المقاومة الشعبية خيار إستراتيجي وإرث حضارى للأمة .
د. صبرى محمد خليل / أستاذ فلسفة
القيم الإسلامية فى جامعة الخرطوم .
ملخص المقال : إن تطبيق المخطط الإمبريالي – الصهيوني ، والذى يطلق عليه إسم ” مشروع الشرق الأوسط الجديد ” فى المنطقة ، منذ العقد السابع من القرن الماضي ، هو مؤشر على بداية الحرب العالمية الثالثة ضد الأمة ، كما أنه مؤشر على بداية المرحلة الأولى من المعركة الفاصلة ، بين الإستخلاف الثاني للأمة، والإستكبار العالمى الخامس. والمقاومة الشعبية لمظاهر وأدوات ومراحل تطبيق هذا المخطط / المشروع – المسلحة فى ميادين ، والسلمية فى ميادين اخرى – هو الخيار الإستراتيجى للأمة فى هذه المعركة الفاصلة . كما أنها إرثها التاريخى – الحضارى ، لأنها هى التى رجحت كفة الإنتصار العسكرى للأمة ، فى معاركها الفاصله السابقة ضد أشكال سابقة للإستكبار العالمى : ”الإمبراطورى الفارسي ثم الرومانى” : (معارك القادسية واليرموك) ، ”الغزوى المغولى ثم الصليبى : (عين جالوت و حطين) ، ”الإستعماري” : (السويس ١٩٥٦ ، العدوان الثلاثى ..).
المتن التفصيلى للمقال :
المخطط الإمبريالى - الصهيونى ” مشروع الشرق الأوسط
الجديد ” : هو مخطط / مشروع يتم تطبيقه فى المنطقة ، منذ العقد السابع من القرن
الماضى ، ويهدف الى إلغاء إرادة الأمة – على كل المستويات بما فيها الرسمى والشعبى
– بالتفتيت الطائفى – القبلى للأمة ، مع بقاء الكيان الصهيونى كحارس لهذا التفتيت،
بما يضمن نهب ثروات الأمة الطبيعية والإقتصادية…
مؤشر على بداية الحرب العالمية الثالثة فى المنطقة :
وتطبيق هذا المخطط / المشروع هو مؤشر على بداية الحرب العالمية الثالثة فى المنطقة.
ذلك ان طبيعة مفهوم الحرب العالمية ، إختلفت فى عصرنا عن العصور السابقه ، من
ناحية التحديد” المكانى والزمانى والموضوعى’ المجالى
” .
مؤشر على بداية المعركة الفاصلة بين الإستخلاف الثانى
والإستكبار العالمى الخامس : كما أن تطبيقه هو مؤشر على بداية المرحلة الأولى”
الحضارية” من المعركة الفاصلة بين الإستخلاف الثانى للأمة ، والاستكبار العالمى
الخامس ” الإمبريالى - الصهيونى” – الذى يجسده هذا المخطط / المشروع - وهذه
المعركة هى إمتداد تاريخى لمعارك فاصلة سابقة (القادسية ، اليرموك ، حطين ، عين
جالوت ، رد العدوان الثلاثى بالسويس ٥٦) ، بين أشكال متعددة من استخلاف الأمة (الأصلي”
النبوي – الراشدي “، والتبعي”الاول”)، وأشكال متعددة للاستكبار العالمي سابقا (“الإمبراطوري
: الفارسي - الروماني ، الغزوى: المغولي – الصليبي ، الاستعماري : القديم والاستيطاني
والجديد …).
المقاومة الشعبية كإرث حضاري للأمة : فالتاريخ الحضاري
للامة يثبت أن المقاومة الشعبية هي التي رجحت كفة انتصارها العسكري “الرسمي” ، في
هذه المعارك الفاصلة السابقة ، ضد هذه الاشكال التاريخية للاستكبار العالمي :
- معركة اليرموك(
15 هـ / 636 م) : دعمت المقاومة الشعبية – ممثلة في القبائل العربية - الجيش
الإسلامي بالإمداد والمعلومات عن الأرض ضد الروم.
- معركة القادسية ( 15 هـ /
636 م) : ساندت المقاومة الشعبية جيش المسلمين ضد الفرس بالإمدادات والرجال
والدعم اللوجستي.
- معركة عين
جالوت ( 658 هـ / 1260 م) : ساعد سكان الشام جيش المماليك بالمعلومات
والإسناد ضد المغول وساهموا في إيقاف زحفهم.
- حطين(583
هـ / 1187 م) : دعمت المقاومة الشعبية جيش صلاح الدين بالإمدادات والمعرفة
الجغرافية وإضعاف الصليبيين .
- معركة
السويس( 1956 م) : شاركت المقاومة الشعبية في عمليات فدائية ، وقطع الإمدادات ضد
العدوان الثلاثي .
نجاح المخطط / المشروع على المستوى الرسمي” تعطيل إرادة
الأمة على المستوى الرسمي” : تزامن تطبيق هذا المخطط / المشروع ، مع مرحلة التعطيل
الارتدادي لإرادة الأمة على المستوى الرسمي ، التي ارتد فيها النظام الرسمي للامة
ككل - أي في مجموعه إن لم يكن فى جميع أجزائه – عن الخطوات التي اتخذتها مرحلة
تحرير الأمة من الاستعمار بكافة أشكاله ، تجاه أهداف الأمة فى الحرية والعدالة
الاجتماعية والوحدة، على المستويين الوطني والقومي ، طوال العقدين الخامس والسادس
من القرن الماضي، دون إنكار ما شابها من سلبيات، كان من الممكن تصحيحها ، دون
تراجع عن هذه الخطوات الإيجابية.
الفشل على المستوى الشعبي” تفعيل إرادة الأمة على
المستوى الشعبي” : فقد نجحت القوى” الدولية والإقليمية والمحلية”، التي تقف خلف
هذا المخطط / المشروع، في تعطيل إرادة الامة على المستوى الرسمي ، إلا انها فشلت
فى إلغائها- على جميع المستويات- فتعطيلها على مستوى الرسمي، أتاح المجال أمام
تفعيلها على المستوى الشعبي
.
تغيير أساليب تطبيق المخطط / المشروع : ومن مظاهر هذا
الفشل ، أن القوى التى تقف خلف هذا المخطط / المشروع ، اضطرت الى أن تغيير أساليب
تطبيقه :
اولا : الإسقاط العنيف ”الفوضى الخلاقة”
.
ثانيا : الهبوط الناعم .
ثالثا : السلام من خلال القوه فى المرحلة الحالية.
المقاومة الشعبية للمخطط / المشروع : وقد أخذ هذا
التفعيل الشعبي شكل المقاومة الشعبية – السلمية فى ميادين والمسلحة فى ميادين
أخرى- ضد مظاهر و أدوات و مراحل تطبيق هذا المخطط / المشروع واهدافه التخريبية.
ونجحت فى تحقيق العديد من الانتصارات ، دون ان يمثلها أو بعبر عنها أي نظام رسمي.
ومن هذه الانتصارات :
. مقاومة الاحتلال الصهيوني للبنان ، والتي انتهت بدحر الجيش الصهيوني
بداية القرن .
.مقاومة الاحتلال الأمريكي للعراق، التي احدثت خسائر فادحة فى جيش الاحتلال الأمريكي
، قبل أن تعمل أمريكا وحلفائها، على القضاء على المقاومة الوطنية العراقية، من
خلال خلق صراع طائفي ” سنى – شيعي” بين تنظيمات سنية ‘كداعش’ ، ومليشيات شيعية “
.
. استمرار المقاومة الشعبية الفلسطينية ، رغم المحاولات المستمرة للقضاء
عليها..
.النصرة الشعبية للقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة ، رغم
تخلى النظام الرسمي للأمة- فى مجموعة إن لم يكن فى جميع أجزائه - عن واجبه ” الوطني
والقومي والديني والإنساني ” تجاههما - في الوقت الذى التزمت حكومات غير عربية
وغير مسلمة بواجبه الإنساني تجاههما - من خلال التطبيع ‘ العلني أو السرى’، مع
الكيان الصهيوني، تحت شعار ” السلام خيار استراتيجي”، مع إشهاره موقف الوسيط ”
المحايد” ، بين الكيان الصهيوني ‘المعتدى’ والشعب الفلسطيني ‘المعتدى عليه’
.
. تنامى المناهضة الشعبية للكيان
الصهيوني ، التي أحالت التطبيع الرسمي معه قرار معزول مجتمعيا.
. استمرار تمسك الشعب الفلسطيني بأرضه وحقوقه ، رغم الإبادة الجماعية
والتهجير القسري الممارس ضده ،على مدى سبعه عقود .
. تنامى المقاطعة الشعبية للمنتجات والبضائع والسلع الأمريكية.
. تمسك الأمة – على المستوى الجماهيري – بثوابتها” الوطنية والقومية والدينية
والحضارية..” ، رغم انتشار التغريب بين النخب المتعلمة والحضرية .
. استمرار تحقق وحدة الأمة على المستوى الشعبي ، ممثلة في استمرار
الروابط الموضوعية ” اللغوية ، الدينية ، الجغرافية ، التاريخية ، الحضارية …”، في
الربط بين شعوب الأمة ، رغم التجزئة و التفتيت على المستوى الرسمي .
. نجاح المقاومة الشعبية
السودانية ، في قطاعها الأغلب ، المستقل عن أي توظيفي حزبي ، والمعبرة عن كل الشعب
السوداني ، بكافه انتماءاته السياسية والاجتماعية ، في تغيير معادلة المعركة لصالح
المؤسسة العسكرية الوطنية - رغم التفوق الكمي” المادي والتقني ..”، والدعم ”
المحلى والإقليمي والدولي” - العلني والخفي- لأدوات هذا المخطط / المشروع (
العسكرية’ المليشيات شبه النظامية شبه القبلية ،’والمدنية’ قطاع من القوى المدنية ،
اختار ان يرهن ارادته ، للقوى المحلية والإقليمية والدولية التي تقف خلف هذا
المخطط / المشروع”- بانحيازها لها ، والعمل بالتنسيق معها.
ثورة الشباب العربي بين المسارين الأصلي والمصطنع : وقد
نجحت المقاومة الشعبية فى الإسقاط السلمى، للعديد من الانظمة التابعة أو الفاسدة
أو الفاشلة … قبل أن تنجح القوى التي تقف خلف هذا المخطط/ المشروع ، في تحويلها من
مسارها الأصلي “الطبيعي” الجماهيري - السلمى ” ، إلى مسار آخر مصطنع ” عنيف أو فوضوي
، أو تابع للخارج …”وذلك باستخدام عده أساليب” أهمها الإسقاط العنيف - خاصة في
الموجه الأولى منها ، - والهبوط الناعم – خاصة في الموجة الثانية منها - مستغلة
أنها اندلعت بصوره تلقائية غير منظمة.
ضرورة ارتقاء المقاومة الشعبية من التفعيل التلقائي إلى
التفعيل المنظم
:
ونجاح المقاومة الشعبية العربية - السلمية منها والمسلحة
- في الإفشال التام لكل أهداف هذا المشروع التخريبي - وبالتالي الانتصار في معركة
بداية الحرب العالمية الثالثة ، والتي هي ذات بداية المرحلة الاولى من المعركة
الفاصلة ، بين الاستخلاف الثاني للأمة و الاستكبار العالمي الخامس ” الإمبريالي - الصهيوني
” كما اشرنا سابقا – يتوقف على ارتقاء الإرادة الشعبية للأمة ، من مرحلة التفعيل
التلقائي” أي رد الفعل العفوي ، العاطفي، المؤقت ” ،إلى مرحلة التفعيل المنظم ‘القصدي’
” أي الفعل المخطط، العقلاني ، المستمر ‘ المؤسسي’
.
آليات التفعيل المنظم للمقاومة الشعبية: وهو ما يتحقق من
خلال الآليات الآتية :
. اعتبار أن المقاومة الشعبية
خيار استراتيجي للأمة ، كما كانت ارثها التاريخي الحضاري.
. التأكيد على استقلالية
المقاومة الشعبية ، وعدم ربطها باي فصيل أو مذهب أو حزب أو طائفة او اشخاص او نظام
… معينين ، لضمان تعبيرها عن إرادة الامة ككل ، وما يدعم هذا الخيار نجاح القوى ، التي
تقف خلف المخطط / المشروع ، في إضعاف المقاومة الشعبية المدعومة رسميا ، من بعض الأنظمة
”محلية أو إقليمية أو دولية ، لخدمة اهدافها الخاصة ، والتي كانت حركتها مقيده بكوابح داخلية وخارجية .
. إنشاء أو تفعيل مبادرات شعبية منظمة ‘ مؤسسية ‘ مستقلة - عن أي توظيف رسمي
او معارض - تعبر عن الإرادة الشعبية للأمة، في كافة المجالات، وتحقق ما هو ممكن من
خطوات تجاه استخلاف الأمة.
. تفعيل تيار فكرى شامل، يؤسس ‘
نظريا ‘ لاستخلاف الأمة ، ويشمل قيام التيارات الفكرية بمراجعات ذاتية ، بما يضمن
التوافق على ثوابت الأمة” الوطنية والقومية والدينية”.
. التأكيد على أن هدف المقاومة الشعبية المسلحة ، هو الدفاع عن النفس، كحق
مشروع قررته كل المواثيق القانونية والدولية والاخلاقية والدينية .
. وبالتالي العمل على عدم احداث أي
تناقض أو تعارض بين المقاومة الشعبية المسلحة لأى عدوان خارجي ، والمؤسسات
العسكرية الوطنية ، بما يضمن عدم تحولها إلى مليشيا طائفية او قبلية .
. وفى ذات الوقت يجب عدم ربط المقاومة الشعبية باي نظام سياسي ، والمطلوب
من الانظمة السياسية هو دعمها، أو على أقل تقدير عدم تحولها لأدوات بيد القوى التي
تقف خلف هذا المشروع للقضاء عليها .
. الوعى بأن الأمة انتصرت في كل معاركها الفاصلة ضد الأشكال السابقة للاستكبار
العالمي بفضل إسناد المقاومة الشعبية للجيوش ، لكن الفارق بين هذه المعارك
والمعركة الحالية ، أن للمقاومة الشعبية دور أساسي - وليس إسنادي فقط - في مرحلتها
الأولى .
. الوعى بأن المستهدف في هذه المرحلة هو شعوب الأمة ، ومقاومتها الشعبية لهذا المشروع ، لأنه نجح فى اخضاع النظام الرسمي العربي،
خلال الفترة السابقة ، وأصبح متماهيا معه ، وتحول - نتيجة لمتغيرات عديده -
من مجرد اداه - سلبية - له
، إلى شريك -
فاعل - فيه ، أي منفذ له بالوكالة ، بما يضمن نسبه تقليل الكلفة ” الاقتصادية والعسكرية
والسياسية ..” للتدخل المباشر، ونسبه أي خطأ او فشل فى التنفيذ ، او سلوك غير أنساني
او مخالف للقانون الدولي له ، والتالي تعميق التناقض بين شعوبه . وذلك انه أصبح - في
مجموعه إن لم يكن في جميع اجزائه - يستمد شرعيته من مدى تبعيته- العلنية او الخفية
- للقوى العالمية التي تقف خلف هذا المخطط / المشروع ، وليس من مدى تعبيره عن
الإرادة الشعبية للامة.
.وبالتالي الوعى بأن المعركة في هذه المرحلة ، تحولت الى
معركة وجود ومصير . وبالتالي يجب التسامي على الخلافات الحزبية والمذهبية
والطائفية ، ومحاربه كل أشكال التعصب الحزبي والمذهبي والطائفي والشعوبي ، لأنه
اهم أسلحة القوى التي تقف خلف هذا المخطط / المشروع .
. التمييز بين الشعب والنظام السياسي ”الحكومة” والدولة ، فلا يجوز تعميم أي موقف سلبى ، ناتج من تماهى نظام سياسى معين - وبالأصح بعض قطاعاته ولو كانت متنفذة - مع هذا المخطط / المشروع ، على الشعب المعين ، ولا حتى على الدولة المعينة ، لأن مؤسساتها ملك للشعب ، وليست ملك للنظام السياسي . لان هذا التعميم يخدم القوى التي تقف خلف هذا المخطط / المشروع.
الموقع الرسمي للدكتور صبري محمد خليل خيري
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق