أسلوب توصيف المنهج، انطلاقًا من النظر في الطرائق التي استعملها المؤرخون من أجل تحديد ملامح جامعة لمهنة المؤرخ؛ يذهب هيرمان بول إلى التوكيد على أن هذه الطرائق متنوعة ومختلفة بمقدار يستحيل معه الزعم بوجود طريقة إسطوغرافية جامعة .

لكنني في كتابي حاولت الجمع بين المنظورين، مع التوكيد على الحاجة الماسة إلى إدخال بعد ثالث، وهو التأويل الفلسفي للمنهج التأريخي؛ لأن تحولات ذلك المنهج وأزماته لا يمكن تفسيرها بنظرة مؤرخ يقتصر على وصف تطور الكيفيات والطرائق، بل لابد من نظر فلسفي يحفر في النظام المعرفي الشارط لتلك الكيفيات والمعضلات المعرفية التي اصطدمت بها، وهو ما حاولت في الكتاب الكشف عنه، بدءا من هيرودوت حتى إسطوغرافيا هايدن وايت.

ما هي أهم المستجدات في علم التاريخ اليوم ؟

إذا تتبعنا العشر سنوات الأخيرة سنلاحظ معالم تؤكد ذبول التيار السردي، إذ تَحدُثُ اليوم استفاقة من ذلك الدوران الذي سببه المنعطف التأويلي في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، حتى صار التفكير اليوم في المختبرات ومراكز البحث التأريخي موجهًا نحو استعادة المعيارية الإبستيمولوجية بتأطير منتظم، بلغ ببعض النُّظَّار إلى حدِّ وسم نتاجهم الرافض للتيار السردي بـ"المانيفيستو" !

لكن ما دلالة هذا التنادي إلى تجديد الإسطوغرافيا تحت مسمى تقليدي يفيد التمذهب والتأطير المغلق، أي "المانيفيستو" ؟

أجل يحيل لفظ "المانيفيستو" على خطاب تجييشي راديكالي . أنظر مثلا "المانيفيستوالشيوعي" الذي تشارك في كتابته ماركس وإنجلز . وهذا النوع من النصوص يعكس حرصا على إكساب الخطاب قوةً رمزيةً تثويرية في مواجهة منظومات مهيمنة من أجل تغييرها.

لذا نلاحظ أن أحد أهم المؤتمرات الراهنة المعتنية بالتجديد المنهجي لمهنة المؤرخ، أقصد مؤتمر "التاريخ قيد النقاش" (History Under Debate)  حرص عام 2012 على إصدار وثيقة سماها "مانيفيستو"، وقد كانت تلك الوثيقة حصيلة عمل جماعي دام ثمان سنوات. هنا هنا

والمفاجأة أنه بعد عامين فقط، أي في 2014 ستصدر جامعة كمبريدج كتابا بعنوان مقارب "مانيفستو التاريخ"، الذي كان نصا جماعيا تحت إشراف جو جولدي، ودفيدأرميتاج، حيث شارك فيه أعضاء من قسم التاريخ بجامعة هارفارد، كما تم تسويقه في جامعة ييل، وفي قسم التاريخ بجامعة براون، ثم في قاعة ريد بباريس.

وبعد تتبعي لهذين العملين، تبين لي أن استعمال لفظ "ماينفيستو" كان إستراتيجية خطابية واعية بالوضعية الحرجة التي توجد عليها الممارسة التأريخية ضمن التحولات الجذرية التي طالت الواقع العالمي، وحريصة على تغيير قواعد مهنة المؤرخ، وتجديد مفهوماتها وأطرها النظرية بعد التفكيك العدمي الذي طالها في النصف الثاني من القرن العشرين.

كما أن تسويق البيانين عالميا، واستدخالهما في بيئات علمية وازنة مثل كمبريدج وهارفارد وييل وبراون وباريس، هو إستراتيجية تقصد إلى تشبيك تلك المؤسسات، وزرع بذرةٍ منهجية في تربةٍ أكاديمية قادرة على الإثمار.

ومدار هذه المبادرات على ما أشرت إليه أعلاه، أي إن بداية القرن الحادي والعشرين تُظهر معالم ذبول التيار السردي، وبدء استفاقة نقدية تواجه التجريف التأويلي للمعيارية الإسطوغرافية ؛ مع طموح إلى بناء تحالف معرفي عابر للتخصصات ، ومجاوز للمركزيات الأحادية المغلقة .

​ما الدافع إلى إنجاز هذه المبادرات التجديدية في نظرية التاريخ اليوم ؟

حاولت في كتابي أن أبرز وضعية التنظير الإسطوغرافي المعاصر، بالإشارة إلى أنه يقع تحت ضغط تحولات جذرية طرأت على فيزياء المكان والزمان. إذ مع تذويب المسافة المكانية، صرنا أمام ظاهرة صار يصطلح عليها اليوم بـ"ضغط المكان"، وهي الظاهرة التي نشأ عنها تصور جديد للزمن، يفيد انضغاطه هو أيضا، نلقى إشارة إليه لدى هارتمونت روزا بتعبير "تسارع الزمن"، كما نجد المعنى ذاته عند جودي واجمان في كتابه عن "تسارع الحياة في ظل الرأسمالية الرقمية" .

غير أن فكرة ضغط المكان والزمان لم أقدمها بمدلول فيزيائي فقط، بل أرى لها متطلبات جديدة على مستوى التاريخ الراهن، حيث تفيد تعدد الأزمنة والأمكنة. أي لا يعني الضغط هنا محو التعدد والوقوع في الأحادية، بل بالعكس إنه إظهار لكثافة التعدد واللاتجانس والاختلاف الكائن في العالم .

وهذا يقتضي تجاوز تأطير "المركزية الأوروبية" للزمن البشري، الذي يجعل الغرب أفقا للتاريخ، وغيره من الشعوب موضوعة في "غرفة الانتظار" بتعبير المؤرخ الهندي تشاكرابورتي . لذا فجذرية التغيير الجاري في بنية الواقع العالمي اليوم، يجب أن تلحق أيضا طرق التفكير في نظرية التأريخ وكيفياته.

​عقدت في كتابك مقارنة مطولة بين دورات "المؤتمر السنوي للدراسات التاريخية" الذي ينظمه "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياساتبالدوحة، و"مؤتمر التاريخ قيد النقاش"، لماذا هذا الاختيار؟

أثناء تأليفي للكتاب استجمعت في جذاذات التحضير مجموعة من الملاحظات، كتبت بها فقرة المقارنة عام 2021، وفي تلك السنة بالضبط كان قد انعقدت ثمان دورات لـ"المؤتمر السنوي للدراسات التاريخية". وفي مقابله وجدت في نص البيان الذي أصدره مؤتمر "التاريخ قيد النقاش" (History Under Debate)  إشارة إلى أنه ناتج ثماني سنوات من البحث في تطوير "مهنة المؤرخ" .

لذا انطلقت إلى المقارنة بين حاصل العمل في الثماني السنوات بين هذين المؤتمرين المختلفين ، بضبط الإشارات المنهجية الموجهة لهما، ونوعية الاهتمامات التي هيمنت عليهما.

ما هي النتيجة التي توصلت إليها بالمقارنة بينهما ؟

بمراجعة موضوعات السنوات الثماني التي مرت من تاريخ انعقاد أول دورة لمؤتمر الدراسات التاريخية بالدوحة عام 2014 حتى وقت كتابتي لفقرة المقارنة عام 2021، لاحظت أن مفردات المادة كان لها أولوية على مفردات المنهج. ويكفي لِتَبَيُّنِ ذلك النظرُ في العناوين الثمانية لتلك الدورات.

حيث نجد في أغلبها تركيزا على تاريخ النصف الأول من القرن العشرين، إذ دارت عناوين بعض الدورات حول موضوعات "الحرب العالمية الأولى"، و"سايكس-بيكو"، و"العراق تحت الاستعمار البريطاني"، و"تأسيس الدولة الأردنية"، ثم دورة تدارس فيها المؤتمرون موضوع "الحكومة العربية في دمشق 1918-1920م" .

في حين كانت موضوعات الدورات الثماني لمؤتمر "التاريخ قيد النقاش" مركزة على ثماني عشرة مقولة ومسارًا موزعة على ثلاثة مستويات تدور على مدار الميتودولوجيا والإسطوغرافيا والإبستيمولوجيا. فكان لابد لي من الاستفهام : هل يعني هذا أن مؤتمر المؤرخين العرب يحكمه انقطاع جذري عن إشكالية المنهج وموضوعات اللحظة والآن ؟

غير أنني انتهيت إلى أنه من الخطأ الظن أن موضوعات دورات المؤتمر العربي تدلُّ على تقادم الفكر وعدم إبصاره للراهن ، لمجرد أن عناوينها مرتحلة إلى بداية القرن العشرين ، بل يمكن أن نلاحظ راهنية كامنة تحت تلك العناوين المتقادمة في الظاهر. وأعني بها إشكالية بناء الدولة والاستقلال عن "الهيمنة الأجنبية"؛ أي كأن المؤرخ العربي يستشعر في قرارة وعيه بأن تينك المهمتين ما زالتا لم تنجزا بعدُ في حاضره ! فَوَجَبَ الرجوعُ إلى الماضي الذي بدأ فيه تكوين المشكلة من أجل وعيها.

في حين أن المؤرخ الأوروبي أو الغربي متحرر من هاتين المشكلتين، وكل ما يشغله هو محاولة تحصيل استقلال من نوع آخر، أي ليس استقلال الدولة، بل استقلال جنسه المعرفي (الإسطوغرافيا) ، بعد التجريف السردي الذي آلَ به إلى مجرد فن روائي / شعري . وهو الذي كان محل انشغال نُظَّارِ مؤتمر "التاريخ قيد النقاش " .

رغم هذا الاهتمام المنهجي الذي أشرت إليه، ففي الكتابات التأريخية الغربية المعاصرة عودة قوية لمفهوم الذاكرة، كيف تنظر إلى هذه العودة؟

لا ينبغي أن نفصل الاهتمام بالذاكرة في الأعمال الإسطوغرافية الغربية ، وفائض تطبيقها على الموضوع التأريخي ، عن شرط حدثي مهم، يتمثل في الحرب العالمية الثانية، وما وقع فيها من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

لكن مشكلة أغلب مؤرخي الذاكرة هو أنهم ركزوا على انتهاك النازية لليهود؛ حتى نتج عن ذلك فائض هائل في إبراز هذا الانتهاك؛ وكأنه الوحيد، أو كأن غيرهم من الشعوب لم يطلها انتهاك من قبل النازية، أو من قبل غيرها من الأطراف المتحاربة !

كما أن المفارقة في كتابات المؤرخين الأوروبيين والأميركيين الذين أنتجوا فائض الذاكرة، هي أن فائضهم كان محبوسا عن الفيض؛ إذ على سبيل المثال، لا نجد عند كثير منهم أي إشارة للمحرقة الصهيونية في فلسطين الجارية منذ أكثر سبعين سنة !

لكن بالمناسبة أرى أن ثمة فائدة مهمة يجب اقتناصها من إسطوغرافيا الذاكرة، فما جرى في غزة خلال العامين الأخيرين من إجرام صهيوني ينبغي أن نقابله كمؤرخين بإجراء تقنيات وأدوات إسطوغرافية الذاكرة، التي من بينها إنجاز متحف عالمي لحفظ ذاكرة غزة. لا بد للمؤرخ العربي أن يعمل اليوم على حفظ الصورة حتى لا تنسى الإنسانية هذه الجريمة المروعة .   

في كتابك تحليل للتقنية الأركيولوجية المعتمدة في الكتابات التأريخية، مع نقد صريح لها. فهل يعني هذا رفضا لهذه التقنية المنهجية ؟

ليس رفضا، بل إشارة إلى محدوديتها. ففي توريخ الأشياء وتزمينها يكفي أن نستعمل الكربون الرابع عشر، فننهي المهمة التأريخية بما هي توقيت، أي تعيين زمن الشيء. لكن في تَوْرِيخِ النصوص والوثائق لا يكفينا التزمين؛ لأنه حتى لو استطعنا تزمين الورق بالنظير المشع، أو تزمين الكلمات بالفيلولوجيا؛ فإن العملية التأريخية تتطلب فهم المحتوى الدلالي للورق، والمعنى المحايث للأثر. ولا سبيل إلى ذلك دون قراءة تأويلية، وترتيب سردي، وتعليل لما جرى تزمينه من حوادث.

ثمة ضجيج صاخب تحصَّل من الحفر الأركيولوجي في جغرافية الشرق الأوسط للتشكيك في السرديات الدينية، وأشهر تلك الأبحاث هي ما قام به فنكلشتاين، وسيلبرمان، وكيث ويتلام ، وفيليب دافيز، وجون فان سيتيرز، وتوماس طومسون وغيرهم من الحَفَّارِين.. لكنني لا أشكّ في أن الأركيولوجيا علم ضروري للمؤرخ، خاصةً وقد تطورت تقنياتها اليوم، بفضل تضافر علوم مختلفة ، فَمَكَّنَتْ من كشف كثيرٍ من زيوف المرويات التاريخية.

غير أنه لا بدَّ من الانتباه أيضًا إلى أن ثمة من الأركيولوجيين مَن ينطق بلغة نفي جازمة تتعارض مع مقتضيات الحس العلمي. إذ يبني على ما استخرجه من باطن الأرض أحكامًا جذرية شاملة؛ دون أن يدرك أنه يُرغم أدواته على أن تنطق بأكثر مما يمكنها قوله. أي إنه بالضبط يكون في هذه الحالة ما زال يعيش في "ما قبل الوعي الإبستيمولوجي" حيث يفكر "بـــ" دون الانتباه إلى وجوب التفكير "في" .

وأقصد في هذه الحالة أنه يفكر بالأركيولوجيا دون التفكير فيها وفي حدودها المعرفية؛ وعلامة ذلك أنه يُظهر انتشاءً مبالغًا فيه بالأدوات ومحصولها، فيسارع بجراءة إلى شطب فصول كاملة من الذاكرة التاريخية لمجرد عدم وجود آثار دالة عليها! وهذا ما أعنيه بـ"ما قبل الوعي الإبستيمولوجي"، الذي يكشف تاريخ العلم أنه مرض أصاب مختلف المعارف والعلوم في لحظة حدوث تطور نوعي في أدواتها الإجرائية، حيث يرتهن الباحِث للأداة التقنية واثقًا من مدركاتها، نافيًا لما لا يتأطر بين حَوَافِّ مِنْظارها !

لا يكفينا الكربون الرابع عشر لتعيين ماجريات الماضي البشري. نعم، يمكن لهذا الكربون المُشع أن ينفي صدقية كفن طورينو؛ لكن إلى جانب تعيين زمن الأشياء، ثمة أمر آخر ينبغي الانتباه إليه هو أثر المعنى والقيم في الزمن البشري، على نحو يجاوز أحيانًا كثيرة الكينونة المادية للأشياء.

لذا طرحت في كتابي سؤالا صريحا: هل كل ما جرى فوق الأرض "محفوظ" في باطنها؟ وهل كل ما في باطنها مستخرج بـ"المعول" الأركيولوجي ؟ وقلتُ : إنْ أَجَابَ الأركيولوجيُّ عن هذين السؤالين بالإيجاب؛ فعليه أن يحسب الفأس أداةً كافيةً للتفكير !

غير أنني لا أقصد بهذا تسفيه البحث الأركيولوجي، ولا التقليل من قيمته، كما لابد من التنبيه إلى أنه منذ العقد الأخير من القرن العشرين أخذ علم الأركيولوجيا يشهد مساءلات نقدية خَفَّفَتْ من غلواء النزوع العلموي، وأقصد بشكل خاص الإسهامات النقدية الذي قدمها إيان هودر، وميكايل شانكس، وبيتر أوكو وغيرهم من الأركيولوجيين المعاصرين الذين ناهضوا النزعة الوضعية.

​خصصت قسما كبيرا من كتابك للمقابلة بين المؤرخ والفيلسوف، وكأن بينهما خصومة فارقة ! ماذا تقصد بهذه المقابلة ؟

كان من محصلة بحثي في نصوص قدماء المؤرخين أن وقعت على نص مهم في كتاب مروج الذهب للمسعودي، بَنَيْتُ عليه القول بأنه كان أول مؤرخ عربي نقد اشتغال الفلاسفة بالتأريخ. حيث وجدت له نقدًا صريحًا للفيلسوف سنان بن ثابت بسبب كتابته للتاريخ، حين قال عنه المسعودي في كتاب "المروج" بأنه "خرج عن مركز صناعته وتكلف ما ليس من مهنته". وبعد تحليلي نص المسعودي، وجدت قبسات مهمة لبناء فرضية فلسفة التاريخ، على الرغم من أن محددات تلك الفرضية أوردها المسعودي في سياق الذم والاستهجان.

​ما هي قيمة فلسفة التاريخ ؟

إن "فلسفة التاريخ" حقل معرفي ينهض على نمط خاص من التفكير في الحادثات الزمنية، نمط يسعى إلى لَمِّ أشتات الحوادث والوقائع في إطار كُلِّي. ولهذا فهو يستجيب لحاجة لا يمكن للمؤرخ أن يستجيب إليها، أي جوعة الكائن الإنساني إلى ضبط معنى كلي لوجوده.

​كيف قرأت تطور فلسفة التاريخ ؟

من أجل استيعاب صيرورة فلسفة التاريخ في مختلف تقلباتها، ارتأيت أهمية استحضار ثلاثة منعطفات كبرى، حدثت بعد "التأملية"، وأعني بها المنعطف الوضعي العلموي بدءا من رانكه، ثم ليمان، ولينز، وسينيوبوس، ولانغلوا. والمنعطف النقدي أي الكانطية الجديدة كما تبلورت في مدرسة مربورغ، مع كوهن، وتطوراتها مع بول ناتورب، وإرنست كاسيرر؛ ثم في مدرسة هايدلبرغ مع فيندلبند، ورايكرت، ولاسك. والمنعطف اللغوي/التأويلي، بدءا من هايدن وايت، وجينكينز، ومانسلو، ثم أنكرسميت.

وبذلك التعديد والتمييز بين منعطفات تاريخ "فلسفة التاريخ"، حاولت إنجاز ضبط أكثر دقةً واستيعابا لهذا النسيج الثري من الأنماط التصورية التي نظرت في مسألة التاريخ ومعناه. ولهذا لم أعتمد صنافة وليم هنري ولش الذي أرخ لفلسفة التاريخ تحت ثنائية "فلسفة التاريخ التأملية" و"فلسفة التاريخ النقدية"، لأسباب منها أنه أنتج مقاربته في منتصف القرن العشرين، ومن ثَمَّ أراها متقادمة بالنظر إلى راهن البحث الفلسفي اليوم؛ حيث لا بدَّ أن ننتبه إلى هذا التيار الجديد الذي هيمن في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، استجابة للمنعطف اللغوي، أي ذاك التيار الذي أطلقه هايدن وايت تحت مسمّي "فلسفة التاريخ الجديدة" .

​قلت في مدخل الكتاب: إن نظرية هايدن وايت لم تثمر حتى داخل الإطار الذي اشتغلت فيه في البداية. كيف تبرهن على ذلك ؟

لا أشك أن وايت بكتابه "ميتا-تاريخ" أحدث انقلابًا ثوريًّا في نظرية التأريخ وفلسفته معًا. لكن من طبيعة الانقلاب أن قدرته على الهدم أقوى من اقتدراه على البناء. كما أنني انتهيت إلى أن ثورة "ميتا-تاريخ" ما كان لها أن تُثمر حتى داخل الإطار الذي اشتغلت فيه ابتداء، أي "الإسطوغرافيا"؛ وعللت ذلك بسببين مركزيين: أولهما أن المشتغلين بالتأريخ ما كانوا ليستبدلوا بأدواتهم شعرًا! والثاني أن اليأس من إمكان العيار المعرفي، إن كان له سند في مأزق الإسطوغرافيا العلموية، فالسبب يرجع إلى الوهم النظري القائم على تعميم نموذج/براديغم العلم الطبيعي على المعارف الإنسانية، الأمر الذي لا يسوغ بالضرورة نفي مشروعية كل عيار معرفي، والاكتفاء بتطبيق النقد البلاغي على طريقة هايدن وايت.

انتقدت وايت لأنني أراه قد بالغ بشكل مفرط في نفي مشروعية المساءلات الإبستيمولوجية النقدية، التي تروم قياس محتوى التأريخ بمعيار "المرجع". وعندما تتبعت سيرته الفكرية لاحظت أنه عندما جُوبه بسؤال: هل نفي معيار المرجع يعني أن كل ما قيل عن انتهاكات النازية لليهود في الحرب العالمية الثانية مجرد سردية لا صدقية فيها؟ سارع إلى التراجع، لكن دون أن يتنبه إلى ضرورة مراجعة أعمق ترتدُّ إلى بنية نظريته ذاتها؛ حتى لا يكون الاستثناء هو قوله بالوجود التاريخي لجرائم النازية فقط !

في الفصول التي خصصتها لفلاسفة التاريخ، يلاحظ أنك وصفت كانط بالسقوط من علو الترسندنتال (المتعالي) إلى لون الجلد، لماذا لجأت إلى هذه الصورة الساخرة ؟

بين سنتي 1775 و1788م ، نشر كانط أربعة نصوص كانت من أسوأ ما كتب في دلالة الكائن الإنساني، حيث أوغل في المسّ بالكرامة الإنسانية بنظرية عرقية صريحة جلفة، وأعني بتلك المقالات الأربع: "ملاحظات على الإحساس بالجميل والجليل"، ومقالة "في اختلاف الأعراق البشرية"، و"مفهوم العرق البشري"، ثم مقالته "في استعمال المبادئ الغائية في الفلسفة" .

لكنني عندما قدمت هذه النصوص، لم أنكر أيضا قيمة نظرية المواطنة الكونية التي كان كانط من أهم دعاتها ومنظريها. إنما حرصت على إبراز المفارقات لا التغطية عليها من أجل تجميل صورة كانط ، وذلك ضدا على ما يفعله بعض الشراح التجميليين أمثال سنكار موثو، وبولين كلينغيلد .

تتحدث في كتابك عن وجوب استعادة فلسفة التاريخ ، أليس هذا مناقضا لمنطق الفلسفة المعاصرة القائلة بموت السرديات الكبرى ؟

أتفق معك. وقد حاولت في الكتاب معاندة هذا الخطاب العدمي بالارتكاز على ميزة من ميزات الفلسفة الإسلامية، التي لم يحدس العقل الفلسفي الإغريقي إمكانها، وأعني بها الانتقال بـ"مقولات الجهة" من محدودية استعمالها في المبحث المنطقي، إلى استعمالها في مبحث الميتافيزيقا؛ ومن ثَمَّ تأسيس الدليل الوجودي. وفي ذلك أخذت بمفهوم كمال واجب الوجود، الذي أبانه الفارابي وابن سينا بالضرورة الوجودية، ثم ديكارت استنادًا على تطويره لدليل أنسلم بالضرورة المفهومية.

وهكذا استثمرت مثال "الكمال"، الذي استعمل في الفلسفة بوصفه أساسًا للدليل الأنطولوجي، فاتخذته مقدمةً إلى فهم الوضع البشري وصيرورته في الزمن، أي التاريخ. وبذلك قمت بثلاث نقلات بدأت من المنطق في إطار مبحث موجهات القضايا، إلى الميتافيزيقا في إطار مبحث واجب الوجود؛ فالأنثربولوجيا حيث عَرَّفتُ الكائن الإنساني بما هو "وجود بالكامل للكمال" .

وبذلك جانبت ادعاءات النظر الفلسفي التأملي إلى التاريخ؛ لأنني لا أرى أي حصافة في تحديد وسومات لنمط إنتاجي أو لقواعد سياسية مستقبلية، أزعم أنها ستتحقق على نحو محايث لحتمية الحركة التاريخية، بل دعوت إلى رفع الكُلِّي إلى مثال آفاقي، فلا يكون حاصلًا حتميًّا لتلك الحركة ، بل أفقًا جاذبًا لها، يرتهن الاقتراب منه بالتحرك في اتجاهه، لا انتظار وقوعه قدريًّا. ولأن الكمال مثال غير متعين، فهو يحفظنا من الوثوقية التي وقع فيها العقل الفلسفي التأملي.

(مركز نهوض للدراسات والبحوث  / عن  الجزيرة نت)