القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 12 أكتوبر 2026

محمد شحرور وسؤال المقدّس ..

 



محمد شحرور وسؤال المقدّس  ..

حسام الحداد

لم يشأ شحرور منذ بداية حياته الفكرية الاستسلام لهذا التيار الفكري أو ذاك. بقي نائياً عن اليسار وعن اليمين معاً. واختار بديلاً من ذلك كله «التفكير العلمي». ولد في دمشق عام 1938 ودرس الهندسة المدنية بموسكو في الاتحاد السوفييتي، قبل أن يلتحق بجامعة دبلن في إيرلندا لدراسة الدكتوراه في الهندسة المدنية عام 1972. كتابه الأول بدأ العمل فيه عام 1967 وأنجزه بعد 23 عاماً. عقل شحرور يبني على مبدأ عدم وجود ترادفات في اللغة العربية وبالتالي في القرآن.، وهذا يعني أن لكل كلمة في المصحف معناها الخاص بها، فاستعمل المنطق الرياضي في فهم التنزيل، وأصدر كتبه وأبحاثه طيلة عشرين عاما متواصلة منذ العام 1970 وحتى العام 1990، ضمن سلسلة «دراسات إسلامية معاصرة» وفي تلك السنة أصدر كتابه الإشكالي الذي أثار ضجة كبيرة في العالم العربي والإسلامي «الكتاب والقرآن ـ قراءة معاصرة» في قرابة ألف صفحة. وقام بابتكار نظريته في الحدود، حول ما هو مطلوب من المسلم في حديه الأدنى والأعلى في كل قضية كقضايا الإرث والنكاح والمعاملات الاقتصادية وغيرها. واليوم يحمّل المفكر السوري اليسار العربي وعلى رأسه الأحزاب الشيوعية وحزب البعث سبب ما يجري الآن على صعيد العالم العربي، لأن ذلك اليسار لم يقدم أية أطروحة لبناء دولة يُحترم فيها المواطن ومبنية على حرية الاختيار. بقي الدكتور محمد شحرور يدرّس الهندسة المدنية في جامعة دمشق، ويعمل في شركته الخاصة مقدما استشاراته الهندسية، ويبحث في الدين الإسلامي، محاولا تقديم الجديد، لأنه كما يقول دينٌ يحرّر الإنسان ولا يستعبده، ولا يضيّق عليه، وكان سبّاقا إلى انتقاد النظام السوري قبل انطلاق الثورة السورية في ربيع العام 2011، إذ يقول «الإصلاح الديمقراطي في سوريا ضعيف جدا، لأن التطور السياسي خلال السنوات الخمس والثلاثين الماضية توقف تماما، حتى كوادر الإصلاح غير موجودة، الحكم الاستبدادي يوقف التطور السياسي للمجتمع».

وبسؤاله عن الفئات التي يكتب لها ويخاطبها ويتوجه إليها بقراءته المعاصرة للنص الديني، وما الذي ينتظره من أثر جراء هذا الاتصال بين بحثه والناس يقول محمد شحرور: أكتب للمسلمين المؤمنين بالرسالة المحمدية بشكل رئيسي، أولئك الذين ترسّخت في عقولهم عقدة الذنب لتحرمهم من التمتع بالحياة، ويتصورون الله كرجل أمن يعدّ عليهم عثراتهم ويتربّص بهم، إله يهوى تعذيب المؤمنين به، ويهوى الدماء فإذا أردت التقرب إليه عليك الموت وأنت تقتل كل من خالفك، لذلك ترى جيل الشباب يخرجون من هذا الدين أفواجا، كذلك يهمّني أن أتوجّه للآخر المختلف لأبيّن له حقيقة الإسلام، فإذا بقينا على ما نحن عليه سنصبح خارج التاريخ.

وقد لا أنتظر الكثير لكن رمي حجر في المستنقع يحرك ركوده، وأعتبر مسؤوليتي أمام الله أن أرمي هذا الحجر، وما أهدف إليه هو تحفيز التفكير، ويكفي أن يعلم «المسلمون» أن دين الله يختلف تماماً عن دين الفقهاء، وأن كتاب الله لم ينزل ليقرأ في مجالس العزاء ويزيّن رفوف المكتبات، بل ليقرأه الناس كلهم، دون وسيط، وما عليهم ليعرفوا دينهم سوى العودة إليه وقراءته بأعينهم اليوم، لا بأعين السيوطي وابن كثير، بعيداً عن الترهات والخزعبلات.

وعن مدى رضاه عن الأثر الذي أخذ يتركه مشروعه التنويري المتصل بقراءة النص الديني، وهل كانت لديه توقعات مختلفة حول ما كان ينتظره يقول محمد شحرور: عندما صدر كتابي الأول «الكتاب والقرآن» عام 1990، لم أكن أتوقع أن يلقى ترحيباً، وتعرّض الكتاب لهجوم شرس في حينه، لكني لم آبه له، وكان رد معظم رجال الدين هو تحريم قراءة الكتاب، وبالطبع لم ألق قبولاً لدى الإعلام العربي على عكس شيوخ الطهارة وطاردي الجن، واليوم وبعد انتشار الوسائط المتعددة أصبح من الصعب منع المعلومة من الوصول لطالبها، وما قلته في التسعينات واعتبر تجاوزاً كبيراً على «المقدسات» أصبح اليوم يتداول حتى على ألسنة من هاجموه، ورغم أن الانتشار ما زال محدوداً إلا أني أتفاءل بالمستقبل، فجيل الشباب يبحث عن أجوبة لأسئلته.

وعن كيفية تحديد مسافة الاختلاف بين مشروعه البحثي والمشروعات الأخرى التي قدمها باحثون ومفكرون آخرون حيث قدموا قراءات معاصرة للنص القرآني: أركون، نصر حامد أبو زيد يقول محمد شحرور: مع احترامي للجميع وتقديري لجهودهم، لكنهم لم يقدموا البديل، فلا يمكنك كسر الجمود الديني دون تقديم البديل، وأعتقد أني أقدم منهجاً متكاملاً يعتمد كلياً على النص، وهذا المنهج يقوم على تصحيح الرؤية وفق الأرضية المعرفية، فلا يقف عندي.

وحول سؤال هل يمكن حقاً للفكر الديني المعتدل في اللحظة العربية الراهنة، وهي لحظة تغلب عليها سمات التطرف والغلو في الدين، أن يكون فاعلاً ومؤثراً لا في عقول النخبة وإنما في عقول عامة الناس، في ظل وجود درجات من الغربة بين أهل الفكر والناس؟ يقول شحرور: الناس في المنطقة العربية يعيشون خيبة أمل إثر فشل المشروع القومي وما رافقه من سيطرة للاستبداد وقمع الحريات، وتوج ذلك بعشرات آلاف الضحايا والمشردين والمعتقلين بعد الربيع العربي، سواء في سوريا أم العراق أم اليمن أم ليبيا، إضافة إلى ظهور حركات الإسلام السياسي وما ارتكبته من أفعال خارجة عن العصر، مع غياب تام للسلطة المنقذة، فعندما رفع السوريون شعار «ما لنا غيرك يا الله» ماتوا واعتقلوا وغرقوا، ولم يجدوا جواباً، كذلك صدم أغلبهم بأفعال داعش، لكن أدبياتهم وما تعلموه من الدين لا يجرّم داعش، وتواكب هذا التناقض مع ثورة المعلوماتية، بحيث أصبحت المعلومة في متناول اليد، ومتاحة للجميع بكبسة زر.

وما أعوّل عليه هو أن يتمّ النظر إلى الإسلام كما نزل على محمد بعين العصر لا بعين القرن السابع، ليجد الناس خصائص الرسالة من رحمة وعالمية وخاتمية، ويروا بالتالي «صدق الله العظيم» في كل ما حولهم، لا يرددونها تلقائياً دون أيّ معنى.

وحول مصطلحات اليمين واليسار والمابعد وإلى أين يمضي العالم فكرياً وروحياً، وهل لدى الفكر أو الدين بقية من قوة لإنقاذ البشر من الهاوية التي صاروا إليها؟ قال شحرور: الإنسانية لا يمكن لها إلا أن تسير إلى الأمام، رغم ما نراه من انتكاسات هنا أو هناك، أما في الوطن العربي فالعقل الجمعي العربي مأزوم للأسف، ويحتاج دائماً لمثال يقيس عليه سواء كان مؤمناً أم ملحداً، لذلك فشلت الحركات السياسية التي ظهرت في النصف الثاني من القرن الماضي في تقديم أيّ طرح لبناء دول ديمقراطية، سواء تلك الحركات الدينية أو القومية أو اليسارية، فالقومية طرحت شعار الوحدة العربية بطريقة رومانسية صالحة للتغني بها ﻻ أكثر، ما أودى بنا إلى تفتت البلد الواحد، والحركات اليسارية اعتمدت النموذج السوفييتي في الحكم مثلاً تقيس عليه، وبالتالي شرّعت حكم أجهزة اﻷمن، أما الحركات الدينية فاعتمادها كان وما زال على المفهوم التراثي، دون أيّ تجربة تاريخية لمفهوم الدولة، وبالنتيجة ترى الإنسان العادي يعاني من شتى أنواع الاستبداد، ولم يعد يهمه سوى لقمة عيشه، فنحن ما زلنا نسعى للحرية في حين اجتاز الغرب المراحل التي تتحدث عنها، وإذا كان التطرف يطال شعوب العالم المتقدم، فما أراه أنها انتكاسة مرحلية لا أكثر.

وردا على سؤال، هل تظن أن الثقافة العربية هي في بنيتها العميقة ثقافة أبوية بطرياركية تتعالى على نشئها الجديد وبالتالي فإن كل محاولة للتغير يحملها في نفسه الشباب الثائر على الماضي ورموزه سوف تقابل بالقمع الشديد والإحباط من قبل هذه الثقافة التي تخاف من التغيير؟ قال شحرور: نعم، المشكلة في بنية العقل العربي الذي خضع لكل أنواع الطغيان ونشأ عليها ابتداءً من سلطة الوالدين وحتى سلطة الحاكم المستبد، وبالتالي أنتج ثقافة تحمل خوفاً مفرطاً من أيّ تغيير، وثقافة «خير القرون قرني» تنظر إلى سيرورة التاريخ باتجاه معاكس، ولذلك هي عصيّة على التغيير، إذ تعتبر أن السلف أكفأ من الخلف بكل نواحي الحياة، وحلمها العودة إلى الماضي دون النظر إلى المستقبل، وهذه الآبائية أعاقت التطور، والقمع لن يولّد إلا مزيداً من التمرد، لكن عجلة التطور لا بد آتية، ومن يقف في وجهها سينقرض، وما نشهده الآن هو بداية يقظة، فالأجيال الجديدة لم تعد مرنة أمام الاستعباد، بل بدأت تعي حريتها وكرامتها، وهي كغيرها تستحق الحياة الكريمة دونما قيود تستبد بها.

وحول ثقافة الخوف ولماذا ينتكس كل شيء في عالمنا العربي كلما فكرنا بالتغيير؟ وما السبيل في نظره إلى تحقيق تغيير يضع العرب تحت شمس العالم الجديد وبين الأمم الحية؟ قال شحرور: نعم الخوف يسيطر على عقولنا، ومنذ أن يبدأ الطفل بالاستيعاب نحشو عقله بالخوف من الجن والشرطي والمعلّمة وأهمّ خوف هو من الله، فنحن نتصوره إلهاً سادياً شريراً غايته عذابنا، ويرسل علينا رقباء يعدون أخطاءنا، علماً أن هذا كله لا أساس له في الإسلام، أما المرأة فهي ضمن ثقافتنا الجمعية مصدر عارنا، وشرف العربي يتعلق بنساء أسرته بينما شرف الياباني مثلاً يأتي من صدقه وإتقانه لعمله، واعتبارنا أن المرأة «فتنة» ومصدر الغواية فنحن في خوف دائم من الوقوع في تلك الغواية، لذلك يريحنا تغطيتها والحجر عليها.

أما التغيير فلا بد له أن يطال العقل العربي بتركيبته، فهو في وضعه الحالي عاجز عن إنتاج المعرفة إذ يحتاج إلى الدقة، بينما هو عقل ترادفي يعتمد على الخيال بدليل أن القرن الماضي أنتج ثلاثة آلاف شاعر عربي ولم ينتج عالماً واحداً، لأن الشعر لا يعيبه الترادف ولا الكذب ولا الخيال، بينما لا ينطبق هذا على العلم، كذلك كما ذكرت فالعقل العربي قياسي يحتاج لنسخة أصلية يقيس عليها، فهو غير قادر على الابتكار، أضف إلى ذلك أنه يعيش تحت سقف فكرة الحلال والحرام والمسموح والممنوع، وسبب واحد من هذه الأسباب يجعل أيّ عقل عاجز عن إنتاج المعرفة، فما بالك بها مجتمعة، وطالما نحن مستهلكون لا منتجون سنبقى في ظلمتنا.

وحول اضطهاد المرأة وما هي السبل المجتمعية في نظره لتحقق المرأة كيانها الخالص وما تستحقه من مكانة في المجتمع؟ قال شحرور: يمكن للمرأة العربية تحقيق مكانتها المجتمعية بإرادة ذاتية وبمساعدة من الرجل، والموضوع مرتبط بوعيها لحقوقها وإمكانياتها، وهنا نعود إلى أن نظرة الفقه الموروث للمرأة باعتبارها «ناقصة عقل ودين» و»حواء الغواية» والمستمدّة من الثقافات السابقة للرسالة المحمدية والمتوافقة مع مصالح مجتمع ذكوري كرّست صورة الرجل صاحب القوامة والمرأة ذات الكيان الأضعف، علماً أن الله ساوى في الخطاب بينهما «المسلمون والمسلمات والمؤمنون والمؤمنات» واعتبر الناس ذكوراً وإناثاً، لا ذكرا وأنثى تابعة له، وللأسف فإن الإنسان في مجتمعاتنا بذكوره وإناثه يعاني من الاضطهاد، لكن هذا الاضطهاد غالباً يقع مضاعفاً على المرأة، وتحمل هي جزءاً من المسؤولية عن ذلك، بالاستكانة لدور الضحية بدل العمل على الاستقلال سواء اقتصادياً أو اجتماعياً، بحيث تكون مؤهلة لانتزاع مكانتها في المجتمع.

وعن مشروعه الفكري ومحطاته الأساسية وأهم المراجعات يقول محمد شحرور: المحطة الأولى التي دفعتني للاستقصاء هي نكسة 1967، فبين متديّن حمّل النساء الكاسيات العاريات وزر النكسة، ويساريّ حمّل الصلاة والصيام هذا الوزر، كان لا بد من البحث عن الخلل في العقل العربي، لكن حتى عام 1980 كنت أدور في فلك المسلّمات التي نشأت عليها لذلك لم تؤتي هذه المرحلة أيّ ثمار، وتبين لي أني أسير في طريق مسدود، إلى أن أعدت البحث بتجرد، واستطعت أن أرمي بعبء التراث عن كاهلي، فوصلت إلى إصدار كتابي الأول «الكتاب والقرآن» عام 1990، وهو المحطة الثانية، وواصلت الدراسة والعمل ولم أتردّد في مراجعة أخطائي، لعل أبرزها موضوع الناسخ والمنسوخ، حيث تبين لي لاحقاً أنه وهمٌ، وأن النسخ بين الرسالات لا في الرسالة الواحدة، كذلك موضوع الإرث، حيث أعدت النظر في ما قدمته في كتاب «نحو أصول جديدة في الفقه الإسلامي» وحالياً أنا بصدد إصدار قراءتي الجديدة، وطوال هذه المسيرة يصحح منهجي ذاته، وأصل إلى فهم بعض المعاني التي كانت مبهمة بالنسبة إليّ وأعيد القراءة بناءً عليها.

وحول الكتاب الذي فاز بجائزة الشيخ زايد «الإسلام والإنسان» حيث أنه يعتبر خلاصة لمشروعه الفكري فهل تعتبر الجائزة اعترافا بمشروعك الفكري الذي طالما اعتبر خروجا على التقليد، وضرب من حوله حصار فرفض في بلدان ومنع في أخرى ولم تسمح به حتى وقت قريب غالبية الرقابات العربية؟ يقول محمد شحرور: نعم، أعتبر أن الجائزة خطوة على الطريق الصحيح، وتتجاوز ما هو شخصي لما هو عام، وهذا التكريم ليس غريباً على دولة الإمارات التي تسير على طريق الحداثة، بل جاء ليثبت أن الحداثة لا في البنيان فقط بل في الفكر أيضاً، وأن ثمّة ضوءا في آخر النفق الذي يسجن فيه من قال لا بتر ليد السارق في الإسلام، وأوروبا لم تصل إلى عصر النهضة إلا بعد إعادة الكهنة إلى الكنائس، ونحن الآن خارج خط سير التاريخ، يسير الزمن علينا دونما صيرورة، ولنعود إلى الخط علينا كسر القالب الذي وضعنا أنفسنا فيه والالتحاق بالركب.

وحول الشخصيات التاريخية والإسلامية التي لم تسلم من نقده الشديد لها.. وهل العقل العربي مهيأ لتقبل النقد لا سيما نقد أمثلته ونماذجه العليا؟ بقول محمد شحرور: في التنزيل الحكيم لا مقدّس إلا الله، ولا أحد معصوم عن الخطأ، إذا استثنينا عصمة الرسول في بلاغ الرسالة فقط، وبالتالي لا أحد خارج نطاق النقد، وإذا كنت أنقد الشافعي والبخاري ومسلم وغيرهم فأنا أنقد الصنمية فيهم، والمشكلة ليست بهؤلاء الأشخاص، بل بمن وقف عند فكرهم عشرات القرون، وأجدهم لم يعلموا أنه في عصر التوجه إلى المريخ سيعيش من يقدّس أفكارهم ويعتبرها خارج نطاق المس، ويلتهي بكيفية الدخول للحمام وعلى أيّ مذهب، وإذا كان العقل العربي ليس مهيأً بعد لتقبل أن هذه النماذج أصبحت منذ زمن خارج نطاق الخدمة، فليبق داخل قوقعته ولا يستغرب وضعه المزري، وكل ما أدعو له هو النظر إلى الإسلام من داخل التنزيل الحكيم لا خارجه، وقراءة هذا الكتاب وفق الأرضية المعرفية لكل عصر، وعلى من يأتي بعد خمسين عاماً ألاّ يتوقف عند قراءتي وأن يتقدم إلى الأمام، وإلا فإني أعتبر أن منهجي لم يؤت ثمره.

وهناك من يعتقد أن الإسلام في جوهره الأول لا يتدخل بين المخلوق وخالقه إلا بالمبادئ والخطوط العريضة التي تنظم العلاقة بين الطرفين.. من أين (وكيف) إذن تسللت إلى المجتمعات العربية (والمسلمة) كل تلك القسوة في فرض الأوامر والنواهي؟ يقول شحرور: هي ليست مجرد اعتقاد، إنما الإسلام الذي نزل على محمد ختم الرسالات وأعلن صلاحية الإنسانية للتشريع لذاتها، من خلال خطوط عريضة يتفق عليها كل أهل الأرض وهي القيم الإنسانية، فلا يوجد دين أو ملة أو عرف، ولا مؤمن ولا ملحد ولا برلمان ولا قانون إلا ويجرم القاتل والمغتصب والسارق وشاهد الزور، وفيما عدا ذلك أنت حرّ بمعتقداتك وطقوسك وشعائرك، والله تعالى يقول «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» (الحج 17) أي وضع الفصل بين الناس على اختلاف معتقداتهم بيده وحده، لكن ما حدث هو استبدال أركان الإسلام القائمة على الإيمان بالله والعمل الصالح بأركان الإيمان بالرسالة المحمدية من إقامة صلاة وصيام وحج وزكاة، وبالتالي خرجت الأخلاق من أركان الإسلام، وأضيف إلى ذلك التقوّل على الله باعتبار كل اجتهادات النبيّ لمجتمعه ووفق ظروف القرن السابع الميلادي في شبه جزيرة العرب ديناً، وهي ليست دينا، وجرت صناعة الحديث النبوي بالتقوّل على الرسول أيضاً وفق مصالح الحكام وأهواء المجتمع الذكوري، ليتبلور الإسلام الذي وصل إلينا في العصر العباسي، وفي حين أن الأصل في الأمور الإباحة ما لم يثبت العكس بموجب التنزيل الحكيم، والحرام محدد بيد الله وحده، أصبح الحرام مطلقا والحلال محددا بموجب الفقه الموروث، وما زلنا لليوم نسأل عن المسموح لا عن الممنوع، واستبدلنا الله الرحمن الرحيم بالله المنتقم الجبار، علماً أن الله تعالى يقول «عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» (الأعراف 156)، وجهنم التي نهدد بها الناس منذ نعومة أظفارهم تشكو لله قلة النزلاء «يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ» (ق 30)، فلا يملأ غير المحدد.

وحول سؤال هل الدين في طبيعته مناقض للفلسفة؟ وهل التدين الإسلامي على وجه خاص معاد للفلسفة، حتى حدث ذلك الصدام بين الشيوخ والفلاسفة في الإسلام.. خلال محطات عباسية وأندلسية وعثمانية وغيرها.. وهل يمكن للفلسفة أن تقارع في عصرنا هيمنة أهل الدين على أهل الدنيا؟

يقول شحرور: الفلسفة أمّ العلوم، والإسلام غير مناقض لها، على العكس فإن التنزيل الحكيم يجيب على الأسئلة الرئيسية فيها، كالوجود الموضوعي ونظرية المعرفة الإنسانية، لكن الموروث الإسلامي للأسف صدّر ابن رشد لأوروبا واحتفظ لنا بالغزالي صاحب «من تمنطق فقد تزندق» وتحول العقل الجمعي العربي معه إلى عقل ساذج، وبدأ رحلته مع السبات الطويل، ولعل ما يحصل الآن في عالمنا العربي على الرغم من قسوته يكون بداية صحوة، وإلا سنبقى عاجزين عن إنتاج المعرفة.

وعن الوسطيون وداعش يقول محمد شحرور: لا أستبعد أن تكون داعش صنيعة أجهزة الاستخبارات، لكن بالتأكيد استغلت الإسلام لنشوئها، وهي كفكرة لن تنقرض طالما لا نجرؤ على نقد أمهات الكتب التي تشكّل المرتكز الأساسي في مصادر الفكر الإسلامي، حيث يفهم حكم الله على أنه دولة الخلافة وقتل المرتد ورجم الزاني، ويفهم الجهاد على أنه قتل كلّ من خالفك بالرأي، ويفهم الولاء والبراء على أنه قتال ضد النصارى أو إرغامهم على دفع الجزية، والشهادة على أنها موت وحور عين، وللأسف فإن أيّ إسلام يدّعي الوسطية ما إن يستلم سلطة ما سيصبح داعش آخر، وداعش في النهاية لم يطبق إلا ما جاء في الكتب، حتى السبايا وجدها البعض «إحياء لسنة في الإسلام»، وكل من يدافع عن فكر الشافعي وابن حنبل عليه ألا يناقض نفسه ويهاجم فكر داعش.

وحول واقع المسلمين اليوم والنظرة المتبادلة مع الآخر المختلف يقول شحرور: للأسف بموجب «بني الإسلام على خمس» احتكرنا الجنة وأرسلنا 80 بالمئة من أهل الأرض إلى جهنم، ونظرنا إلى الآخر من خلال هذه الرؤية فقط، بينما علينا العمل بموجب التنزيل الحكيم «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات 13) فالله يخاطب الناس جميعاً، بأن معيار التميز هو التقوى، وتقوى الإسلام هي العمل الصالح، بغض النظر عن ملتك واعتقادك، وعلينا الوصول إلى نحن جميعاً لا أنا وأنت، ولنقدم للناس مثالاً يحتذى إذا كنّا غير مقتنعين بمدى إنسانيتهم، علماً أنّ ما يجده اللاجئون السوريون من تعامل في المغترب غالباً ينم عن إنسانية بحتة.

أما عن الإصلاح الديني فيقول شحرور: نعم مرت هذه الجريمة وغيرها مرور الكرام، لأن الشعوب العربية مدجّنة، فالاستبداد الذي ترسّخ في العقل الجمعي العربي لا يقتصر على طاعة السلطة المستبدة فقط، وإنما طاعة هاماناتها أيضاً، بحيث وقعت هذه الشعوب تحت كل أنواع الطغيان، سواء السياسي أم الفكري أم الاجتماعي أم العقائدي، وبالتالي استمرأت ذهنية القطيع، يشغلها الحلال والحرام، وتحارب أيّ خارج عن الطاعة، فالعبد يدافع عن عبوديته، ويصبح سيفاً بيد السجان، وهؤلاء العبيد ذاتهم ثاروا ضد رسوم اعتبروها مسيئة للرسول، رغم أنها اعتمدت على الصورة المقدمة في أدبياتنا، ولم يثوروا ضد المستعمر الداخلي الذي يسرق خيرات بلادهم وينشر فيها الفساد، وكنت قد استبشرت خيراً في عام 2011 مع ثورات الربيع العربي، لكن يبدو أن الإصلاح الديني يجب أن يسبق الإصلاح السياسي كما قلت سابقاً، فإذا لم تع الشعوب أن الحرية كقيمة أهم من الحجاب ستبقى تحت الطغيان. 

وحول واقع المسلمين اليوم والنظرة المتبادلة مع الآخر المختلف يقول شحرور: للأسف بموجب «بني الإسلام على خمس» احتكرنا الجنة وأرسلنا 80 بالمئة من أهل الأرض إلى جهنم، ونظرنا إلى الآخر من خلال هذه الرؤية فقط، بينما علينا العمل بموجب التنزيل الحكيم «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات 13) فالله يخاطب الناس جميعاً، بأن معيار التميز هو التقوى، وتقوى الإسلام هي العمل الصالح، بغض النظر عن ملتك واعتقادك، وعلينا الوصول إلى نحن جميعاً لا أنا وأنت، ولنقدم للناس مثالاً يحتذى إذا كنّا غير مقتنعين بمدى إنسانيتهم، علماً أنّ ما يجده اللاجئون السوريون من تعامل في المغترب غالباً ينم عن إنسانية بحتة.

أما عن الإصلاح الديني فيقول شحرور: نعم مرت هذه الجريمة وغيرها مرور الكرام، لأن الشعوب العربية مدجّنة، فالاستبداد الذي ترسّخ في العقل الجمعي العربي لا يقتصر على طاعة السلطة المستبدة فقط، وإنما طاعة هاماناتها أيضاً، بحيث وقعت هذه الشعوب تحت كل أنواع الطغيان، سواء السياسي أم الفكري أم الاجتماعي أم العقائدي، وبالتالي استمرأت ذهنية القطيع، يشغلها الحلال والحرام، وتحارب أيّ خارج عن الطاعة، فالعبد يدافع عن عبوديته، ويصبح سيفاً بيد السجان، وهؤلاء العبيد ذاتهم ثاروا ضد رسوم اعتبروها مسيئة للرسول، رغم أنها اعتمدت على الصورة المقدمة في أدبياتنا، ولم يثوروا ضد المستعمر الداخلي الذي يسرق خيرات بلادهم وينشر فيها الفساد، وكنت قد استبشرت خيراً في عام 2011 مع ثورات الربيع العربي، لكن يبدو أن الإصلاح الديني يجب أن يسبق الإصلاح السياسي كما قلت سابقاً، فإذا لم تع الشعوب أن الحرية كقيمة أهم من الحجاب ستبقى تحت الطغيان .

حوار أجرته مجلة الجديد بتاريخ 1/6/2017 .

نشر ايضا ببوابة الحركات الاسلامية



الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

الدراسات السيميائية للقرآن الكريم .

 الدراسات السيميائية للقرآن الكريم .

د.أياد عبد الله  ، أديبة سليمان محمد ، هشام الدين أحمد ، محمد نجيب جعفر ، نور حميمي زين الدين ، كريمبوي راشد عبد الحميد ، لبنى عبد الرحمن (1) .

(1) كلية دراسات اللغات الرئيسة ، جامعة العلوم الإسلامية الماليزية .

 ملخص :

السيمياء تعني الإشارة أو العلامة ، ولقد ذكر القرآن الكريم هذا المصطلح في سور عدة ، في آيات تدلل على استخدام الإشارة للتواصل بين البشر بدل الكلام . ثم عرض المفسرون والبلاغيون القدماء، مثل الجاحظ وقدامة بن جعفر والعسكري المصطلح بقرون طويلة، قبل أن يصبح ضمن اللسانيات العامة. تكمن المشكلة في أنّ الدراسات السيميائية التطبيقية انتشرت لتشمل سور القرآن الكريم، وقد لوحظ أن معظم التطبيقات لم تأت بشيء جديد يخدم كتاب الله تعالى ، أو يفيد في تبيان مراد الله . من ناحية أخرى ركزت معظم الدراسات على العلاقات والعلامات وهي أمور فرعية ، لا يكون لها السبق والصدارة في نص القرآن. لذلك يهدف البحث مناقشة جدوى الدراسات السيميائية لسور القرآن الكريم، وتشخيص مدى نجاعة تطبيق منهج السيمياء على سور القرآن الكريم، والوقوف على النتائج التي تمخضتْ عن تلك التطبيقات. ومن خلال المنهج الوصفي التحليلي تمت مناقشة الموضوع في ثلاثة مباحث هي؛ مفهوم السيمياء، وتحليل النصوص سيميائيا، وتطبيق هذا المنهج على نصوص القرآن الكريم. وبعد استعراض ثلاثة نماذج من التطبيقات، دلت النتائج أن معظم تطبيقات هذا المنهج على نص مقدس؛ لم يزد في تفسير السورة بلاغة أو حكمة، وكان من شأنه ضياع جوهر القصة القرآنية ومغزاها، وتشتيت المعاني العظيمة للسورة بسبب الالتفات إلى تلك الوحدات والعلامات السيميائية . يوصي الباحثون - في ظلِّ هذا الواقع - أن لا يطبق هذا المنهج النقدي على كلام الله تعالى المتميز بخصوصيته وقدسيته وكماله . فالمطلوب دائماً هو بيان مراد الله تعالى ومنهجه في القرآن، وهو ما أخفقت فيه بامتياز معظم التطبيقات السيميائية لحد الآن .

كلمات دالَّة : سيمياء ، تحليل النصوص ، تفسير القرآن ، مخرجات التطبيق ، تشتيت المعاني .

1 - مقدمة :

تعني السيمياء الإشارة أو العلامة ، وهي مستمدة من معنى الإشارة في لغة العرب الذي يدور حول الإيماء، وقد حفلت كتب الأقدمين بإشارات تخص العلامة ومكوناتها وطرق إنتاجها وتلقيها، في محاولة لفهم الدلالات التي ينتجها الإنسان في محيطه. فمصطلح السيمياء )الإشارة( ورد في لسان العرب : "أشار إليه وشوّر: أومأ، يكون ذلك بالكف والعين والحاجب" )ابن منظور. مجلد .(381/2 وقد تطرق البلاغيون القدامى إلى الإشارة؛ فهي عند الجاحظ : أقصى درجة من الإيجاز التي تستغني تماماً عن الكلام، والاكتفاء بالتلويح الذي قد يكون باليد أو العين أو الحاجب أو غير ذلك من الجوارح، للتعبير عن الخاص الخاص من المعنى . لذلك كانت الإشارة لديه أبلغ من الصوت وهي من تمام حسن البيان )البيان والتبيين / ج.(55 / 1 وعند قدامة بن جعفر: "أن يكون اللفظ القليل مشتملًا على معان كثيرة بإيماء إليها أو لمحة تدل عليها) "نقد الشعر. .(174 ويشاطره الرأي أبو هلال العسكري: في "أن يكون اللفظ القليل مشاراً به إلى معان كثيرة بإيحاء إليها ولمحة تدل عليها" )كتاب الصناعتين . (348، أما ابن رشيق فيرى أنها "في كل نوع من الكلام لمحة دالة ، واختصار وتلويح يعرف مجملًا ومعناه بعيد من ظاهر لفظه" )العمدة  . ج1/ 302) .

إنّ مصطلح السيمياء مرادف لمصطلح الدلالة، وقد بحث فيه اللغويون العرب القدامى قبل أن تظهر مقولات السيميائيين والتداوليين المعاصرين، حين ظهرت كتاباتهم في غريب القرآن ومجاز القرآن وكتب الوجوه والنظائر )البشير، سعدية موسى .(2010 لقد نظر العلماء العرب إلى دلالة اللفظ في سياقين مختلفين : السياق اللغوي، والسياق التداولي. في ذلك يقول عبد القاهر الجرجاني : "وإنك لتجد اللفظة الواحدة قد اكتسبت فيها فوائد حتى تراها مكررة في موضع، ولها في كل موضع من تلك المواضع شأن مفرد، وشرف منفرد، ...ومن خصائصها التي تذكر وهي عنوان مناقبها، أنها تعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ حتى تخرج من الصدفة الدرر، وتجني من الغصن الواحد أنواعا من الثمر" )أسرار البلاغة : .(33

كانت البدايات الأولى للسميائيات عند الغربيين مع بداية القرن العشرين. واستنادا إلى دي سوسير: فإننا "نستطيع إذن أن نتصور علما يدرس حياة الرموز والدلالات المتداولة في الوسط المجتمعي  ... ونطلق عليه مصطلح علم الدلالة" )قنيني، عبد القادر. :1987 ص(26 حينما اكتشف دي سوسير أن اللغة ليست الوسيلة الوحيدة لتواصل البشر، فالبشر قبل استعمال اللغة، كانوا يتواصلون عبر مجموعة من الحركات لأجل التفاهم، لذلك دعا إلى مبحث اسمه السيميولوجيا. عندها بوشر بصياغة حدودها النظرية وتحديد مجالاتها. حيث تم دراسة العلامة واستخراج مجموعة من المبادئ التي يمكن الاسترشاد بها؛ من أجل إنتاج المفاهيم، لتفسير السلوك السميائي، ما دام موضوع السيمائيات الأساس هو المعنى وأشكاله.

أما في العالم العربي فقد ظهر المنهج السيميولوجي في ثمانينيات القرن الماضي، عن طريق الترجمة والاطلاع على الإنتاجات الأدبية المنشورة في أوربا والتلمذة على أساتذة السيميولوجيا في جامعات الغرب )حمداوي، جميل .(1997 حين بدأت السيميولوجيا في المغرب العربي وانتشرت في مصر ودول المشرق العربية؛ عن طريق نشر كتب ودراسات ومقالات تعريفية بالسيميولوجيا وعن طريق الترجمة، وأعمال تطبيقية في شكل كتب أو مقالات ورسائل وأطروحات جامعية تقارب النصوص الأدبية و الفنية والسياسية سيميائياً.

إنّ التواصل اللساني يعدّ أهم أشكال التواصل وأرقاها، مع ذلك وسعت السميائيات من اهتماماتها لتجعل جميع أشكال التواصل التي يستخدمها الإنسان في الاتصال مع الآخر موضوعا لها )بنكراد، سعيد .(2003 فالسمياء لا تكتفي بلغة اللسان أو بالكلام، ولا تكتفي بالأنساق البصرية، بل تدرس مجمل الصيغ التعبيرية التي يستعملها الإنسان بشكل مباشر أو غير مباشر مع الآخرين، بما في ذلك الحواس، لالتقاط ما موجود في محيطه.

صحيح أن تعريف السيمياء ليس بالأمر السهل لوجود اختلافات في وجهات النظر، فهناك من يعتبرها منهجا وآخرون يعتبرونها علماً. إلا إن الأمر لا يتوقف عند ذلك فحسب، بل هناك اختلاف في وجهات النظر حول المرجعية؛ فسوسير نفسه يعد اللسانيات جزءً من السيمياء في حين أن رولان بارت يعتبر السيمياء جزءً من اللسانيات العامة. وتختلف وجهات النظر أيضاً في طريقة تناولها لركنيها الدال والمدلول. إذ تفرقت في اتجاهين رئيسين، الأول : يتمثل بالاتجاه السيموطيقي لـ "بيرس." أما الثاني : فهو الاتجاه السيميولوجي لسوسير، الذي ينحو منحى محايثاً، من خلال قصر السيميائية على الدال والمدلول فحسب. وقد تمخض ظهور هذين الاتجاهين، عن ولادة تيارات متشعبة، كانت تتجاذب حيناً وتتضارب أحياناً أخرى، بسبب اختلاف الإرهاصات النظرية المؤسسة لكل منها، بيد أنها لا تنفك تدور في فلك اتجاهي ثلاثية الإشارة أو ثنائيتها )محمد، عشتار .(2005

المنهج السيميائي يبحث عن المعنى من خلال بنية الاختلاف ولغة الشكل والبنى الدالة. فيركز في العلامة والإشارة والعلاقة بينهما، ما يعني أن السيميائية لا تهتم بالنص ولا بقائله. لذلك فهي مناسبة تماماً للنصوص الأدبية. لكن بعد انتشار المنهج السيميائي في العالم العربي، ظهرت دراسات وبحوث أكاديمية تعنى بتطبيق هذا العلم أو هذه المنهجية على سور القرآن الكريم . من ذلك على سبيل المثال لا الحصر: دراسىة د. بلقاسم دفة "بنية الخطاب السردي في سورة يوسف : دراسة سيميائية"، د. أسامة عبد العزيز جاب الله "جماليات السرد القرﺁني في قصة ذي القرنين : دراسة سيميائية." لذلك تكمن حقيقة المشكلة في أن تلك التطبيقات على نصوص القرآن الكريم لم تأت بشيء جديد يخدم كتاب الله تعالى.

وقد بدت المخرجات في شكل مشتت للمعاني العظيمة عبر التركيز على العلامات السيميائية. فالمشكلة إذن ما جدوى تطبيق الدراسات السيميائية على القرآن الكريم ؟

هدف البحث : يسعى البحث لأجل تشخيص مدى نجاعة تطبيق منهج السيمياء على سور القرآن الكريم، عبر الوقوف على النتائج والمخرجات التي يمكن أن تتمخض عن تطبيقات كهذه. وذلك من خلال المنهج الوصفي التحليلي.

تشتمل المناقشات على؛ مناقشة مفهوم السيمياء وخصائصه. وتحليل النص سيميائيا. وأخيراً تطبيقات المنهج السيميائي على القرآن الكريم.

2 - مفهوم السيمياء :

معنى السيمياء لغةً : السُّومة والسيمة والسيماء والسيمياء : العلامة، والخيل المسوَّمة : هي التي عليها السمة أي العلامة.

السيمياء اصطلاحًا : السيميائية أو السيميولوجيا هي : دراسة حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية )بنكراد، .(2003 فالسيمياء علم من علوم اللسانيات لتحقيق معرفة دقيقة للمعاني المتعلقة بالدال والمدلول من الالفاظ. لكن حديثاً عرف هذا العلم بدراسة أنظمة العلامات التي أبتكرها الإنسان كمنتج له معاني ودلالات لها علاقة بسلوكه الإنساني )الموسوعة الحرة.(

يقول دي سوسور عن السيمياء في كتابه؛ محاضرات في علــم اللغة : "إنها العلم الذي يدرس حياة العلامات من داخل الحياة الاجتماعية، ونستطيع إذن أن نتصور علما يدرس حياة الرموز والدلالات المتداولة في الوسط المجتمعي، وهذا العلم يشكل جزء من علم النفس العام. ونطلق عليه مصطلح علم الدلالة )السيميولوجيا( وهو علم يفيدنا موضوعه الجهة التي تقتنص بها الدلالات والمعاني" )بيار غيرور. :1984 .(50 بهذا التعريف يشخص أحد أبرز مؤسسي اللسانيات؛ ضرورة وجود علم لمعاني العلامات التي يتواصل بها البشر.

عرفها بيارغيرو بأنها: "العلم الذي يهتم بدراسة أنظمة العلامات : اللغات ، وأنظمة والإشارات والتعليمات" )المرتجى، أنور. :1987 .(3 ويفضل الأوربيون مفردة السيمولوجيا التزاماً منهم بالتسمية السوسيرية، أما الأمريكيون فيفضلون السيميوطيقا التي جاء بها المفكر والفيلسوف الأمريكي تشارلي ساندرز بيرس.

فالسيميائيات علم يعنى بدراسة العلامات التي بفضلها يتحقق التواصل بين الناس. أي "العلم الذي يهتم بدراسة الطرق والوسائط التي يحصل من خلالها على معرفة نظام الفلسفة والأخلاق وتوصيل معرفتهما، ويكمن هدفها في الاهتمام بطبيعة الدلائل التي يستعملها العقل بغية فهم الأشياء أو نقل معرفته إلى الآخرين" )داسكال، مارسيلو. :1987 ص.(3 وقد ميز موريس بين ثلاثة فروع للسيميائية هي : التركيب: أي دراسة العلاقات الشكلية بين العلامات، وهذا الفرع تهيمن عليه البنيوية. أما الثاني فهو الدلالة أي دراسة علاقة العلامات بالأشياء، والثالث التداولية التي يعني بها دراسة علاقة العلامات بمؤوليها.

3  - خصائص المنهج السيميائي :

للمنهج السيميائي خصائص ومميزات عامة تحكم عناصره، وتطْبع سائر أدواته الإجرائية والمنهجية. ويمكن إيجازها في النقاط الآتية :

أ. إنه منهج يركز على داخل النص : إذ يهدف إلى بيان شبكة العلاقات القائمة بين عناصر الدال من حروف وكلمات وعبارات - كما في البنيوية - فالمعنى ينظر إليه على أنه أثر ناتج عن شبكة من العلاقات الرابطة بين العناصر )أمعضشو، فريد. .(2010 ومع وضوح وبساطة هذه الخاصية، لكنها أثارت إشكالات نقدية حول مكان وجوده؛ فهل خاصية المحايثة هذه موجودة داخل البنيات النصية أم إنها تقع داخل خارج النص في الذهن ؟

ب. إنه منهج بنيوي : لأن الكثير من مبادئه وعناصره مستمدة من المنهج البنيوي اللساني. فالتحليل السيميولوجي تبنى الإجراءات والمنهجية البنيوية التي أرْساها سوسير، مثل : البنية، والمستوى السطحي، والمستوى العميق، والنسق وغيرها من مصطلحات النقد البنيوي التي تهتم بداخل النص. والبنيوية كما هو معروف، ليست علمًا ولا فنًا معرفيًا؛ إنما هي فرضية منهجية، قصارى ما تنطوي عليه : أنّ الظواهر تتحدد بعلاقات المكونات وشبكة الروابط، أكثر مما تتحدد بماهيات الأشياء. لذلك فهي منبع خصب للرؤى الموغلة في التجريد الشكلي، إلى حد التوسل بأساليب المنطق الصوري أحيانًا )المسدي، 1982، ص.(6: فالبنيوية لا تهتم بأجزاء الظاهرة المدروسة في ذاتها وإنما بالعلاقات القائمة فيما بينها، بما يشكل التناسق والترابط بالمفهوم الكلي )دبة، طيب .(2001 وكذلك هو ديدن السيميائية.

ج. إنه منهج متميز عن اللسانيات : فالسيميائيات - وخاصة السردية - تهتم بالقدرة الَخطابية؛ أي ببناء الخطاب وتنظيمه.

4 - تحليل النصوص سيميائيا :

إذا ما أردنا تحديد الموضوع الرئيس للسيمياء، نجد أنها لا تنفرد بموضوع خاص بها، فالمظهر اليومي لإننسان يشكل موضوع السميائيات، وأن كل ما تتبناه الثقافات هي علامات تكشف عن ممارسات الإنسان؛ فالضحك والبكاء والفرح واللباس والعادات الاجتماعية، كذلك النصوص الأدبية، والأعمال الفنية، كلها علامات يستند إليها الإنسان في التواصل مع محيطه. فكل علامة من هذه العلامات تحتاج إلى تقعيد، لأجل الكشف عن القواعد التي تحكم طريقتها في إنتاج المعنى. وعلى سبيل المثال؛ فالرجل هو الإنسان الراشد، وهذه عناصر تشكل بداية السيرورة، أما القيم الأخرى المرتبطة بالرجل مثل الشجاعة والقوة والحكمة فتلك وحدات لا يمكن أن تفهم إلا استنادا إلى السياقات المحتملة وما توفره الثقافة )بنكراد، سعيد. .(2003

تعد اللغة وآدابها أخصب مجالات التطبيق السيميائي، ذلك أن العلامة اللغوية هي أهم العلامات و يجري قياس العلامات غير اللغوية عليها. للسيميائية استخدامات عديدة منها :كشف الكذب والإشهار والإعلان والسينما والقصص المصورة وقراءة اللوحات التشكيلية )البشير، سعدية موسى. .(2010 وهكذا فإن الموضوع الرئيس للسميائيات هو السيرورة المؤدية إلى إنتاج الدلالة، وهكذا نظر دي سوسير إلى الدلالة باعتبارها سيرورة في التداول؛ فهي لا يمكن أن تكون معطى سابقا أو لاحقا للفعل الإنساني، إنها الفعل ذاته. فكل فعل ينتج قيما دلالية تستند إلى العرف الاجتماعي والاستعمال. فالسيرورة هي الأساس لمعرفة الأنساق الدلالية والإبلاغية.

وتهدف السيميائية في محصلتها إلى تحويل العلوم الإنسانية - اللغة والأدب والفن - من مجرد تأملات وانطباعات إلى علوم بالمعنى الدقيق للكلمة. ويتم ذلك عند التوصل إلى مستوى من التجرد يسهل معه تصنيف مادة الظاهرة ووصفها، من خلال أنساق من العلاقات تكشف عن الأبنية العميقة التي تنطوي عليها )ميكل إفيتش. :2000 .(352 وهذا المستوى من التجريد لايمكن تحقيقه من الناحية العملية لأن الإنسان محكوم بجملة عوامل عقلية ووجدانية وسلوكية وثقافية، تجعل من الظاهرة أمرا معقداً يصعب تصنيفها وتنميطها وفق سلم علمي رصين. فالسيمياء تسعى إلى وضع قانون تقريبي للأفعال الإنسانية. لـهذا لم يكن حكراً على الألسنية وحدها بل إنه يولي الحقول المعرفية الأخرى اهتماماً، "فإذا قلنا إن المعاني التي يضفيها أبناء حضارة ما على الأشياء أو الأفعال ليست عشوائية صرفة، فعندئذ لا بد أن يكون هناك نظام سيموطيقي للفروق والمقولات وقواعد الترابط" )كلر، جوناثان. (2000 : 163) .

5 - عناصرالسيمياء في تحليل النص :

لكي يتم تحليل ونقد نص ما من الناحية السيميائية؛ يركز الناقد السيميائي على ثلاثةِ عناصرَ، هي : العلامة والإشارة والعلاقة بينهما. حيث يذهب الناقد بخياله إلى المعنى والمغزى من الإشارة الموجودة في النص، عن طريق العلاقات التي تخرج لنا العلامة التي يعرّفها السيميائيون بأنها علاقة بين الدال والمدلول. بذلك يتمكن الناقد السيميائي من تحديد جمالياتِ النص الأدبي.

لقد وقع النقد السيميولوجي العربي في اضطرابات اصطلاحية ومفاهيمية في الترجمة. وتعتمد السيميائية في أن النص الأدبي لا يشكل سوى القليل من النص الأدبي كاملًا؛ والمتبقي هو ما يسمى "لا وعي الأديب" الذي يفرغه من عمله الأدبي )حمداوي، جميل .(1997كما يلاحظ على تلك التطبيقات السميائية : إنها عبارة عن تمارين شكلية تغفل الجوانب المرجعية والمضمونية والأبعاد الآيديولوجية، إنها تخلط بين المناهج تلفيقا وانتقاء. إن هذا المنهج السيميائي يقف عند حدود الملاحظة والوصف ولا يتعدى ذلك إلى التقويم والتوجيه الذين يعدان من أهم عناصر النقد الأدبي )حمداوي، جميل. .(1997

وتهتم السيميائيات بدراسة الأنساق الدلالية بين مرسل ومتلق. وتقسم هذه الأنساق بحسب أمعضشو فريد (2010) إلى قسمين رئيسيين هما :

أ.  أنساق دلالية طبيعية : التي توجد في الطبيعة، وتتسم بكونها غير مؤسسية، إلا إن الإنسان وظفها داخل مملكة العلامات؛ أي إنه أسند إليها دلالات مخصوصة.

ب. أنساق دلالية اجتماعية : التي تمتاز بكونها مؤسسية؛ أي قائمة على نوع من المواضعة الاجتماعية، لأنها من نَتاج عمل الإنسان. وقد قسمها إلى صنفين، هما : أنساق لفظية : وهي الأنساق التي يحدثها الإنسان في الصوت، وأنساق غير لفظية : وهي الأنساق التي لا تستعمل أصوات متلفَّظ بها، ولكنها تستعمل أنواعا أخرى من الأشياء.

6 - منهج السيمياء في نصوص القرآن الكريم :

6 - 1 - السيمياء في كتاب الله تعالى :

لقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المصطلح صراحة في سور عدة، منها، قوله تعالى : ﴿تَـعْرفِهم بِسِيمَاهمْ﴾ )البقرة(273: وقوله تعالى : ﴿سِيمَاهمْ فِي وجوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجودِ﴾ )الفتح: (29، وفي قوله تعالى : ﴿وَلَوْ نَشَاء لََأرَيْـنَاكَ همْ فَـلَعَرَفْـتَـهم بِسِيمَاهمْ وَلَتَـعْرفَِـنَّـهمْ فِي لَْحنِ الْقَوْلِ وَاللَّه يَـعْلَم أَعْمَالَكمْ﴾ )سورة محمد: (30 فمصطلح السيمياء بالمعنى اللغوي المقابل للعلامات، معروف عند العرب، حين قال المفسرون الأقدمون : السيماء والسيمياء هي العلامة )الأصفهاني، غريب القرآن : ص .(251

في القرآن الكريم نصوص صريحة تدل على استخدام الإشارة والتواصل بها بين البشر بدلا من الكلام. ففي سورة مريم؛ قال الحق على لسان عيس عليه السلام : ﴿ ... فَإِمَّا تَـرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَـقولِي إِنِّي نَذَرْت لِلرَّحَْمنِ صَوْمًا فَـلَنْ أكَلِّمَ الْيَـوْمَ إِنسِيًّا﴾ )مريم: .(26 لذلك عندما عادت إلى أهلها تحمل مولودها، استنكروا فعلتها وعاتبوها بالقول : ﴿قَالوا يَا مَرْيَم لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَريًِّا * يَا أخْتَ هَا رونَ مَا كَانَ أَبوكِ امْرَأَ سَوْء وَمَاكَانَتْ أمُّكِ بَغِيًّا﴾ )مريم: 27و (28 لكن مريم أجابت أهلها دون أن تكلمهم بل أشارت إلى المولود ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَال واكَيْفَ نكَلِّم مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ )مريم: (29 ففهموا إشارتها على الفور وأجابوها بالقول مستغربين : كيف نكلم من كان في المهد صبيا.

ففي قصة زكريا عليه السلام، عندما بُشِر بيحيى، طلب أن يجعل له الله آيةً. يقول الحق تبارك وتعالى على لسان زكريا عليه السلام : ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَـتكَ أَلَّا تكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَال سَوِيًّا * فَخَرَجَ عَلَى قَـوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحوا بكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ )مريم : (11-10 .عندما أُمِرَ زكريا أن يتوقف عن الكلام، خرج على قومه فـ "أوحى إليهم" دون أن يكلمهم. وفي سورة أخرى جاءت كلمة "رمز" صريحة، في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لَِّي آيَةً قَالَ آيَـتكَ أَلَّا تكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّام إِلَّا رَمْزًا﴾ استثنى الحق من الكلام وسيلة "الرمز"، فزكريا مُنعَ من الكلام وسُمح له بالتواصل مع الناس رمزاً.  وفي هذا تأكيد مبكر جداً على أن الرمز يشترك مع الكلام في عملية التواصل بين بني البشر.

وفي سورة هود : عندما جَاءَتْ الرسل إِبْـرَاهِيمَ بِالْب شْرَى، كانوا على هيئة البشر وسلموا عليه، فحياهم بأحسن من تحيتهم، وجلب لهم لحما مشوياً، فأحس بشيء غريب؛ هو أن الضيفين لا يمدان أيديهما لتناول الطعام، فانتابه الخوف منهم. لأن الضيف الذي لا يأكل الطعام لا بدّ أنْ يضمر شراً. يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿فَـلَمَّا رَأَى أَيْدِيَـهمْ لَا تَصِل إِلَيْهِ نَكِرَهمْ وَأَوْجَسَ مِنْـهمْ خِيفَةً قَالواْ لَا تََخفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَـوْمِ لوط﴾ )هود: (70؛ في ذلك الموقف المحيّر لم يتكلم إبراهيم عليه السلام مع الضيفين، ولم يقل لهما أنا خائف منكما، أو وجس من تصرفكما، بل "أَوْجَسَ مِنْـهمْ خِيفَةً" أي ظهرت عليه علامات الخوف؛ لذلك قالوا له "لا تخف." وجرى عرض ذلك الموقف في سورة أخرى في قوله تعالى : ﴿فَأَوْجَسَ مِنْـهمْ خِيفَةً قَالوا لا تََخفْ وَبَشَّروه بِغ لام عَلِيم﴾ )الذاريات: (28 قالوا له "لا تخف" دون أن يقول لهم إني خائف منكما.

وفي قصة قرآنية أخرى؛ الخصمان الذان ذهبا إلى داوود عليه السلام، وكان في المحراب ففزع منهم ﴿إِذْ دَخَلوا عَلَى دَاوودَ فَفَزعَِ مِنْـهمْ قَالوا لا تََخفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضنَا عَلَى بَعْض ...﴾ )ص:.(22 قال الراغب : الفزع انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف، وهو من جنس الجزع، فالفزع هو شعور ظهرت علاماته على وجه وهيئة سيدنا داوو عليه السلام، فهو لم يقل لهما لقد أفزعتماني، بل دلت علامات وجهه وهيئته على الفزع، الذي سرعان ما تبينه الخصمان فقالا له "لا تخف."

يتبين بجلاء أن السيمياء جاءت لفظة صريحة في القرآن المجيد، وأريد بها العلامة.  كذلك بين القصص القرآني كيف اعتمد الرمز واستعين به للتواصل بين المتحاورين، وأشارت آيات عدة إلى حالات الشكل أو الهيئة التي يفهم منها تعابير غير لفظية كانت واضحة ومفهومة للمقابل الذي تعامل بها بالكلام. لم لا فالطفل الرضيع يفهم تعبيرات وجه والدته قبل أن يتعلم الكلام.

6 - 2 - تطبيقات سيميائية في سور القرآن الكريم :

نناقش في هذا المطلب ثلاث مقالات؛ هدفت إلى تحليل سور من القرآن الكريم وفق دراسات سيميائية. وذلك بهدف الاطلاع على نماذج حية من تلك الدراسات، كي نكون على بينة بالمستوى التحليلي لها، وبمخرجاتها وما تقدمه من تفسيرات بصدد تلك السور.

المقالة الأولى : دراسىة دفة، بلقاسم (2012) "بنية الخطاب السردي في سورة يوسف : دراسة سيميائية: " توصلت الدراسة إلى النتائج الآتية :

أولًا : اللغة السيميائية تمثل نظاماً علاماتياً متميزاً يعكس أحداث القصة ووقائعها في فترة من حياة يوسف عليه السلام.

ثانياً : كان للوحدة السيميائية "قميص" حضور في القصة، وفيها ثلاث دلالات : حين جاء الإخوة على قميص يوسف بدم كذب ... وحين قدَّ قميص يوسف من دبر... وحمل ريح يوسف إلى أبيه، وألقي على وجهه فارتد بصيراً بإذن الله تعالى. نجد أن هذه الوحدة "قميص" أصبحت أداة أساسية في البناء السردي ... وهكذا استحال "القميص" إلى نواة مركزية، نسجت حولها أحداث القصة.

ثالثاً : بروز الوحدة السيميائية "سكين" عن موقعها في قصة يوسف عليه السلام، إذ هي من منظور دلالي تتصل بمعاني التقطيع، والذبح، والقتل، والدم. وكل هذه المعاني لها أثر في نفس المتلقي، حيث توقظ انتباهه وإحساسه، وتنشط انفعالاته، فيصبح مستعداً لفهم الرسالة والتفاعل معها. أما بنيتها العميقة فتومئ إلى دلالات الحقد، والكره، والقسوة، وحب الانتقام، وكلها صفات سيطرت على نفسية امرأة العزيز، وهي تدعو النسوة إلى حضور مأدبة أقامتها لهن في قصرها.

رابعاً : كشفت العلامة السيميائية "ذئب" عن معان ترمز إلى المكر، والخبث، والخيانة، ومخالفة العهد، والافتراس، وكلها صفات ذميمة اتصف بها إخوة يوسف الكبار.

بذلك تلعب الوحدات والعلامات السيميائية؛ )القميص، والسكين، والذئب( دوراً متميزا في قصة سيدنا يوسف عليه السلام.

لا يجد الباحثون في تلك العلامات السيميائية دوراً متميزا في السرد القصصي ! 

فهذه القصة من  أحسن القصص وأكثرها تماما : ﴿نََْحن نَـقصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ﴾ )يوسف: (3؛ وقد فسرت من قبل المفسرين الأجلاء. قبل أن يكون قميص يوسف - عليه السلام - علامة سيميائية؛ حين أشار أبو السعود )ت 982 هـ( إلى القميص بقوله : "كان في قميص يوسف - عليه السلام - ثلاث آيات :

كان دليلًا ليعقوب على كذبهم، وألقاه على وجهه فارتد بصيراً، ودليلًا على براءة يوسف - عليه السلام - حين قُدّ من دبر" )العمادي، أبو السعود. /4 .(260

ويمكن القول، إن أي من تلك الوحدات والعلامات السيميائية برغم دورها في القصة؛ لا يصح أن نوليها اهتماما يفوق الدروس المتوخاة المتمثلة في الصراع بين الحق والباطل، والحسد والغيرة، وحب الانتقام، أهمية عطاء الله سبحانه لبني الإنسان ومنها تأويل الأحاديث، وثبات يعقوب عليه السلام وصبره، وانتصار الحق في نهاية المطاف. فإذا كان للقميص من دور فعلي في القصة فينبغي أن لا يطغى على دور صاحبه الذي عانى من ظلم إخوته له. أما السكين فكانت مكيدة ما كانت لتتم لولا حسن سيدنا يوسف ووسامته، إذ أدركت زوجة العزيز أن النسوة حين يستعملن السكين ويظهر عليهن يوسف سوف ينبهرن بحسنه وطلعته ويغفلن عن استعمال السكين بشكل صحيح ويجرحن أيديهنّ. وبدون تلك الوسامة لم يكن للسكين قيمة في تلك القصة سوى تقشبر الفاكهة. أما الذئب فلم يكن له وجود حقيقي في القصة. فجاءت الدراسة السيميائية بهذه النتائج المتواضعة؛ لأنه ليس بمقدور هذا العلم أو المنهج أن يأتي بشيء أفضل مما جاء آنفاً، لا سيما حينما يطبق في محيط خارج المجال الذي ولد فيه.

لذلك يعتقد الباحث أننا نضيع جوهر القصة ومغزاها حين نلتفت إلى تلك الوحدات والعلامات السيميائية؛ فالسورة حافلة بمشاهد تتجلى فيها انفعالات الغيرة، والحزن، والغضب، والخوف، والسرور، وبحوادث ابتلاء يوسف - عليه السلام - ابتلاء بغيرة إخوته، وابتلاء بالفتنة، وابتلاء بالسجن، وابتلاء بالملك والقوة، وفي السورة أيضاً ابتلاء يعقوب -عليه السلام- بفقدان ابنه، وفقدان بصره، وما عانى من صبر طويل، مع عدم تسرب اليأس إلى نفسه وعدم فقدان الأمل. فمهما طال الابتلاء لا يعني اليأس من روح الله. كذلك مغزى تعلم يوسف لتأويل الأحاديث وكيف تحققت رؤى صاحبَْي يوسف، ورؤيا الملك، ورؤيا يوسف عليه السلام )عشوي، مصطفى. .(2007

المقالة الثانية : مقالة جاب الله، أسامة (2010) "جماليات السرد القرآني في قصة ذي القرنين : دراسة سيميائية"؛ جاء فيها :

"من مبادئء السيميائيات بحسب الوجهة الديكارونية أن جنحت إلى تحليل القصة من أجل إظهار شبكة العلاقات الدلالية الخاصة بها، لأنها هي التي تشكل تمظهر النص القصصي" )ص: .(4 وهذا يعني أن في قوله تعالى :  ... "وَوَجَدَ عِندَهَا قَـوْمًا قـلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَـيِْن إِمَّا أَن تُـعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَـتَّخِذَ فِيهِمْ  حسْنًا" )يوسف: (86؛ أنّ "وحدتا )قوما – العذاب( هما نواة السرد القصصي في هذا التمفصل ومركز النسيج السري السيميائي، فحضورهما في بناء القصة ومحورهما الإدراجي يؤهلهما لتكونا من الوحدات السيميائية المهمة ، فدلالتهما تتصل بالصراع بين الإيمان والكفر، أو بين الإنسان والشيطان" )ص: .(18

وفي قوله تعالى : "قَالوا يَا ذَا الْقَرْنَـيِْن إِنَّ يَأْجوجَ وَمَأْجوجَ مفْسِدونَ فِي الَأرْضِ فَـهَلْ نَجعَل لَكَ

خَرْجًا عَلَى أَن تَجعَلَ بَـيْـنَـنَا وَبَـيْـنَـهمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْـر فَأَعِينونِي بِقوَّة أَجْعَلْ بَـيْـنَكمْ وَبَـيْـنَـهمْ رَدْمًا" )الكهف : (95-94؛ نجد وحدات سيميائية تفيض بالدلالة التي تثري هذا السرد، وهذه الوحدات في )مفسدون في الأرض – خرجاً سداً - مكّنني فيه - ربي - خير - أعينوني -  بقوة ردماً( نجد أنّ "أهم ما يميز السرد في هذا التمفصل الدلالي هو حضور المكان بقوة، بل وهيمنته على زوايا السرد، ونجد ذلك ممثلًا في الوحدات )بين السدين – دونهما – الأرض – سداً – ردماً - بين الصدفين"( )ص: .(23 وهذا يعني أن استخراج الوحدات السيميائية يقتضي بالضرورة تفكيك الآيات لانتقاء تلك الوحدات والتعامل معها لتشكيل شبكة العلاقات.

إنّ هذا التحليل السيميائي لم يزد تلك القصة بلاغة أو حكمة أو موعظة؛ بل راح يتقصى مقاطع لغوية ويحاول إيجاد ما يربطها من معنى. في حين أن ذي القرنين وفق ما جاء في الدراسات التقليدية، جمع شخصية الحاكم العادل والعالم، إلى جانب ورعه وتقواه، واستخدامه القوة في التعمير والإصلاح، وحرصه على العدل بين الناس في مملكته. كان يتفقد أحوال الرعية في المشرق والمغرب، ويتحمل أعباء السفر لتفقد أحوالهم، وتسيير حياتهم على أحسن وجه. أما أن ننتقي دلالات لا تنير أحداث القصة بإشراقات جديدة مفيدة فهو ما ينبغي تجنبه في هذا المقام.

المقالة الثالثة : مقالة حميدي، خالد و حسين، تومان غازي. )د.ت( "البنى الأسلوبية الصوتية في سورة الناس : مقاربة سيميائية تداولية"؛ التي خلصت إلى بعض النتائج ومنها الآتي :

أولًا : أدت الفاصلة وظيفتها هذه بنظم قرائن المستعاذ به، في بنية تشابه ) :تساو بعدد الكلمات(، مقابل بنية الاختلاف في قرائن المستعاذ منه، وبالموازنة بين الإيقاعين نحصَل على أشكال سيميائية ذات دلالة عميقة مؤثرة في المتلقي يتجاوب معها ومع المعاني التي تضمنتها، إذ تولد لديه ميلا وجدانيا نحوَ الخير، ونفورا من الشر.

ثانياً: بيّنت الفاصلة ـ من ناحية تكرارها الجناسي ـ أن السورة الكريمة استثمرت الصوت بكثافة عالية إذ استعملت كلمة )الناس( فاصلة خمس مرات من أصل ست فواصل، وقد تجانست مع اللفظة المخالفة بصورة لزوم ما لا يلزم، في كلمة )الخناس(، التي تتألف من مقطعين : )خن+ناس(، و كأن المقطع الثاني لفظة كاملة هي : )ناس(، فيكون التجانس في الفواصل تاما، إلا أنه يلبي شروط الفاصلة، وهي : تشابه الأصوات واختلاف المعاني، إذ اختلفت معاني لفظة )الناس( عن المعنى المعجمي المألوف إلا في الفاصلة الأخيرة : )من الجنة والناس.( وحصل ذلك بسبب تقنية إعجازية في التركيب الإضافي، الذي حصل بأقصر الطرائق.

ثالثاً : إنّ كثرة تكرار حرف السين في السورة الكريمة يوحي بتأليف صورة سمعية تجعلنا نعرف موضوعها من الصوت المجرد المحاكي لتجليات المرجع )الموسوس( الذي يقدمه السورة الكريمة بوصفه وفعله. وهكذا يتآلف المعنى والنغم متعاضدين )ص: .(321-320

وعلى النقيض من الدراسات التي عرضت آنفا، ناقش سليمان بن علي، )د.ت.( العلاقات السيميائية في النص القرآني : دراسة في دلالة الحسي المشاهد على المجرد الغائب. بهدف إيجاد الصلات الدلالية الدقيقة، التي عبّر عنها القرآن الكريم بين المحسوسات والمجرّدات، والاستدلال بالأولى على الثانية؛ انطلاقا من معيار القصد، في مقابل مبدأ التأويل. وأبسط ما يقال عن هذه الدراسة أنها رصينة وراقية بمعنى الكلمة. غير أن الباحث كان بعيدا عن العلاقات السيميائية؛ حين فسر بشكل دقيق آيات القرآن بالقرآن تارة، واستعان بدقائق اللغة العربية ومدلولاتها تارة أخرى، ورجع إلى آراء المفسرين القدامى، وفق رؤية سياقية ومناقشة علمية رفيعة. ولا بدّ من القول هنا؛ أن هذه الدراسة الراقية في تفسير القرآن ليست من السيمياء في شيء، وإن بدى فيها شيئ من العلاقات داخل بنية النص. إنها دراسة تفسيرية دقيقة وجادة.

7  - تقويم نتائج الدراسات التطبيقية :

عند إلقاء نظرة سريعة على تلك الدراسات؛ فإننا من الناحية الفنية، لا نشكك بصحة ما توصلت إليه من نتائج، لكننا نعتقد بأنها لم تقدم شيئا جديدا سوى الابتعاد عن مراد النص، وتشتيت التركيز إلى معان فرعية في النص. كما أنها لم تكن بمستوى تلك التفاسير التقليدية. هذا باستثناء دراسة سليمان بن علي.

المتمعن في نماذج الدراسات السيميائية التطبيقية للقرآن؛ يجد أن تلك الدراسات كانت متواضعة في أحسن الحالات. إذ لم نعثر حتى الآن على دراسة سيميائية واحدة أضافت شيئا جديدا لبلاغة الكتاب أو جاءت بشيء جديد يخدم كتاب الله تعالى. بل العكس من ذلك؛ فقد جاءت معظم الدراسات السيميائية بنتائج من شأنها تشتيت المعاني العظيمة. فلكي تخدم الدراسات السيميائية كتاب الله تعالى؛ ينبغي لها أن تكون تطبيقاتها بمستوى أفضل من التفاسير التقليدية، وأن تقدم شيئا جديدا، وهو مرحب به على الدوام.

من جانب آخر، يمكن أن نعرب عن الخشية من تفشي هذه الدراسات السيميائية - في كتاب الله تعالى حصراً - لأنها ستحيل القصص القرآني إلى شيء آخر في كثير من الحالات، بل إنها تشتت المعاني الرئيسية العظيمة.

1.7 عيوب ومآخذ المنهج السيميائي :

تبحث السيميائية عن المعنى من خلال بنية الاختلاف ولغة الشكل والبنى الدالة. وهي لذلك لا تهتم بالنص ولا بمن قاله، وإنما تحاول الإجابة عن تساؤل وحيد هو كيف قال النص ما قاله ؟ )حمداوي، جميل (1997 ومن أجل ذلك يفكك النص ويعاد تركيبه من جديد لتحدد ثوابته البنيوية. لذلك لم تَسْلَم السيميائيات من عيوب ومآخذَ، شأنها في ذلك شأن البنيوية بل وسائر المناهج النقدية الأخرى. ومن أبرز المآخذ والانتقادات الموجهة إلى التحليل السيميائي :

أ. إنها ليست علم، مع إن السيميائيين يعتبرونها علما. في حين اعتبرها آخرون ومنهم بارث

"علم غير كاف" )بارث، رولان. :1964 .(92 أما تودوروف و ديكروت فيؤكدان أنها ما تزال في طور تأسيس أصولها المعرفية، وأنه برغم كل ما أنجز لا يمكن الحديث عن بناء علمي متكامل. فالسيمياء تظل مجموعة من الاقتراحات أكثر منها كيانا معرفيا قائما على أساس متين )تودوروف و ديكروت، :1972 .(113 ويرى داسكال أنها ما  تزال في مرحلتها الطفولية لم تتحول بعد إلى علم قائم على تجانس منهجي ومعرفي.

ب. ومن المآخذ المسجلة على السيميائيات أنها غير مستقلة بذاتها، بل اعتمد وجودها على علوم ومناهج أخرى؛ خاصة اللسانيات والبنيوية التي هيمنت على إجراءاتها. لذلك اعتبر التحليل السيميائي خليطا من علوم اللغة والنحو والبلاغة. وقد أكد سوسير أنّ بِناء السيميولوجيا جرى على أساسيات علم النفس الاجتماعي.

أما الانتقادات حول الجانب التطبيقي للدراسات السيميائية فهي :

أ. إنّ أغلب النتائج التي يتم التوصل إليها؛ تظهر بشكل أوراق مرفقة بها أشكال وجداول ورسومات هندسية والأسهم التواصلية؛ لكن الفائدة قليلة جدا تتمثل في لعبة التفكيك والتركيب دون الحصول على معارف جديدة ماعدا القليل من الدراسات والأبحاث الجادة )فاخوري، عادل :1996)182)

ب. إنها مغرقة في التجريد والمنطق . كما إن جلّ الدراسات السيميائية تنهج نهجا شكلانيا مستبعدا المحددات الاجتماعية والثقافية وغيرهَا. وعليه فهي تقترب جدا من المقاربة البنيوية.

ج. طبق المنهج السيميائي بكثرة في دراسة العلامات البسيطة، في حين أن العلامات المعقدة التي تتضمن قدْرا كبيرا من الجمال مثل الشعر واللوحات والأفلام لم تنل حظها من المقاربة السيميائية. د.واستادا إلى أمعضشو، فريد (2010)، فإنَّ المنهج السيميائي يسْقَط في كثير من الممارسات النقدية؛ بشكل آلي على جميع النصوص، دون مراعاة خصوصية كل نص وطبيعته والجنس الأدبي الذي ينتمي إليه.

ولا يخفى على أحد أن مثل هذه الممارسات؛ التي تعنى بتطبيق منهج نقدي، ينبغي أن لا تطال كلام الله تعالى، نظرا لخصوصيته وقدسيته وكماله. فتطبيق منهج السيمياء جاء بنتائج متواضعة أسهمت في طمس المعاني العظيمة لكتاب الله تعالى. هذا ناهيك أنه لا يجوز إخضاع كتاب الله إلى النقد؛ لأن الناقد ليس بأعلم من المؤلف.

8  - خاتمة

بعد انتشار المنهج السيميائي في العالم العربي، ظهرت دراسات كثيرة وبحوث أكاديمية تعنى بتطبيق هذا العلم أو هذه المنهجية على سور القرآن الكريم. صحيح أنّ القرآن الكريم قد نصّ على ذكر مصطلح السيماء بجلاء، وأشارت آيات عدة إلى استخدام الإشارة والتواصل بها بين البشر بدل الكلام، كما في؛ سورة مريم، وفي سورة هود، وسورة ص. لذلك هدف البحث إلى تشخيص ومعرفة مدى نجاعة تطبيق منهج السيمياء على سور القرآن الكريم، والوقوف على النتائج والمخرجات التي يمكن أن تتمخض عن تطبيقات كهذه. اعتمد في هذا البحث المنهج الوصفي التحليلي وجرى استعراض ثلاثة نماذج تطبيقية. ويمكن تبيان أهم النتائج فيما يأتي :

أ. إن معظم التطبيقات السيميائية على القرآن الكريم قد وظفت القرآن لخدمة المنهج السيميائي، والصحيح أن يوظف هذا المنهج لخدمة القرآن، للوصول إلى نتائج عجز عن بلوغها المفسرون القدماء.

ب. يمكن القول أن النتائج المتواضعة لمعظم التطبيقات السيميائية على القرآن الكريم، ناجم عن طبيعة هذا المنهج، إذ ليس بمقدوره الاتيان بشيء أفضل مما جاء. ويعتقد الباحثون أننا نضيع جوهر القصة القرآنية ومغزاها، حينما نلتفت إلى تلك الوحدات والعلامات السيميائية.

ج. إنّ معظم تلك التطبيقات لم تقدم شيئا جديداً، سوى الابتعاد عن مراد النص وتشتيت التركيز عنه إلى معان فرعية في النص . كما أنها لم تكن بمستوى التفاسير التقليدية. والمطلوب دائما هو بيان مراد الله تعالى ومنهجه في النص القرآني، وهو ما أخفقت فيه بامتياز معظم الدراسات السيميائية التطبيقية لحد الآن.

المصادر والمراجع :

الأصفهاني، الراغب. المفردات في غريب القرآن. المحقق صفوان عدنان الداودي. دمشق وبيروت: دار القلم، الدار الشامية

أمعضشو، فريد. .2010 المنهج السيميائي. مقالة منشورة في موقع شبكة الأدب واللغة الباقلاني، أبو بكر محمد. إعجاز القرآن، شرح وتعليق د .محمد عبد المنعم خفاجي، بيروت: دار الجيل.

البشير، سعدية موسى. .2010 السيميائية :أصولها ومناهجها ومصطلحاتها. ورقة مقدمة إلى مؤتمركلية اللغات، جامعة السودان للعلوم والتكنلوجيا.

بنكراد، سعيد. .2003 السيميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها. الدار البيضاء: منشورات الزمن بيبر غيرور. 1984م. السيمياء. ترجمة أنطون أبن زيد، بيروت، لبنان: منشورات عويدات تودوروف و ديكروت. .1982 القاموس الموسوعي في اللغويات، باريس: دار سيويل للنشر.

جاب الله، أسامة. .2010 جماليات السرد القرآني في قصة ذي القرنين: دراسة سيميائية، مقال منشور في شبكة المعلومات

الجاحظ. .1998 البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة: مكتبة الخانجي الجرجاني، عبدالقاهر. 1372هـ . أسرار البلاغة. دار المنار. الطبعة الثالثة ـ ابن جعفر، قدامة. نقد الشعر، المحقق : محمد عبد المنعم خفاجي، بيروت: دار الكتب العلمية

جميل حمداوي ، مدخل إلى المنهج السيميائي، نقلًا عن جانكلودكوكيه وكتابه بالفرنسية. الكويت: مجلة عالم الفكر، المجلد الثالث مارس 1997م

جميل حمداوي، سيميولوجيا التواصل وسيميولوجيا الدلالة. مقال منشور في موقع ديوان العرب. فبراير 2007 جوناثانكلر. .2000 فرناند دي سوسير: أصول اللسانيات الحديثة وعلم العلامات. ترجمة عز الدين

إسماعيل. القاهرة، مصر: المكتبة الأكاديمية

حميدي، خالد و حسين، تومان غازي. )د.ت.( البنى الأسلوبية الصوتية في سورة الناس: مقاربة سيميائية تداولية. مقال منشور في شبكة المعلومات

داسكال مارسيلو. .1987 الاتجاهات السيميولوجية المعاصرة. ترجمة لجنة من الأساتذة الجامعيين، الدار البيضاء، المغرب: أفريقيا الشرق

دبة، طيب. .2001 مباديء اللسانيات البنيوية. الجزائر: جامعة الأغواط، جمعية الأدب للأساتذة الباحثين.

دفة، بلقاسم. .2012 بنية الخطاب السردي في سورة يوسف: دراسة سيميائية. مقال في شبكة المعلومات دي سوسير، فردناند. .1987 محاضرات في علم اللسان العام: البحث السيميائي. ترجمة عبد القادر قنيني.

مراجعة أحمد حبيبي. الدار البيضاء، المغرب: إفريقيا الشرق

رولان بارث. عناصر السيمولوجيا. مقال منشور في مجلة الاتصالات، العدد4 لسنة 1964

العسكري، أبو هلال. .1989كتاب الصناعتين: الكتابةوالشعر، تحقيق مفيد قميحة، بيروت: دار الكتب العلمية

عشوي، مصطفى. .2007 سورة يوسف: قراةْ نفسية. مجلة جامعة الملك سعود، م 15، ص-879 .922 ابن علي، سليمان. )د.ت.( العلاقات السيميائية في النص القرآني: دراسة في دلالة الحسي المشاهد على المجرد

الغائب. ورقة مقدمة إلى الملتقى الثالث السيمياء والنص الأدبي، جامعة الأغواط- الجزائر، -83 .89 العمادي، أبو السعود. )ب.ت.( إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم. بيروت: دار إحياء التراث العربي. الغزالي، أبو حامد. المستصفى في علم الأصول، ج1، بيروت: دار الكتب العلمية

فاخوري، عادل. حول إشكالية السيميولوجيا )السيمياء.( مجلة عالم الفكر، مج 24، ع 3، .1996 القيرواني، ابن رشيق الأزدي.1981. العمدة في محاسن الشعر وادابه ونقده، تحقيق محمد محي الدين عبد

الحميد، بيروت : دار الجيل الكتب المترجمة :

محمد، عشتار. .2005 الإشارة الجمالية في المثل القرآني. دمشق : منشورات اتحاد الكتاب العرب المرتجى، أنور. .1987 سيميائية النص الأدبي. الدار البيضاء : أفريقيا الشرق

المسدي، عبد السلام. .1982 الأسلوبية والأسلوب. ط2، تونس: الدار العربية للكتاب مفتاح، محمد. .1989 في سيمياء الشعر القديم : دراسة نظرية وتطبيقية. المغرب : دار الثقافة. ابن منظور. .1968 لسان العرب، مجلد 2، بيروت، لبنان : دار صادر.

ميكل إفيتش. .2000 اتجاهات البحث اللساني. ترجمة سعد عبدالعزيز مصلوح، وفاءكامل فايد، مصر:

المجلس الأعلى للثقافة، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية .