بوصلة لا تشير الى القدس مشبوهة

بوصلة لا تشير الى القدس مشبوهة
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الصدق وخفايا كامب ديفيد .


الصدق وخفايا كامب ديفيد .
د.عصمت سيف الدولة .

الصدق منجاة :

1 - في يوم 25 أبريل الماضي احتفلت الدولة "بعيد سيناء" أو كما قيل بمرور أربع سنوات على "تحرير سيناء" . وشارك رئيس الدولة في ذلك الاحتفال بالذهاب الى أقصى ما يمكن الوصول اليه شرقا من أرض سيناء . هنالك تحدث الى المواطنين حديث صدق فقال : ان أي شعب لا يملك غذاءه لا يملك ارادته . قبل ذلك بنحو أسبوعين أو أكثر قليلا التقى ورجال القضاء في القاهرة وتحدث اليهم حديث صدق فقال : ان شعب مصر لا يمتلك ما يكفيه غذاء بل يعتمد في القدر الأكبر منه على الولايات المتحدة الأمريكية . وهكذا عبر رئيس الدولة عن أصدق الحقائق وأكثرها مرارة في تاريخنا المعاصر . اننا لا نملك من ارادتنا المستقلة عن الإرادة الأمريكية الا القدر الذي تسمح لنا به الولايات المتحدة الأمريكية بحكم أننا لا نملك من غذائنا قدرا يغنينا عن الاعتماد عليها . حقيقة مرة ، نعم .. فليس ثمة أكثر مرارة ، ومذلة أيضا ، من أن دولة أجنبية تسلبنا حرية الإرادة . وتختلس استقلالنا ، لا لأنها هزمتنا في حرب ولكن لأنها تقبض على أمعائنا . ومع ذلك فان صدق رئيس الجمهورية - وهو أكثر الناس علما بالواقع – في التعبير عن الحقيقة المرة ، وافشاء خبرها لكل المواطنين ، يستحق الإشادة والاحتفاء والتمسك به لأنه مدخلنا الى التحرر من التبعية الى الولايات المتحدة الأمريكية واسترداد استقلالنا الوطني . اذن انطلاقا من معرفة ما نفتقده  يمكن بالأسلوب المناسب استرداده . واذا كان الاستقلال الوطني هو ما نفتقده فان صدق الاعتراف بهذه الحقيقة كفيل – هو وحده كفيل – يأن يحشد كل الشعب وقواه الوطنية من أجل التحرر الوطني ، وارجاء الصراعات الجانبية حول القضايا التي تهبط ، تحت الحاح قضية الاستقلال الوطني ، الى مراتب ثانوية ، كما حدث ويحدث في تاريخ كل الشعوب حينما يتعرض استقلالها للضياع أو الاعتداء .

الخفايا :

 2 - وحتى يشيع الصدق كاملا ننتهز فرصة الاحتفال بيوم 25 أبريل لنضع تحت نظر المواطنين ما خفى من اتفاقيات كامب ديفيد ، مع التأكيد على أن ما سنذكره منقولا من مواثيقه ، لا ينال من تلك الخطوة التي تمت وهي جلاء جند الصهاينة عن أرض سيناء . فليس ثمة عربي سوي الفكر أو سوي الشخصية لا يسعده انتزاع ولو قدم صهيوني واحد من أية أرض عربية ولو كانت شبرا واحدا . ولكن ليس من استواء الفكر أو استواء الشخصية الكذب السلبي . أي إخفاء الثمن الفادح الذي فرضته اتفاقيات كامب ديفيد على مصر مقابل أن يجلو جند الصهاينة عن أرض سيناء بدون أن تعود سيادة مصر اليها لنقع في براثن الولايات المتحدة الأمريكية . وما خفي كان أعظم فلنتحدث عنه تباعا . ونقدم عليه أدلته من الوثائق ، ثم نقدم على ادانته أدلة من أقوال صاحبه . الله يرحمه .

التفريط :

3 ـ في يوم 22 مارس 1975 قال أنور السادات فى خطابه إلى مجلس الشعب  :" من ناحيتنا كنا نعرف ما نريد . انسحاب جديد من سيناء يشمل المضايق والبترول . هذا الانسحاب يتصل بخطوات متماثلة على الجبهة السورية والجبهة الفلسطينية .. ولا نريد إنهاء حالة الحرب وثلثي سيناء سوف يظل حتى بعد المرحلة المقترحة من الانسحاب تحت احتلال العدو . ثم كيف نريد أو نملك إنهاء حالة الحرب ولم يظهر تحرك على الجولان . ولا ظهرت نية تحرك من الضفة الغربية أو من غزة ، وأولا وقبل كل شيء من القدس ؟. كيف نريد ذلك أو نملكه عمليا وكيف نريد ذلك تاريخيا " . وقال يوم 4 يونيو سنة 1975 في حديث إلى التليفزيون اللبناني :" إنه لا يمكن أن توافق مصر على إنهاء حالة الحرب وهناك جندي واحد إسرائيلي على الأرض العربية وإلا كان معنى هذا .. دعوة للإسرائيليين لأن يبقوا على الأرض العربية " .

ولقد استطاع ـ الله يرحمه ـ بتمسكه القوي بعدم إنهاء حالة الحرب إلا بعد تحرر الأرض العربية أن يقنع الأمريكيين والإسرائيليين بترك مطلب إنهاء الحرب قبل الجلاء . فأعلن في 15 مايو سنة 1975 في مؤتمر صحفي في الكويت : "كان عندي كسينجر في مارس الماضي وأثيرت مسألة انهاء الحرب قلت لهم أنا لا أملكها" . ثم قال في حديثه الى التلفزيون اللبناني يوم 4 يونيو 1975 عن كسينجر أيضا : "كان قبل ان يأتي للمنطقة وهو في الولايات المتحدة موضوع كان متفقا عليه وهو أنه لا يمكن أن توافق مصر على انهاء حالة الحرب وهناك جندي واحد إسرائيلي على الأرض العربية" . وفي يوم 22 يونيو سنة 1975 أعلن في حديثه لجريدة الأنوار اللبنانية ما أثلج صدر الكثيرين . قال : "لقد اقتنعت إسرائيل خلال الأيام العشرة الأولى بأن مطلب انتهاء حالة الحرب مرفوض شكلا وموضوعا ولا مناقشة ولذلك نقلت تلاعبها الى ...(موضوع اخر) ..." .

4 - فيما بعد غير رئيس الجمهورية السابق وجهة نظره ، فبدون انتظار ، وبدون مقابل ، وبدون ضمان ، وبصرف النظر عما إذا كان الاتفاق سينفذ أم لا ينفذ ، تضمنت الوثائق الموقعة يوم 26 مارس سنة 1979 ، المسماة "معاهدة السلام"  التزاما صريحا ينفذ ويصبح أمرا واقعا فور تبادل التصديقات على المعاهدة ، مضامينه هي : إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل . (المادة الأولى فقرة 1 من الوثيقة الرئيسية) . الامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد إسرائيل على نحو مباشر أو غير مباشر (المادة الثالثة فقرة 1 بند ج) . كفالة عدم صدور أي فعل من أفعال الحرب أو الأفعال العدوانية  وأفعال العنف أو التهديد بها من داخل مصر حتى لو لم تكن صادرة من قوات خاضعة لسيطرة مصر أو مرابطة على أرضها إذا كانت تلك الأفعال موجهة ضد سكان إسرائيل أو مواطنيها أو ممتلكاتها ، والامتناع عن التنظيم والتحريض أو المساعدة والاشتراك في أي فعل من أفعال الحرب أو أفعال العدوان أو النشاط الهدام أو أفعال العنف الموجهة ضد إسرائيل في أي مكان في العالم ومحاكمة أي مصري يقيم في أي مكان في العالم أو أي أجنبي في مصر ينظم أو يحرض أو يساعد أو يشترك في أي فعل عنف ضد إسرائيل (المادة الخامسة فقرة 2) . الامتناع عن أية دعاية ضد اسرائيل (المادة الخامسة فقرة 3 من البروتوكول) . فتح قناة السويس لمرور السفن والشحنات الإسرائيلية ( المادة الخامسة فقرة 1) . فتح مضايق تيران للملاحة البحرية والجوية لإسرائيل (المادة الخامسة فقرة 2) .

السيادة :

 5 ـ تنص المعاهدة فيما يسمى "الملحق العسكري" على أنه لا يجوز لمصر أن تنشئ أي مطارات حربية في أرض سيناء (المادة 2 فقرة 5) كما لا يجوز لها لأن تستعمل المطارات التي ستخليها إسرائيل في أغراض حربية (المادة 5 فقرة 3) . ولا يجوز لمصر أن تنشئ أية مواني عسكرية في أي موقع على شواطئ سيناء (على البحر الأبيض أو خليج السويس أو خليج العقبة) ولا أن يستخدم أسطولها الحربي الموانئ التي بها (المادة 4 فقرة " أ" و "هـ" )  . ولا يجوز لمصر أن تحتفظ شرق قناة السويس وإلى مدى 58 كيلومترا تقريبا (لم تنشر الخرائط الرسمية لنقول تحديدا) بأكثر من فرقة مشاة ميكانيكية واحدة لا يزيد مجمل أفرادها عن 22 ألفا ولا تزيد أسلحتها على 126 قطعة مدفعية و126 مدفعا مضادا للطائرات عيار 37 مم و230 دبابة و48 عربة مدرعة من جميع الأنواع . ولا يجوز لهذه القوة المحددة العدد والسلاح أن تخطو خطوة واحدة ولو لإجراء مناورات تدريبية شرق الخط المحدد لها بين أرض وطنها وبقية أرض وطنها (المادة الثانية فقرة 2 بند 2 و3 من الملحق العسكري). لا يجوز لمصر أن تكون لها شرق الخط المشار إليه أية قوة عسكرية مقاتلة أو مسلحة بأسلحة قتالية من أي نوع كان ..

عادت سيناء ، وأربعة أخماس سيناء منزوعة السلاح  .

أما بالنسبة إلى الأمن فتتولى حفظه قوات الشرطة المدنية المصرية . على أنه في منطقة تمتد من حوالي 58 كيلو مترا شرق القناة إلى خط يبدأ من قرية الشيخ زويد على البحر الأبيض المتوسط (شرق العريش) وينتهي عند رأس محمد (غرب شرم الشيخ) ويبعد عن حدود مصر الشرقية بحوالي 33 كيلو مترا ، يجوز لمصر أن تستكمل "مهمة البوليس المدني في حفظ النظام" . (هكذا يقول النص) بقوة حرس حدود بشرط ألا تزيد عن أربعة كتائب وأن يقتصر تسليحها على الأسلحة الخفيفة والعربات (المادة 2 فقرة أ بند ب من الملحق العسكري) ولا يجوز لأن تساعدها ـ بحريا ـ إلا زوارق خفر الحدود المسلحة تسليحا خفيفا على أن يقتصر نشاطها على المياه الإقليمية في هذه المنطقة (الماد الرابعة فقرة 2 من الملحق العسكري) . أما باقي سيناء على طول الحدود الشرقية  بعمق 33 كيلو مترا تقريبا ، بما فيها شرم الشيخ ومضايق تيران وشواطئ خليج العقبة فلا يجوز لمصر أن يكون لها إلا شرطة مدنية فقط . لا قوات ولا حرس حدود ولا بوارج ولا زوارق ( المادة 5 فقرة 2 من الملحق العسكري .

هذه هي سيناء التي "تحررت " .

6 - رحم الله رئيس الجمهورية السابق الذي قال وهو يحاول مقاومة الضغوط المجرمة التي مارسوها عليه . "ان الحديث الدائر في إسرائيل عن نزع سلاح سيناء يجب أن يتوقف . فاذا أرادوا نزع سلاح سيناء فسوف أطالب بنزع سلاح اسرائيل كلها . كيف أنزع سلاح سيناء اذا كان من الممكن أن تكون فرصة لتهديدهم في ست ساعات " (حديث الى مجلة تايم الأمريكية يوم 19 – 3 – 1974) . فلما سأله مدير تحرير مجلة نيوزويك الأمريكية يوم 4 - 4 – 1973 : لماذا يكون نزع السلاح من سيناء انتهاكا للسيادة المصرية ؟ قال : "انهم يستطيعون بذلك العودة في أي وقت يريدون خلال ساعات" .

7 - فاذا تركنا جانبا سيادة مصر على سيناء ونظرنا الى سيادة مصر عامة من حيث هي دولة مستقلة نجد أن المعاهدة قد ألزمت مصر بتبادل العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية مع إسرائيل (المادة 3 فقرة 3 من الوثيقة الرئيسية) . وأن تعقد معها اتفاقا تجاريا يهدف لنماء العلاقات الاقتصادية (المادة الثانية فقرة 2 السابقة) . وأن تفتح حدودها للإسرائيليين وسياراتهم وتسمح لهم بحرية التنقل داخلها (المادة 4 فقرة 4 من البروتوكول) . وأن توقع مع إسرائيل اتفاقا للطيران وأن تقيم معها اتصالات بريدية وتليفونية وتلكس ومواصلات لاسلكية وخدمات نقل الارسال التلفزيوني عن طرق الكابلات والراديو والاقمار الصناعية وتنشئ معها سككا حديدية أيضا (المادة 4 و5 و6 من البروتوكول) . ثم أن تبيع لإسرائيل بترول مصر (المحضر الملحق بالبروتوكول) .

وماذا يمكن أن يقال في هذا ؟ .. انها العلاقات الطبيعية التي تقوم بين الدول وقت السلم ، وكل الدول تدخل في مثل هذه العلاقات لتحقيق منافع مشتركة .

لا . لأن الجوهري في العلاقات "الطبيعية" بين الدول وقت السلم أن تكون "طبيعية" . وهي لا تكون طبيعية اذا كانت على حساب سيادتها واستقلالها . والتعريف العلمي الدقيق للسيادة والاستقلال كما هو مسلم به في العالم أجمع هو – على وجه التحديد – حرية الدولة في أن تتخذ أو لا تتخذ قراراتها في شؤونها بدون توقف على أو رقابة من جهة أخرى . وليس الأمر على هذا الوجه الطبيعي في المعاهدة . ان مصر ملزمة بأن تفعل ما هو مشروط عليها وأن تستمر في التزامه ، فاذا لم تفعل أو توقفت تكون قد خرقت المعاهدة . وهكذا تكون قد قبلت أو أكرهت ، على الحد من سيادتها واستقلالها . وسنرى فيما بعد أن الولايات المتحدة الأمريكية "الشريك الكامل" قد أخذت على عاتقها ردع مصر بالقوة .

8 - وقد عبر رئيس الجمهورية السابق عن هذا المعنى عشرات المرات . فهو القائل في مؤتمر صحفي مشترك مع فانس وزير خارجية أمريكا يوم 17 – 2 – 1977 : "اذا كنت تسألني عن إقامة العلاقات الدبلوماسية أو إقامة الحدود المفتوحة فان ذلك لا يمكن أن تنص عليه اتفاقية سلام وانه لم يثبت أن حدث شيء مثل ذلك من قبل . وان ذلك يعتبر فرضا للسلام . وهذه هي نظرية بن جوريون القديمة لفرض السلام على العرب" . فسأله الصحفي : "هل بعد إتمام هذه المرحلة ستكون مصر على استعداد للتعامل مع إسرائيل تجاريا ودبلوماسيا ؟ " . فأجاب رحمه الله : "ان ذلك الأمر من صميم السياسة يا عزيزي .. فلماذا تزرع سوء الفهم بهذا كما يصنع الاسرائيليون ، انه أمر متعلق بالسيادة " .

وهو الذي قال في حديث لمحطة التلفزيون البريطانية المستقلة يوم 21 – 2 – 1977 : "اذا كان الأمر كما يقول الإسرائيليون أنهم يريدون تبادل العلاقات الديبلوماسية أو التبادل الاقتصادي أو فتح الحدود أو ما أشبه ، فان هذا ليس شكلا من أشكال السلام . وانما هو شكل من فرض شروطهم . ذلك لأننا عندما ننهي حالة الحرب رسميا ، ثم نقوم جميعا بالتوقيع على ذلك ، فان هذا معناه أن كل شيء بدأ يصبح طبيعيا . كما أن هذه الحدود المفتوحة أو المبادلة للاقتصاد أو العلاقات الدبلوماسية أو ما أشبه مسألة سيادة بالنسبة لكل بلد . وانني لا أعتقد أن أحدا قد قام بعد أي حرب بوضع اتفاق سلام يقضي بأن تبدأ العلاقات الدبلوماسية مع هذا أو ذاك ... انهم يفرضون شروطهم مرة أخرى . حسنا نحن لا نوافق على فرض الشروط " . وقال في مؤتمر صحفي في ختام زيارته لأمريكا يوم 7 – 4 – 1977 : "عندما سئلت أن أبدأ علاقات دبلوماسية وأقيم حدودا مفتوحة قلت لا استطيع ابدا أن أفعل ذلك لأن ذلك يعتبر فرضا للشروط علينا" .     

السيطرة الأمريكية  :

ـ هل تضمنت المعاهدة إخضاع مصر للسيطرة الأمريكية ؟.. هل هناك احتلال سياسي  وعسكري أمريكي لأرض مصر أم لا ؟

اليكم النصوص التي لم تنشر قط في صحف مصر فلم يعلم الشعب عنها شيئا .

جاء في المادة الرابعة فقرة 1 من المعاهدة : " ضمانا لتوفير الحد الأقصى للأمن لكلا الطرفين وذلك على أساس التبادل يسمح باشتراك قوات أمم متحدة ومراقبون من الأمم المتحدة "..

 وجاء الملحق العسكري فاستبدل " بالتبادل" القسمة والنصيب . فكان من قسمة مصر أن ترابط قوات الأمم المتحدة على أرضها وحدها بالإضافة إلى مراقبين . وكان من نصيب الطرف الآخر مراقبون فقط (المادة 6 فقرة 3 من الملحق العسكري) . أما أين ترابط قوات الأمم المتحدة على أرض مصر فقد جاء تحديده في وثائق اتفاقيات "كامب ديفيد" (إطار الاتفاق لمعاهد سلام بين مصر وإسرائيل) . حيث نصت على أن : " تتمركز قوات الأمم المتحدة في  :

(ا)  جزء من المنطقة التي تقع في سيناء من الداخل لمسافة 20 كيلو مترا تقريبا من البحر المتوسط وتتاخم الحدود .

(ب)  منطقة شرم الشيخ  .

ما الذي ستفعله أو في إمكانها أن تفعله تلك القوات ؟ قيل عن القوات المتمركزة في منطقة شرم الشيخ أنها (لضمان حرية المرور في مضايق تيران) . إن حرية المرور لإسرائيل في مضيق تيران لا تحتاج إلى ضمان إلا إذا وصلت القوات المصرية المسلحة إلى حدودها الشرقية في تلك المنطقة وهددت المرور . ولم يقل شيء عن مهمة القوات المتمركزة في الشمال . فهل يمكن أن تكون ضمانا لعدم اختراق القوات المصرية حدودها الشرقية إلى أرض فلسطين المحتلة ؟. أم أنها لضمان عدم اختراق القوات الإسرائيلية حدود مصر مرة أخرى إلى أرض سيناء ..؟ النصوص ، في وثائق كامب ديفيد والوثيقة الرئيسية الموقعة يوم 26 مارس 1979 لا تجيب إجابة واضحة ، وإنما تأتى الإجابة واضحة قاطعة ، من النصوص التي حددت نشاط قوات الأمم المتحدة ومجالات ذلك النشاط .

فهي كما رأينا متمركزة في أرض مصر فقط . ومهامها هناك ـ في سيناء ـ تشغيل نقاط تفتيش والقيام بدوريات استطلاع  (المادة 6 فقرة 2 بند 1 من الملحق العسكري) .. والتحقق الدوري من تنفيذ بنود الملحق العسكري (المادة 6 فقرة 2 بند ب من الملحق العسكري) وتقديم تقارير عن نتائج مهمتها لكلا الطرفين ( المادة 6 فقرة 5 من الملحق العسكري .

أين ..؟ يقول الملحق العسكري بالنص : تشرف  قوات الأمم المتحدة على تنفيذ الترتيبات المنصوص عليها في هذه المادة ( أ ) و (ب) و (ج) ( فقرة 3 ) أي في أرض سيناء ابتداء من قناة السويس ثم شرقا إلى الحدود الشرقية . وواضح من هذا أن مهمة قوات الأمم المتحدة المتمركزة على أرض مصر أن تفتش وتراقب وتستطلع جويا وتقدم تقارير عن أي نشاط أو تحركات لا على الحدود الشرقية ، ولا فيما تتجاوزها شرقا من أرض فلسطين المحتلة ، ولكن غربا حتى قناة السويس ، تفتش  وتراقب وتستطلع وتحقق فيما إذا كانت مصر قد زادت من قوتها المحدودة أو من تسليحها وفيما إذا كانت مصر قد زادت من حرس الحدود أو زودته بأسلحة ثقيلة .. الخ . أما ما يلي حدود مصر شرقا فلا يجوز أن يكون محل تفتيش أو مراقبة أو استطلاع أو تحقيق أو أن تقدم عنه إلى مصر تقارير . إنه يتعرض فقط ، وبعمق ثلاثة كيلومترات فقط لما يستطيع أن يراقبه مراقبون من الأمم المتحدة (المادة 6 فقرة 3) .

والخلاصة أن مصر تخضع للتفتيش والمراقبة والاستطلاع والتحقيق من قبل قوات أجنبية متمركزة على أرضها وهذا هو المثل الذي يضربه عادة فقهاء القانون الدولي العام ، وفقهاء القانون الدستوري ، كحالة نموذجية لما ينقص السيادة ويتناقض مع الاستقلال الوطني . لا يضعف من هذا الرأي القول بأن تلك ـ أولا ـ ليست قوات أجنبية بل هي قوات الأمم المتحدة . وثانيا ـ أن مصر هي التي قبلت تمركزها على أرضها وارتضت مهمتها "بإرادتها الحرة" .. فنضطر إلى العودة إلى الوثائق لتكشف الطبيعة المفزعة لحقيقة أنها قوات احتلال أجنبي وأمريكي على وجه التحديد  . 

لم يرد ذكر للقوات الدولية في أي وثيقة سابقة على يوم 17 يناير ولو كتوصية في قرار مجلس الامن رقم 242 (22 نوفمبر 1967) . اكتفى بالقول "بأن مجلس الأمن يؤكد ضرورة حصانة الأرض والاستقلال السياسي لكل دولة في المنطقة منزوعة السلاح " . ولم يرد في قرار مجلس الأمن 338 (21 – 22 أكتوبر 1973) الذي صدر بالدعوة الى إيقاف اطلاق النار وانهاء كل نشاط عسكري فيها فورا .. انما ورد ذكر "قوات طوارئ دولية" في اتفاق فصل القوات الأول يوم 17 يناير عام 1974 . ثم في الاتفاق الثاني الموقع يوم أول سبتمبر عام 1975 وفي هذا الاتفاق الأخير تنازلت مصر عن حقها في سحب قوات الطوارئ بصيغة غير حاسمة اذ جاء فيها ان قوات الطوارئ أساسية وسوف تواصل مهمتها التي تتحدد سنويا . وتغير الامر أو تطوّر في اتفاقيات كامب ديفيد (اطار لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل) اذ نصّت أنه "بل يتم ابعاد هذه القوات ما لم يوافق مجلس الامن التابع للأمم المتحدة على مثل هذا الابعاد بإجماع أصوات الأعضاء الخمسة الدائمين" (أمركا وانجلترا وفرنسا والاتحاد السوفيتي والصين) . وعاد الى مصر حق محصل ومشروط في ممارسة سيادتها واستقلالها : حق طلب سحب القوات تقدمه الى مجلس الامن . ولما كان ميثاق هيئة الأمم المتحدة الذي يحكم مجلس الامن وقراراته ينص في مادته الأولى بأن ليس فيه ما يمكن أن يمس سيادة واستقلال الدول الأعضاء فقد كان من المحتمل وفي ظل ظروف دولية مواتية أن تمارس مصر حقها في طلب سحب قوات الطوارئ وأن يستجاب لطلبها . ولم يكن هذا الاحتمال مما يتفق مع أهداف الولايات المتحدة الامريكية والصهاينة ، فجاء اتفاق 26 مارس عام 1979 فأنشأ قوات احتلال بدلا من قوات الطوارئ الدولية وذلك على الوجه التالي :

10 - نصت الفقرة الثانية من المادة الرابعة من الاتفاق الرئيسي على أن يتفق الطرفان على الا يطلبا سحب هؤلاء الافراد (أفراد الأمم المتحدة) على أساس أن سحب هؤلاء الافراد لم يتم الا بموافقة مجلس الامن التابع للأمم المتحدة بما في ذلك التصويت الإيجابي للأعضاء الخمسة الدائمين بالمجلس ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك . بهذا النص فقدت مصر حق – مجرد طلب – سحب القوات من أرضها الا اذا وافقت إسرائيل . وأصبح احتمال سحبها متوقفا على اتفاق الأعضاء الخمسة الدائمين بمجلس الامن . فاستعملت للحيلولة دون هذا الاحتمال أذكى وأبرع ما استعملته الدبلوماسية في التاريخ . جاء في المادة السادسة فقرة 8 من الملحق الأول : يتفق الطرفان على الدول التي تشكل منها قوات الأمم المتحدة والمراقبين على أن تكون من الدول غير ذات العضوية الدائمة بمجلس الامن التابع للأمم المتحدة . وهكذا أبعدت هيئة الأمم المتحدة من عملية اختيار أفراد القوات المنسوبة اليها (الأصل أن يختار الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة) .

وبقي احتمال ان تتفق مصر وإسرائيل على الدول التي سترسل أفرادا منها . وأن تطلب من تلك الدول أن تقوم بالمهمة المطلوبة منها . وهنا تأتي العقبة التي تجعل هذا الاحتمال مستحيلا . ان الدول التي تقبل ارسال قواتها الى ارض اية دولة أخرى تحت علم الأمم المتحدة لا تقبل ان تفرط في سيادتها حتى لو لم تهمها سيادة الدولة الأخرى . ومن مظاهر سيادتها أن يكون لها الحق في سحب قواتها في أي وقت وبدون قيد لأية إرادة غير إرادتها . ولن تقبل اية دولة تريد أن تحتفظ بموقف الحياد ، أي لا تكون قواتها قوات احتلال ، أن تبعث بجنودها الى دولة أخرى فقدت حق طلب سحبها . وأن تفقد هي أيضا حق سحبها الا اذا وافقت الدول الأعضاء الدائمون في مجلس الامن التي لن تكون هذه القوات تابعة لها . ثمة استحالة اذن في ان تقبل اية دولة ارسال قوات الى مصر لها وظيفة قوات الاحتلال ولا تملك سحبها الا اذا وافقت خمس أخرى . فما الحل ؟

11 - في وثيقة أخرى عنوانها : "ملحق متفق عليه" جاء النص التالي : "في حالة عدم الوصول الى اتفاق بين الطرفين فيما يتعلق بأحكام الفقرة الثامنة من المادة السادسة من الملحق الأول فانهما يتعهدان بقبول أو تأييد ما تقترحه الولايات المتحدة الامريكية بشأن تشكيل قوات الأمم المتحدة والمراقبين" ..

اذن فيكفي ان لا توافق إسرائيل لتكون مصر ملزمة بأن تقبل ما تراه أمريكا في شأن تشكيل القوات . ومع ذلك فليست هذه هي النهاية ، فقد ترى أمريكا رأيا ولا توافق الدول المرابطة قواتها أو قد يعترض مجلس الامن . فياتي الحل المستهدف من وراء كل هذا في شكل رسالة من الرئيس كارتر الى رئيس الجمهورية السابق ومناحم بيغن . تقول الرسالة : "تعتقد الولايات المتحدة الامريكية أن المادة الخاصة بوضع قوات الأمم المتحدة في المنطقة المحدودة المعنية يمكن ويجب تنفيذها عن طريق مجلس الامن ، وسوف تبذل الولايات المتحدة أقصى جهودها لحث المجلس على القيام بهذا العمل المطلوب منه . واذا تقاعس المجلس عن ترتيب وتعزيز الترتيبات التي تنص عليها المعاهدة فان الرئيس (رئيس الولايات المتحدة الامريكية) سيكون مستعدا لاتخاذ هذه الخطوات الضرورة لضمان تشكيل وتعزيز قوة دولية بديلة مقبولة " وقد تم تنفيذ كل هذا . ولم تتردد أمريكا في خرق المعاهدة التي استبعدت قوات الدول الخمس الدائمة في مجلس الامن ومنها أمريكا . فاختارت ان تكون قواتها المرابطة في سيناء التي لا تستطيع مصر أن تطلب سحبها .

وهكذا ينتهي الامر ، من خلال نصوص وملاحق واضافات وخطابات ، الى أن تشكل الولايات المتحدة الامريكية قوات عسكرية تتمركز في سيناء ويكون لها حق التفتيش والمراقبة والتحقيق بدون أن يكون لمصر حق سحبها .. وهذا هو الاحتلال الأجنبي بعينه . وهكذا عادت الينا سيناء يوم 25 أبريل 1982 .

12 ـ ولم يكتف الاحتلال بقوات أجنبية تأمينا ، بل لا بد من التزام الولايات المتحدة الأمريكية بالوقوف ، بكل قواتها الدولية والعسكرية ، حائلا دون ما يخشونه وما يتوقعونه من الشعب العربي في مصر . فيوجه الرئيس الأمريكي الى رئيس الجمهورية السابق ومناحم بيجين رسالة تضاف إلى وثائق المعاهدة وتصبح جزءا لا يتجزأ منها يقول فيها : " في حالة وجود انتهاك فعلي أو التهديد بانتهاك فعلي أو التهديد بانتهاك معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل ستقوم الولايات المتحدة بناء على طلب أحد الأطراف أو كليهما بالتشاور مع الأطراف المعنية وستتخذ الإجراء الذي تراه مناسبا ومفيدا في تحقيق الالتزام بالمعاهدة وستقوم الولايات المتحدة ، بعملية الاستطلاع الجوي حسب طلب الأطراف وطبقا للملحق (1) للمعاهدة " (الملحق العسكري) .

هكذا التزمت الولايات المتحدة  :

أولا : بأن تتولى هي الاستطلاع والمراقبة الجوية على مصر في سيناء التي أسندت إسميا في الملحق العسكري إلى قوات الأمم المتحدة (المادة 6 فقرة 2 بند 1 من الملحق العسكري) .

ثانيا: أن تتخذ الإجراءات التي تراها (هي) مناسبة ومفيدة (طبقا لتقديرها) لضمان ألا تنتهك مصر المعاهدة أو تهدد بانتهاكها  .

ومع ذلك فهذه رسالة موجهة الى الطرفين ويسبقها تشاور الطرفين .

اذن فهي لا تكفي . لا بد من التعهد بصراحة ووضوح بأن تقف الولايات المتحدة الأمريكية ضد مصر بالذات . ولقد تعهدت الولايات المتحدة لإسرائيل بأن تتخذ كل إجراءات ردع مصر وأبلغت هذا التعهد الى مصر يوم 26 مارس عام 1979 ـ أي قبل التوقيع على اتفاق 26 مارس عام 1979 .

13 - عنوان التعهد "مذكرة تفاهم" .. ولقد نشرت لأول مرة في مصر يوم 30 مارس عام 1979 وفيما يلي نصها المنشور :

(1) حق الولايات المتحدة في اتخاذ ما تعتبره ملائما من إجراءات في حالة حدوث انتهاك لمعاهدة السلام أو تهديد بالانتهاك بما في ذلك الإجراءات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية .

(2) تقدم الولايات المتحدة ما تراه لازما من مساندة لما تقوم به إسرائيل من أعمال لمواجهة مثل هذه الانتهاكات خاصة إذا ما رُئي أن الانتهاك يهدد أمن إسرائيل بما في ذلك على سبيل المثال تعرض إسرائيل لحصار يمنعها من استخدام الممرات المائية الدولية وانتهاك بنود معاهدة السلام بشأن الحد من القوات أو شن هجوم مسلح على إسرائيل . وفي هذه الحالة فإن الولايات المتحدة الأمريكية على استعداد للنظر بعين الاعتبار وبصورة عاجلة في اتخاذ إجراءات مثل تعزيز وجود الولايات المتحدة في المنطقة وتزويد إسرائيل بالشحنات العاجلة وممارسة حقوقها البحرية لوضع حد الانتهاك .

(3) سوف تعمل الولايات المتحدة بتصريح ومصادقة الكونجرس على النظر بعين الرعاية لطلبات المساعدة العسكرية والاقتصادية لإسرائيل وتسعى لتلبيتها " .

لا يحتاج هذا التعهد الأمريكي إلى إيضاح ، فيه انعقد حلف سياسي اقتصادي عسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد مصر تحرسه قوات أمريكية مرابطة في سيناء .

وبعد  :

14 ـ وبعد ، فها هي سيناء التي تحتفل الدولة بمرور أربع سنوات على "تحريرها" يوم  25 أبريل من كل عام . خلاصة قصتها أن :

(1) احتلتها القوات الصهيونية عام 1967 بالاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية .

(2) بدأت مصر المستقلة تعبئة قواها لتحريرها واستردادها منذ يوم الهزيمة ذاته .

(3) بدأت القوات المسلحة معركة التحرير في 1973 فهزمت الصهاينة وعبرت القناة وطاردتهم شرقا .

(4) تقدم رئيس جمهورية مصر السابق ليجني ثمار النصر العسكري وهو يعلن إرادة مصر المستقلة المنتصرة  :

أ ـ إنهاء حالة الحرب مرفوض شكلا وموضوعا إلى أن يجلو آخر جندي  صهيوني من الأرض العربية .

ب ـ نزع سلاح سيناء مرفوض لأنه انتهاك لسيادة مصر.

ج ـ تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني مرفوض لأنه يمس سيادة مصر .
ثم ذهب ـ الله يرحمه ـ إلى كامب ديفيد الأمريكية وعاد باتفاقية قايض فيها جلاء الجند الصهاينة عن سيناء مقابل الاحتلال الأمريكي لسيناء وتبعية مصر جملة وتفصيلا للولايات المتحدة الأمريكية ، وفى يوم 25 أبريل 1982 ، انتقلت سيناء من السيطرة الصهيونية ، وعادت هي ومصر كلها إلى السيطرة الأمريكية ، ولم تعد سيناء المتحررة إلى مصر الحرة قط وبدأت حركة التحرر ضد الولايات المتحدة الأمريكية يخوضها صادقو الوطنية الذين لا يكذبون على أنفسهم ولا يكذبون على غيرهم  ..

أين المفر ؟..

كُتب القتال عليكم وهو كره لكم  فأعدوا لهم ما استطعتم من قوة . وما كانت دعوتنا إلى الإعداد للكفاح المسلح ضد الولايات المتحدة الأمريكية من بنات أفكارنا ، ولكنها دعوة صدق إلى التعامل بصدق مع الواقع الموضوعي الذي فرضته علينا اتفاقيات كامب ديفيد . والصدق منجاة فهل ثمة من يمارون ؟


ذهاب الى صفحة عصمت سيف الدولة 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق