بوصلة لا تشير الى القدس مشبوهة

بوصلة لا تشير الى القدس مشبوهة
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الحاكمية لله - حوار مع الدكتور حسن حنفي .

 PDF

الحاكمية لله

حوار مع الدكتور حسن حنفي

د. عصمت سيف الدولة .

(1)

تمهيد :

تفضل الأستاذ الدكتور حسن حنفي فأهداني موسوعته المنشورة تحت عنوان "الدين والثورة في مصر 1952 - 1981 من ثمانية أجزاء كل منها يحمل عنوانا خاصا :

1 - الدين والثقافة الوطنية . 2 - الدين والتحرر الثقافي . 3 - الدين والنضال الوطني . 4 - الدين والتنمية القومية . 5 - الحركات الدينية المعاصرة . 6 - الأصولية الإسلامية . 7 - اليمين واليسار في الفكر الديني . 8 - اليسار الإسلامي والوحدة الوطنية .

ويتضمن كل جزء منها تحت عنوانه الخاص عناوين فرعية عديدة لمقولات أنشئت في أوقات متفرقة عن موضوعات متفرقة تجاوز بعضها عناصر العنوان العام : الدين . الثورة  في مصر 1952 – 1981 جميعا . انها ليست موسوعة ، وليست كتابا ، ولا عدة كتب ، انها حديقة غلباء غناء كما وصفتها له حين شكرته عليها . مصحوبة برسالة رقيقة تقول نصا : "عزيزي د. عصمت – تحية طيبة وبعد ، فأهديك الدين والثورة في مصر (ثمانية أجزاء) وتسرني قراءتك لها . وأعطيك نسخة من دراستي عن القومية والإسلام عند ميشيل عفلق ، الرجاء تصويرها وإعادة الأصل . حبذا لو أعطيتني بعض مؤلفاتك القومية حتى أقرأها "... وكتب عنها هدية مني لك في عيد ميلادك السبعين . مع خالص التحية .

سبعون عاما انقضت فهل بقي من العمر ما يكفي بما تستحقه موسوعة الأستاذ الدكتور الفيلسوف الداعية الكبير ؟ أرجو لكني أشك . سأقرأ على مهل وأجتنب الاجهاد بحكم وهن الشيخوخة ونصائح الأطباء . شرعت في قراءة الجزء الأول من الموسوعة . في قمة الصفحة الأولى المواجهة للغلاف حاملة العنوان قرأت اهداء داخليا يقول : "الى الأخ عصمت سيف الدولة من أجل حوار وطني وبرنامج عمل موحد يقيل الأمة من عثرتها . 5 / 10 / 1994 " .  فاعتدلت نشيطا بعد أن كنت مسترخيا . فهذا هو الذي يثيرني ويعيدني الى فترة الشباب . الحوار .

انها اذن دعوة الى الحوار . وممن الدعوة ؟ من الدكتور حسن حنفي الذي تمنيت دائما أن أحاوره .

لبيك أستاذنا الكبير . ولكن فيم الحوار ؟ لا بد من انتقاء الموضوع . والانتقاء صعب في موسوعة فيها حوار ، وفيها دعوات الى الحوار ، وفيها ما يغري بالحوار ، بل وفيها ما يستفز الى الحوار ، وما يثيره ، وما يحبطه . مع الإصرار انتهيت الى ما قدمه الدكتور حسن حنفي بانه موضوع الحوار فشكرت ولبيت .

(2)

الحوار

قال الدكتور حسن حنفي في الجزء الثامن من موسوعته "الدين والثورة" (ص 135 وما بعدها) :

"الحوار الذي ندعو اليه اليوم هو تجاوز لما حدث في الماضي من فعل ورد فعل ..." وبداية صفحة جديدة للحرية الوطنية المصرية بجناحيها العلماني والديني ، ليس من "منطق العقل والسماح بناء على سماحة الإسلام ورفضه للعنف من أجل شراء الذمم والدخول في مساومات ، وتقديم تنازلات ، والتلويح بالمناصب والقيادات ، كما حدث في أوائل السبعينات ، بل لوضع كل فريق أمام التحديات المصيرية لجيلنا والتي تتمثل في الاتي :

1 - شرعية السلطة ، ومصدر الحكم . فمن منا يرفض الحاكمية لله سواء بنص القران أم بمقتضيات الايمان ؟ ومن منا يرضى بحاكمية البشر كما عاشرها جيلنا سواء في نظمنا قبل 1952 أم بعده ؟ من منا يرضى بحكم الملوك الوراثي أو بحكم الطبقات أو بحكم العشائر القبائل أو بحكم العسكر والجند ؟ من منا يرضى بحكم القهر والتسلط والطغيان ؟ من منا يرضى بحكم المذلة والهوان والاستسلام للعدو والتحالف مع الاستعمار ؟ من منا يرضى بالأنظمة الحاكمة التي تثير فينا جميعا الغضب والنفور والاشمئزاز ؟ ان فشل الأيديولوجيات العلمانية لتحديث مجتمعاتنا وتحريرها من ليبرالية وقومية واشتراكية تجعل الشباب بالضرورة رافضا لحاكمية البشر ، مطالبين بحاكمية أعلى ولا يجدونها الا في حاكمية الله . ولو كان هناك نظام بشري واحد قادر على تحرير الأرض ، وتوزيع الثورة ، والدفاع عن حريات الشعوب ، وتجنيد الجماهير وتوحيد شعوب المنطقة لما ألهب شعار حاكمية الله وجدان الشباب وايمان البسطاء .

2 - ولكن ماذا تعني الحاكمية لله ؟ وماذا يعني حكم الشريعة ؟ كيف يمكن إعطاء المبدأ العام الشامل مضمونا تاريخيا في الزمان والمكان ؟ هل يعني حكم الأئمة ؟ هل يعني تطبيق قانون العقوبات والبداية بالحدود والكفارات ؟ وهل يمكن مطالبة الناس بواجباتهم قبل اعطائهم حقوقهم ؟ ان ما نخشاه هو أن تقع الحركة الإسلامية في عدة منزلقات منها القضاء على حاكمية البشر من أجل إحلال حاكمية الله بدلا منها دون تطوير حاكمية البشر وجعلها أقرب الى حاكمية الله ، حكم إحلال الحرية والقانون والمساواة وليس حكم الأهواء والمصالح والأفراد والعشائر . ان الله لا يحكم بذاته ولكنه يحكم من خلال الشريعة . والشريعة تقوم على رعاية مصالح الناس . والامامة تنفيذية خالصة تأتي بالبيعة ، وتحكم بالشورى . ومن ثم كانت الحاكمية دفاعا عن مصالح الناس فيما تعم به البلوى . وكانت السلطة اختبارا من الأمة . ان ما نخشاه أيضا على الحركة الإسلامية أن تنزلق في مطب الصولان والجولان في قانون الأحوال الشخصية وكأن الشريعة الإسلامية لا تطبق الا في حجرات النوم وليس في المجتمع العريض ، وكأن مشكلتنا فقط هو الطلاق وتعدد الزوجات والحضانة وملكية الشقة والنفقة  .. وكأن قضيتنا هو الزي الإسلامي ، ومظاهر الخلاعة ، وملاهي الهرم ، وبيع الخمور . وتكون مهمة الحركة الإسلامية الدفاع عن رجم الزاني ، وقطع يد السارق ، وصلب قاطع الطريق ، وتطبيق الحرابة دون تبيين للناس أن الشريعة الإسلامية أساسا إعطاء حقوق الناس ، ونظاما اجتماعيا يقوم على المساواة ، ونظاما سياسيا يقوم على الحرية ، وأن سارق الملايين وناهب ثروات الشعوب هو أولى بتطبيق الحد من سارق الرغيف وكوز الذرة ، وأن مظاهر الفساد الأخلاقي أقل بكثير من مظاهر الفساد الاجتماعي والسياسي ، وأن قطع الافراد الطريق أقل خطورة من نهب الشركات المتعددة الجنسيات ثروات الشعوب ، وأن القصد من تطبيق الشريعة الإسلامية ليس اخافة البسطاء أو الحد من حركة التغيير الاجتماعي أو الدفاع عن النظام القائم أو ايهام الناس بالإيمان نفاقا وتسترا على الأوضاع المخالفة للشرع .

3 - انما الحاكمية لله ، وتطبيق الشريعة الإسلامية يعنيان بالنسبة لنا مواجهة التحديات المصيرية لعصرنا وهي أربعة :

الأولى تحرير الأرض . ففلسطين ولبنان محتلة . وبسناء قوات دولية ، وبمناطق كثيرة من عالمنا العربي والإسلامي قواعد عسكرية وأجنبية . تحرير الأرض اذن واجب أساسي على الأمة ، وفرض شرعي على أي حاكم . فالله إله السماوات والأرض وليس اله السماوات وحدها ، والرب رب السماوات والأرض ، وليس رب السماوات وحدها . (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ، وأن الله على نصرهم لقدير . الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق) .. (22 : 39) . (ومالنا لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا) (2 : 246) . (كتب عليكم القتال وهو كره لكم ) (2 : 216) . (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال) (8 : 65) ، وعشرات الآيات التي تجعل قتال الأعداء واجبا شرعيا ، والجهاد في سبيل الله فرضا دينيا . ولا عجب أن تخرج من بيننا "جماعة الجهاد" لمحاربة أعداء الأمة ، وقد يكون أعداؤنا في الداخل أكثر ضراوة علينا من أعدائنا في الخارج ، فكلاهما اعتداء علينا واحتلال ، احتلال حريتنا واحتلال ارضنا .

4 - والثانية توزيع الثروة ، فنحن أمة يضرب بها المثل في الغنى والفقر ، في البطر والبؤس ، في البطنة وسوء التغذية ، في الترف والحرمان ، يستهلك فيها أقل من 5% ما يزيد على ثلثي الإنتاج القومي . فيها أقلية تسيطر على كل شيء ، وأغلبية محرومة من كل شيء . فيها الاثراء السريع عن طريق الاستيراد والتصدير ، والعمولات والرشاوي ، وتمثيل الشركات الأجنبية ، والاتجار بأقوات الشعب أمام جماهير مطحونة بالغلاء وقلة الموارد والحيلة . وهذا وضع غير شرعي معارض لحاكمية الله التي جعلت العمل وحده مصدر القيمة بدليل الربا ، وجعلت الملكية لله وحده ، وأن الانسان مستخلف فيما أودعه الله بين يديه له حق الانتفاع والتصرف والاستثمار ولكن ليس له حق الاستغلال والاحتكار والاضرار بالغير والّا تدخل الدولة . فالإمام له حق المصادرة والتأميم لصالح الجماعة حماية لها من استغلال الافراد . موارد الدولة ملك للامة من زراعة (الماء والكلأ) وصناعة (النار) ومعادن (الملح) . والركاز ملك للامة في عرف الفقهاء ، عرف القدماء منه الذهب والفضة والحديد والنحاس ، وعرفنا نحن النفط . لا يجوز اكتناز الأموال في ايدي القلة (كي لا يكون المال دولة بين الأغنياء منكم) (59 : 7) . ولا يجوز أن تظهر فوارق بين الطبقات ، فالمال يدور في المجتمع ، وليس كصدقة بل كحق (والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) (70 : 74) . وفي المال حق غير الزكاة .

5 - والثالثة حريات الناس ، وحقهم في الاجتهاد ، والجهر بالرأي ، وقول الحق في وجه الحاكم الظالم ، والشهادة على العصر ، اذ لا تعني الشهادة تمتمة الشفتين بل رؤية الواقع ، والشهادة عليه ، وربما الاستشهاد في سبيله ، ومراجعة السلطان ، وتبصيره بالحق ، والنصح له ، والقيام بوظيفة الحسبة أي الرقابة على أجهزة الدولة وتحويل الأرصدة ، وسرقة المال العام ، وحرق المخازن . وهذا يعني إعطاء "لماذا استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" مضمونها العصري برفض جميع القوانين المقيدة للحريات مثل قوانين الاشتباه والعيب والطوارئ .

6 - رابعا تجنيد الجماهير ، وتحويلها من كم الى كيف ، وتكوين حزب الله الذي يدافع عن الحاكمية بهذا المضمون العصري كما تتطلبه مصالح الأمة وكما يعيشه جيلنا حتى لا نوكل أمورنا لغيرنا ، ولا نلقي بتبعاتنا على الحكام ، ولا نستجدي العون من الأعداء ، ونستغيث بالأصدقاء ، وتحويل هذا التشرذم والتفكك والتشتت في الامة الواحدة الى وحدة واحدة تحمي استقلال المنطقة وتحافظ على هويتها وحيادها بين المعسكرين المتناطحين علينا . (ارباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) (12 : 39) ، (ان هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) (23 : 52) .

هذه قضايا العصر ، وهذا هو التحدي الحقيقي ، فهل نحن مختلفون ؟ .."

(1)

لما بعد 

لسنا متفقين ولسنا مختلفين ولسنا بين بين ، لما بعد .. لأننا ، يا أستاذنا ، لم نفهم دلالة أكثر ما قيل على وجه التحديد ، ربما لعيب فينا ان كان ما قيل ذا دلالة قابلة للفهم . وربما مفترقين في ادراك دلالات كلمات لغتنا الواحدة بحكم اختلاف ثقافتنا في استخدام الكلمات . أنت فيلسوف وأستاذ فلسفة وصاحب رسالة فيسهل عليك استخدام الكلمات العامة المجردة المثالية ، وأسهل منه عليك ادراك دلالاتها لأن دلالات الكلمات مستمدة عندك من الأفكار التي تعبر عنها قبل ان تصبح كلمات . وهذا شأن الفلاسفة أو كثير منهم ممن تعرفهم خيرا مني مثل باركلي ونيتشه وهيجل وبرادلي ... حتى أدموند هوسرل . أما نحن ، ولا حيلة لنا في هذا ، فعلى مدى أكثر من نصف قرن نتعامل مع لغة القانون شديدة الواقعية ، ولقد ألفناها حتى لا نكاد ندرك دلالة كلمة لا تمت بصلة قريبة الى أسرتها .

دعني اضرب لك مثلا من "القتل" . القتل هو ارهاق روح انسان . هذا يكفي دلالة على ما حدث في غير لغة القانون . أما في لغته فهو قد يكون جريمة وقد لا يكون . فتتوالى الأسئلة في جزئيات لا يهتم أحد بها الا اذا كان من رجال القانون : من القاتل ؟ من القتيل ؟ من الفاعل ومن الشريك ؟ هل كان فعل القتل متعمدا أو خطأ ؟ وان كان متعمدا فهل كان مع سبق الإصرار أو لم يكن ؟ وان كان مع سبق الإصرار فهل كان مصحوبا بالترصد أو لم يكن ؟ وان كان خطأ غير متعمد فهل كان الخطأ فيه مخالفة القانون واللوائح أو كان رعونة وعدم احتياط ؟ وان كان الخطأ رعونة وعدم احتياط فهل أسهم القتيل في وقوع القتل ؟ وهل كان القتل اعتداء او دفاعا ؟ كل هذا يا سيدي ليعرف القاضي معرفة اليقين – وليس الترجيح – هل يطبق المادة 23 أو المادة 234 أو المادة 236 أو المادة 238 أو المادة 245 من قانون العقوبات . كلها خاصة بواقعة القتل الثابتة عينا بدليل الجثة . المادة الأولى تعاقب القاتل بالإعدام . ثم تتدرج العقوبات نزولا حتى تصل الى المادة 236 فتكون العقوبة الحبس ستة اشهر أو غرامة مالية . أما المادة 245 فلا تعاقب القاتل مع انه قتل باعترافه . وأمام المحكمة يدور "حوار" هادئ أو صاخب بين النيابة والدفاع ، لا حول القتل كفعل ولكن حول جزئيات ظروف "وقوع" فعل القتل .

وحين يقضي انسان أكثر من نصف عمره في موقع القضاء أو النيابة أو المحاماة يصبح ذهنه – كما يقال – قانونيا فلا يقبل فكرة مجردة ولا يرفضها الا بعد أن يعرف علاقتها بالواقع العيني ويحققها "وهو تعبير قانوني يعني اختبار صحة الأثر وصحة نسبته الى المؤثر" .

ولقد قضيت أكثر من نصف قرن أدرس القانون وأمارسه بدون انقطاع حتى أصبحت واقعي المنهج . رحلة المعرفة تبدأ عندي من الواقع العيني الى الفكر لأعود به الى الواقع وهكذا دواليك في حركة جدلية غايتها تطوير الواقع .

مثلا ...

1 - في الفقرة الأولى التي نقلناها عنك تقول "ان التحديات المصيرية لجيلنا هي شرعية السلطة ومصدر الحكم" وينتظر الان جيلنا معرفة ماذا تعنيه بشرعية السلطة ومصدر الحكم ، فلا يطيل الدكتور حسن حنفي انتظارنا ويجيب بطريقته : "من منا يرضى بحكم الملوك الوراثي أو بحكم الطبقات أو بحكم العشائر أو القبائل أو بحكم العسكر والجنود ؟ من منا يرضى بحكم القهر والتسلط والطغيان ؟ من منا يرضى بحكم المذلة والهوان والاستسلام للعدو والتحالف مع الاستعمار ؟ من منا يرضى بالأنظمة الحاكمة التي تثير فينا جميعا الغضب والنفور والاشمئزاز ؟ . لا ... منا من يرضى بحكم الملوك الوراثي ، وبحكم الطبقات وبحكم العسكر والطغاة ، منا المتسلطون ، ومنا القاهرون ، منا ، ومنا يا دكتور حنفي الراضون بالاستسلام للعدو والمتحالفون مع الاستعمار . وكل القائمين على أنظمة الحكم منا . اذن فنحن نأخذها على أنها صيغة مبالغة خطابية . لا بأس . وننتظر مرة أخرى الجواب الإيجابي . ماذا تعني شرعية السلطة ومصدر الحكم في الواقع . لا جواب مباشر . هناك جواب غير مباشر . يقول الدكتور حسن حنفي :  

ان فشل الأيديولوجيات العلمانية لتحديث مجتمعاتنا وتحريرها من ليبرالية وقومية اشتراكية تجعل الشباب بالضرورة رافضا لحاكمية البشر مطالبين بحاكمية أعلى لا يجدونها الا في حاكمية الله . ولو كان هناك نظام بشري واحد قادر على تحرير الأرض ، وتوزيع الثروة والدفاع عن حريات الشعوب ، وتجنيد الجماهير ، وتوحيد شعوب المنطقة لما ألهب شعار حاكمية الله وجدان وايمان البسطاء " .

لماذا الشباب ، ودون الرجال والشيوخ . ولماذا وجدان الشباب وايمان البسطاء ؟ وما هو الوجدان وكيف ومتى وأين التهب ؟ . هذه أسئلة لحوحة ولكنها هامشية ندعها معلقة حتى لا نعوق الحوار في الموضوع . والموضوع هو أن الدكتور حسن حنفي يرفض حاكمية البشر ويستبدل بها حاكمية الله .

فليكن . ولكن ماذا يعني تعبير "الحاكمية لله" .

سيكون هذا موضوع حوارنا مع الدكتور حسن حنفي . وموضوع "الحاكمية لله" هو ابداع فكري أصيل متميز انفرد به الدكتور حسن حنفي ، يحتل عندي المرتبة الأولى بين ابداعه الكثير . ربما لأنه اقتحم به بجرأة الفارس مقولة "الحاكمية لله" فبدّد أو حاول أن يبدّد طبقات كثيفة من الضباب الفكري الذي أحاط بتلك المقولة ، ولم يزل ، ودفع عشرات من الشباب أرواحهم في معاركها . ومازلت علما مرفوعا على معارك ضارية في كثير من الدول العربية . ولما كان الدكتور حسن حنفي قد عرض لنشأة هذه المقولة عند من قال أنه صاحبها الأول أبو الأعلى المودودي ، ثم تبناها الدكتور حسن حنفي فأعطاها مضمونا متميزا وأبقاها عنوانا فاني أنتهز فرصة الحوار مع الدكتور حسن حنفي لأردّد حرفيا ما أورده الدكتور ترجمة عن أبي الأعلى المودودي ، لأني أريد في النهاية أن أسأل الدكتور حنفي ، وربما أجيب عن السؤال : لماذا يستعملها عنوانا لبعض ابداعه الفكري ؟ ولماذا احتفى بها في كتاباته ؟ وما هي "الوظيفة" التي تؤديها هذه الكلمة في سياق مذهبه الفكري ؟

الحاكمية لله

عرض الدكتور حسن حنفي في الجزء الخامس من موسوعته الدين والثورة "صفحة 124 وما بعدها " : قال مشيرا الى مصادره من كتاب المودودي ما نقتطف منه :

الحاكمية لله :

"تعطي الحاكمية لله تصورا مركزيا للعالم . فالله قمة الكون خلقه ويحكمه ويسيطر عليه . الأرض كلها لله وهو ربها والمتصرف في شؤونها . فالأمر والحكم والتشريع كلها مختصة بالله وحده . وليس لفرد او اسرة أو طبقة أو شعب بل ولا للنوع البشري كافة شيء من سلطة الأمر والتشريع . فلا مجال في حظيرة الإسلام ودائرة نفوذه الا لدولة يقوم فيها المرء بوظيفة خليفة لله تباركت اسماؤه ولا تتأتى هذ الخلافة بوجه صحيح الا من جهتين . اما ان يكون ذلك الخليفة من الله . أو رجلا يتبع الرسول فيما جاء به من الشرع والقانون من عند ربه " (صفحة 125) .

"فالحاكم الحقيقي في الإسلام انما هو الله وحده . فاذا نظرت الى هذه النظرية الأساسية وبحثت عن موقف الذين يقومون بتنفيذ القانون الإسلامي في الأرض تبين لك أنه لا يكون موقفهم الا كموقف النواب عن الحاكم الحقيقي فهذا موقف أولي الامر في الإسلام بعينه" (صفحة 126) .

"ان تصوّر الإسلام عن الحاكمية واضح لا تشوبه شائبة . فهو ينص على أن الله وحده خالق الكون وحاكمه الأعلى وأن السلطة العليا المطلقة له وحده ، أما الانسان فهو خليفة هذا الحاكم الأعلى ونائبه . والنظام السياسي لا بد وأن يكون تابعا للحاكم الأعلى . ومهمة الخليفة تطبيق قانون الحاكم الأعلى في كل شيء ، وإدارة النظام السياسي طبقا لأحكامه " (صفحة 127) .

"وقد بين القران طاعة الانسان لله وللرسول ولأولي الأمر . كما نص على الحاكمية في : (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) . ويصفهم الله مرة أخرى بالظالمين ، ومرة ثالثة بالفاسقين . وليس صحيحا أنها آيات خاصة نزلت في أهل الكتاب في مناسبات خاصة بل هي أحكام عامة تتجاوز أسباب النزول وتنطبق على كل الامة بالنسبة لكتابها في كل زمان ومكان" (صفحة 127) .

نكتفي بهذا عرضا من اقوال أبي الأعلى المودودي ، كما نقلها الدكتور حسن حنفي من مصادرها لأن الباقي يطول ، ولان الدكتور حسن حنفي قد بدأ نقده للمودودي بعد اخر كلمة نقلناها فقال في جملة قاطعة الدلالة نصها : "وتتضمن الحاكمية رفض حاكمية البشر وضرورة الثورة عليها" واستطرد في صفحات متتالية ينقد أبا الأعلى المودودي ويحمّله مسؤولية ، ولو أدبية ، عما لا يرضي الدكتور من وقائع تاريخية قديمة وأحداث تاريخية قريبة ومعاصرة . وهو نقد قائم جله ان لم يكن كله على ان "الحاكمية لله" التي نسبها الى أبي الأعلى المودودي ترفض "حاكمية البشر وضرورة الثورة عليها" التي نسبها الى "الحاكمية لله" ، وكلاهما لا تصح نسبته لأخطاء هينة .

أما عن "الحاكمية لله" فهو تعبير لم يستعمله أبو الأعلى المودودي في كتاباته أصلا . كان يستعمل كلمة "Sovereingty" التي تعني "السيادة المطلقة" . وقد كان أبو الأعلى المودودي يجتهد ويكتب باللغة الانجليزية أو الأوروبية والهند تحت "السيادة" البريطانية بينما كان التاريخ السياسي والفكري في إنجلترا والقارة الأوروبية ما يزال يحمل اثار الصراع الطويل حول لمن السيادة : الملك ، أم البرلمان ، أم الشعب ، أم الامة ، أم الدولة أم – حديثا - المجتمع الدولي ، ولا يزال الصراع الفقهي مستمرا خاصة في نطاق القانون الدولي . لماذا ؟ لان "السيادة" لا تعني فقط الحصانة من المسؤولية وهو وضع سلبي ، ولكن تعني أيضا اطلاق الإرادة بدون قيد وهو وضع إيجابي . أو كما يقول الفقهاء الالمان "الاختصاص بالاختصاص" أي أن صاحب السيادة يحدد وحده حدود تلك السيادة ومضمونها فيزيد فيها أو ينتقص منها بإرادته المفردة . وهنا يوشي اطلاقها بأساسها الديني حين اختص بها البابوات الذين باشروا السلطة نيابة عن الله ، سبحانه وتعالى . وأدى الصراع المرير بين البابوات والملوك ، خاصة ملوك فرنسا ، على السيادة : مضمونها وحدودها ، الى أن تجرّد منها البابوات وانتقلت الى الملوك . كما كانت سيادة مطلقة . وساند هذا الانتقال أو دافع عنه جمهرة الفقهاء وعلى رأسهم جان بودان الذي قال : "صاحب السيادة الذي يشرع القانون لا يتقيد بها" (1576) ... نلاحظ هنا أن بودان وأمثاله كانوا يدافعون لا عن حق الملك في السيادة ، ولكن – أيضا – عن اطلاق ارادته من كل قيد ولو قيد القانون . ثم انتقلت السيادة في القرن التاسع عشر الى البرلمان في إنجلترا تحت تأثير النهوض القوي للبورجوازية ضد استبداد الملوك تحت تأثير جون لوك ، وفي فرنسا تحت تأثير جان جاك روسو الذي حاول نقل السيادة الى الشعب بدلا من الملك . وبتأثيره ، ولكن ليس الى المدى الذي أراده ، نص دستور الثورة الفرنسية الصادر عام 1791 على أن "السيادة واحدة وهي للأمة .. وليس لأي مجموعة من الناس أو أي فرد أن يدعي السيادة لنفسه" . فنلاحظ أن الشعب كأفراد وجماعات قد جُرّد من السيادة ، واسندت الى الامة لأن الأولين كانوا أشخاصا طبيعيين ذوي إرادة ، اما الأمة فكانت "حينئذ" شخصا اعتباريا أي غير حقيقي لا يستطيع أن يمارس السيادة الا من خلال أشخاص طبيعيين يعبّرون عن ارادته مع أنه هو ذاته شخص اعتباري لا إرادة له .

وهكذا انتهى الصراع بين البشر حول لمن السيادة الى نفيها عن أحد من البشر .

وهكذا كان يفهما أبو الأعلى المودودي ويحجبها عن أية سلطة في الدنيا . متأثرا قي ذلك ، كما نعتقد ، بأن إنجلترا كانت تحكم الهند باسم "سيادة" التاج البريطاني الذي لم تكن له السيادة في إنجلترا ذاتها . وكانت تُصدر التشريعات في الهند باسم سيادته ومنها ما يسمى الشريعة الإسلامية وهو ما يُغضب أي مسلم (قامت ثورة سنة 1857 في شمال الهند حين وصل استهتار الانجليز بشعور المسلمين الزامهم باستعمال شحوم الخنازير) .

يبين كل هذا من مواصفات الدولة الإسلامية كما بشر بها أبو الأعلى المودودي فهي :

1 - دولة عقائدية . دينها الإسلام .

2 - قائمة على دستور .

3 - مصادره : (أ) القران . (ب) السنة . (ج) اجماع الخلفاء الراشدين . (د) مبادئ أئمة المذاهب الفقهية .

ثم يستطرد في كتابه "المبادئ الأولية للدولة الإسلامية" فيتحدث باستفاضة عن "المشكلات الأساسية في الأفكار السياسية الدستورية" ، فيقول : "سأقصر حديثي على النقاط التسع الأساسية في الدستور الإسلامي" . ويعدّدها :

1 - لمن السيادة .

2 - ما وظائف الدولة الإسلامية ومدى سلطتها على رعاياها .

3 - ما وظائف سلطات الدولة المختلفة : السلطة التنفيذية ، والسلطة القضائية ، والسلطة التشريعية ، وما هي حقوق وواجبات كل منها وعلاقاتها معا .

5 - كيف تشكل حكومة هذه الدولة .

6 - ما مؤهلات الأشخاص الذين يجوز انتخابهم لإدارة هذه الدولة .

7 - ما شروط اكتساب جنسية الدولة وحالات سقوطها .

8 - ما الحقوق الأساسية للمواطنين .

9 - ما التزامات الدولة الأساسية قبل المواطنين .

هذه ، بحكم الضرورة ، مجرد عناوين لشروح أوردها المودودي تحت كل عنوان في القيم . ونحن نعرف الان الجواب على السؤال الأول : لمن السيادة ، انه على وجه التحديد "ليس لاي فرد أو مجموعة من الناس أن يدعي السيادة لنفسه أو يمارسها" .

"السيادة لله وحده" . فهل يعترض الدكتور حسن حنفي ؟

ثم نعرف ان لا بد للدولة الإسلامية من دستور : وأن في الدولة سلطات منفصلة : التنفيذية والتشريعية والقضائية . وأن وظيفة الدولة إقامة العدل بين البشر . وأن لا بد للدولة الإسلامية من رئيس منتخب . وأن تضم اليه هيئة استشارية منتخبة . وأن جنسية الدولة الإسلامية مفتوحة للمسلمين والنصارى واليهود والصابئة والمجوس بدون تفرقة (الذميون) . وأن حقوق المواطنين في الدولة الإسلامية هي حماية الحياة والملكية والشرف ، والحرية الشخصية وحرية الرأي ، وتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة لكل المواطنين بصرف النظر عن معتقداتهم ومذاهبهم .

فهل ثمة اعتراض من الدكتور حسن حنفي ؟

أبدا ...

ان جوهر ما يدعو اليه الدكتور حسن حنفي في جل كتاباته "دولة" بالمعنى الحديث "للدولة" ذات دستور ورئاسة ومجلس شورى من البشر ، وسلطة تشريعية من البشر ، وسلطة قضائية من البشر ، وسلطة تنفيذية من البشر ، وهي سلطات منفصلة ضمانا للعدالة ، وقوة عسكرية تدافع عن الأرض ، وتوزع الثروات حتى لا يجوع أحد رعاياها ، وتقيم العدل الاجتماعي ، وتبيح وتحمي حرية البشر فيها وخاصة حرية الجهر بالرأي ، ثم تكوين حزب الله الذي يدافع عن الدولة بهذا المفهوم العصري .. وهي ذات دولة أبي الأعلى المودودي مع استثناء تفصيلات اجتهادية غير ذات خطر .. فلا تستحق القول أنها ليست حاكمية البشر لان المسلمين من البشر بدون خلاف .

ولكن الدكتور حسن حنفي تجاوز حدود دولة المودودي حين قال ان الحاكمية عنده ليست البدء بالحدود والكفارات ولا مطالبة الناس بواجباتهم قبل اعطائهم حقوقهم ، ولا الصولان والجولان في قانون الأحوال الشخصية وما يدور في حجرات النوم ولا الطلاق ولا تعدد الزوجات ، ولا الحضانة وملكية الشقة والنفقة ولا الزي الإسلامي ومظاهر الخلاعة وملاهي الهرم وبيع الخمور ولا رجم الزاني وقطع يد السارق وصلب قاطع الطريق وتطبيق الحرابة . قال هذا وهو يعني حاكمية الله أو حكم الشريعة .

وأحكام الله الآمرة ، الناهية ، المبيحة ، المحللة ، المحرمة ، واردة نصوصا في كتاب . "كتاب المسلمين الذين يخاطبهم الدكتور حسن حنفي بما يكتب" . هذا الكتاب هو "القران" الذي أبلغنا من عند الله ، نحن البشر ، الحدود والكفارات وواجباتنا وحقوقنا في شرائع الأحوال الشخصية بما فيها "ما يدور في حجرات النوم" والطلاق وتعدد الزوجات والحضانة والنفقة والزي الإسلامي ومظاهر الخلاعة وملاهي الهرم وبيع الخمور ورجم الزاني وقطع يد السارق وصلب قاطع الطريق وتطبيق الحرابة .. الخ . وقال لنا في كتابه (تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) (2 : 229) . ونحن نخشى على الدكتور حسن حنفي أن يُفهم من كلامه أن التفريق بين الحلال والحرام شرعا يمكن أن يؤجل أو يوقف أو يُهمل في دولته الى أن يتم تكوين حزب الله الذي يدعو الى تكوينه ويحرر الأرض ويوزع الثروات ... الخ .

لا شك في أن اسم "حزب الله" ذو اغراء بالغ لمن يريد أن ينشئ حزبا في شعب مسلم أو أغلبية من المسلمين . فقد وصف القران الكريم حزب الله بأنهم الغالبون ، وأنهم هم المفلحون ، كما وصف حزب الشيطان بانهم الخاسرون . غير أن القران لم يصفهم بالفلاح أو بالخسران من فيض رحمته بل جزاء على ما فعلوا في الدنيا . يقول تعالى في سورة المائدة : (انما وليكم الله ورسوله والذين امنوا يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ومن يتولى الله ورسوله والذين امنوا فان حزب الله هم الغالبون) (5 : 55 / 56) . ويقول عن الاخرين في سورة المجادلة : (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا ان حزب الشيطان هم الخاسرون)  (19 : 68) .

لا يتكون اذن حزب يستحق أن يسمى ابتداء "حزب الله" ، حول فكرة دارت في ذهن أحد الأئمة أو تحت اسم اختاره أحد الدعاة لأنه أكثر جاذبية لدى المسلمين . لا يتكون من "فوق" . انما يكون حزب الله أو حزب الشيطان تبعا لمواقفه وسلوكه وتحالفاته في الواقع . لذا نخشى أن "حزب الله" الذي اختار الدكتور حسن حنفي اسمه قبل أن يتكون لن يتكون قط ولو "للدفاع عن الحاكمية بذلك المضمون العصري" .

ذلك لأنه بعد أن تهبط الفكرة من فوق وتلتقي بالبشر المسلمين ، المرشحين لحزب الدفاع عن الحاكمية بمضمونها العصري ، يجدون أن مضمون الحاكمية التي انضموا الى الحزب ليدافعوا عنها قد خلى من اهتماماتهم وممارساتهم الواقعية كبشر مسلمين . الحدود والكفارات والأحوال الشخصية والخمور والزنا والسرقة وتعدد الزوجات والحضانة والنفقة والزي وما يدور في حجرات النوم والطلاق .. الخ ، تلك المسائل "الشرعية" التي يتعاملون معها وقد يعانون منها فيلتمسون لها حلا في حياتهم الواقعية .

وأخيرا لماذا يستعمل الدكتور حسن حنفي لفظ "الحاكمية" ويضيفها الى الله جل جلاله . ان كان أخذها عن المودودي فقد رأينا أن المودودي لم يستعملها في كل كتاباته بل يستعمل لفظ "السيادة" . وان كان أخذها عن رجل هو معجب به أشد الاعجاب أعني المرحوم سيد قطب فنرجح أنها ترجمة غير دقيقة للفظ السيادة . ذلك لأن "الحاكمية" اشتقاق غريب لغويا من الفعل حكم ، يحكم فهو حاكم وحكم . . وهي ذاتها لم ترد في القران . ففي كل آيات القران التي ورد بها لفظ حكم أو مشتقاته ورد بمعنى الفصل في أمر مختلف فيه أوضحها دلالة ما جاء في الآية 57 من سورة الأنعام حيث يقول الله تعالى : (ان الحكم الا لله يقُصّ الحق وهو خير الفاصلين) . أي خير من يقضي بالحق فيما هو مختلف فيه . صدر الآية شاهد بالحق على ما نقول اذ أشار الى خلاف بين الرسول وبين الكافرين أحالت الآية الفصل فيه (الحكم فيه) الى الله . تقول : (قل اني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به ان الحكم الا لله) . ويفرق القران بين حكم الله بذاته والحكم بما أنزل الله . حكم الله بذاته يكون في الاخرة ومثاله : (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) (2 : 113) و (4 : 141) . أما في الحياة الدنيا فالحكم بما انزل الله من كتب وأرسل من رسل . وأوضح آياته دلالة – وهي كثيرة – قوله تعالى : (انا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله) (4 : 105) . وقوله : (يدعون الى كتاب الله ليحكم بينهم) (3 : 23) .

وقد ذكر الدكتور حسن حنفي في هامش صفحة 270 من الجزء الخامس أن المرحوم سيد قطب يستند في قوله بالحاكمية الى آيات الحاكمية "المشهورة" وأورد نصوصها : (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (المائدة : 44) . و (ألم تر الى الذين يزعمون أنهم امنوا بما أنزل اليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا الى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به . فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم من خلاف ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) (61 : 65) . و (وان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول) (النساء : 95) .

وأوضح أن هذه الآيات الكريمة تحيل الحكم في الخلاف أو المنازعات في الحياة الدنيا الى الرسول عليه الصلاة والسلام ليحكم فيها بصفته رسولا بما أنزل الله أي القرآن .

تلك اذن منازعات وخلافات بين البشر (قضايا) تصدر فيها أحكام فاصلة ولا تدل آية منها على أن المقصود بالحكم ممارسة أية سلطة تدخل في نطاق الحكم بمفهومه السياسي ، أي إدارة شؤون الدولة . وبالتالي أبعد من مظنة أنها تعني على أي وجه "الحاكمية" بدلالتها السياسية ، ان كانت لها دلالة سياسية .

فلماذا اختار الدكتور حسن حنفي أن يرفع على مذهبه السياسي راية "الحاكمية لله" ومذهبه السياسي في غنى كامل عن هذه الراية مضطربة الدلالة لفعل اضطراب الاهواء التي تنوشها . لست أدري حقا ، وان كنت قد توقفت كثيرا عند "فكرة" أوردها الدكتور حسن حنفي في موضعين مما قرات من موسوعته ، أي يمكن القول أنها فكرة ثابتة أوردها أولا في صفحة 78 من الجزء الخامس من الموسوعة كعنوان وخاتمة لبحث طويل عريض عميق بالغ الثراء الفكري عن تاريخ العالم الإسلامي . العنوان : "في مطلع القرن الخامس عشر هجري" ، والخاتمة : "أتى الإسلام في مطلع القرن الخامس عشر الهجري في قلوب المسلمين ليستأنف دورة جديدة بدأت في الإصلاح الديني في القرن الماضي على يد الافغاني ، دورة بعث جديد ، يتحول فيها الإسلام من مشاعر تربط الامة الى طاقة مولدة لحركة الجماهير الإسلامية فتتغير نظمها القائمة" . ثم عاد اليها في صفحتي 16 و 17 من الجزء الثامن فقال : وان نهاية القرن الرابع عشر وبداية القرن الخامس عشر لحدث يعاصر جيلنا ويدفعنا الى التفكير في التاريخ ، في الماضي والحاضر والمستقبل .. وقد يكون من بيننا مجدد القرن الخامس عشر طبقا لحديث المجددين : "ان الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" .

لو كان هذا الحديث صحيحا لقلنا ان الدكتور حسن حنفي يحمل فكرة ثابتة ، انه المؤهل ليجدد لامة المسلمين دينها بمناسبة بداية القرن الخامس عشر ، ولأستحق الدكتور حسن حنفي أن يكون من المرشحين لهذا الدور التاريخي ، لأنه مجدّد فعلا وقد بذل ويبذل جهدا غير مسبوق في تأهيل نفسه لهذا الدور بالذات .

ولكن المسلم البسيط ، من أمثالنا ، يجزع ويستنكر ، نسبة هذا النص المسمّى حديثا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لسبب بسيط هو انه يخالف ويناقض ثمان وأربعين آية من آيات القران تنفي كلها ، بصيع شتى ، علم الرسول بالغيب ، والغيب هو المحجوب عن الادراك ، فما بالنا بالرسول الصادق الأمين ينبئ في اوائل القرن الهجري الأول بأن الله سيبعث دوريا في سنوات مقبلة يفصل كل منها قرن من الزمان على وجه التحديد من يجدد للامة دينها . كيف ينسب الى الرسول أنه أنبئ بالغيب ، وهو الذي أبلغنا قول الله تعالى في كتابه : (ما كان الله ليطلعكم على الغيب) (3 : 179) . وقوله : (وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها الا هو) (6 : 59) . وقوله : (لله غيب السماوات والأرض) (16 : 77) . وقوله : (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب الا الله) (27 : 26) . وأوحى الى رسوله أن يبلغ الناس (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب) . (6 : 5) . و (لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخيرات) (7 : 188) . و (قل انما الغيب لله فانتظروا اني معكم من المنتظرين) (10 : 20) ...الخ .

في الموضوع

حين يحتكم الناس الى القضاء ينقسم ذلك الحوار الذي اشرنا اليه في البداية الى قسمين : القسم الأول يسمى "الدفوع" وهذه لا بد أن تطرح أولا قبل الدخول في الحوار حول الموضوع الذي يسمى حينئذ "الدفاع" . والدفوع تتعلق بشكل الدعوى : هل عريضة الدعوة مستوفية البيانات التي نص عليها القانون : أسماء الخصوم وعناوينهم ، هل تقدمت في المواعيد المحددة للالتجاء الى القضاء ، هل الوقائع الواردة بها واضحة ، هل الطلبات محددة ..؟ اذا لم تستوف عريضة الدعوى تلك البيانات تقضي المحكمة بعدم قبول الدعوى "شكلا" بدون فصل فيما هو مختلف فيه . فاذا صح شكل الدعوى ، تنتقل المحكم الى الموضوع الذي هو اصل الخلاف . تأثرا بهذا "النظام" طرحنا كل ما طرحنا من قبل باعتبارها دفوعا .. ننتقل الان الى الموضوع وهو أكثر أهمية من الشكل وان كان الفصل فيه متوقفا على صحة الشكل .

والموضوع الذي نحاور الدكتور حسن حنفي فيه هو ما أسماه التحدي الحقيقي وقصره على :

1 – تحرير الأرض .

2 – الحاكمية لله وهذه حاورناه في الجانب الشكلي منها وهو شكلي حقا .

3 – توزيع الثروة . 4 – حريات الناس . 5 – تجنيد الجماهير .

ولقد عبر الدكتور حسن حنفي بصدق  واقعي وبلاغة مؤثرة عن الأسباب التي تفرض علينا أن تكون تلك "من" أهدافنا في هذا العصر . وأنه ليسعدني أن أجد نفسي متفقا مع الدكتور حسن حنفي جملة في أن هذا هو التحدي الحقيقي الذي يجب علينا ، وعلى كل منا ، أن يقبله ويجاهد من أجل تحقيقه مع حفظ الحق – كما يقول القانون – في إضافة تحديات أخرى . وليس هذا الاتفاق غريبا بالرغم من أنه لم تتح لي فرصة حوار سابقة مع صاحب الموسوعة ، ذلك لأنه بمجرد أن يقف المتحاورون على أرض مشتركة ، ويدور الحوار حول مشكلات الأرض .. وحلولها ، تكون فرصة الاتفاق أقوى من فرصة الخلاف . ومن قبل قال ابن الهيثم : "كل مذهبين مختلفين اما أن يكون أحدهما صادقا والأخر كاذبا ، واما أن يكونا جميعا كاذبين واما أن يكون جميعا يؤديان الى معنى واحد وهو الحقيقة فاذا تحقق في البحث وأنعم في النظر ، ظهر الاتفاق وانتهى الخلاف" .

أعتقد ان هذا الاتفاق يخولني الحق في ان أستأذن الأستاذ الدكتور حسن حنفي في الاسهام معه ببعض الملحوظات والاضافات سعيا وراء مزيد من الكمال .

أولا : تحرير الأرض

اتفقنا على هدف تحرير الأرض . وأضفت يا استاذنا موضحا : "فلسطين ولبنان محتلة ، وبسيناء قوات دولية ، وبمناطق كثيرة من عالمنا العربي والإسلامي قواعد عسكرية أجنبية . تحرير الأرض اذن واجب أساسي على الأمة ، وفرض شرعي على أي حاكم . فالله اله السماوات والأرض وليس اله السماوات وحدها . والرب رب السماوات والأرض وليس رب السماوات وحدها" . ألا ترى معي وأنا معك ، ولو رفقا بالجماهير التي ندعوها ، ألّا نوسّع ميدان معركتها لتحرير الأرض حتى لا تيأس من الانتصار للفارق "الهائل" بين إمكانياتها وهدفها . لماذا لا نُلحق "بالفكرة" بُعديها في الزمان والمكان فنقول مثلا "الأرض العربية" أو نعدد أقطارها ، أو حتى "قطرا واحدا"  ... المهم التحديد . أنحن أدرى بطبيعة البشر من خالقهم القائل : (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) (2 : 286) ، ونتجاهل ما لا نجهله من قانون السببية الحديدي ، القائم على حتمية التكافؤ بين السبب والنتيجة لتتحقق : فلسطين محتلة ولبينان محتلة ولسيناء قوات دولية ، وبمناطق كثيرة من عالمنا العربي .. قواعد عسكرية أجنبية . معقول . هذه أرضنا العربية . ما جدوى إضافة العالم الإسلامي الا أن تُدخل الهدف في ظلام الاستحالة . لأننا حين نقول تحرير الأرض اذن واجب أساسي على الامة ، لا بد أن نعرف أية أمة لأننا ندعو جماهيرها . ولو كنا نقصد الامة العربية فهي محددة مكانا ، وبالتالي يكون حشد جماهيرها العربية ممكنا . وتكوين حزب منهم ليس مستحيلا . وقد سبق للامة العربية أن قامت بهذا الدور . أما اذا أضفنا العالم الإسلامي ، فسنقول – بالضرورة – الأمة الإسلامية . وهي أوسع ارضا بكثير من الامة العربية ، ودولها أكثر عددا بكثير من الدول العربية ، وهي جميعا ، جميعا يا دكتور حنفي ، لا تقبل التدخل في شؤونها الداخلية . اليك تجربة شديدة المرارة كالعلقم مع أنها واقعة . لقد هب المسلمون في أفغانستان يجاهدون لتحرير أرضهم من السيطرة الشيوعية . فانتصر لهم الاف الشباب العربي وذهبوا الى أفغانستان وشاركوا في القتال ، وشهد لهم بالبطولة الى أن انتصر المسلمون وتحررت أرض أفغانستان . ماذا حدث بعد النصر . لم يجد الشباب العربي سببا واحدا لمغادرة أفغانستان أو التعجيل بالمغادرة بعد النصر الذي استشهد في سبيله ألوف منهم فانتصروا . لم يطل انتصارهم اذ لفتهم "الأخوة في الله" من الأفغان الا ان عليهم أن يغادروا أفغانستان وأسموهم "العرب الأفغان" . فغادروا ارضا أفغانية الى أرض عربية ارضهم ، مع أنهم جميعا مسلمون . لماذا ؟ في نطاق الامة الإسلامية المتميزة بوحدة الدين يتوزع المسلمون أمما قومية يتميز كل منها بوحدة الأرض . ونحن الان نتحدث عن تحرير الأرض فلا تعرضنا لمن يسأل أية أرض ؟ دعنا نسبق السؤال عن المكان في الأرض والزمان في الحركة بأجوبة محددة نهتدي فيها بتجربة فلسطين . ففي عام 1948 وجد "الاخوان المسلمون" تحت قيادة الامام حسن البنا يجاهدون ضد الغزو الصهيوني في فلسطين ومعهم رفاق سلاح من كل الأرض العربية "ولا أحد يذكر من غير العرب . ففطن الامام الشهيد حسن البنا الى العلاقة بين المجاهدين العرب تحت راية الإسلام وأرض فلسطين العربية . انها ارضهم العربية ولو كانوا مقيمين في اقطار عربية أخرى . فطن الى ان لا بد من عبور "الجزء" للوصول الى "الكل" ، وأن الدفاع عن فلسطين هو المقدمة اللازمة موضوعيا للدفاع عن الوطن العربي . وأن الدفاع عن الوطن العربي مقدمة لازمة موضوعيا للدفاع عن الوطن الإسلامي ، فأضاف رضي الله عنه الى قانون جماعة "الاخوان المسلمون" النص الاتي محددا أهداف الجماعة في الزمان والمكان : تحرير وادي النيل والبلاد العربية جميعا والوطن الإسلامي بكل أجزائه من كل سلطان أجنبي ، ومساعدة الأقليات الإسلامية في كل مكان ، وتأييد الوحدة العربية تأييدا كاملا ، والسير الى الوحدة الإسلامية" . من الوحدة العربية الى الوحدة الإسلامية . الوحدة العربية أولا . والانطلاق منها كقاعدة الى الوحدة الإسلامية كما فعلت الأمة العربية من قبل في نشر الإسلام . ألا ترى أن هذا التحديد في الزمان والمكان ، أكثر اتساقا ، وأصبح تطبيقا لآيات القران التي أذنت بالقتال وأوردتها فيما قلت : (أذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير . الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق) (22 : 39) ، و (مالنا لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا) (2 : 246) .. ونضيف قوله سبحانه (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم) (8 : 60) وقوله (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين . واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث اخرجوكم) (2 : 19 : 191) . واني لأرى ، ولعلك ترى ، على ضوء هذه الآيات البينات أن القتال دفاعا عن الأرض مأذون به لأصحاب الأرض اذ الأرض هي ديارهم . وبالتالي فان تحديد الأرض التي يقاتل أصحابها دفاعا عنها ويخرجون منها من أخرجهم منها ، أقرب الى دلالة الآيات ، من الاحتجاج غير المباشر بان الله اله السماوات والأرض وليس اله السموات وحدها .

ثانيا : الحاكمية لله

وهذا حاورناه في الجانب الشكلي منها ، وهو شكلي حقا أعني غير متصل بأي موضوع .

ثالثا : توزيع الثروة

هذا موضوع جوهري بالنسبة الى اية دعوة موجهة الى جوهر ما يهم الناس في حياتهم الواقعية .

ولقد أحسن الدكتور حسن حنفي في وصف الواقع "فنحن أمة يضرب بها المثل في الغنى والفقر ، في البطر والبؤس ، في البطنة وسوء التغذية ، في الترف والحرمان .. الخ" . وهو يعني أن الثورة موزعة توزيعا غير عادل فيكون العنوان المناسب للدعوة "إعادة توزيع الثروة" . كان الدكتور حسن حنفي قد قدم عام 1979 ما نشر في مجلة قضايا عربية ، السنة السادسة ، العدد الأول – يناير – ابريل ، وأعاد نشره في الجزء السابع من موسوعته وما يستحق أن يقرأ ويحفظ . انها دراسة فائقة الجدية ، عبقرية التحليل ، مبهرة ، لم يسبقه اليها أحد ممن نعرف دراساتهم تحت عنوان "الاقتصاد الإسلامي" أو معناه . وقد علمنا مما تعلمنا أثناء دراسة عليا متخصصة في الاقتصاد أن عناصر العلمية الاقتصادية في أي مجتمع تتكون من :

1 – الطبيعة (الأرض) اذ فيها "مصادر" الإنتاج .

2 – العمل (جهد الانسان اليدوي أو الذهني أو الآلي) .

3 – التبادل أو التوزيع ، واداته الرئيسية النقود أو ما يقوم مقامها مثل المقايضة وتسمى جملة وتفصيلا اذ لا تتوقف وجودا على جهد أي انسان ، اما بالنسبة الى العمل فهو سبب الإنتاج فلا يملك أي انسان الا نتاج عمله . ثم توقفت دراستنا وجهودنا بعد الدراسة دون حل مشكلة التبادل أو الوسيط (المال) . بعد أن اصبح "المال" أو الرغبة في الحصول عليه والاستكثار منه هو الأداة المحركة للنشاط الاقتصادي بعنصريه الإنتاج الذي قد يتجه الى انتاج السموم القاتلة ، والطبيعة لأن المال المتوقع اكتسابه أصبح هو الذي يقود العمل الى ذلك الموضوع من الطبيعة الأكثر ربحا في النهاية . وقد قرأنا من قبل ما نشره الدكتور حسن حنفي عن المال فاذا به يلتقط خيط المشكلة من اخره : "المال" الذي يحتاج اليه الانسان للحصول على حاجته من السلع أو الخدمات ، والذي – شاء ام ابى – يحدد له ما يستطيع أن يحصل عليه حتى لو كان ما يحصل عليه أقل مما هو في حاجة اليه فيصبح "فقيرا" .

بدأ الدكتور حسن في دراسته العبقرية "بالمال" في الإسلام في جزئين . خصص الجزء الأول "التحليل الصورة" وفيه حصر مواضع ورود لفظ "المال" في القران فاذا هي (86 مرة) ، ونبهنا الى أنه ذكر في القران أكثر مما ذكر لفظ النبي (80 مرة) ، وذكر لفظ الوحي (78 مرة) . وقد أراد أن يلفت القارئ الى أن أحكام المال في القران لا تقل أهمية عن لفظي النبي والوحي . ثم راح بدقة مذهلة يحلل كل لفظة "مال" جاءت في القران ، لم يترك واحدة . بعد هذا انتقل الى الجزء الثاني ليحلل المضمون . فاذا به ينتهي ، طبقا لآيات قطعية الدلالة ، الى ان للمال وظائف اجتماعية ثم يختم بحثه العميق بثلاث نتائج تحيط بالنظام الاقتصادي ، القانوني ، الاجتماعي ، في الإسلام فيقول :

1 – الطريق الرأسمالي للتنمية في البلاد النامية هو الطريق الذي ينبع من تراثها القديم ، ومن وجدانها القومي ، ومن قيمها وعاداتها وتقاليدها ، وهو في الغالب التراث الديني ، ومن ثم وجب إعادة تفسيره على نحو يساعد فضية التنمية ويخدم مصالح الأغلبية .

2 – المال مال الله وليس ملكا لاحد ، ولكن للإنسان حق التصرف وحق الانتفاع وحق الاستثمار ، فاذا ما استغل الانسان الاخر أو اكتنز فان من حق السلطة الشرعية استرداد الوديعة . لذلك من حق السلطة الشرعية التأميم والمصادرة للصالح العام . فملكية المال أقرب الى الجماعة منها الى الفردية .

3 – المال حركة اجتماعية بين أفراد الجماعة لا يجوز اكتنازه أو احتكاره أو الاحتفاظ به بل هو مال سائل للاستثمار لمصلحة الجماعة . ومن حق السلطة الشرعية التدخل لمنع تكديس المال أو اختزانه دون استثمار .

شكرا يا دكتور حسن حنفي . ان أمامنا روح أبي ذر الغفاري لتباركك .

رابعا : حريات الناس

"حريات الناس ، وحقهم في الاجتهاد والجهر بالراي" . لست أريد أن اختلف مع الدكتور حسن حنفي . اريد فقط أن اضع تحت نظره ، ليعيد النظر ، فيما أصبح "موضة" في اطلاق "الحرية" من أية قيود . ان حرية الرأي أو التعبير هو نقل الفكرة الى غيرنا بأية وسيلة نقل ، من أول الإشارة الى العبارة المنطوقة ، او المكتوبة ، أو الإذاعة .. الخ ، هنا مسألة جوهرية في ادراك حقيقة التعبير ، انه ليس افرازا إنسانيا ، مثل الدموع أو العرق أو البول ، وانما هو أداة نقل فكرة من انسان الى انسان . وبالتالي لا يدخل في دلالة التعبير الأصوات التي يناجي بها الانسان نفسه ، ولا الكتابات المحجوبة عن الغير ، ولا الهذيان ، وهذ النقل يحوّل التعبير من نشاط فردي الى علاقة ثنائية ، أو جمعية حسب الطرف المتلقي للفكرة عن طريق التعبير عنها . وهو ينطوي دائما على دعوة الغير الى الاشتراك مع صاحب الفكرة في فكرته بالتلقي ، او التصحيح ، أو إعادة الصياغة ، وفي النهاية القبول الذي هو غاية كل تعبير . من هنا يتضح – كما نرجو – أن حرية التعبير ليست حرية فردية ، بل حرية اجتماعية ، أو فلنقل حرية كل فرد في ان يدعو الناس في مجتمعه الى مشاركته أفكاره . من اين اذن جاء ذلك التعبير الذي يقارب التقديس لحرية التعبير ؟ جاء من حقيقتها الاجتماعية وليس من حقيقتها الفردية . ذلك لان الامر من كل مجتمع أنه مجموعة قليلة أو كثيرة من الأفراد يعيشون معا في واقع اجتماعي مشترك تقوم عليه حياتهم ، ويؤثر في حياة كل منهم من حيث الاحتياجات والإمكانيات ، والاسهام في اشباع الحاجات بقدر ما تسمح الامكانيات ، ماديا وفكريا ، وروحيا ، ونفسيا ، أيضا في زمان معين ، من واقع هذه المشاركة ، وليس من واقع "القدسية الفردية" يستمد كل فرد حقا في ان ينقل الى الاخرين أفكاره ، عما هو كائن ، وما يجب ان يكون في المجتمع الذي ينتمي اليه جزئيا أو كليا ، ويتوقف مدى التطور في أي مجتمع على مدى الاسهام الإيجابي من كل فرد في ان يعرف الاخرون عن طريق التعبير الفكرة التي يدعوهم اليها ، خاصة بالنسبة الى المشكلات التي لا يعرفها ولا يحسن التعبير عنها ، الا من يعانونها ، حتى لو لم يعرفوا كيف يحلونها . البديل عن هذا هو أن تسند الى الناس مشكلات لا يحسها الناس ، وتفرض عليهم حلول لا تحل مشكلاتهم التي يحسونها ، ولا يكون ذلك الا بالقهر الفكري ، أو المادي او السياسي ، الذي قد يفيد منه المستبدون ، ولكنه على وجه اليقين يُبقي مشكلات الناس معلقة ويعوق تطور أي مجتمع لمصلحة الناس فيه ، فيقال – بحق – أن حرية التعبير مقدسة ، وليس لان أي فرد فيه كائن مقدس .

اكتشاف حقيقة حرية التعبير يكشف لنا بسهولة حديها .

الحد الأول : ان كل تجريم ، أو تحريم ، او منع ، أو قيد على تعبير الناس ، كل الناس ، في المجتمع ، أي مجتمع ، عن أفكارهم هو اعتداء على الناس فيه ، اذ يحرمهم جميعا من معرفة الحقيقة الكاملة لمشكلات حياتهم ، ويحجب عنهم أفكارا تساعدهم – سلبا أو إيجابا – في معرفة حلولها الصحيحة . هنا يصبح الغير (المجتمع) مصدر ما نفضل تسميته "حق" التعبير بدلا من حرية التعبير .

الحد الثاني : الذي يتجاهله البعض في بعض ما يقال ، ان سلامة المجتمع وجودا وحدودا وارضا وبشرا ، شرط موضوعي لحق حرية التعبير فيه ، بمعنى أن من يعبر عن فكرة دارت في رأسه تتضمن تقويض المجتمع ، أو المساس بعناصر وجوده ، كما هو ، ولو حتى فكرة استبدال مجتمع اخر به يرتكب تحريضا على تقويض المجتمع ، لا بد للمجتمع أن يجرمه ويحرمه ويمنعه أو يقيده . والمجتمع ليس مجرد وجود وحدود ، وأرض وبشر ، بل ثمة رابطة تضم كل هذه المفردات ، لتصبح مجتمعا واحدا ، وهي بعد نتيجة تاريخية لتفاعل كل تلك المفردات ، انها ما يسمونه "الحضارة" ويعنون بها القيم المادية ، والروحية ، والفكرية ، والفنية والأخلاقية الخاصة بالمجتمع المعين ، والتي يستنكر الناس تحقيرها ، أو الخروج عليها وتتضمن كل الدساتير وكل القوانين في العالم احكاما تجرم وتحرم وتمنع الاعتداء بحجة حرية التعبير ، على تلك العناصر المتداخلة في تكوين المجتمع نفسه ، مثالها البسيط : جريمة القذف والسب في القانون المصري ، وكل قانون اخر في العالم ، لماذا ؟ لأن القذف كما يقول القانون (المادة 2 . 3 عقوبات) اسناد واقعة الى غيرنا ، لو كانت صادقة لأوجبت احتقاره عند أهل وطنه . ولأن السبب يتضمن خدشا للاعتبار (المادة 6 . 3 ) ، تحقق هذه الجرائم يفترض أن للمجتمع ، وكل مجتمع ، قيما مشتركة يحتقر الناس الخروج عليها ، وتخدش اعتبار من يخرج عليها منهم ، يكون على القضاة ، أن يراجعوا ويحكموا على هديها لا لمصلحة المجني عليه ، ولكن للحفاظ على المجتمع .

اذن نوصي الدكتور حسن حنفي بأن لا يطلق شعار حرية الجهر بالرأي من القيود الاجتماعية.

خامسا : تجنيد الجماهير

"تجنيد الجماهير ، وتحويلها من كم الى كيف ، وتكوين حزب الله" هذه هي الغاية النهائية لدعوة الدكتور حسن حنفي . وقد كنت أتمنى ألا ترد بين غاياته . وكان من الممكن أن أصرفها عن دلالتها العلوية المثالية ، لولا أن الدكتور سبق (الجزء الثامن صفحة 63 وما بعدها) أن وجه نداء الوحدة الى "الاخوان المسلمون" والماركسيين والناصريين والليبراليين . انه لا يرى أي حرج في أن يعتبر نفسه إسلاميا أو عربيا أو عالميا أو قوميا ، دينيا او علمانيا . الان يستهدف تجنيد الجماهير وتحويلها من كم الى كيف . الجماهير في الحالتين "مفعول بها" . والفرق بين الكم والكيف غير راجع اليها . الجماهير أشياء . لا قيمة لها ، كم ، تتحول الى كيف "ذي قيمة" . من الذي يحول الجماهير ويختار لها الكيف الذي تتحول اليه . وكيف يتسق هذا مع ما قيل عن حريات الناس . وما مصير الدعوة لو جهرت الجماهير بالرأي فقالت لا ؟ انها المثالية مرة أخرى . انها مشكلة منهج أولا واخرا .. هذا يكفي لا أريد أن أختلف مع الدكتور حسن حنفي بعد اتفاق ... والسلام عليه ورحمة الله وبركاته .


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق