بوصلة لا تشير الى القدس مشبوهة

بوصلة لا تشير الى القدس مشبوهة
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الدكتور عصمت سيف الدولة : التخريب الأخلاقي .. بالقانون .

 

الدكتور عصمت سيف الدولة : التخريب الأخلاقي .. بالقانون .

جريدة الهلال بتاريخ 16 – 5 – 1984 .

كان أول انجاز "ديمقراطي" للرئيس السابق محمد أنور السادات هو دستور 1974 وقد جسد هذا الدستور مجموعة هامة من المبادئ السياسية والاقتصادية والاجتماعية .. ولكن الدستور نفسه منح رئيس الجمهورية سلطات واسعة مكنته من أن يصبح عمليا الجهة الوحيدة المنوط بها اتخاذ القرار في مصر .

فطبقا للدستور ، رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ، رئيس السلطة التنفيذية ، رئيس الاتحاد الاشتراكي العربي ، القائد العام للقوات المسلحة ، ورئيس المجلس الأعلى للقضاء ، ورئيس الاتحاد المجلس الأعلى للشرطة .. وتؤدي هذه النصوص أن سلطة القرار تعود الى رئيس الجمهورية وحده ، ومجلس الوزراء ليس الا معاونا ومشاركا لرئيس الجمهورية في رسم السياسة والتنفيذ .. 

كذلك فالدستور يعطي لرئيس الجمهورية طبقا للمادة 74 (الشهيرة) حق تجاوز مؤسسات الدستور باتخاذ الإجراءات السريعة لمنع ما يهدد سلامة الوطن ، أو وحدته . وذلك ببيان موجه للشعب يتخذ به الإجراءات التي يراها ويستفتي الشعب عليها ..

ويقول الدكتور عصمت سيف الدولة : أصبح الاستفتاء الشعبي جزء أساسيا من نظامنا الدستوري واكتسب مكانه البارز في دستور 1971 بالذات ، بالرغم من أن خبرتنا لم تتجاوز سنتين في ظل دستور 1956 الذي ألغي عام 1958 . وسبع سنوات في ظل دستور 1964 منها أربع سنوات في حالة حرب وظروف غير عادية . ثم اتصال حالة الطوارئ التي تشل النصوص التشريعية كما تشل حرية الاجتهاد فيها .

ويضيف د. عصمت سيف الدولة : قد يتحول الاستفتاء الشعبي من وسيلة ديمقراطية لنفاذ إرادة الشعب الى وسيلة لإضفاء الشرعية على أكثر القرارات استبدادا بالشعب نفسه .. وما يزال فقهاء القانون الدستوري في فرنسا يسمون الدستور الذي وضعه نابليون عام 1799 بالدستور القيصري ، نسبة الى قيصر الذي كان يجمع الشعب الروماني في أحد ميادين روما ليتلو عليه قراراته متخذا من هتاف الناس له مصدرا لشرعية تلك القرارات . وذلك لأن نابليون قد انتقل عن طريق الاستفتاءات الشعبية التي أجراها بعد استيلاءه على السلطة من قنصل الى قنصل مدى الحياة – 2 أغسطس 1802 – ثم استخدمه من بعده لويس نابليون لتفويضه في عمل دستور – ديسمبر 1851 – وليكون امبراطورا 1853 . وهي سوابق ما يزال علماء القانون في فرنسا يحذّرون من تكرارها تحت غطاء الاستفتاء الشعبي ..

وتجربة الاستفتاءات الشعبية في ظل حكم السادات وحزبه (حزب مصر العربي الاشتراكي ، ثم الحزب الوطني الديمقراطي 2) نموذج للعسف بالارادة الشعبية والعدوان على الديمقراطية والدستور .. 

القوانين الموروثة :

كان الإنجاز "الديمقراطي" الثاني هو احياء ترسانة القوانين المقيدة للحريات ولحقوق الانسان الموروثة من عهود سابقة والاضافة اليها عبر سلسلة جديدة من القوانين .

ومن جملة القوانين الموروثة التي استخدمها السادات بقوة لضرب الحرية في مصر أربعة قوانين ..

الأول القانون رقم 28 لسنة 1915 الذي فرض العقاب على اتفاق اشخاص حتى لو كان اتفاقهم يحقق غاية مشروعة . اذا كان هدر الحريات أو الجنح من الوسائل التي لوحظت في الوصول اليه .

ويقول الدكتور عصمت سيف الدولة : كان ذلك القانون هو أول سيف مسلط على رقاب الشعب في مصر بمنع أي نشاط سياسي شعبي حتى لو اقتصر على ثلاثة . وحتى لو كانت غايته مشروعة ، مادام ما فكروا فيه أو اتفقوا عليه ، قد لوحظ أن الوصول اليه (ربما) يؤدي الى ارتكاب جنحة (توزيع منشور مثلا) وحتى لو لم يفعلوا شيئا الا مجرد الكلام والاتفاق .. ثم يعفي هذا القانون من العقوبة المقررة في هذه المادة كل من يبادر من الجناة بإخبار الحكومة بوجود الاتفاق . وبهذه الفقرة بدأ التخريب الأخلاقي وتدريب الناس على الخيانة والغدر والتجسس وبمكافأتهم عليه . وقد صدر هذا القانون على اثر صدور حكم القضاء المصري ببراءة بعض الشباب من تهمة مقتل بطرس غالي . لأنهم اكتفوا بالكلام ولم يفعلوا شيئا ..

الثاني : القانون رقم 10 لسنة 1914 والذي أصدره خديوي مصر في 18 أكتوبر 1914 ومازال ساريا حتى اليوم ، وهو يفرض العقاب على اجتماع أكثر من خمسة أشخاص في الطريق العام اذا أمرهم رجال السلطة بأن يتفرقوا ولم يفعلوا .. ويكونون مسؤولين عن أي جريمة تحدث بمناسبة هذا التجمهر حتى لو لم يعلموا بها أو لم يتوقعوها ..

ويضيف الدكتور عصمت سيف الدولة أيضا : وهكذا كان على المصريين وما يزال عليهم حتى اليوم أن يحذروا أن يزيد عدد المتجمعين منهم عن خمسة ، حتى لا يكونوا تجمهرا . فان وافاهم مصادفة صديق سادس فعليهم أن ينفضوا ... وكان على عقلاء المصريين أو الحريصين منهم على سلامتهم ، وما يزال عليهم حتى اليوم ، أن يسارعوا بالاختفاء في أقرب مكان اذا لاحظوا – ولو عن بعد – لفيفا من المتجمهرين يقف على الطريق ..





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق