الدراسات السيميائية للقرآن الكريم .
د.أياد عبد الله ، أديبة سليمان محمد ، هشام الدين أحمد ، محمد نجيب جعفر ، نور حميمي زين الدين ، كريمبوي راشد عبد الحميد ، لبنى عبد الرحمن (1) .
(1) كلية دراسات اللغات الرئيسة ، جامعة العلوم الإسلامية الماليزية .
ملخص :
السيمياء تعني الإشارة أو العلامة ، ولقد ذكر القرآن الكريم هذا المصطلح في سور عدة ، في آيات تدلل على استخدام الإشارة للتواصل بين البشر بدل الكلام . ثم عرض المفسرون والبلاغيون القدماء، مثل الجاحظ وقدامة بن جعفر والعسكري المصطلح بقرون طويلة، قبل أن يصبح ضمن اللسانيات العامة. تكمن المشكلة في أنّ الدراسات السيميائية التطبيقية انتشرت لتشمل سور القرآن الكريم، وقد لوحظ أن معظم التطبيقات لم تأت بشيء جديد يخدم كتاب الله تعالى ، أو يفيد في تبيان مراد الله . من ناحية أخرى ركزت معظم الدراسات على العلاقات والعلامات وهي أمور فرعية ، لا يكون لها السبق والصدارة في نص القرآن. لذلك يهدف البحث مناقشة جدوى الدراسات السيميائية لسور القرآن الكريم، وتشخيص مدى نجاعة تطبيق منهج السيمياء على سور القرآن الكريم، والوقوف على النتائج التي تمخضتْ عن تلك التطبيقات. ومن خلال المنهج الوصفي التحليلي تمت مناقشة الموضوع في ثلاثة مباحث هي؛ مفهوم السيمياء، وتحليل النصوص سيميائيا، وتطبيق هذا المنهج على نصوص القرآن الكريم. وبعد استعراض ثلاثة نماذج من التطبيقات، دلت النتائج أن معظم تطبيقات هذا المنهج على نص مقدس؛ لم يزد في تفسير السورة بلاغة أو حكمة، وكان من شأنه ضياع جوهر القصة القرآنية ومغزاها، وتشتيت المعاني العظيمة للسورة بسبب الالتفات إلى تلك الوحدات والعلامات السيميائية . يوصي الباحثون - في ظلِّ هذا الواقع - أن لا يطبق هذا المنهج النقدي على كلام الله تعالى المتميز بخصوصيته وقدسيته وكماله . فالمطلوب دائماً هو بيان مراد الله تعالى ومنهجه في القرآن، وهو ما أخفقت فيه بامتياز معظم التطبيقات السيميائية لحد الآن .
كلمات دالَّة : سيمياء ، تحليل النصوص ، تفسير القرآن ، مخرجات التطبيق ، تشتيت المعاني .
1 - مقدمة :
تعني السيمياء الإشارة أو العلامة ، وهي مستمدة من معنى الإشارة في لغة العرب الذي يدور حول الإيماء، وقد حفلت كتب الأقدمين بإشارات تخص العلامة ومكوناتها وطرق إنتاجها وتلقيها، في محاولة لفهم الدلالات التي ينتجها الإنسان في محيطه. فمصطلح السيمياء )الإشارة( ورد في لسان العرب : "أشار إليه وشوّر: أومأ، يكون ذلك بالكف والعين والحاجب" )ابن منظور. مجلد .(381/2 وقد تطرق البلاغيون القدامى إلى الإشارة؛ فهي عند الجاحظ : أقصى درجة من الإيجاز التي تستغني تماماً عن الكلام، والاكتفاء بالتلويح الذي قد يكون باليد أو العين أو الحاجب أو غير ذلك من الجوارح، للتعبير عن الخاص الخاص من المعنى . لذلك كانت الإشارة لديه أبلغ من الصوت وهي من تمام حسن البيان )البيان والتبيين / ج.(55 / 1 وعند قدامة بن جعفر: "أن يكون اللفظ القليل مشتملًا على معان كثيرة بإيماء إليها أو لمحة تدل عليها) "نقد الشعر. .(174 ويشاطره الرأي أبو هلال العسكري: في "أن يكون اللفظ القليل مشاراً به إلى معان كثيرة بإيحاء إليها ولمحة تدل عليها" )كتاب الصناعتين . (348، أما ابن رشيق فيرى أنها "في كل نوع من الكلام لمحة دالة ، واختصار وتلويح يعرف مجملًا ومعناه بعيد من ظاهر لفظه" )العمدة . ج1/ 302) .
إنّ مصطلح السيمياء مرادف لمصطلح الدلالة، وقد بحث فيه اللغويون العرب القدامى قبل أن تظهر
مقولات السيميائيين والتداوليين المعاصرين، حين
ظهرت كتاباتهم في غريب القرآن ومجاز
القرآن
وكتب الوجوه والنظائر )البشير، سعدية موسى
.(2010 لقد نظر العلماء العرب إلى دلالة
اللفظ في
سياقين
مختلفين :
السياق اللغوي، والسياق التداولي.
في ذلك يقول عبد القاهر الجرجاني : "وإنك لتجد اللفظة الواحدة قد اكتسبت فيها فوائد حتى تراها مكررة في موضع، ولها في كل موضع من تلك المواضع شأن مفرد،
وشرف
منفرد، ...ومن خصائصها التي تذكر وهي
عنوان مناقبها،
أنها
تعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ حتى تخرج من الصدفة الدرر، وتجني من الغصن الواحد أنواعا من الثمر" )أسرار البلاغة :
.(33
كانت البدايات الأولى
للسميائيات عند الغربيين مع بداية
القرن العشرين. واستنادا إلى دي
سوسير:
فإننا "نستطيع إذن أن نتصور علما يدرس حياة الرموز والدلالات المتداولة في الوسط المجتمعي ... ونطلق عليه مصطلح
علم الدلالة" )قنيني، عبد القادر. :1987 ص(26 حينما اكتشف دي سوسير أن اللغة ليست الوسيلة الوحيدة لتواصل البشر، فالبشر قبل استعمال اللغة، كانوا يتواصلون عبر مجموعة من الحركات لأجل التفاهم، لذلك دعا إلى مبحث اسمه السيميولوجيا.
عندها بوشر بصياغة حدودها النظرية وتحديد مجالاتها. حيث تم دراسة العلامة واستخراج مجموعة من المبادئ التي يمكن الاسترشاد بها؛ من أجل إنتاج المفاهيم، لتفسير السلوك السميائي، ما دام موضوع السيمائيات الأساس هو المعنى
وأشكاله.
أما في العالم العربي فقد ظهر المنهج السيميولوجي في ثمانينيات القرن الماضي، عن طريق الترجمة والاطلاع على الإنتاجات الأدبية المنشورة في أوربا والتلمذة على أساتذة السيميولوجيا في جامعات الغرب )حمداوي، جميل .(1997 حين بدأت السيميولوجيا في المغرب العربي وانتشرت في مصر ودول المشرق العربية؛ عن طريق نشر كتب ودراسات ومقالات تعريفية بالسيميولوجيا وعن طريق الترجمة، وأعمال تطبيقية في شكل كتب أو مقالات ورسائل وأطروحات جامعية تقارب النصوص الأدبية و الفنية والسياسية سيميائياً.
إنّ التواصل اللساني
يعدّ أهم أشكال
التواصل وأرقاها، مع ذلك وسعت
السميائيات من اهتماماتها
لتجعل جميع أشكال التواصل التي يستخدمها الإنسان في الاتصال مع الآخر موضوعا لها )بنكراد، سعيد .(2003 فالسمياء لا تكتفي بلغة اللسان أو بالكلام، ولا تكتفي بالأنساق البصرية، بل تدرس مجمل الصيغ التعبيرية التي يستعملها الإنسان بشكل مباشر أو غير مباشر مع الآخرين، بما في ذلك الحواس،
لالتقاط ما موجود في محيطه.
صحيح أن تعريف السيمياء ليس بالأمر السهل لوجود اختلافات في وجهات النظر، فهناك من يعتبرها منهجا وآخرون يعتبرونها علماً. إلا إن الأمر لا يتوقف عند ذلك فحسب، بل هناك اختلاف في وجهات النظر حول المرجعية؛
فسوسير نفسه يعد اللسانيات جزءً من السيمياء في حين أن رولان بارت يعتبر
السيمياء جزءً من اللسانيات العامة. وتختلف وجهات النظر
أيضاً في
طريقة تناولها لركنيها الدال والمدلول. إذ تفرقت في اتجاهين رئيسين، الأول :
يتمثل بالاتجاه السيموطيقي لـ "بيرس." أما الثاني :
فهو الاتجاه السيميولوجي لسوسير، الذي ينحو منحى محايثاً، من خلال قصر السيميائية على الدال
والمدلول فحسب. وقد تمخض ظهور هذين الاتجاهين، عن ولادة تيارات متشعبة، كانت تتجاذب حيناً وتتضارب أحياناً أخرى، بسبب اختلاف الإرهاصات النظرية المؤسسة لكل منها، بيد أنها لا تنفك تدور في فلك اتجاهي ثلاثية الإشارة أو ثنائيتها )محمد، عشتار .(2005
المنهج السيميائي يبحث عن المعنى من خلال بنية الاختلاف ولغة الشكل والبنى الدالة. فيركز في العلامة والإشارة والعلاقة بينهما، ما يعني أن السيميائية لا تهتم بالنص ولا بقائله. لذلك فهي مناسبة تماماً للنصوص الأدبية. لكن بعد انتشار المنهج السيميائي في العالم العربي، ظهرت دراسات وبحوث أكاديمية تعنى بتطبيق هذا العلم أو هذه المنهجية على سور القرآن الكريم . من ذلك على سبيل المثال لا الحصر: دراسىة د. بلقاسم دفة "بنية الخطاب السردي في سورة يوسف : دراسة سيميائية"، د. أسامة عبد العزيز جاب الله "جماليات السرد القرﺁني في قصة ذي القرنين : دراسة سيميائية." لذلك تكمن حقيقة المشكلة في أن تلك التطبيقات على نصوص القرآن الكريم لم تأت بشيء جديد يخدم كتاب الله تعالى.
وقد بدت المخرجات في شكل مشتت للمعاني العظيمة عبر التركيز على العلامات السيميائية.
فالمشكلة إذن ما جدوى تطبيق الدراسات السيميائية على
القرآن الكريم ؟
هدف البحث : يسعى البحث لأجل تشخيص مدى نجاعة
تطبيق
منهج السيمياء على سور القرآن الكريم، عبر الوقوف على النتائج والمخرجات التي يمكن أن تتمخض عن تطبيقات كهذه. وذلك من خلال المنهج الوصفي التحليلي.
تشتمل المناقشات على؛ مناقشة مفهوم السيمياء وخصائصه. وتحليل النص سيميائيا. وأخيراً تطبيقات المنهج السيميائي على القرآن الكريم.
2 - مفهوم السيمياء :
معنى السيمياء لغةً :
السُّومة والسيمة والسيماء والسيمياء :
العلامة، والخيل المسوَّمة : هي التي عليها السمة أي العلامة.
السيمياء اصطلاحًا :
السيميائية أو السيميولوجيا هي : دراسة حياة العلامات
داخل الحياة الاجتماعية
)بنكراد، .(2003
فالسيمياء علم من علوم اللسانيات لتحقيق معرفة دقيقة للمعاني المتعلقة بالدال والمدلول من الالفاظ.
لكن حديثاً عرف هذا العلم بدراسة أنظمة العلامات التي أبتكرها الإنسان كمنتج له معاني
ودلالات لها علاقة بسلوكه الإنساني
)الموسوعة الحرة.(
يقول دي سوسور عن السيمياء في كتابه؛ محاضرات في علــم اللغة : "إنها العلم الذي يدرس حياة العلامات من داخل الحياة الاجتماعية، ونستطيع إذن أن نتصور علما يدرس حياة الرموز والدلالات المتداولة في الوسط المجتمعي، وهذا العلم يشكل جزء من علم النفس العام. ونطلق عليه مصطلح علم الدلالة )السيميولوجيا(
وهو علم يفيدنا موضوعه الجهة التي تقتنص بها الدلالات والمعاني" )بيار غيرور.
:1984 .(50 بهذا التعريف يشخص أحد أبرز مؤسسي اللسانيات؛ ضرورة وجود علم
لمعاني العلامات التي يتواصل بها البشر.
عرفها بيارغيرو بأنها: "العلم الذي يهتم بدراسة أنظمة العلامات : اللغات ، وأنظمة والإشارات والتعليمات" )المرتجى، أنور. :1987 .(3 ويفضل الأوربيون مفردة السيمولوجيا التزاماً منهم بالتسمية السوسيرية، أما الأمريكيون فيفضلون السيميوطيقا التي جاء بها المفكر والفيلسوف الأمريكي تشارلي ساندرز بيرس.
فالسيميائيات علم يعنى بدراسة العلامات التي بفضلها يتحقق التواصل بين الناس. أي "العلم الذي يهتم بدراسة الطرق والوسائط التي يحصل من خلالها على معرفة نظام الفلسفة والأخلاق وتوصيل معرفتهما، ويكمن هدفها في الاهتمام بطبيعة الدلائل التي يستعملها العقل بغية فهم الأشياء أو نقل معرفته إلى الآخرين" )داسكال، مارسيلو. :1987 ص.(3 وقد ميز موريس بين ثلاثة فروع للسيميائية هي : التركيب: أي دراسة العلاقات الشكلية بين العلامات، وهذا الفرع تهيمن عليه البنيوية. أما الثاني فهو الدلالة أي دراسة علاقة العلامات بالأشياء، والثالث التداولية التي يعني بها دراسة علاقة العلامات بمؤوليها.
3 - خصائص المنهج السيميائي :
للمنهج السيميائي خصائص ومميزات عامة تحكم عناصره، وتطْبع سائر أدواته الإجرائية والمنهجية. ويمكن إيجازها في النقاط
الآتية :
أ.
إنه منهج يركز على داخل النص : إذ يهدف إلى بيان شبكة العلاقات القائمة بين عناصر الدال من حروف وكلمات وعبارات - كما في البنيوية - فالمعنى ينظر إليه على أنه أثر ناتج عن شبكة من العلاقات الرابطة بين العناصر )أمعضشو، فريد.
.(2010 ومع وضوح وبساطة هذه الخاصية، لكنها أثارت إشكالات نقدية حول مكان وجوده؛ فهل خاصية المحايثة هذه موجودة داخل البنيات النصية أم إنها تقع داخل خارج النص
في الذهن ؟
ب. إنه منهج بنيوي : لأن الكثير من مبادئه وعناصره مستمدة من المنهج البنيوي اللساني. فالتحليل السيميولوجي تبنى الإجراءات والمنهجية البنيوية التي أرْساها سوسير، مثل : البنية، والمستوى السطحي، والمستوى العميق، والنسق وغيرها من مصطلحات النقد البنيوي التي تهتم بداخل النص. والبنيوية كما هو معروف، ليست علمًا ولا فنًا معرفيًا؛ إنما هي فرضية منهجية، قصارى ما تنطوي عليه : أنّ الظواهر تتحدد بعلاقات المكونات وشبكة الروابط، أكثر مما تتحدد بماهيات الأشياء. لذلك فهي منبع خصب للرؤى الموغلة في التجريد الشكلي، إلى حد التوسل بأساليب المنطق الصوري أحيانًا )المسدي، 1982، ص.(6: فالبنيوية لا تهتم بأجزاء الظاهرة المدروسة في ذاتها وإنما بالعلاقات القائمة فيما بينها، بما يشكل التناسق والترابط بالمفهوم الكلي )دبة، طيب .(2001 وكذلك هو ديدن السيميائية.
ج.
إنه منهج متميز عن اللسانيات :
فالسيميائيات - وخاصة السردية -
تهتم بالقدرة الَخطابية؛ أي ببناء الخطاب وتنظيمه.
4 - تحليل النصوص سيميائيا :
إذا ما أردنا تحديد الموضوع الرئيس للسيمياء، نجد أنها لا تنفرد بموضوع خاص بها، فالمظهر اليومي لإننسان يشكل موضوع السميائيات،
وأن كل ما تتبناه الثقافات هي علامات تكشف عن ممارسات الإنسان؛
فالضحك والبكاء والفرح واللباس والعادات الاجتماعية، كذلك النصوص الأدبية، والأعمال الفنية، كلها
علامات يستند إليها الإنسان في التواصل مع محيطه.
فكل علامة من هذه العلامات تحتاج إلى تقعيد، لأجل الكشف عن القواعد التي تحكم طريقتها في إنتاج المعنى.
وعلى سبيل المثال؛ فالرجل هو الإنسان الراشد، وهذه عناصر تشكل بداية السيرورة، أما القيم الأخرى المرتبطة بالرجل مثل الشجاعة والقوة والحكمة فتلك وحدات لا يمكن
أن تفهم إلا
استنادا إلى السياقات المحتملة وما
توفره الثقافة
)بنكراد، سعيد.
.(2003
تعد اللغة وآدابها أخصب مجالات التطبيق السيميائي، ذلك أن العلامة اللغوية هي أهم العلامات و يجري قياس العلامات غير اللغوية عليها. للسيميائية استخدامات عديدة منها :كشف الكذب والإشهار والإعلان والسينما والقصص المصورة وقراءة اللوحات التشكيلية )البشير، سعدية موسى. .(2010 وهكذا فإن الموضوع الرئيس للسميائيات هو السيرورة المؤدية إلى إنتاج الدلالة، وهكذا نظر دي سوسير إلى الدلالة باعتبارها سيرورة في التداول؛ فهي لا يمكن أن تكون معطى سابقا أو لاحقا للفعل الإنساني، إنها الفعل ذاته. فكل فعل ينتج قيما دلالية تستند إلى العرف الاجتماعي والاستعمال. فالسيرورة هي الأساس لمعرفة الأنساق الدلالية والإبلاغية.
وتهدف السيميائية في محصلتها إلى تحويل العلوم الإنسانية - اللغة والأدب والفن - من مجرد تأملات وانطباعات إلى علوم بالمعنى الدقيق للكلمة. ويتم ذلك عند التوصل إلى مستوى من التجرد يسهل معه تصنيف مادة الظاهرة ووصفها، من خلال أنساق من العلاقات تكشف عن الأبنية العميقة التي تنطوي عليها )ميكل إفيتش. :2000 .(352 وهذا المستوى من التجريد لايمكن تحقيقه من الناحية العملية لأن الإنسان محكوم بجملة عوامل عقلية ووجدانية وسلوكية وثقافية، تجعل من الظاهرة أمرا معقداً يصعب تصنيفها وتنميطها وفق سلم علمي رصين. فالسيمياء تسعى إلى وضع قانون تقريبي للأفعال الإنسانية. لـهذا لم يكن حكراً على الألسنية وحدها بل إنه يولي الحقول المعرفية الأخرى اهتماماً، "فإذا قلنا إن المعاني التي يضفيها أبناء حضارة ما على الأشياء أو الأفعال ليست عشوائية صرفة، فعندئذ لا بد أن يكون هناك نظام سيموطيقي للفروق والمقولات وقواعد الترابط" )كلر، جوناثان. (2000 : 163) .
5 - عناصرالسيمياء في تحليل النص :
لكي يتم تحليل
ونقد نص
ما من
الناحية السيميائية؛ يركز الناقد السيميائي
على ثلاثةِ
عناصرَ، هي : العلامة والإشارة والعلاقة بينهما. حيث يذهب الناقد بخياله إلى المعنى والمغزى من الإشارة الموجودة في
النص،
عن طريق العلاقات التي تخرج لنا العلامة التي يعرّفها السيميائيون بأنها علاقة بين الدال والمدلول. بذلك يتمكن
الناقد السيميائي من تحديد جمالياتِ
النص الأدبي.
لقد وقع النقد
السيميولوجي العربي في اضطرابات اصطلاحية
ومفاهيمية في الترجمة. وتعتمد السيميائية
في أن النص الأدبي لا يشكل سوى القليل من النص الأدبي كاملًا؛ والمتبقي هو ما يسمى "لا وعي الأديب" الذي يفرغه من عمله الأدبي
)حمداوي، جميل .(1997كما يلاحظ على تلك التطبيقات السميائية : إنها عبارة عن تمارين شكلية تغفل الجوانب المرجعية والمضمونية والأبعاد الآيديولوجية، إنها تخلط بين المناهج تلفيقا وانتقاء. إن هذا المنهج السيميائي يقف عند حدود الملاحظة والوصف ولا يتعدى ذلك إلى التقويم والتوجيه الذين يعدان من أهم عناصر النقد الأدبي )حمداوي، جميل.
.(1997
وتهتم السيميائيات بدراسة الأنساق الدلالية بين مرسل ومتلق. وتقسم هذه الأنساق بحسب أمعضشو فريد (2010) إلى قسمين رئيسيين هما :
أ. أنساق دلالية طبيعية : التي توجد في الطبيعة، وتتسم بكونها غير مؤسسية، إلا إن الإنسان وظفها داخل مملكة العلامات؛ أي إنه أسند إليها دلالات مخصوصة.
ب. أنساق دلالية اجتماعية : التي تمتاز بكونها مؤسسية؛ أي قائمة على نوع من المواضعة الاجتماعية، لأنها من نَتاج عمل الإنسان. وقد قسمها إلى صنفين، هما : أنساق لفظية : وهي الأنساق التي يحدثها الإنسان في الصوت، وأنساق غير لفظية : وهي الأنساق التي لا تستعمل أصوات متلفَّظ بها، ولكنها تستعمل أنواعا أخرى من الأشياء.
6 - منهج السيمياء في نصوص القرآن الكريم :
6 - 1 - السيمياء في كتاب الله تعالى :
لقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المصطلح صراحة في سور عدة، منها، قوله تعالى : ﴿تَـعْرفِهم بِسِيمَاهمْ﴾
)البقرة(273: وقوله تعالى :
﴿سِيمَاهمْ فِي وجوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجودِ﴾ )الفتح:
(29، وفي قوله تعالى : ﴿وَلَوْ نَشَاء لََأرَيْـنَاكَ همْ فَـلَعَرَفْـتَـهم بِسِيمَاهمْ وَلَتَـعْرفَِـنَّـهمْ فِي لَْحنِ الْقَوْلِ وَاللَّه يَـعْلَم أَعْمَالَكمْ﴾ )سورة محمد: (30 فمصطلح السيمياء بالمعنى
اللغوي المقابل للعلامات، معروف عند
العرب، حين قال المفسرون الأقدمون : السيماء والسيمياء هي
العلامة )الأصفهاني، غريب
القرآن : ص .(251
في القرآن الكريم نصوص صريحة تدل على استخدام الإشارة والتواصل بها بين البشر بدلا من الكلام. ففي سورة مريم؛ قال الحق على لسان عيس عليه السلام : ﴿ ... فَإِمَّا تَـرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَـقولِي إِنِّي نَذَرْت لِلرَّحَْمنِ صَوْمًا فَـلَنْ أكَلِّمَ الْيَـوْمَ إِنسِيًّا﴾ )مريم: .(26 لذلك عندما عادت إلى أهلها تحمل مولودها، استنكروا فعلتها وعاتبوها بالقول : ﴿قَالوا يَا مَرْيَم لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَريًِّا * يَا أخْتَ هَا رونَ مَا كَانَ أَبوكِ امْرَأَ سَوْء وَمَاكَانَتْ أمُّكِ بَغِيًّا﴾ )مريم: 27و (28 لكن مريم أجابت أهلها دون أن تكلمهم بل أشارت إلى المولود ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَال واكَيْفَ نكَلِّم مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ )مريم: (29 ففهموا إشارتها على الفور وأجابوها بالقول مستغربين : كيف نكلم من كان في المهد صبيا.
ففي قصة زكريا عليه السلام، عندما بُشِر بيحيى، طلب أن يجعل له الله آيةً. يقول الحق تبارك وتعالى على لسان زكريا عليه السلام : ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَـتكَ أَلَّا تكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَال سَوِيًّا * فَخَرَجَ عَلَى قَـوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحوا بكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ )مريم : (11-10 .عندما أُمِرَ زكريا أن يتوقف عن الكلام، خرج على قومه فـ "أوحى إليهم" دون أن يكلمهم. وفي سورة أخرى جاءت كلمة "رمز" صريحة، في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لَِّي آيَةً قَالَ آيَـتكَ أَلَّا تكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّام إِلَّا رَمْزًا﴾ استثنى الحق من الكلام وسيلة "الرمز"، فزكريا مُنعَ من الكلام وسُمح له بالتواصل مع الناس رمزاً. وفي هذا تأكيد مبكر جداً على أن الرمز يشترك مع الكلام في عملية التواصل بين بني البشر.
وفي سورة هود : عندما جَاءَتْ الرسل إِبْـرَاهِيمَ بِالْب شْرَى، كانوا على هيئة البشر وسلموا عليه، فحياهم بأحسن من تحيتهم، وجلب لهم لحما مشوياً، فأحس بشيء غريب؛ هو أن الضيفين لا يمدان أيديهما لتناول الطعام، فانتابه الخوف منهم. لأن الضيف الذي لا يأكل الطعام لا بدّ أنْ يضمر شراً. يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿فَـلَمَّا رَأَى أَيْدِيَـهمْ لَا تَصِل إِلَيْهِ نَكِرَهمْ وَأَوْجَسَ مِنْـهمْ خِيفَةً قَالواْ لَا تََخفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَـوْمِ لوط﴾ )هود: (70؛ في ذلك الموقف المحيّر لم يتكلم إبراهيم عليه السلام مع الضيفين، ولم يقل لهما أنا خائف منكما، أو وجس من تصرفكما، بل "أَوْجَسَ مِنْـهمْ خِيفَةً" أي ظهرت عليه علامات الخوف؛ لذلك قالوا له "لا تخف." وجرى عرض ذلك الموقف في سورة أخرى في قوله تعالى : ﴿فَأَوْجَسَ مِنْـهمْ خِيفَةً قَالوا لا تََخفْ وَبَشَّروه بِغ لام عَلِيم﴾ )الذاريات: (28 قالوا له "لا تخف" دون أن يقول لهم إني خائف منكما.
وفي قصة قرآنية أخرى؛ الخصمان الذان ذهبا إلى داوود عليه السلام، وكان في المحراب ففزع منهم ﴿إِذْ دَخَلوا عَلَى دَاوودَ فَفَزعَِ مِنْـهمْ قَالوا لا تََخفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضنَا عَلَى بَعْض ...﴾ )ص:.(22 قال الراغب : الفزع انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف، وهو من جنس الجزع، فالفزع هو شعور ظهرت علاماته على وجه وهيئة سيدنا داوو عليه السلام، فهو لم يقل لهما لقد أفزعتماني، بل دلت علامات وجهه وهيئته على الفزع، الذي سرعان ما تبينه الخصمان فقالا له "لا تخف."
يتبين بجلاء أن السيمياء جاءت لفظة صريحة في القرآن المجيد، وأريد بها العلامة. كذلك بين القصص القرآني كيف اعتمد الرمز واستعين به للتواصل بين المتحاورين، وأشارت آيات عدة إلى حالات الشكل أو
الهيئة التي يفهم منها تعابير
غير لفظية كانت
واضحة ومفهومة
للمقابل الذي تعامل بها بالكلام. لم لا فالطفل الرضيع يفهم تعبيرات وجه والدته قبل أن يتعلم الكلام.
6 - 2 - تطبيقات سيميائية في سور القرآن الكريم :
نناقش في هذا
المطلب ثلاث مقالات؛ هدفت إلى
تحليل سور
من القرآن
الكريم وفق دراسات سيميائية. وذلك بهدف الاطلاع على نماذج حية من تلك الدراسات، كي نكون على بينة بالمستوى التحليلي لها، وبمخرجاتها
وما تقدمه
من تفسيرات بصدد تلك
السور.
المقالة الأولى : دراسىة دفة، بلقاسم (2012) "بنية الخطاب السردي في سورة يوسف : دراسة سيميائية: " توصلت الدراسة إلى
النتائج الآتية :
أولًا : اللغة السيميائية تمثل نظاماً علاماتياً متميزاً يعكس أحداث القصة ووقائعها في فترة من حياة يوسف
عليه السلام.
ثانياً : كان للوحدة السيميائية "قميص" حضور في القصة، وفيها ثلاث دلالات : حين جاء الإخوة على قميص يوسف بدم كذب ... وحين قدَّ قميص يوسف من دبر... وحمل ريح يوسف إلى أبيه، وألقي على وجهه فارتد بصيراً بإذن الله تعالى. نجد أن هذه الوحدة "قميص" أصبحت أداة أساسية في البناء السردي ... وهكذا استحال "القميص" إلى نواة مركزية، نسجت حولها أحداث القصة.
ثالثاً :
بروز الوحدة السيميائية "سكين" عن موقعها في قصة يوسف عليه السلام، إذ هي من منظور دلالي
تتصل بمعاني
التقطيع، والذبح، والقتل، والدم. وكل هذه المعاني لها أثر
في نفس
المتلقي، حيث توقظ انتباهه وإحساسه، وتنشط انفعالاته،
فيصبح مستعداً لفهم الرسالة والتفاعل معها. أما بنيتها العميقة فتومئ إلى دلالات الحقد، والكره، والقسوة، وحب الانتقام،
وكلها صفات سيطرت على نفسية
امرأة العزيز، وهي تدعو النسوة إلى حضور مأدبة أقامتها لهن في قصرها.
رابعاً : كشفت العلامة السيميائية "ذئب"
عن معان ترمز إلى المكر، والخبث، والخيانة، ومخالفة العهد، والافتراس، وكلها صفات
ذميمة اتصف
بها إخوة
يوسف الكبار.
بذلك تلعب الوحدات والعلامات السيميائية؛ )القميص، والسكين، والذئب( دوراً متميزا في قصة سيدنا يوسف
عليه السلام.
لا يجد الباحثون في تلك العلامات السيميائية دوراً متميزا في السرد القصصي !
فهذه القصة من أحسن القصص وأكثرها تماما : ﴿نََْحن نَـقصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ﴾ )يوسف: (3؛ وقد فسرت من قبل المفسرين الأجلاء. قبل أن يكون قميص يوسف - عليه السلام - علامة سيميائية؛ حين أشار أبو السعود )ت 982 هـ( إلى القميص بقوله : "كان في قميص يوسف - عليه السلام - ثلاث آيات :
كان دليلًا ليعقوب على كذبهم، وألقاه على
وجهه فارتد بصيراً، ودليلًا على براءة يوسف - عليه السلام -
حين قُدّ من دبر" )العمادي، أبو السعود.
/4 .(260
ويمكن القول، إن أي من تلك الوحدات والعلامات السيميائية برغم دورها في القصة؛ لا يصح أن نوليها اهتماما يفوق الدروس المتوخاة المتمثلة في الصراع بين الحق والباطل، والحسد والغيرة، وحب الانتقام، أهمية عطاء الله سبحانه لبني الإنسان ومنها تأويل الأحاديث، وثبات يعقوب عليه السلام وصبره، وانتصار الحق في نهاية المطاف. فإذا كان للقميص من دور فعلي في القصة فينبغي أن لا يطغى على دور صاحبه الذي عانى من ظلم إخوته له. أما السكين فكانت مكيدة ما كانت لتتم لولا حسن سيدنا يوسف ووسامته، إذ أدركت زوجة العزيز أن النسوة حين يستعملن السكين ويظهر عليهن يوسف سوف ينبهرن بحسنه وطلعته ويغفلن عن استعمال السكين بشكل صحيح ويجرحن أيديهنّ. وبدون تلك الوسامة لم يكن للسكين قيمة في تلك القصة سوى تقشبر الفاكهة. أما الذئب فلم يكن له وجود حقيقي في القصة. فجاءت الدراسة السيميائية بهذه النتائج المتواضعة؛ لأنه ليس بمقدور هذا العلم أو المنهج أن يأتي بشيء أفضل مما جاء آنفاً، لا سيما حينما يطبق في محيط خارج المجال الذي ولد فيه.
لذلك يعتقد الباحث أننا نضيع جوهر القصة ومغزاها حين نلتفت إلى تلك الوحدات والعلامات
السيميائية؛ فالسورة حافلة
بمشاهد تتجلى فيها انفعالات الغيرة، والحزن، والغضب، والخوف، والسرور، وبحوادث ابتلاء يوسف - عليه السلام - ابتلاء بغيرة إخوته، وابتلاء بالفتنة، وابتلاء بالسجن، وابتلاء بالملك والقوة، وفي السورة أيضاً ابتلاء يعقوب -عليه السلام- بفقدان ابنه، وفقدان بصره، وما عانى من صبر طويل، مع عدم تسرب اليأس إلى نفسه وعدم فقدان الأمل. فمهما طال الابتلاء لا يعني اليأس من روح الله. كذلك مغزى تعلم يوسف لتأويل الأحاديث وكيف تحققت رؤى صاحبَْي يوسف، ورؤيا الملك، ورؤيا
يوسف عليه
السلام )عشوي، مصطفى.
.(2007
المقالة الثانية : مقالة جاب الله، أسامة (2010) "جماليات السرد القرآني في قصة ذي القرنين :
دراسة سيميائية"؛ جاء
فيها :
"من مبادئء السيميائيات بحسب الوجهة الديكارونية أن جنحت إلى تحليل القصة من أجل إظهار شبكة العلاقات الدلالية الخاصة بها، لأنها هي التي تشكل تمظهر النص القصصي"
)ص:
.(4 وهذا يعني أن في قوله تعالى : ... "وَوَجَدَ عِندَهَا قَـوْمًا قـلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَـيِْن إِمَّا أَن تُـعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَـتَّخِذَ فِيهِمْ
حسْنًا" )يوسف: (86؛ أنّ "وحدتا )قوما –
العذاب(
هما نواة السرد القصصي في هذا التمفصل ومركز النسيج السري السيميائي، فحضورهما
في بناء
القصة ومحورهما
الإدراجي يؤهلهما لتكونا من الوحدات السيميائية المهمة ، فدلالتهما تتصل بالصراع بين الإيمان والكفر، أو بين الإنسان والشيطان" )ص: .(18
وفي قوله تعالى :
"قَالوا يَا ذَا الْقَرْنَـيِْن إِنَّ يَأْجوجَ وَمَأْجوجَ مفْسِدونَ فِي الَأرْضِ فَـهَلْ نَجعَل
لَكَ
خَرْجًا عَلَى أَن تَجعَلَ بَـيْـنَـنَا وَبَـيْـنَـهمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْـر فَأَعِينونِي بِقوَّة أَجْعَلْ بَـيْـنَكمْ وَبَـيْـنَـهمْ رَدْمًا" )الكهف : (95-94؛ نجد وحدات سيميائية تفيض بالدلالة التي تثري هذا السرد، وهذه الوحدات في )مفسدون في الأرض – خرجاً سداً - مكّنني فيه - ربي - خير - أعينوني - بقوة ردماً( نجد أنّ "أهم ما يميز السرد في هذا التمفصل الدلالي هو حضور المكان بقوة، بل وهيمنته على زوايا السرد، ونجد ذلك ممثلًا في الوحدات )بين السدين – دونهما – الأرض – سداً – ردماً - بين الصدفين"( )ص: .(23 وهذا يعني أن استخراج الوحدات السيميائية يقتضي بالضرورة تفكيك الآيات لانتقاء تلك الوحدات والتعامل معها لتشكيل شبكة العلاقات.
إنّ هذا التحليل السيميائي لم يزد تلك القصة بلاغة أو حكمة أو موعظة؛ بل راح يتقصى مقاطع لغوية ويحاول إيجاد
ما يربطها
من معنى. في حين أن
ذي القرنين
وفق ما
جاء في
الدراسات التقليدية، جمع شخصية الحاكم
العادل والعالم، إلى جانب ورعه
وتقواه، واستخدامه القوة في التعمير والإصلاح،
وحرصه على
العدل بين
الناس في
مملكته. كان يتفقد أحوال الرعية في
المشرق والمغرب، ويتحمل أعباء السفر لتفقد أحوالهم، وتسيير حياتهم على أحسن وجه.
أما أن ننتقي دلالات لا تنير أحداث القصة بإشراقات جديدة مفيدة فهو ما ينبغي تجنبه في هذا المقام.
المقالة الثالثة : مقالة حميدي، خالد و حسين، تومان غازي.
)د.ت( "البنى الأسلوبية الصوتية في سورة الناس : مقاربة سيميائية تداولية"؛ التي خلصت إلى بعض النتائج ومنها الآتي :
أولًا : أدت الفاصلة وظيفتها هذه بنظم قرائن المستعاذ به، في بنية تشابه ) :تساو بعدد الكلمات(، مقابل بنية الاختلاف في قرائن المستعاذ منه، وبالموازنة بين الإيقاعين نحصَل على أشكال سيميائية ذات دلالة عميقة مؤثرة في المتلقي يتجاوب معها ومع المعاني التي تضمنتها، إذ تولد لديه ميلا وجدانيا نحوَ الخير، ونفورا من الشر.
ثانياً:
بيّنت الفاصلة ـ من ناحية تكرارها الجناسي ـ
أن السورة الكريمة استثمرت الصوت بكثافة عالية إذ استعملت كلمة )الناس( فاصلة خمس مرات من أصل ست فواصل، وقد تجانست مع اللفظة المخالفة بصورة لزوم ما لا يلزم، في كلمة )الخناس(، التي تتألف من مقطعين : )خن+ناس(، و كأن المقطع الثاني لفظة كاملة هي : )ناس(، فيكون التجانس في الفواصل تاما، إلا أنه يلبي شروط الفاصلة، وهي :
تشابه الأصوات واختلاف المعاني، إذ اختلفت معاني لفظة )الناس( عن المعنى المعجمي المألوف إلا في الفاصلة الأخيرة :
)من الجنة والناس.( وحصل ذلك بسبب تقنية إعجازية في التركيب الإضافي، الذي حصل بأقصر الطرائق.
ثالثاً :
إنّ كثرة تكرار حرف السين في السورة الكريمة يوحي بتأليف صورة سمعية تجعلنا نعرف موضوعها
من الصوت
المجرد المحاكي لتجليات المرجع )الموسوس( الذي يقدمه السورة الكريمة
بوصفه وفعله. وهكذا يتآلف المعنى
والنغم متعاضدين )ص: .(321-320
وعلى النقيض من الدراسات التي عرضت آنفا، ناقش سليمان بن علي، )د.ت.( العلاقات السيميائية في النص القرآني : دراسة في دلالة الحسي المشاهد على المجرد الغائب. بهدف إيجاد الصلات الدلالية الدقيقة، التي عبّر عنها القرآن الكريم بين المحسوسات والمجرّدات، والاستدلال بالأولى على الثانية؛ انطلاقا من معيار القصد، في مقابل مبدأ التأويل. وأبسط ما يقال عن هذه الدراسة أنها رصينة وراقية بمعنى الكلمة. غير أن الباحث كان بعيدا عن العلاقات السيميائية؛ حين فسر بشكل دقيق آيات القرآن بالقرآن تارة، واستعان بدقائق اللغة العربية ومدلولاتها تارة أخرى، ورجع إلى آراء المفسرين القدامى، وفق رؤية سياقية ومناقشة علمية رفيعة. ولا بدّ من القول هنا؛ أن هذه الدراسة الراقية في تفسير القرآن ليست من السيمياء في شيء، وإن بدى فيها شيئ من العلاقات داخل بنية النص. إنها دراسة تفسيرية دقيقة وجادة.
7 - تقويم نتائج الدراسات التطبيقية :
عند إلقاء نظرة سريعة على تلك الدراسات؛ فإننا من الناحية الفنية، لا نشكك بصحة ما توصلت إليه من نتائج، لكننا نعتقد بأنها لم تقدم شيئا جديدا سوى الابتعاد عن مراد النص، وتشتيت التركيز إلى معان فرعية في النص. كما أنها لم تكن بمستوى تلك التفاسير التقليدية.
هذا باستثناء دراسة سليمان بن علي.
المتمعن في نماذج الدراسات السيميائية التطبيقية للقرآن؛ يجد أن تلك الدراسات كانت متواضعة في أحسن الحالات. إذ لم نعثر
حتى الآن
على دراسة
سيميائية واحدة أضافت شيئا جديدا
لبلاغة
الكتاب أو جاءت بشيء
جديد يخدم كتاب
الله تعالى. بل العكس من
ذلك؛ فقد
جاءت معظم
الدراسات السيميائية بنتائج من شأنها تشتيت المعاني العظيمة. فلكي تخدم الدراسات السيميائية كتاب الله تعالى؛ ينبغي لها أن تكون تطبيقاتها بمستوى
أفضل
من التفاسير التقليدية، وأن تقدم شيئا جديدا، وهو مرحب
به على
الدوام.
من جانب آخر، يمكن أن نعرب عن الخشية من
تفشي هذه الدراسات السيميائية - في كتاب الله تعالى حصراً -
لأنها ستحيل القصص القرآني إلى شيء آخر في كثير من الحالات، بل إنها تشتت المعاني الرئيسية العظيمة.
1.7 عيوب ومآخذ المنهج السيميائي :
تبحث السيميائية عن المعنى من خلال بنية الاختلاف ولغة الشكل والبنى الدالة. وهي لذلك لا تهتم بالنص ولا بمن قاله، وإنما تحاول الإجابة عن تساؤل وحيد هو كيف قال النص ما قاله ؟ )حمداوي، جميل (1997 ومن أجل ذلك يفكك النص ويعاد تركيبه من جديد لتحدد ثوابته البنيوية. لذلك لم تَسْلَم السيميائيات من عيوب ومآخذَ، شأنها في ذلك شأن البنيوية بل وسائر المناهج النقدية الأخرى. ومن أبرز المآخذ والانتقادات الموجهة إلى التحليل السيميائي :
أ.
إنها ليست علم، مع إن السيميائيين يعتبرونها علما. في حين اعتبرها آخرون ومنهم بارث
"علم غير كاف" )بارث، رولان.
:1964 .(92 أما تودوروف و ديكروت فيؤكدان أنها ما تزال في طور تأسيس أصولها المعرفية، وأنه برغم كل ما أنجز لا يمكن الحديث عن بناء علمي متكامل. فالسيمياء تظل مجموعة من الاقتراحات أكثر منها كيانا معرفيا قائما على أساس متين )تودوروف و ديكروت، :1972 .(113
ويرى داسكال أنها ما تزال في مرحلتها الطفولية لم تتحول بعد إلى علم قائم
على تجانس منهجي ومعرفي.
ب.
ومن المآخذ المسجلة على السيميائيات أنها غير
مستقلة بذاتها، بل اعتمد وجودها على علوم ومناهج أخرى؛ خاصة اللسانيات والبنيوية التي هيمنت على إجراءاتها.
لذلك اعتبر التحليل السيميائي خليطا
من علوم اللغة والنحو
والبلاغة. وقد أكد سوسير أنّ
بِناء السيميولوجيا
جرى على
أساسيات علم النفس الاجتماعي.
أما الانتقادات حول الجانب التطبيقي للدراسات السيميائية فهي :
أ. إنّ أغلب النتائج التي يتم التوصل إليها؛ تظهر بشكل أوراق مرفقة بها أشكال وجداول ورسومات هندسية والأسهم التواصلية؛ لكن الفائدة قليلة جدا تتمثل في لعبة التفكيك والتركيب دون الحصول على معارف جديدة ماعدا القليل من الدراسات والأبحاث الجادة )فاخوري، عادل :1996)182)
ب.
إنها مغرقة في التجريد والمنطق . كما إن جلّ الدراسات السيميائية تنهج نهجا شكلانيا مستبعدا المحددات الاجتماعية
والثقافية وغيرهَا. وعليه فهي تقترب
جدا من
المقاربة البنيوية.
ج. طبق المنهج السيميائي بكثرة في دراسة العلامات البسيطة، في حين أن العلامات المعقدة التي تتضمن قدْرا كبيرا من الجمال مثل الشعر واللوحات والأفلام لم تنل حظها من المقاربة السيميائية. د.واستادا إلى أمعضشو، فريد (2010)، فإنَّ المنهج السيميائي يسْقَط في كثير من الممارسات النقدية؛ بشكل آلي على جميع النصوص، دون مراعاة خصوصية كل نص وطبيعته والجنس الأدبي الذي ينتمي إليه.
ولا يخفى على
أحد أن مثل
هذه
الممارسات؛ التي
تعنى بتطبيق
منهج
نقدي، ينبغي أن لا تطال كلام الله
تعالى، نظرا لخصوصيته وقدسيته وكماله. فتطبيق منهج السيمياء
جاء بنتائج
متواضعة أسهمت في طمس المعاني العظيمة لكتاب الله تعالى. هذا ناهيك أنه لا يجوز
إخضاع كتاب الله إلى النقد؛
لأن الناقد
ليس بأعلم
من المؤلف.
8 - خاتمة
بعد انتشار المنهج السيميائي في العالم العربي، ظهرت دراسات كثيرة وبحوث أكاديمية تعنى بتطبيق هذا العلم أو هذه المنهجية على سور القرآن الكريم.
صحيح أنّ القرآن الكريم قد نصّ على ذكر مصطلح السيماء بجلاء، وأشارت آيات عدة إلى استخدام الإشارة والتواصل بها بين البشر بدل الكلام، كما في؛ سورة مريم، وفي سورة هود، وسورة ص.
لذلك هدف البحث إلى تشخيص ومعرفة مدى نجاعة تطبيق منهج السيمياء على سور القرآن الكريم، والوقوف على النتائج والمخرجات التي يمكن أن تتمخض عن تطبيقات كهذه.
اعتمد في هذا البحث المنهج الوصفي التحليلي وجرى استعراض ثلاثة نماذج تطبيقية.
ويمكن تبيان أهم النتائج
فيما يأتي :
أ.
إن معظم التطبيقات السيميائية على القرآن الكريم قد وظفت القرآن لخدمة المنهج السيميائي، والصحيح أن يوظف هذا المنهج لخدمة القرآن، للوصول إلى نتائج عجز عن بلوغها المفسرون
القدماء.
ب. يمكن القول أن النتائج المتواضعة
لمعظم التطبيقات
السيميائية على القرآن الكريم، ناجم عن طبيعة هذا المنهج، إذ ليس بمقدوره الاتيان بشيء أفضل مما جاء. ويعتقد الباحثون أننا نضيع جوهر القصة القرآنية ومغزاها، حينما نلتفت إلى تلك الوحدات والعلامات السيميائية.
ج. إنّ معظم تلك التطبيقات لم تقدم شيئا جديداً، سوى الابتعاد عن مراد النص وتشتيت التركيز عنه إلى معان فرعية في النص . كما أنها لم تكن بمستوى التفاسير التقليدية. والمطلوب دائما هو بيان مراد الله تعالى ومنهجه في النص القرآني، وهو ما أخفقت فيه بامتياز معظم الدراسات السيميائية التطبيقية لحد الآن.
المصادر والمراجع :
الأصفهاني، الراغب. المفردات في غريب القرآن. المحقق صفوان عدنان الداودي.
دمشق وبيروت: دار القلم، الدار الشامية
أمعضشو، فريد. .2010 المنهج السيميائي. مقالة منشورة في موقع شبكة الأدب واللغة الباقلاني، أبو بكر محمد. إعجاز القرآن، شرح وتعليق د .محمد عبد المنعم خفاجي، بيروت: دار الجيل.
البشير،
سعدية موسى. .2010 السيميائية :أصولها
ومناهجها ومصطلحاتها. ورقة
مقدمة إلى مؤتمركلية اللغات، جامعة السودان للعلوم
والتكنلوجيا.
بنكراد، سعيد. .2003 السيميائيات مفاهيمها
وتطبيقاتها. الدار البيضاء: منشورات الزمن بيبر غيرور.
1984م. السيمياء.
ترجمة أنطون أبن زيد، بيروت، لبنان:
منشورات عويدات تودوروف و ديكروت.
.1982 القاموس الموسوعي في اللغويات، باريس:
دار سيويل للنشر.
جاب الله، أسامة.
.2010 جماليات السرد القرآني
في قصة ذي القرنين:
دراسة سيميائية، مقال منشور في شبكة المعلومات
الجاحظ. .1998 البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة: مكتبة الخانجي الجرجاني، عبدالقاهر. 1372هـ . أسرار البلاغة. دار المنار. الطبعة الثالثة ـ ابن جعفر، قدامة. نقد الشعر، المحقق : محمد عبد المنعم خفاجي، بيروت: دار الكتب العلمية
جميل حمداوي ، مدخل إلى المنهج السيميائي، نقلًا عن جانكلودكوكيه وكتابه بالفرنسية.
الكويت: مجلة عالم الفكر، المجلد الثالث مارس 1997م
جميل حمداوي، سيميولوجيا التواصل وسيميولوجيا الدلالة.
مقال منشور في موقع ديوان العرب.
فبراير 2007 جوناثانكلر.
.2000 فرناند دي سوسير:
أصول اللسانيات الحديثة
وعلم
العلامات.
ترجمة عز الدين
إسماعيل. القاهرة، مصر: المكتبة الأكاديمية
حميدي، خالد و حسين، تومان غازي.
)د.ت.(
البنى الأسلوبية الصوتية في سورة الناس:
مقاربة سيميائية تداولية. مقال منشور في شبكة المعلومات
داسكال
مارسيلو. .1987 الاتجاهات
السيميولوجية المعاصرة.
ترجمة لجنة من الأساتذة
الجامعيين، الدار البيضاء، المغرب: أفريقيا الشرق
دبة، طيب. .2001 مباديء اللسانيات البنيوية. الجزائر: جامعة الأغواط، جمعية الأدب للأساتذة الباحثين.
دفة، بلقاسم.
.2012 بنية الخطاب السردي في سورة يوسف:
دراسة سيميائية.
مقال في شبكة المعلومات دي سوسير، فردناند.
.1987 محاضرات في علم اللسان العام:
البحث السيميائي.
ترجمة عبد القادر قنيني.
مراجعة أحمد حبيبي. الدار
البيضاء، المغرب: إفريقيا الشرق
رولان بارث. عناصر
السيمولوجيا. مقال منشور في مجلة الاتصالات، العدد4 لسنة 1964
العسكري، أبو هلال.
.1989كتاب الصناعتين:
الكتابةوالشعر، تحقيق مفيد قميحة، بيروت:
دار الكتب العلمية
عشوي، مصطفى.
.2007 سورة يوسف:
قراةْ نفسية.
مجلة جامعة الملك سعود، م 15، ص-879
.922 ابن علي، سليمان.
)د.ت.(
العلاقات السيميائية في النص القرآني:
دراسة في دلالة الحسي المشاهد على المجرد
الغائب.
ورقة مقدمة إلى الملتقى الثالث السيمياء والنص الأدبي، جامعة الأغواط-
الجزائر، -83 .89 العمادي، أبو السعود.
)ب.ت.(
إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم.
بيروت: دار إحياء التراث العربي. الغزالي، أبو حامد.
المستصفى في علم الأصول، ج1، بيروت:
دار الكتب العلمية
فاخوري، عادل.
حول إشكالية السيميولوجيا )السيمياء.(
مجلة عالم الفكر، مج 24، ع 3، .1996
القيرواني، ابن رشيق الأزدي.1981.
العمدة في محاسن الشعر وادابه ونقده، تحقيق محمد محي الدين عبد
الحميد، بيروت :
دار الجيل الكتب المترجمة :
محمد، عشتار.
.2005 الإشارة الجمالية في المثل القرآني.
دمشق : منشورات اتحاد الكتاب العرب المرتجى، أنور. .1987 سيميائية النص الأدبي. الدار البيضاء : أفريقيا الشرق
المسدي، عبد
السلام. .1982 الأسلوبية والأسلوب. ط2، تونس: الدار العربية
للكتاب
مفتاح، محمد.
.1989 في سيمياء الشعر القديم :
دراسة نظرية وتطبيقية.
المغرب : دار الثقافة.
ابن منظور. .1968
لسان العرب، مجلد 2، بيروت، لبنان : دار صادر.
ميكل إفيتش. .2000 اتجاهات البحث اللساني. ترجمة سعد عبدالعزيز مصلوح، وفاءكامل فايد، مصر:
المجلس الأعلى للثقافة، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية .