بوصلة لا تشير الى القدس مشبوهة

بوصلة لا تشير الى القدس مشبوهة
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

ثلاث نقاط على حروف الثورة .

 PDF

ثلاث نقاط على حروف الثورة .

د. عصمت سيف الدولة .

نقطة أولى 1946

بعد سبع ساعات طويلة وقف القطار . من المحطة الى الشركة "مقار" مقار كان "قنصلاتو" . كان أعيان الريف يلتحقون بخدمة الدول الأجنبية ليحتموا بالامتيازات . كان الأجانب لا يخضعون للقانون المصري في مصر . "القنصلاتو" مقار صاحب امتياز المياه والنور والمواصلات في محافظة أسيوط . من شركة مقار تتسكع "الحلزونة" (الباص) على قنطرة أسيوط متجهة الى شرقي النيل . تترك وراءها كل ما يمت الى القرن التاسع عشر بصلة حضارية ، لا سكك حديدية ، لا طرقات ، لا مياه ، لا انارة . لا شيء أضيف منذ عهد المماليك . ليس الأمر سيئا الى هذا الحد . الطرق ممهدة . أسلاك الكهرباء ممتدّة فوق القرى حتى قرية "الساحل" . أربعون كيلومترا جنوب أسيوط . حدائق وقصور وسيارات وكهرباء ومياه "الساحل" قرية عائلة محمد باشا ، كان والده مرشحا للملك . رشحه الانجليز .. ابتداء من "الساحل" تغيب المدنيّة . الحلزونة ، ومن فيها غارقة في سحابة التراب التي تثيرها ، تلائم السيارة العتيقة بين حركتها وحفر الطريق وتكاد تتمزق أوصالها . أنفاس الناس المكدسة حامية . جدار السيارة ملتهب . التراب الساخن يهري الصدور . شمس يوليو/ تموز المحرقة تمد كل شيء بقبس من لهيبها . الناس لا يتكلمون "يكحون" فقط . وامرأة تتقيأ وطفلتها تبكي . تقيء من داخل حجابها . النساء محجبات في الصعيد . يتجمع الناس في جانب السيارة فتميل ويلعنهم السائق . يولون المرأة ظهورهم ويفسحون لها حتى تقيء خارج حجابها . من جوفها الى جوف السيارة . لا تزال الشهامة فضيلة في صعيد مصر .

الأفندي القادم من القاهرة تحت كومة من البشر . رائحة عرقهم نفاذة . يكاد يقيء .. عيب هل يقيء هو وامرأة في وقت واحد ؟ وماذا يقول الناس عندما ينتشر الخبر ؟ لم تفلح سنوات الدراسة في الجامعة . لا يزال يعيش قيمة القبيلة . "الحلزونة" الركيكة الخليعة ، تتأرجح على الطريق وتشق غبارها بصعوبة لمدة خمس ساعات ، ثم تكح وتبطئ وترتعش حتى تقف . قطعت ستين كيلومترا . هنا المركز . السلطة الدولة . هنا القضاة الذين يحكمون ورجال النيابة الذين يحققون في الجرائم . ورجال الشرطة الذين يطاردون المجرمين . والمدرسة الابتدائية بتلاميذها الأربعين . هنا المركز وليس في المركز كهرباء ولا مياه ولا مطاعم ولا فنادق ولا طرق مأمونة .

هنا منفى الموظفين . كل شيء توقف عند "الساحل" . لان "الساحل" قرية "بيت السيادة" لماذا – اذن – لا ينقل المركز الى القرية ؟ . "بيت السيادة" لا يريد أن تجاور سيادته في قريته ، سيادة القانون .

من المركز جنوبا ، على ظهر حمار ، منذ أن كان "الافندي" طفلا ، كان يتصايح مع قريته . كل افراد قريته حتى المحجبات من النساء ، يتسابقون الى الطريق ينتظرون وصول سحابة من التراب الكثيف بانت فيما يلي شجر السنط من ناحية الشمال . الرجال يعجبون ، والنساء يتهامسن معجبات . والأطفال يصخبون ويعبّرون عن اعجابهم بكلمات منكرة . وعندما تمر سحابة التراب يزفها الجميع مصفقين . يرددون "الكمبيل أهه ... الكمبيل أهه" . منذ أن كان طفلا كان مرور السيارة في ردائها الترابي الكثيف عرسا تزفه القرية على قارعة الطريق . يقولون ان الزفة لا تتكرر الا كل شهرين . من قبل كانت تتكرر كل عام أو نصف عام . لا يزال الحمار مطية للذين يملكون الحمير "على أي حال" .

الحمار ثقيل ، والتراب ثقيل ، وكل شيء باهت في وهج الشمس . هو على ظهر الحمار ، وبضعة من أبناء عمومته يحيطون به مرحبين كثيرا ثم دون الكثير ، ثم قليلا بعد عشرة كيلومترات انقطعت الأصوات ، اذ انقطعت الأنفاس وأصبح الموكب جنائزيا حقا .

قي الجنائز يحدث الناس أنفسهم أحاديث حلوة . وراء قناع التجهم الجنائزي تعربد ذكريات مرحة . كم مرة قطع هذا الطريق ذهابا وعودة .. ربما الاف المرات على ظهر ذات الحمار . لا . على ظهر أم الحمار ذاته . في الفجر من صباح كل يوم تحمله الى المدرسة ، وتعود فتحمله الى قريته . في أيام الشتاء "يصرونه" في قطعة من القماش السميك ، ويضعونه على ظهرها كما توضع "الخضروات" المرسلة الى سوق المركز . ووراءه على ظهر ذات الحمارة ، ابن عمه الكبير يضمه اليه حتى لا يتدحرج من فوقها . نام ابن عمه مرة فتدحرج في شرنقته السميكة الى أن أدركوه قبل أن يغوص الى قاع الترعة . هذه هي القرية .. حمدا لله على سلامتك .. الله يسلمكم .

قال له عمه ألف مرة أسبابا لم يعد يذكرها . كانت قد ألجأت جده القديم الى هذا المكان من وادي النيل . على امتداد النيل العتيد اختار جده تلك البقعة التي يجري فيها النيل تحت سفح الجبل الشرقي . البقعة التي لا وادي فيها الا اشهر معدودات من كل عام . تسخر القرى الأخرى من أن جده القديم كان يحب أن يجلس على حجر ويدلدل قدميه الحافيتين في المياه . كان لا يحب الطين . تكاثر النسل فنثروا منازلهم على سفح الجبل ذاته . كأننا في لبنان . أربعة الاف شخص يعيشون كالماعز في منازل منثورة بين الصخور . اين هذا من لبنان . صخور الجبل الشرقي جرداء إلا من الأفاعي والثعابين والبشر ، وأسراب الخفافيش التي تسكن الكهوف . ولكل شيء وجهه الآخر . يحاصر النيل القرية ثلاثة أشهر ابان الفيضان . وتصبح القرية مستقلة حقا . حتى الصراف لا يستطيع أن يصل إليها ليجبي الضرائب . حتى رجال الشرطة لا يستطيعون الوصول إليها ليقبضوا على المجرمين . أما البريد ، أما الأطباء ، أما المعلمون ، أما الصحف ، فلا تأتى إليها في أشهر الفيضان . لا، ولا في غير أشهر الفيضان . تلك من عناصر الحياة التي لا تغادر المركز جنوبا في أي حال . الفرصة إذن مناسبة . حفلات الطهور وحفلات الزواج كلها في أشهر الفيضان . ما دامت أقدام جباة الضرائب والشرطة قد انقطعت فليفرح الناس . وتنقضي الأشهر الثلاثة في عرس متصل . وأصبح ذلك تقليدا لم ينقطع إلا في صيف 1967 . كان ذلك تعبير الفلاحين الصامت عن مرارة الهزيمة .

تلك قفزة طويلة  ...

نحن في صيف 1946 . القرية محاصرة بالمياه . حمل "الأفندي" على طوف من البوص الى منزل أهله ، وشارك في أعراس العام . ورأى نفسه مرة أخرى في مئات الأطفال العرايا الذين يعبثون ويتعابثون في لجة المياه العكرة ويصطادون صغار الضفادع . لم يغرق إلا واحد . عندما كان طفلا صغيرا كان يغرق الكثيرون . ويموت الكثيرون من لدغات العقارب . يدفن الأطفال في السفح ولا تنقطع الأفراح . لا يحزن الناس في الصعيد على من يموت قبل السن المفيد . قبل أن يرعى الماعز أو يحمل الفأس أو يسرق من القرى المجاورة أو يجيد إطلاق الرصاص  .

"الأفندي" في هذا العام رجل من رجال القانون . أضيف الى تقاليد القرية تقليد التحكيم ؛  ما بين عرس وعرس تكاد تقوم أسباب جنازة . كل الخصوم يطرحون على "ابنهم" ما يختلفون فيه ، انه ابن الطرفين "الخصمين" وعليه أن يكون عادلا . كل أب يرى عدالة ابنه في طاعته . عليه أن يقضى لصالح الطرفين ، الخصمين . مستحيل . وتكاد تنقسم القرية على مدة صحة نسبته إليها . لو كان يملك مائة جنيه  لا أكثر لأثبت لهم أنه ابن مطيع لكل منهم . وفيم يتخاصم الجوعى العرايا الذين اختار جدهم تلك البقعة الجرداء حيث يتصل الماء بالجبل ؟ ثمار موسم زراعة الشتاء . ولا يختصمون جميعا فيما يزيد عن مائة جنيه . وهم في هذا يقتتلون حتى الموت في كثير من الأوقات . يقتل في القرية رجل من أجل جحشه الذى قضم بصلة . ويموت قاتله ثأرا . إنهم يتعاملون مع الحياة على أساس قيمتها الحقيقية . وقيمة الحياة في القرية لا تساوى جحشا أو بصلة . قبل أربعة أعوام كان هنا ورأى أهله يتساقطون موتى في أماكنهم ويحملونهم بالعشرات الى سفح الجبل . بلا جنائز . كثر الموتى فاستهلكت جنائز الأولين منهما في البيوت من بُن وخبز وجبن فأصبح الحزن حقيقة . أصبح حزنا صامتا بدون طقوس . أصبح حزنا على الموتى وعلى الأحياء ، وتساوت المقبرة والبيت الفارغ مما يملأ البطون . كان ذلك عام الملاريا . المرض الذى يعالج بالشبع . امتد الى قرية الجوعى فرأى أهله يحملون الى المقابر بالعشرات . ولم ير أبدا ، أبدا ، أبدا ، طبيبا أو ممرضا أو حتى دواء . حتى "مأذون" القرية المكلف بقيد المتوفين مات فلم يكتب أحد أسماء الذين ماتوا . فلما أفتى أهله أن كلوا أي شيء تجدونه ذلك هو الدواء لم يأكلوا أبقارهم ولا أغنامهم ولا دجاجهم . وهل يأكل الناس أنفسهم . فى غيبة الأرض يستوى الإنسان والماشية غلاء في سوق النفوس . فانطلق الشباب يصيدون الثعالب من شعاب الجبل . وأكل بعضهم ثعلبا مشويا ثم حمد الله على أن " الضرورات تبيح المحظورات " .

الهمامية . تلك القرية .. منحها السد العالي واديها . ألجم النيل وحكم طوفانه فانحسر عن الأرض من أجل البشر .

فنزل أهل القرية من شعاب الجبل يزرعون الأرض الخصيبة ويبعثون بأولادهم الى المدارس الثانوية لأن في الهمامية مدرسة ابتدائية ومساكن للمعلمين والمعلمات . وشباب الهمامية يلعبون النرد في ناديهم الرياضي وهم يتابعون برامج التليفزيون بعد أن ترك كل واحد منهم مذياعه (الترانزستور) في منزله . في الموقع الذى سبق أن وقف فيه الركب الجنائزي عام 1946 مستشفى صغير(وحدة صحية) فيه طبيب مقيم وصيدلية تمنح العلاج والدواء بدون مقابل . بجوارها صرح من الأسمنت المسلح يحمل على رأسه مخزنا من المياه النقية ليشرب أهل القرية ماء بعد أن كانوا يشربون طينا . أما في مدخل القرية فمجمع استهلاكي يمد أهلها بما يريدون من بضائع فلم يعد أحد يذهب الى السوق على ظهر الحمار . أما المقهى المجاور فلينتظر فيه أولئك الذين يريدون أن يركبوا "الباصات" الى المركز أو الى مشاهد السينما في مدينة أسيوط ثم يعودون . وفى منزلنا القديم تتكدس المخصبات والبذور المنتقاة توزعها "الجمعية الزراعية التعاونية" على أهل القرية الذين أصبحوا زارعين . في القرية مكتب للبريد . وفى القرية هاتف "تليفون" غير هاتف العمدة . وفى القرية مئات من الفتيان والفتيات الذين يغادرونها فجر كل يوم بسيارات تنتظر الى حيث يعملون أو يتعلمون  .

كل شيء قد تغير وانتقلت قريتي من عهد المماليك الى القرن العشرين  .

نقطة ثانية 1947

... دق الباب ،

- علي ، ولد يا علي . اصح .

- أبي ، لا يزال الليل ليلا .

- أي ليل يا كلب يا ابن الكلب . قلت لك اصح . قم من جوارها لتدرك السوق . أمامك مشوار طويل . لا بد من أن تأخذ أول "معدّية" قم يا ولد .

- طيب . طيب . دعني لحظة فقط .

- قم يا ولد أنا عارف . لا فائدة فيك ولا في جيلك الخرع ما دمتم تعلمتم قي اخر الزمان النوم في أحضان النساء . اتركيه يا امرأة .

وخرج علي الى أبيه . وعلي شاب كالرجال طولا وعرضا وبناء متينا . ثم انه قد زفت اليه زوجته منذ ثلاثة أيام .

- أبي حرام عليك لا يزال الليل ليلا .

- نحن في الصبح يا اعمى .

وابتسم علي ابتسامة لم يرها والده الشيخ الضرير ، وصحب اباه الى المسجد ليصلي بضع عشرات من الركعات تعويضا لما فاته أيام الشباب قبل ان يصلي الفجر . وعاد به الى المنزل . طار النوم وعليه ان يدرك السوق . أمس خاطت له عروسه عشرين جنيها داخل جيبه حتى لا يسرق منه ثمن البقرة . أولاد الحرام كثير في سوق المركز . والبقرة هي الركن المكمل لبناء الاسرة ... لا يكمل الزواج الا اذا دخلت مع العروس بقرة . وها هو نصف المهر يا علي و"النقطة" التي اهداها لك الناس يوم عرسك لتشتري بقرة فتصبح رجلا ورب بيت . هذا ما كان والدك يستعجله .. أن يراك رجلا ورب بيت قبل ان تشرق شمس اليوم الرابع من زواجك . ولقد استعجل في الحديث عن بقرتك أمس فعرف الذين صاحبوه في صلاة العشاء أن عليا سيشتري بقرة .

ارتجف علي . ان على الطريق من يتربصون به لا شك في هذا . كثر في هذه السنين الكفرة قطاع الطريق . استعن بابن عمك أحمد ليؤمن طريقك الى السوق . وأحمد "خفير نظامي" يحمل بندقية حكومية ويهابه الناس فلا يسرقون الا بقدر ما يرشونه . ثم ان احمد لا يقضي الليل في أحضان امراته . ان ابنه الابله أمين يشغل موقعه منذ بضع سنين ، ولو أراد أن يشغله لما استطاع الا تحايلا . ولقد علمه أحمد قبل زواجه كيف يحتال في الوصول الى زوجته عبر اجسام البنات والارامل اللاتي يملأن صحن الدار . ثماني نسوة ورجلان وشيخ ضرير وغلام أبله هو أمين . تلك هي الاسرة التي اضيف اليها بالأمس عروس وتضاف اليها اليوم بقرة .

لا حول ولا قوة الا بالله .

بيت وخرب .

قال قائل : كان الجدعان يعبران القنطرة فوق الترعة الصغيرة عندما انطلقت الأعيرة النارية . سقطا في مياه الترعة . سقط علي بثروته ، وسقط أحمد ببندقيته . وعندما تجمع أهل القرية وانتشلوا الجثتين كان علي وأحمد ينقصان الحياة والثروة والبندقية . اختلس الجوعى الملتاعون بقايا قتلاهم . الجوع كافر . نسوة القرية كلهن يولولن في منازلهم فتُجمع أصواتهن في صدى واحد يرده الى القرية الجبل الذي تقوم على سفحه . أما النسوة اللاتي يغرفن من الطين ويضعن على رؤوسهن ثم يدرن حلقة ينشدون أغاني تقطر حزنا على إيقاع ضرب خدودهن فهن القريبات من علي وأحمد . عروس علي غير مدربة . انها تقع كثيرا قبل أن تتم الدورة وتحت ظلال أشجار السنط يجلس الرجال وقد دفنوا رؤوسهم بين ارجلهم ولا تسمع الا همسا .

لا حول ولا قوة الا بالله .

بيت وخرب .

أما الشيخ الضرير فقد شُلّ حين بلغه النبأ . أما أمين الغلام فلا يعلم أحد اين ذهب . عشرون ساعة مضت قبل أن تنتهي النيابة العامة من التحقيق وتأذن بدفن الجثتين . كانت النيابة العامة قد وصلت بعد أن مضت خمس عشرة ساعة . كانت قد علمت بعد أن مضت ساعتان . كان هاتف (تلفون) العمدة قد أبى أن يبلغ رسالة قبل ان تمضي ساعة .

ودفن علي ودفن أحمد . من يموت مقتولا لا تقام له جنازة ولا يقبل فيه عزاء الا يوم الثأر

ومن الذي يثأر ؟ أذلك الغلام الابله ؟

لا حول ولا قوة الا بالله .

بيت وخرب .

مات الشيخ وتزوجت من تزوجت ، والتحقت الصغيرات بخدمة موظفي الحكومة وانتقلن معهم الى حيث لا يعرف احد كما فعلت من قبل مئات الفتيات الصغيرات . وغادر أمين القرية الى حيث لا يعرف أحد كما فعل مم قبل مئات الغلمان . من حين الى حين تتردد الشائعات أن بنت فلان أصبحت داعرا . وان ابن فلان اصبح مجرما . ولا أحد يهتم ، فقد كان الموت جوعا أو غدرا هو البديل على أي حال .

وفي ذات اصيل ... بعد سنين .

كان "الأفندي" جالسا على مقعده المريح يتأمل البحر ويراقب الشمس وهي تكاد تغيب فيه . ويتذكر . اين الامس من اليوم . انقضت سنون طويلة منذ أن كان يتسابق هو ورفاقه ، عرايا كما ولدتهم أمهاتهم . في الانزلاق على مجاري الطين التي يصطنعونها . انه الان يتأمل البحر على شاطئ "المنتزه" .

المنتزه ؟ ..

نعم المنتزه يا ابن الهمامية ، يا صبار الطين . يا برص الجبل الاجرد . في المنتزه حيث كان يعيش فاروق الملك وأهله يا ابن الفلاحين . يا لها من دورة رائعة . لم تذق في العشرين سنة الأولى من حياتك ماء صافيا من الطين أو الجراثيم . وكان أهلك يعرفون أوصاف البحر من حجاج القرى الأخرى ولكنك اليوم مزروع في المنتزه منذ الصباح الباكر كأنك ورثته عن أهلك . ترى من الذي ورثك إياه ..؟

وعندما يغيب الضوء تحتضن الظلمة أحلام الغرور .

من رحبة الحمار على الطريق المترب الى ملاهي قصر المنتزه طريق طويل . قطعته بعقلك . بسهرك . بجدك . باجتهادك . تعلمت فتفوقت فتخرجت فأنتجت فأصبحت من رواد المنتزه . لم يورثك أحد شيئا . كسبت كل شيء فلا فضل لأحد عليك .

ويحجب ما بقي من أشعة الشمس عملاق من البشر يلبس ملابس العوم وتدس فتاة رشيقة يدها تحت ابطه . انه لا يراهما الا كجسمين عابرين على صفحة أرجوانية . ولكن الشاب يراه يتوقف . يلتفت يترك فتاته . يحبو على ركبتيه ليحتضن الجالس ويقبله قبلات حارة .

- من ؟

- أمين .

- أمين من ؟

- ألا تعرفني ؟

عرفه الان واحتضنه . ونهض من مقعده فصافح زوجته .

أصبح كل شيء واضح بالرغم من غياب الشمس .

فهناك بعيدا عن القرية ، جنوب القاهرة ، أنشئت قرية أخرى اسمها "عزبة الصعايدة" فيها اكثر من ألف شاب من أبناء قريته يلبسون ملابس الافندية . ويقرأون الصحف ، ويتجادلون في السياسة لانهم قد اصبحوا عمالا في مصانع حلوان . وتحملهم سيارات المصانع دفعات دفعات كل صيف الى الإسكندرية . وتنثرهم كالورد على شواطئ قصر المنتزه . ومنهم أمين .

يا أحلام الغرور .

وكيف ورث أمين بعد خراب بيتهم موقعا في قصر فاروق ؟

نقطة ثالثة 1948

مقهى "الشمس" يطل على شارع فؤاد . فيما يلى الشارع دار القضاء المختلط . قضاء الأجانب . يملك المقهى ويديره "يونانيان" عتيقان . ليس هذا غريبا . لا يملك المصريون شيئا في شارع فؤاد من أول دار القضاء المختلط إلي دار الأوبرا . ولا يتحدث أحد ، غير الخدم والعاطلين من الشيوخ ، اللغة العربية في شارع فؤاد . شارع فؤاد مقسم فيما بين شملا ، وشيكوريل ، وأوريكو ، وبنزايون ، وصيدناوى ، ومزراحى ، وعدس .. بنايات ومتاجر .. ولا تزال الأنوف المعقوفة تطل منذ شهر من وراء النوافذ الزجاجية على مظاهرات صاخبة في شارع فؤاد . مظاهرات تقول تسقط الصهيونية ، ويعلقون عليها بلغة لا يفهمها المتظاهرون . فما بال مقهى "الشمس" عامرا بالعمائم والملابس الداكنة والوجوه التي تعلمت الصبر من طول المذلة . كأنه قطعة من أسيوط . منذ الصباح الباكر ، كل صباح ، يرد إليه لابسو الجلاليب السوداء الفضفاضة ورقابهم العارية الهزيلة يخبون في مشيتهم خشية السيارات كأنهم سرب خائف من النعام الأسود . وهناك يجتمعون . وهناك ينتظرون . صاحب المقهى يعرف من الذى ينتظرون فينظرهم الى حين . فلا يشربون شيئا ولا يدفعون .

عندما ينتصف النهار ينهضون فجأة ، فتصفق أطراف جلابيبهم ويتزاحمون على يد القادم . يصافحونها ويقبلونها . حتى إذا ما جلس " البك " تحلقوا حوله . يبث كل منهم شكواه

كان ذلك في حزيران ..

كان الأفندي من بين المنتظرين ، صحب "فتحي" وأباه . أبوه طاغية وفتحي صديق مرحلة الدراسة الثانوية ، فذهبوا جميعا الى حيث ينتظر الجميع "البك".. سيد بلادهم وابن سيدها ..

ـ الم أقل لك يا فتحي دعك من الوظيفة .

ـ اسكت حتى لا يسمعك هذا الرجل . ألا ترى أنه يجرني كالعجل الصغير . لقد رباني كما يربى أبقاره . ولا يعرف الآن أنه قد جاء وقت الحليب . وعليّ أن أدر عليه وفاء .

ـ   فتحي . لماذا ترضخ  .

ـ   أنت تتعابط . إنه طاغية . إنه مخيف . قد يقتلني  .

ـ   أنت الآن تبالغ  .

ـ   أبالغ . إنه أبى . كيف اذن استولى على نصف أرض القرية وهو لا يملك منها إلا القليل . كيف يقتسم المحاصيل جزية على الفلاحين . كيف بعث الى السجون بعشرات من الشباب جزاء جرائم ملفقة هو فاعلها وشاهدها وهم ضحاياها . كيف يلحق الصبايا بخدمته في بيتنا عنوة ويهجر إليهن فراش زوجاته الأربع . أسكت . لم يقتل أحد في بلدنا إلا كان هو قاتله . وفى الدوار يجتمع كل مساء عتاة المجرمين . دوار العمدة  .

ـ   أولى بك إذن أن تهرب  .

ـ   يا أخي ، لقد ظل عشرين عاما يبيع أصوات الناخبين في القرية صفقة واحدة لهذا "البك" بدون أن يقبض الثمن . الثمن وعد بأن أصبح موظفا بإدارة المركز . مركزنا . وها هو يقودني الى هنا ليقبض ثمن ما باعه من بشر طوال عشرين عاما . فهل تراني أفسد الصفقة . يقتلني والله يقتلني . إنه أبى وأعرفه . وله غيري ثمانية ذكور .

وجاء دور الطاغية  ..

خدامك وابن خدامك فتحي ابني أخذ الشهادة ، كلنا خدامينك . وقد شخت وأصبحت قدمي على حافة القبر . أريد أن أمتع عيني بأن أراه موظفا في المركز . قبل أن أموت . ووالله ، والله والله وأنت تعرف انا ما أتمنى الصحة إلا من لأجل خدمتك . ولد يا فتحي . سلم على سيدك وقبل يده  .

ـ   لا. لا . لا سمح الله  .

ـ   لا والله . عليّ "الطلاق" ليسلمن عليك ويقبل يدك . هذه بركة . أنتم الأسياد . خلقكم الله لتنفعوا عباده . جلت حكمة الله  .

عندما انحنى " الاستاذ " فتحي يقبل يد "البك" تساقطت من جبهته نقط من العرق  ..

قبَّل ثم جلس ثم صمت  .

وأخرج الأفندي من جيبه سيجارة وأشعلها . فاتجهت إليه عيون صغيرة لامعة . واهتز أكثر من شارب . وسرت همهمة . وتخلى الطاغية عن مكانه لتنعقد صفقة أخرى . بشر باعوا أنفسهم سنين طويلة وجاءوا يقبضون الثمن . وبشر جاءوا يبيعون أنفسهم بثمن آجل  .

ونهض البك وانصرف فصفقت أطراف الجلابيب السوداء وهى تغادر مقهى "الشمس " .

بعد شهرين .. في آب 1948 ..

ذهب الأفندي الى قريته ، كعادته ، قابله أبوه بترحاب كبير . واحتضنه حتى دمعت عيناه . أبوه قدوة لأسرته أما الباقون ، أما أهل القرية ، أما أهل القرى المجاورة فقد كانوا لا يزالون يتجادلون في أمره . لم يستقر بهم الأمر على وجه واحد . فلم يرحب به أحد الى أن يستقر الأمر .

قال فريق : لقد فسدت أخلاقه في المدينة فلم يعد يعرف الأدب  .

وقال فريق : ان التعليم هو المفسدة لأنه يصيب صاحبه بجهل الحدود  .

وأفتى  إمام المسجد بأنه كفر إذ خالف قوله تعالى " وأطيعوا الله ورسوله وأولى الأمر منكم ". والأدب جزء من الطاعة . وأولى الأمر منا لا يجهلهم إلا كافر  .

وقال العاطفون لكل عالم هفوة . يغفر له هفوته شبابه  .

قال : ما شأن الناس يا أبى ؟.

قال أبوه : إنهم يخوضون في هذا الحديث منذ شهرين . ولقد كاد الأمر يؤدى الى مخاطر الاقتتال . فقد انبرى بعض أبناء عمومتك يدفعون عنك الألسنة . ولكنك لم تفعل شيئا غير لائق بك  .

قال : ولكن ما الأمر ؟..

قال أبوه : لقد اتصل بعلمهم ثم شاع ، أنك قد أشعلت سيجارة أمام "البك" في مقهى "الشمس" فمنهم من حسبها هفوة . ومنهم من حسبها كفرا . ومنهم من حسبها جهلا ، ومنهم من حسبها تجاوزا لحدود أقامها الله بين الناس ورفع بها طبقات فوق طبقات . وفى هذا يختلفون حتى اليوم . إنها ـ يا بني ـ نواميس العبودية الموروثة . ألم تر الى الواحد منهم يقتل أخاه ردا للإهانة بالكلمة . ثم يفخر بعدد ما تلقى على قفاه من صفعات الشرطي . إنهم لا يزالون يقارنون بينك وبين الاستاذ فتحي ويحسدون والده إذ أحسن تربيته فعرف الحد الفاصل بينه وبين سيده حين قبل يده .  

   كل الأجنة في بطون الامهات خرجت الى الدنيا ذكورا وإناثا . منذ عام 1952، وضعت الأمهات ملايين الذكور والإناث . في كل شهر تبنى مدرسة. في كل قرية تبنى مدرسة .  والجامعات تنتقل الى حيث أولاد الفلاحين . يحتضن العلم الأطفال ذكورا وإناثا . يرعاهم بدون مقابل ، تكتظ الجامعات بأولاد الفلاحين بدون مقابل . وينتظر العمل الطالب على باب خروجه . لا يتشرد أولاد الفلاحين . لا يُقَّبِل أولاد الفلاحين أيدى السادة من أجل ما يستحقون . أما الآباء فلا يبيعون أصواتهم من أجل مستقبل أولادهم . لا ينتظرون أحد على المقاهي . إنهم مشغولون بملء نصف مقاعد كل الهيئات الشعبية ، موزعون بجلابيبهم الدّاكنة على مقاعد مجلس الشعب .

ويفلسف أولاد الفلاحين نقد الثورة فيقولون أن بعض حروف الثورة تفتقد نقاطا . ماذا تعنى حروف الثورة غير المنقوطة ؟ ويتمردون من أجل مزيد من المساواة . تفلسفوا تفلسفوا … فالعلم غزير . وتمرّدوا تمرّدوا … فالطريق طويل .. ثم أجيبوا  :

ـ من علم هذا الجيل المتمرد أن الناس سواء ؟

من علمهم أن الثورة حق ؟ ..

من علمهم حق الثورة ؟..

 ـ الثـــــــورة  ..

 

القاهرة عام 1977

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق