مساهمة الدكتور عصمت سيف الدولة في
ندوة ناصر الفكرية الرابعة
(نظمت الندوة في القاهرة وصدرت في كتاب بلا
تاريخ .)
عنوان الكتاب : العروبة
والإسلام علاقة جدلية .
بحث الدكتور محمد عمارة : الإسلام والعروبة ،
نظرة على التراث الديني والحضاري القديم .
النقاش : د. عصمت سيف الدولة .
أغنانا د. وجيه عن كثير من الملاحظات بعد أن
دوّناها . د. عمارة في الموضوع تحدث ، وكل الورقة تتحدث ، ليس عن العلاقة بين
العروبة والإسلام ولكن عن التناقض بين العروبة والإسلام .
في المقدمة افترض أن هناك دعوة تقول أن ثمة
تناقضا بين العروبة والإسلام ، ثم وضع نفسه موضع المدافع ضد هذا التناقض ، وزعم
بأن التناقض القائم بين العروبة والإسلام هو نصف القضية . لقد دافع د. عمارة ، وهو
طبعا أستاذ في ما يعلم من التراث الإسلامي . ولكن أعتقد أن الورقة خلت من هذا
الثراء في فهم العروبة كما قال الزميل السابق ، لدرجة أن د. عمارة يطلق كلمة
العروبة على مجرد الانتماء الى العرب . فالعرب عنده هم العرب يوم المبعث في
المدينة ، ويكاد يظن أن كلمة العروبة ما تزال لها هذه الدلالة حتى اليوم بالرغم من
مرور 14 قرنا . ان عدم الاتساق في حجم العلم بالدين مع حجم العلم بالعروبة أدى الى
كثير من الثغرات ، نصفها الديني صحيح ، أو قد يكون صحيحا ، ولكن تطبيقها على
العروبة جاء غير صحيح ، مما أعطى للدكتور كوثراني فرصة مواجهته بأخطر ما تواجه به
العروبة والإسلام الان ، وهي المفاهيم القومية الأوروبية التي نشأت مع نشأة
الرأسمالية وما تزال تحمل على الموجة الاستعمارية التي نحن ضحاياها . ولكن أحب أن
أتحرى وأرجع الى نصوص وأحاديث لا نعرف الا بعض المسائل ، لأنه يقال لنا أن هذه
النصوص وردت في الأحاديث . وهذه نقطة أريد أن أبدأ بها ملاحظاتي .
نحن نعلم عشرات أو مئات الألوف من الأحاديث
المنسوبة الى النبي صلى الله عليه وسلم . والمتواتر منها قليل جدا . ويستشهد بها في قضية خطيرة تمس حياتنا العصرية الان ، فالقضية مطروحة على أحاديث منتقاة لمساندة
وجهة نظر تشرح لنا على الأقل بأننا لا نأخذ هذه الأحاديث على أنها متواترة وذات
قدسية بحيث نصدقها أو نطبقها تماما . مثل هذا ما جاء في صفحة 6 من الورقة ، وهو
حديث يصدمني كمسلم أن يعبر النبي (صلعم) بعد الرسالة ، يبدأ بالتحيز لتراث العصبيات
القبلية الذي كان قائما بين العرب والفرس قبل الإسلام .
والحديث الثاني هو قول النبي (صلعم) :
"يا عم ، ألا أدعوهم الى كلمة يقولونها ، تدين لكم بها العرب ، وتؤدي اليكم
العجم الجزية" . لم نعهد في الإسلام وفي الحديث وفي الرسل ، ان هذه هي
الوسائل التي تتسق مع جوهر الإسلام وأسلوبه في الدعوة . فأنا كمسلم لا أستطيع أن
أصدق هذا ، ولو أجمع كل أصحاب الحديث على أن هذا ما قاله الرسول (صلعم) . سأشك في
الرواية قطعا ، لأنني ان لم أفعل جحدت روح الإسلام كما جاءت في القرآن ، وهو أن
يُحتكم الى العقول في زمنه وفي كل زمان ، في مكانه وفي كل مكان ، وبذلك لا يُتخذ
من هذا دلالة .
والحديث الثالث هو حديث أيضا لا أتردد لحظة
واحدة في أن أقول أنه مكذوب ، لأنه يناقض آيات صريحة في القرآن ، وهو الذي جاء في
أول الصفحة السابعة وأسند الى النبي (صلعم) : "ان أمتي ستظهر على (الحيرة)
وقصور كسرى وأرض الشام والروم وقصور صنعاء" . لقد كان كل هذا من الغيب وقتئذ
، وآيات القرآن تقطع بأن النبي لا يعلم الغيب .
لا أستطيع من كلمة أسندت الى النبي أن أستنتج
أنه قد حدّد تاريخ المرحلة الإسلامية الى الأبد بأننا سننتصر وننتصر ...
اذن نستبعد الاستشهاد بهذا ، وبالتالي لن
أناقش الدلالات التي استنتجها منها د. عمارة . ونبدأ بالموضوع ... تكلم عن الإسلام
دينا وفصل بين الدين والحضارة . وهذه
ملاحظة خطيرة وبالغة الذكاء منه لأنها افسدت البحث كله ، وقطعت العلاقة نهائيا بين
العروبة والإسلام ، أو سوت في العلاقة بين جميع المسلمين في الأرض ، سواء أكانوا
عربا أو غير عرب ، فلم تبرز شيئا يمكن أن يقال بأن له علاقة بالعروبة . بدأ بالقول
أن الإسلام عقيدة للناس كافة وللعالم كافة ، وبهذا الشكل لا يتناقض مع العروبة ،
أي أنه فصل في البداية بين الإسلام والعروبة ، ثم بشكل متردّد ، وهو متردّد علنا ،
واجدون في الإسلام علاقة بينه وبين العروبة . قال لأن الرسالة نزلت على عربي ،
أرفض هذا من موقع إسلامي لأن نزول الإسلام على عربي لا يعني أن الرسالة موجهة
للعرب . نزلت على العربي ليحملها الى الناس كافة ، وليس للعرب فقط . ومن هنا أي
دلالة امتياز أو تميز من حيث أن النبي (صلعم) عربي ؟ قد تكون في نطاق زمن
الرسالة ، في ظروفها ، أو على أي حال كان لا بد للرسول من أن ينتمي الى قوم معينين
، ولا يمكن أن يأخذ لأن النبي (صلعم) عربي ، فهذا امتياز الهي للعرب ، لأن الرسالة
لم تكن الى العرب لوحدهم ولكن كانت الى الناس كافة .
ثم قال ان من هذه العلاقات الإيجابية التعايش
. أن العرب قاموا بدور الطليعة . وأنا أقول ، على قدر معرفتي بالتاريخ ، أن الذين
قاموا بدور الطليعة كانوا المسلمين ، منهم عرب ومنهم غير عرب . فتخصيص الدور
الطليعي في الدعوة الإسلامية للعرب ، تخصيص يبحث عن محاولة تمييز أو امتياز للعرب
على بقية الشعوب . ثم انتهى الى أن هذا التمييز لم يكن عربيا فقط ، وانما كان
العرب في مواجهة العالم يحملون الرسالة . وقال هذا القول الذي أرفضه رفضا تاما
وأعتقد أن ترديده هو نقل من الفكر الشوفيني القومي الأوروبي ، وأنه أحد أسباب العداء
التي يردّدها ، أو الأسلحة الموجهة ضد الإسلام والعروبة معا . وأنا أنقل الجملة
وفي ذلك لاشك خصوصية للعرب تميزهم وتمتاز بهم عن الأمم الأخرى . اننا نحاول في
الأمة العربية منذ 30 سنة أن ننسج فكرا قوميا ، يعني الخصوصية والتميز ، والتمييز
لا يعني الامتياز عن الأمم . ونحن نحذر أن فكرة الامتياز القومي لا علاقة لها
بالانتماء القومي ، انما صدف أن نمو الحركات الوحدوية في القوميات الأوروبية تعاصر
مع نمو الرأسمالية . فالرأسماليون بعد أن استولوا على الدولة القومية واستنزفوا
شعوبهم توجهوا بها بحكم ميكانيكية النمو الرأسمالي الى الأمم الأخرى وشغلوا بها
شعوبهم باسم القومية .
لقد كانوا يغزون البلاد الأخرى باسم القومية
، وكان المقهورون يدافعون عن بلادهم أيضا باسم القومية . ففي معركة السطوة
الاستعمارية أي الغزو الاستعماري ، وفي معركة التحرر من الاستعمار ، كان كل من
الطرفين يستند الى انتمائه القومي أو مصالحه القومية . واذا تساوى الموقفان فسح في
المجال للتمييز بين أيهما كان يزيف ويستغل الانتماء القومي ، وأيهما كان صادقا في
نفسه مع طبيعة الانتماء القومي . ولا شك أن هذه المفاضلة ستكون في صالح أصحاب
حركات التحرر الذي ساندتهم القومية من أجل التحرر ولن تدفعهم أبدا الى السيطرة على
قوميات أخرى .
عندما انتقل د. عمارة الى النقطة الثانية
تكلم عن الدين الحضاري . لقد أطلق كلمة الحضارة ، انما كنا نتوقع أن يقول كيف ،
وفي أي مضمون ، وبأي شكل كان الإسلام حضاريا . الإسلام لا يمكن أن يكون حضاريا لأنه
مجرد دين ، لأنه الدين السماوي الثالث . وفي هذا يستوي مع دينين . ثم ان ظاهرة
الدين موجودة في كل شيء ، في كل مجتمع . ما هي عناصر الحضارة الإسلامية ؟ وما هو
أثر هذا المضمون الحضاري للإسلام في ما أسماه د. عمارة ، الطليعة ؟ هل الطليعة
العربية (اذا صح أن الطليعة العربية هي التي حملت الإسلام الى العالم كله) ظلت هي
نفسها بدون تغيير ، بدون أن تتطور فكرا ، بشرا ، علاقات ، اقتصادا ، إقامة ،
مجتمعا ، بناء ، فنا ؟ هذه عناصر الحضارة . كل القوميين ، أو كثير ممن يتحدثون عن
القومية في الوطن العربي ، يركزون تركيزا شديدا على عنصر واحد من العناصر الحضارية
وهي اللغة العربية . وأعتقد أنهم تاريخيا متأثرون في ذلكم بالفكر الألماني الذي
نقله الينا أستاذنا العظيم ساطع الحصري . ولكن الحضارة ليست فقط اللغة . واذا قلنا
أن الحضارة لغة ، أو حيث تتوحد اللغة تتوحد الحضارة ، كان علينا أن نحذف كثيرا من
الأقطار الحالية في العالم التي تتكلم الانجليزية لأنها حضارة واحدة .
أنا أقول (وأرجو السماح ببعض التعبيرات التي
قد لا أستطيع ضبطها أو إيجاد بدائل عنها ، ولكن تأكد أنك صديق ولا أريد الإساءة
اليك) أن العلاقات الحضارية التي رسمها الإسلام أنه انتقل من مضمون التوحيد
الإسلامي الى مضمون التوحيد القومي . وهذا هو الخطأ الثالث الذي تكرر ، وهو الخلط
الحديث عن الانتماءات كما لو كانت موحدة المضمون . بغداد تتمايز عن القاهرة ولا
تتناقض معها . الانتماء الى القاهرة والى بغداد انتماء الى قرية كبيرة أو صغيرة
لها مساكن و...الخ . الانتماء الى الإسلام انتماء الى عقيدة ، والانتماء الى
العروبة انتماء الى بشر . المضمونان مختلفان في الانتماء الى العقيدة . الى
العروبة ينتمي بعض المسلمين ، فمجرد أن هذه علاقة انتماء ، والأخرى علاقة انتماء ،
لا يعني مباشرة صحة القياس على الانتماءين ، لا في المقارنة ولا في التمييز .
الإسلام توحيد (لا اله الا الله . لم يلد ولم يولد . لا شريك له ) . لو صح أن هذا
يؤدي مباشرة الى التوحيد القومي لصح ما يقال من أن لا وجود للأمة العربية والقومية
العربية ، وأن جماعة المسلمين الموحدين كلهم يؤلفون قومية واحدة . هذا الأمر حاولت
جاهدا أن تنفيه ، وأنا أنفيه معك ، ولكن ليس بمثل هذه الدلالات : ما دمنا متوحدين
بالله ، بالإيمان باله واحد ، فنحن لسنا متعدّدين ، مجتمعات وبشرا وحضارات أيضا .
الإسلام ألف بين قلوب جميع المسلمين ودعا
جميع المسلمين الى أن تتألف قلوبهم . واذا لم تتألف قلوب العرب ، فهذا لا ينفي
انتماءهم الى أمة واحدة ، لأن الوحدة القومية لا تلغي الصراع بين الأفكار
والاتجاهات الاجتماعية وغيرها في داخل الأمة الواحدة .
والنقطة الثانية التي تكلمت عنها هي الدولة .
وقد كان لنا حديث عن هذه الدولة . كلمة الدولة دخلت قاموس الفكر السياسي مع القرن
الثامن عشر . الدولة كمؤسسة هي من انتاجات عصر النهضة ، وهي تتميز عن نظم الحكم
الأخرى باستقلالها كمؤسسة عن الشعب الذي هو رعايا . مثل هذا الانفصال الذي مهد له
هوبز ولوك وروسو ، وقامت على أساسه الثورة الفرنسية لم يكن موجودا من قبل . كانت
نظم الحكم مختلفة ، كان هناك حكام ومحكومون على أرض واحدة ، ولم يكن هناك طرف ثالث
. انما الفكر الليبرالي في أوروبا ابتكر شخصا ثالثا يتولاه بعض الناس فيحكمون .
ولكن لأنه شخص اعتباري فان الناس فيه لا يكونون مسؤولين أمام الشعب ، وهذا هو جوهر
التمثيل النيابي . ينتخبك الناس في احدى الدوائر ، فاذا وصلت الى الحكم أصبحت تمثل
الدولة وليس الناس ، فلا يحاسبك أحد ولا يعزلك . وهذه فكرة حديثة . ولا أعتقد أنه
عندما تجمع المسلمون الأوائل في المدينة وأداروا الحكم فيما بينهم كانوا يقيمون
دولة بالمعنى المفهوم لهذه الدولة . وغير هذا كثير في الاستعمال المرسل لكلمة
"العروبة" .
وقد يكون اختيار العنوان للندوة أدى الى هذا
، لأن حقيقة الأمر أن كلمة العروبة في حد ذاتها تتحمل الانتماء الى قبائل عربية
فهي عروبة ، والانتماء الى شعب عربي فهي عروبة . ولكني أعتقد في ظل ظروفنا الحاضرة
والقضايا التي تشغلنا والذي برر هذه الدعوة ، أعتقد (واذا كان اعتقادي خاطئا فلا
بد من أن يكون كل ما سأقوله خطأ) بأن المقصود بالعروبة والإسلام هو هذه العلاقة
بين ما يسمى القومية العربية والرابطة القومية العربية والرابطة الإسلامية . هنا
اسمح لي أن أقول لك : كيف ، وما هي العلاقة في رأيي بين الإسلام والعروبة بمعناها الحديث
، وما هو الإسلام والأمة العربية والقومية العربية حاليا . اذا وافقتني أن العروبة
الان تعني العلاقة القومية والانتماء القومي ، أي الانتماء الى أمة ، فأنا لست مع
د. كوثراني في أننا نرفض مفهوم الأمة لمجرد أن نفر من العدوانيين الأوروبيين
استعملها أو استغلها بمعنى كلمة Nation و National و Nationality لو
صح قول د. عمارة أن كل رعايا الدولة هم عرب ، وأن الدولة الإسلامية التي سماها
تعاملت مع رعاياها على أنهم عرب وليسوا على انهم مسلمون بدليل أنها ضمت اليها بعض
القبائل غير الإسلامية (وأراد أن يطمئننا بأن هذا الضم لم ينسحب على اليهود
العبرانيين) ... لو صح قوله فهذا يعني أن الدولة الإسلامية ، أو الشعب الإسلامي
كما نسميه ، كان متمايزا عما سبقه ، ولو لم يكن متميزا عما سيأتي بعده . الخطوة
الحضارية الأولى التي قام بها الإسلام هي الدعوة الى التخلي عن الرابطة القبلية ،
وكان ذلك بالالتقاء على رابطة أرقى اجتماعيا (وليس دينيا فقط) ، أرقى من الرابطة
القبلية . ومن هنا جاءت فكرة التأخي بين المهاجرين والانصار ، ولم تكن مجرد فكرة
إنسانية أراد الرسول (صلعم) أن يسد بها رمق المهاجرين من ثمرات الأنصار ، انما
التأخي كان إيجاد المشاركة في الأرض وفي عائدها ، وفي الاقتصاد ، وفي الدفاع عن
الأرض المشتركة . المدينة هي أول وطن مشترك في الجزيرة العربية كلها لا يدخلها أحد
الا بإذن ويشترك القائمون فيها باستغلالها واقتسام عائداتها طبقا للقواعد التي
يضعونها .
من هنا جاء أول ارتقاء حضاري في كل المجالات
(في الفكر والفن والعقيدة والتوحيد) . لقد ارتقى بالبشر وحولهم من قبائل الى شعب
مستقر على أرض ، على ارض معينة ومخصصة له . ثم بدأ بهم دعوة الشعوب كلها للإسلام
مصاحبا فكرة الالتقاء بين المسلم وارضه ومنتقلا الى أرض أخرى . ومن هنا تكونت دار
الإسلام ، أي الأرض المشتركة للمسلمين . وهكذا انتقلوا الى بلاد مصر ، وشمال
الجزيرة ، والمغرب . وكل البقاع التي نسميها الوطن العربي لم تكن خالية من البشر
ومن اللغات ومن الحضارات ... ولم يفرغها الإسلام على الطريقة الصهيونية من سكانها
ليصب فيها جماعة من البدو جاؤوا من الجزيرة العربية . وهنا انتقلت دلالة العروبة
من دلالتها البدوية وهي الانتساب الى احدى القبائل في الجزيرة العربية الى
الانتماء الى حصيلة التفاعل بين الدين الإسلامي والعرب الوافدين وكل هذه الشعوب
لتنتج من العلاقة الجدلية تركيبة حضارية أخرى نسجها الإسلام ووضع فيها لغته ،
فأصبحت اللغة لغة العرب وليس فقط لغة قريش ، ووضع فيها الأمن ، فجمع كل الناس
وأحاطهم بسياج من البروج التي تقوم حول دار الإسلام ، وأطلق طاقات الناس في هذه
البقعة فبدأت تنشأ الحضارة التي سنسميها فيما بعد ، حضارة عربية . ونحن نسميها
حضارة عربية لسبب أن الأمة العربية لم تكن موجودة قبل الإسلام ، وانما نشأت ونمت
وتكونت خلال قرون من الثورة الحضارية الإسلامية ، واكتسبت حضارتها من الإسلام
مباشرة .
وهنا يصدق كل قول يقول أن الحضارة العربية هي
الحضارة الإسلامية لأنه لم يكن للعرب حضارة قومية . كانت للقبائل حضارة قبلية ،
انما الحضارة التي نسميها عربية الان ، وهي الحضارة القومية ، مصدرها الوحيد الذي
حركها وبنى منها حضارة ، من ذات الأرض ، من ذات البشر ، هو الإسلام . ولهذا ، وكما
رأيت في بحث د. كوثراني ، حار الأوروبيون في مرحلة معينة بين دلالة الإسلام ودلالة
العروبة ، لأنهم كانوا يتصرفون مع انسان ليس في تصرفاته انفصام . كان يتصرف مسلما
وهو عربي ، ويتصرف عربيا وهو مسلم ، لأن الحضارة التي كان يحملها الى أوروبا
ويقاتل من أجلها كانت أصلا حضارة إسلامية المصدر والبناء ، وعربية البشر اذا أردت
أن تقول هذا .
في هذه المرحلة تكونت الأمة العربية . وهي لم
تكن مكونة من قبل . وهذه نقطة مهمة ، فكثيرا ما يُنظر الى الأمة العربية على أنها
تكونت بصدور قرار الهي ، أو على أنها خالدة والى أبد الابدين . وطبقا لما نعلم
الان من العلوم فان المجتمعات تتطور وتنمو خلال علاقات جدلية ، وعبر صراعات
ومصالحات ، بحثا عن حياة أفضل من الحياة السابقة . وقد انتهى الإسلام الى تكوين
أمة . من أجل هذا أعطيت نفسي في بعض الكتابات الأخيرة الحق في أن أقول بأن العرب
هي أمة الإسلام ، ولكنها ليست الأمة الإسلامية الوحيدة ، بمعنى قطع الطريق على كل
من يريدون أن يمجدوا الأمة العربية بإعطائها قدرا من الخلود في الزمان ، لأنها
سبقت الإسلام ، وهذا غير صحيح .
بقيت ملاحظة عن الأمة العربية التي كونها
الإسلام . د. عمارة يستند الى الجاحظ الذي قال عن العرب أمة . ان لغة الجاحظ عن
الأمة تختلف كثيرا عما نعنيه نحن . القران نفسه استعمل كلمة الأمة في 64 اية ولم
يقصد في أية واحدة منها ، المدلول القومي كما نستعمل نحن كلمة الأمة الان . وهذا
يدفع أناسا كثيرين للاحتجاج على استعمال كلمة "الأمة العربية" لأن ليس
هناك أمة الا الإسلام ، ولكننا نحن نستعمل كلمة "أمة" الان بدلالة
مختلفة ، ولا نستعمل الان كل الكلمات التي وردت في القران بذات دلالتها القرآنية
لتطور اللغة . هناك صراع حول ما اذا كانت اليهودية أمة أم لا . القران قال عن اليهود بأنهم أمة ، وعن قوم موسى أمة . ولكن قال أيضا : وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا . فدلالة القران في
استعمال كلمة الأمة تعني أن كل جماعة متميزة يطلق عليها أمة بصرف النظر عن المميز
، فقوم موسى سماهم أمة ، ولما قطعهم جعل كل سبط منهم أمة . ان استعمال كلمة الأمة
بهذا الشكل المرتجل قد يكون ضد الإسلام أو ضد العروبة أيضا . وعندما نستعمل كلمة
أمة آتية من التراث القديم يجب أن نعرف كيف كان يستعمل الجاحظ ومعاصروه هذه الكلمة
.
نقطة أخيرة : اذا كانت
الحضارة الإسلامية هي الحضارة العربية ، فلماذا لا تكون الحضارة الإسلامية حضارة
كل الشعوب والأمم الإسلامية ؟
الإسلام الحضاري تعامل
بدرجات مختلفة من التطور والنمو البشري . في الجزيرة العربية مع مجتمعات كانت في
الطور القبلي ، وتعامل مع مجتمعات كانت قد وصلت الى مرحلة من الاستقرار بالأرض
والكف عن الرحلات القبلية . عندما وصل الى فارس تعامل مع مجتمع دخل في مرحلة التكوين
القومي وبدأ يكون حضارته القومية . أما بالنسبة للقبائل والشعوب التي لم يكن لها
حضارة قومية ، فقد بهرها الإسلام وأعطاها حضارته . أما الأمم التي كانت قد بدأت
تكوّن حضارات لها في اسبانيا وفارس على وجه التحديد ، وفي الصين فيما بعد فقد كان
الاسلام إضافة حضارية على حضارتها القومية . ولنأخذ المثل الفارسي والمثل التركي .
لقد احتفظوا بلغتهم فأضاف اليهم الإسلام لغة القران ، فكتبوها بالخطوط العربية .
وهذه إضافة . أما أن تكون لغة القران هي لغتهم ، فهذا ليس موجودا ، لا في الاندلس
في وقت من الأوقات ، ولا في تركيا بعد ذلك ، ولا في الصين . ان الإسلام عندما دخل
هذه الأمم وجد عندها تركيبا حضاريا (فن ، عمارة ، لغة ، أدب ، فكر) فصححها وأضاف
اليها أشياء لتنسجم الحضارة القومية مع الاتجاه الإسلامي ، ولكنها ظلت الحضارة
الفارسية الإسلامية ... وشكرا .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق