القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 22 يوليو 2026

المقاومة الشعبية خيار إستراتيجي وإرث حضارى للأمة .


المقاومة الشعبية خيار إستراتيجي وإرث حضارى للأمة .

د. صبرى محمد خليل / أستاذ فلسفة القيم الإسلامية فى جامعة الخرطوم .

ملخص المقال : إن تطبيق المخطط الإمبريالي – الصهيوني ، والذى يطلق عليه إسم ” مشروع الشرق الأوسط الجديد ” فى المنطقة ، منذ العقد السابع من القرن الماضي ، هو مؤشر على بداية الحرب العالمية الثالثة ضد الأمة ، كما أنه مؤشر على بداية المرحلة الأولى من المعركة الفاصلة ، بين الإستخلاف الثاني للأمة، والإستكبار العالمى الخامس. والمقاومة الشعبية لمظاهر وأدوات ومراحل تطبيق هذا المخطط / المشروع – المسلحة فى ميادين ، والسلمية فى ميادين اخرى – هو الخيار الإستراتيجى للأمة فى هذه المعركة الفاصلة . كما أنها إرثها التاريخى – الحضارى ، لأنها هى التى رجحت كفة الإنتصار العسكرى للأمة ، فى معاركها الفاصله السابقة ضد أشكال سابقة للإستكبار العالمى : ”الإمبراطورى الفارسي ثم الرومانى” : (معارك القادسية واليرموك) ، الغزوى المغولى ثم الصليبى : (عين جالوت و حطين) ، ”الإستعماري” : (السويس ١٩٥٦ ، العدوان الثلاثى ..)

المتن التفصيلى للمقال :

المخطط الإمبريالى - الصهيونى ” مشروع الشرق الأوسط الجديد ” : هو مخطط / مشروع يتم تطبيقه فى المنطقة ، منذ العقد السابع من القرن الماضى ، ويهدف الى إلغاء إرادة الأمة – على كل المستويات بما فيها الرسمى والشعبى – بالتفتيت الطائفى – القبلى للأمة ، مع بقاء الكيان الصهيونى كحارس لهذا التفتيت، بما يضمن نهب ثروات الأمة الطبيعية والإقتصادية

مؤشر على بداية الحرب العالمية الثالثة فى المنطقة : وتطبيق هذا المخطط / المشروع هو مؤشر على بداية الحرب العالمية الثالثة فى المنطقة. ذلك ان طبيعة مفهوم الحرب العالمية ، إختلفت فى عصرنا عن العصور السابقه ، من ناحية التحديد” المكانى والزمانى والموضوعى’ المجالى .

مؤشر على بداية المعركة الفاصلة بين الإستخلاف الثانى والإستكبار العالمى الخامس : كما أن تطبيقه هو مؤشر على بداية المرحلة الأولى” الحضارية” من المعركة الفاصلة بين الإستخلاف الثانى للأمة ، والاستكبار العالمى الخامس ” الإمبريالى - الصهيونى” – الذى يجسده هذا المخطط / المشروع - وهذه المعركة هى إمتداد تاريخى لمعارك فاصلة سابقة (القادسية ، اليرموك ، حطين ، عين جالوت ، رد العدوان الثلاثى بالسويس ٥٦) ، بين أشكال متعددة من استخلاف الأمة (الأصلي” النبوي – الراشدي “، والتبعي”الاول”)، وأشكال متعددة للاستكبار العالمي سابقا (“الإمبراطوري : الفارسي - الروماني ، الغزوى: المغولي – الصليبي ، الاستعماري : القديم والاستيطاني والجديد …).

المقاومة الشعبية كإرث حضاري للأمة : فالتاريخ الحضاري للامة يثبت أن المقاومة الشعبية هي التي رجحت كفة انتصارها العسكري “الرسمي” ، في هذه المعارك الفاصلة السابقة ، ضد هذه الاشكال التاريخية للاستكبار العالمي  :

  • معركة اليرموك( 15 هـ / 636 م) : دعمت المقاومة الشعبية – ممثلة في القبائل العربية - الجيش الإسلامي بالإمداد والمعلومات عن الأرض ضد الروم.
  •  معركة القادسية ( 15 هـ / 636 م) : ساندت المقاومة الشعبية جيش المسلمين ضد الفرس بالإمدادات والرجال والدعم اللوجستي.
  • معركة عين جالوت ( 658 هـ / 1260 م) : ساعد سكان الشام جيش المماليك بالمعلومات والإسناد ضد المغول وساهموا في إيقاف زحفهم.
  • حطين(583 هـ / 1187 م) : دعمت المقاومة الشعبية جيش صلاح الدين بالإمدادات والمعرفة الجغرافية وإضعاف الصليبيين .
  • معركة السويس( 1956 م) : شاركت المقاومة الشعبية في عمليات فدائية ، وقطع الإمدادات ضد العدوان الثلاثي .

نجاح المخطط / المشروع على المستوى الرسمي” تعطيل إرادة الأمة على المستوى الرسمي” : تزامن تطبيق هذا المخطط / المشروع ، مع مرحلة التعطيل الارتدادي لإرادة الأمة على المستوى الرسمي ، التي ارتد فيها النظام الرسمي للامة ككل - أي في مجموعه إن لم يكن فى جميع أجزائه – عن الخطوات التي اتخذتها مرحلة تحرير الأمة من الاستعمار بكافة أشكاله ، تجاه أهداف الأمة فى الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة، على المستويين الوطني والقومي ، طوال العقدين الخامس والسادس من القرن الماضي، دون إنكار ما شابها من سلبيات، كان من الممكن تصحيحها ، دون تراجع عن هذه الخطوات الإيجابية.

الفشل على المستوى الشعبي” تفعيل إرادة الأمة على المستوى الشعبي” : فقد نجحت القوى” الدولية والإقليمية والمحلية”، التي تقف خلف هذا المخطط / المشروع، في تعطيل إرادة الامة على المستوى الرسمي ، إلا انها فشلت فى إلغائها- على جميع المستويات- فتعطيلها على مستوى الرسمي، أتاح المجال أمام تفعيلها على المستوى الشعبي  .

تغيير أساليب تطبيق المخطط / المشروع : ومن مظاهر هذا الفشل ، أن القوى التى تقف خلف هذا المخطط / المشروع ، اضطرت الى أن تغيير أساليب تطبيقه :

اولا : الإسقاط العنيف ”الفوضى الخلاقة .

ثانيا : الهبوط الناعم .

ثالثا : السلام من خلال القوه فى المرحلة الحالية.

المقاومة الشعبية للمخطط / المشروع : وقد أخذ هذا التفعيل الشعبي شكل المقاومة الشعبية – السلمية فى ميادين والمسلحة فى ميادين أخرى- ضد مظاهر و أدوات و مراحل تطبيق هذا المخطط / المشروع واهدافه التخريبية. ونجحت فى تحقيق العديد من الانتصارات ، دون ان يمثلها أو بعبر عنها أي نظام رسمي. ومن هذه الانتصارات  :

. مقاومة الاحتلال الصهيوني للبنان ، والتي انتهت بدحر الجيش الصهيوني بداية القرن .

.مقاومة الاحتلال الأمريكي للعراق، التي احدثت خسائر فادحة فى جيش الاحتلال الأمريكي ، قبل أن تعمل أمريكا وحلفائها، على القضاء على المقاومة الوطنية العراقية، من خلال خلق صراع طائفي ” سنى – شيعي” بين تنظيمات سنية ‘كداعش’ ، ومليشيات شيعية .

. استمرار المقاومة الشعبية الفلسطينية ، رغم المحاولات المستمرة للقضاء عليها..

.النصرة الشعبية للقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة ، رغم تخلى النظام الرسمي للأمة- فى مجموعة إن لم يكن فى جميع أجزائه - عن واجبه ” الوطني والقومي والديني والإنساني ” تجاههما - في الوقت الذى التزمت حكومات غير عربية وغير مسلمة بواجبه الإنساني تجاههما - من خلال التطبيع ‘ العلني أو السرى’، مع الكيان الصهيوني، تحت شعار ” السلام خيار استراتيجي”، مع إشهاره موقف الوسيط ” المحايد” ، بين الكيان الصهيوني ‘المعتدى’ والشعب الفلسطيني ‘المعتدى عليه .

.  تنامى المناهضة الشعبية للكيان الصهيوني ، التي أحالت التطبيع الرسمي معه قرار معزول مجتمعيا.

. استمرار تمسك الشعب الفلسطيني بأرضه وحقوقه ، رغم الإبادة الجماعية والتهجير القسري الممارس ضده ،على مدى سبعه عقود  .

. تنامى المقاطعة الشعبية للمنتجات والبضائع والسلع الأمريكية.

. تمسك الأمة – على المستوى الجماهيري – بثوابتها” الوطنية والقومية والدينية والحضارية..” ، رغم انتشار التغريب بين النخب المتعلمة والحضرية .

. استمرار تحقق وحدة الأمة على المستوى الشعبي ، ممثلة في استمرار الروابط الموضوعية ” اللغوية ، الدينية ، الجغرافية ، التاريخية ، الحضارية …”، في الربط بين شعوب الأمة ، رغم التجزئة و التفتيت على المستوى الرسمي  .

.  نجاح المقاومة الشعبية السودانية ، في قطاعها الأغلب ، المستقل عن أي توظيفي حزبي ، والمعبرة عن كل الشعب السوداني ، بكافه انتماءاته السياسية والاجتماعية ، في تغيير معادلة المعركة لصالح المؤسسة العسكرية الوطنية - رغم التفوق الكمي” المادي والتقني ..”، والدعم ” المحلى والإقليمي والدولي” - العلني والخفي- لأدوات هذا المخطط / المشروع ( العسكرية’ المليشيات شبه النظامية شبه القبلية ،’والمدنية’ قطاع من القوى المدنية ، اختار ان يرهن ارادته ، للقوى المحلية والإقليمية والدولية التي تقف خلف هذا المخطط / المشروع”- بانحيازها لها ، والعمل بالتنسيق معها.

ثورة الشباب العربي بين المسارين الأصلي والمصطنع : وقد نجحت المقاومة الشعبية فى الإسقاط السلمى، للعديد من الانظمة التابعة أو الفاسدة أو الفاشلة … قبل أن تنجح القوى التي تقف خلف هذا المخطط/ المشروع ، في تحويلها من مسارها الأصلي “الطبيعي” الجماهيري - السلمى ” ، إلى مسار آخر مصطنع ” عنيف أو فوضوي ، أو تابع للخارج …”وذلك باستخدام عده أساليب” أهمها الإسقاط العنيف - خاصة في الموجه الأولى منها ، - والهبوط الناعم – خاصة في الموجة الثانية منها - مستغلة أنها اندلعت بصوره تلقائية غير منظمة.

ضرورة ارتقاء المقاومة الشعبية من التفعيل التلقائي إلى التفعيل المنظم  :

ونجاح المقاومة الشعبية العربية - السلمية منها والمسلحة - في الإفشال التام لكل أهداف هذا المشروع التخريبي - وبالتالي الانتصار في معركة بداية الحرب العالمية الثالثة ، والتي هي ذات بداية المرحلة الاولى من المعركة الفاصلة ، بين الاستخلاف الثاني للأمة و الاستكبار العالمي الخامس ” الإمبريالي - الصهيوني ” كما اشرنا سابقا – يتوقف على ارتقاء الإرادة الشعبية للأمة ، من مرحلة التفعيل التلقائي” أي رد الفعل العفوي ، العاطفي، المؤقت ” ،إلى مرحلة التفعيل المنظم ‘القصدي’ ” أي الفعل المخطط، العقلاني ، المستمر ‘ المؤسسي .

آليات التفعيل المنظم للمقاومة الشعبية: وهو ما يتحقق من خلال الآليات الآتية :

.  اعتبار أن المقاومة الشعبية خيار استراتيجي للأمة ، كما كانت ارثها التاريخي الحضاري.

.  التأكيد على استقلالية المقاومة الشعبية ، وعدم ربطها باي فصيل أو مذهب أو حزب أو طائفة او اشخاص او نظام … معينين ، لضمان تعبيرها عن إرادة الامة ككل ، وما يدعم هذا الخيار نجاح القوى ، التي تقف خلف المخطط / المشروع ، في إضعاف المقاومة الشعبية المدعومة رسميا ، من بعض الأنظمة ”محلية أو إقليمية أو دولية ، لخدمة اهدافها الخاصة ،  والتي كانت حركتها مقيده بكوابح داخلية وخارجية .

. إنشاء أو تفعيل مبادرات شعبية منظمة ‘ مؤسسية ‘ مستقلة - عن أي توظيف رسمي او معارض - تعبر عن الإرادة الشعبية للأمة، في كافة المجالات، وتحقق ما هو ممكن من خطوات تجاه استخلاف الأمة.

.  تفعيل تيار فكرى شامل، يؤسس ‘ نظريا ‘ لاستخلاف الأمة ، ويشمل قيام التيارات الفكرية بمراجعات ذاتية ، بما يضمن التوافق على ثوابت الأمة” الوطنية والقومية والدينية”.

. التأكيد على أن هدف المقاومة الشعبية المسلحة ، هو الدفاع عن النفس، كحق مشروع قررته كل المواثيق القانونية والدولية والاخلاقية والدينية .

 .  وبالتالي العمل على عدم احداث أي تناقض أو تعارض بين المقاومة الشعبية المسلحة لأى عدوان خارجي ، والمؤسسات العسكرية الوطنية ، بما يضمن عدم تحولها إلى مليشيا طائفية او قبلية .  

. وفى ذات الوقت يجب عدم ربط المقاومة الشعبية باي نظام سياسي ، والمطلوب من الانظمة السياسية هو دعمها، أو على أقل تقدير عدم تحولها لأدوات بيد القوى التي تقف خلف هذا المشروع للقضاء عليها .

. الوعى بأن الأمة انتصرت في كل معاركها الفاصلة ضد الأشكال السابقة للاستكبار العالمي بفضل إسناد المقاومة الشعبية للجيوش ، لكن الفارق بين هذه المعارك والمعركة الحالية ، أن للمقاومة الشعبية دور أساسي - وليس إسنادي فقط - في مرحلتها الأولى  .

. الوعى بأن المستهدف في هذه المرحلة هو شعوب الأمة ، ومقاومتها الشعبية لهذا المشروع ، لأنه نجح فى اخضاع النظام الرسمي العربي، خلال الفترة السابقة ، وأصبح متماهيا معه ، وتحول - نتيجة لمتغيرات عديده - من مجرد اداه - سلبية - له ، إلى شريك - فاعل - فيه ، أي منفذ له بالوكالة ، بما يضمن نسبه تقليل الكلفة ” الاقتصادية والعسكرية والسياسية ..” للتدخل المباشر، ونسبه أي خطأ او فشل فى التنفيذ ، او سلوك غير أنساني او مخالف للقانون الدولي له ، والتالي تعميق التناقض بين شعوبه . وذلك انه أصبح - في مجموعه إن لم يكن في جميع اجزائه - يستمد شرعيته من مدى تبعيته- العلنية او الخفية - للقوى العالمية التي تقف خلف هذا المخطط / المشروع ، وليس من مدى تعبيره عن الإرادة الشعبية للامة.

 .وبالتالي الوعى بأن المعركة في هذه المرحلة ، تحولت الى معركة وجود ومصير . وبالتالي يجب التسامي على الخلافات الحزبية والمذهبية والطائفية ، ومحاربه كل أشكال التعصب الحزبي والمذهبي والطائفي والشعوبي ، لأنه اهم أسلحة القوى التي تقف خلف هذا المخطط / المشروع .

 . التمييز بين الشعب والنظام السياسي ”الحكومة” والدولة ، فلا يجوز تعميم أي موقف سلبى ، ناتج من تماهى نظام سياسى معين - وبالأصح بعض قطاعاته ولو كانت متنفذة - مع هذا المخطط / المشروع ، على الشعب المعين ، ولا حتى على الدولة المعينة ، لأن مؤسساتها ملك للشعب ، وليست ملك للنظام السياسي . لان هذا التعميم يخدم القوى التي تقف خلف هذا المخطط / المشروع.

الموقع الرسمي للدكتور صبري محمد خليل خيري


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق