محاضرة بجامعة الكويت : الوحدة العربية ومستقبل المشروع القومي
د. عصمت سيف الدولة .
جريدة الدستور بتاريخ 22 / 5 /
1988 .
الكويت – مكتب الدستور :
قال الدكتور عصمت سيف الدولة : ستظل الكتابات
التي صدرت منذ القرن السابع عشر حتى الان عن الامة وعن القومية وعن الحركات
القومية وعن الوحدة القومية مطبوعة بالطابع الليبرالي إيجابيا وسلبيا .. وأضاف في
محاضرة القاها في جامعة الكويت بعنوان "الوحدة العربية ومستقبل المشروع
القومي الوحدوي" أنه بعد قيام الوحدة
بين مصر وسورية بتسعة أشهر ، نشرت مجلة "الاوبسرفاتير دي مويان اوريان"
مقالا بمناسبة الذكرى الثانية لحرب 1956 ، قالت فيه : ان التفوق الإسرائيلي قدم
ضمانا لحماية الوضع القائم في الدول العربية ضد المحاولات الوحدوية . فقد اصبح
واضحا أن حفظ التوازن فيما بين الدول العربية المجاورة لإسرائيل والدول العربية
عموما ، مهمة يتولاها الإسرائيليون وتدخل في نطاق واجباتهم .
اننا نقوم هنا ، اذا صح التعبير ، على تنفيذ
مبدأ "منرو" خاص بالشرق الأوسط . ان القرار الذي اتخذناه بهذا الخصوص
منذ عشر سنوات (أي منذ 1948 والكلام للمجلة) قد أدى الى الاستقرار والسلام بدلا من
الخوف .
الانسحاب من سيناء
وقال الدكتور سيف الدولة : منذ عشر سنوات لم
يقبل الصهاينة الانسحاب من سيناء واعادتها الى مصر ولو منقوصة السيادة ولو مجردة
من السلاح ، الا بعد قبول السادات الاعتراف بإسرائيل في اتفاقية كامب ديفيد بالقوة
.
يبدو - اذن – أنه منذ اغتصاب فلسطين – على
الأقل – وللصهاينة خطط جاهزة للحيلولة دون الوحدة العربية ولحراسة الوجود الإقليمي
للدول العربية ولو بالقوة . وما دمنا قد ذكرنا القوة فلا ينبغي لنا أن نخدع أنفسنا
أو نسمح لاحد بان يخدعنا ، أن الصهيونية زائدة القوة تساوي اليوم الولايات المتحدة
الامريكية ، وقد كانت قبل تساوي الامبراطورية البريطانية . وكانت من قبلها تساوي
الإمبراطورية الألمانية .. الخ .
صهيونية لا طائفية
بعدها مباشرة اشتعلت على امتداد الوطن العربي
الفتن والصراعات والحروب المسماة طائفية . وهي ليست طائفية .. انما هي صهيونية
بمعنى أن اعتراف أكبر دولة عربية بأن لليهود حقا تاريخيا في فلسطين لانهم كانوا
يقيمون فيها قبل الاحتلال العربي قد أطمع بعض بقايا الشعوبيين ممن كانوا يعيشون
على جزء من الوطن العربي في ان يحرروا وطنهم من الاحتلال كما فعل اليهود .. وهذه
حركة صهيونية المضمون ، أمريكية القيادة والتخطيط والتمويل ، عربية الضحايا .
هذه الدعوة
وحول موضوع الحديث عن الوحدة ، قال : في عهد
عجز الدول العربية دعيت الى الحديث عن (الوحدة العربية ومستقبل المشروع القومي
العربي) فشكرت للداعين الدعوة والعنوان الذي اختاروه . أو لعل الواقع قد فرضه بدون
اختيار . ألا يتحدث الناس في الجنائز عن تاريخ المتوفي ، بلى . فأي حديث غير حديث
الوحدة يليق بجنازة سيادة الدول العربية . انها فرصة ليقول القوميون الوحدويون
لأهل المتوفاة ... ألم نقل لكم ألف مرة أن الدولة العربية الإقليمية ، اية دولة
عربية إقليمية ، بدون استثناء واحد ، هي دولة فاشلة في ان تحقق ما تعد به من
الحرية والسيادة والتقدم والرخاء ، بصرف النظر عن نوايا ومواقف ومحاولات قادتها ؟
يستطيع من يشاء ان ينبه من يريد الى أنه لم يكن قد مضى عام على وحدة 1958 بين مصر
وسورية حتى هزم أعداء الوحدة المد الوحدوي في مذبحة كركوك عام 1959 فانحسر عن
العراق ، فماذا لو لم ينحسر . هل كان يحتاج الإقليم الشرقي من دولة الوحدة الى
"مساندة" لدفع العدوان الإيراني ، أو هل كانت تجرؤ ايران على أن تهاجم
العراق الإقليم . وهزم أعداء الوحدة المد
الوحدوي في دمشق عام 1961 ، فانحسر عن سورية وانفصلت دولتها . فماذا لو لم ينحسر
فلم تنفصل ، هل كان للصهيونية أن تغتصب المرتفعات السورية من دولة الوحدة . وانهزم
المد الوحدوي عام 1963 حين نكص أصحاب مشروع الوحدة الثلاثية عن وعودهم وعهودهم
الموثقة فكرا ونظاما ودولة تضم مصر وسورية والعراق ، فانحسر عنهم جميعا . فماذا لو
لم ينحسر . هل كان يمكن أن تقع هزيمة 1967 . وانهزم المد الوحدوي حينما وُئدت دولة
اتحاد الجمهوريات العربية في ذات عام 1971 ، فانحسر عن مصر وسوريا وليبيا ، فماذا
لو لم ينحسر . هل كان يمكن أن ينتهي انتصار الجندي العربي في جبهة القتال الى ما
قبلته قيادة جمهورية مصر العربية ، أو أن تشن الولايات المتحدة الأمريكية حملات
تأديب لحكومة ليبيا ، أو حملات قرصنة ضد الطيران المصري . ألم يوقف المد الوحدوي
حتى على المستوى الفكري عند حدود الدول البترولية خوفا على الثراء المتاح بدون جهد
من أن يتاح للمجهدين من الفقر . فماذا لو امتد ولم يقف . هل كان يمكن أن يصب شلال
ثروة البترول ، مادة ومالا ، خارج دولة الوحدة . هل كان يمكن أن يدفع علنا وخفية
لمن يبتزونه بالقوة أو أجورا ورشاوي للقادرين بالقوة على حمايته من الابتزاز ..
وغير هذا كثير لمن يريد أن يشمت في الدول
العربية ..
أما نحن ، فاللهم لا شماتة .
نعم حصلت أخطاء
وعن أخطاء الحركة القومية العربية ، قال
الدكتور سيف الدولة أنها أخطأت في اربع مستويات فكرية : أخطأت في المنهج ، وأخطأت
في المنطلقات ، وأخطأت في الغايات ، كما أخطأت في الأسلوب فاستحقت الهزيمة في
تطوير الواقع العربي من التجزئة الإقليمية الى الوحدة القومية وأعني بالحركة
القومية ما سادها فقادها من فكر بصرف النظر عن الاجتهادات الفردية المبكرة غير
المؤثرة .
ثم تناول هذه الأخطاء بالتحليل ، وأشار الى
الخطأ في المنهج الذي كان منقولا الى الحركة القومية العربية الناشئة في مطلع
القرن العشرين من الحركات القومية الأوروبية المنتصرة في القرن التاسع عشر . ونعني
به الفهم الليبرالي لظاهرة الأمة .
وأضاف د. سيف الدولة ، أن الليبرالية كانت قد
علمت الناس في أوروبا أن يتحرروا من كل ما هو مفروض عليهم ، وأن يعودوا الى كل ما
هو طبيعي ، ثم يتركوا الأمور تجري الى غايتها الطبيعية غير المعروفة .
وحدة بلا مضمون اجتماعي
ووصف الدكتور سيف الدولة أساتذة الفكر القومي
ودعاة الوحدة والمناضلين في سبيلها بأنهم يطرحون قضيتهم كما طرح الليبراليون
قضاياهم القومية ، وينقلون عنهم ويستمدون من أقوالهم ما يدافعون به عن الوحدة
العربية .
كما أنهم (القوميون) يحلمون بيوم يرون فيه
(بسمارك) العربي يقيم دولة الوحدة .
وأضاف انه ساد في الوطن العربي تيار قوي يرى
الأمة قدرا وللوحدة معبرا ، دون أن يعرف لمذا كان القدر قوميا ، ولماذا يكون
المصير في الوحدة ، وماذا تفعل دولة الوحدة في المجتمع القومي الموحد ؟
ووصف الوحدة ذاتها ، بأنها كانت هدفا مفرغا
من أي مضمون اجتماعي .
وعلل السبب والقصور من أن القوميين كانوا
يفهمون الأمة ويعرفون القومية ويناضلون من أجل الوحدة بمنهج ليبرالي .
والليبرالية تعلم الناس كيف يتحررون من قيود
الماضي ولكن لا تعلمهم ماذا يفعلون بالحرية في المستقبل.
فرض الوحدة
لهذا لم يكن غريبا أن الجماهير العربية
المتطلعة الى الوحدة دائما بفعل انتمائها القومي لم تخض قط معركة ثورية من أجل فرض
الوحدة . كانت الوحدة قرارا فوقيا ولو من قلة عسكرية مستندا الى تأييد شعبي لاحق
ومفترض ولم يكن زحفا شعبيا منظما لإسقاط التجزئة وإقامة الوحدة . كما أن الجماهير
لم تخض قط معركة ثورية من أجل حماية الوحدة . حينما أعلنت قلة من العسكريين انفصال
سورية عن دولة الوحدة عام 1961 تم الانفصال بسهولة وقبل وبدون مقاومة تذكر .
وحينما انفجرت ثورة جماهيرية من أجل فرض
الوحدة ، اما في مصر فلم تلعب الجماهير دورا إيجابيا في قيام وحدة 1958 ولا لعبت
دورا إيجابيا في مقاومة الانفصال .
كان للرئيس عبد الناصر موقفان ، أولهما موقفه
كقائد للجماهير العربية . من ذلك الموقف أصدر قراره بمقاومة الانفصال وسحق
الانفصاليين ، وأمر بتحرك قوات مظلية الى اللاذقية لاستقبال القوات المرسلة بحرا .
فلما اجتمع مع عناصر الدولة الإقليمية التي يحكمها ، ولم يكن اليوم قد انقضى أصدر
أمر لقوة المظليين بالتسليم للانفصاليين وأمر القوات البحرية بالعودة . أي تراجع
الموقف الجماهيري العربي أمام الموقف القيادي الإقليمي المتصارعين داخل شخص القائد
الكبير فأصدر بيانه الشهير بالاعتراف بالانفصال . وحينما شهدت الجماهير في مصر
وسورية والعراق قادة الدول الثلاث يتفقون على الوحدة الثلاثية ثم يتراجعون عنها لم
يسقط أحد من القادة المتراجعين . وفي 1971 عرض رؤساء ثلاثة على الجماهير في مصر
وسورية وليبيا دستور دولة واحدة للاستفتاء فقيل لهم "نعم" بأغلبية ساحقة
، ومع ذلك حين سقطت دولة الوحدة الثلاثية فعليا لم تقل الجماهير "لا"
للذين أسقطوها .
الخلاصة أن الحركة القومية العربية لم تستطع
في أية مرحلة من مراحلها أن تعد الجماهير بحياة أفضل سياسيا واقتصاديا وثقافيا
وروحيا عن طريق الوحدة العربية لأن منهجها الليبرالي لا يبرر لها هذا الوعد ،
فنشأت وبقيت حركة ثورية فكرية بدون جماهير ثورية ففشلت .
الخطأ في الأسلوب أيضا
وتحدث الدكتور سيف الدولة عن الخطأ في الأسلوب
فقال :
ثم نأتي الى الخطأ في الأسلوب ، وهو خطأ يمكن
أن يقال أنه "خطأ عربي" . ان الدارس للحركة الاجتماعية في الوطن العربي
لا بد أن يندهش من أن العرب أفرادا أو جماعات أو أحزابا أو دولا يتقنون الى حد
كبير تحديد ما يريدون ولو بشكل عام ، وقد يهتمون فيتقنون الواقع الذي هو بداية
الطريق الى تحقيق ما يريدون ، ولكنهم لا يهتمون بدراسة ومعرفة كيف تقطع الطريق من
بدايتها الى نهايتها ، فلا نكاد نجد في كل الدراسات القومية العربية شيئا يذكر عن
أسلوب الانتقال من التجزئة العربية الى الوحدة العربية . بعض الذين لا شك في نقاء
انتمائهم القومي كما لا شك في اخلاصهم لهدف الوحدة يعبُرون فجوة الأسلوب ببساطة
مدهشة . بل نقول مفزعة . ألسنا أمة واحدة ؟ .. بلى . ألسنا نريد الوحدة ؟ .. بلى .
طيب يا أخي فلتتحقق الوحدة وفورا . شيء غريب حقا . كأنهم الهة يقولون للوحدة كوني
فتكون . فاذا تركنا هؤلاء الوحدويين لأحكامهم وأحلامهم نلاحظ أنه منذ وقت مبكر
لجأت الحركة القومية العربية الى الأسلوب التقليدي في تحقيق الأهداف الاجتماعية .
أسلوب العمل الجماعي المنظم الملتزم بتحقيق غاية . بدأت الحركة القومية بهذا
الأسلوب في شكل جماعات وجمعيات علنية وسرية ، ثم وصلت في الاربعينات الى الصيغ
الحزبية الحديثة . وكان مقضيا على هذا الأسلوب بأن يفشل في تحقيق غايته : الوحدة
العربية . هل نقول لأنه تقليدي أو لأنه تقليد مجرد من الابداع . ممكن . المهم هو
ما غاب عن وعي الحركة القومية العربية من أسلوب الأداء بالهدف منه . ولقد كانت
الجماعات والجمعيات والأحزاب أدوات صالحة للأسلوب الجماهيري في تحقيق الأهداف
الاجتماعية عامة . أما حين يكون الهدف الغاء تجزئة الأمة وتصفية الدول التي تجسدها
وإقامة دولة واحدة على كامل الوطن العربي ، فان إضافات وتعديلات وابداعات كثيرة لا
بد ان ترد على الصيغ التقليدية للأحزاب لتكون صالحة لتحقيق هدفها . منها كيف يمكن الجمع
بين وحدة القيادة المركزية للحزب ، وديمقراطية اختيار القادة ورقابتهم واستبدالهم
أو اسقاطهم ، وبين عزلة القواعد في فروعها بحكم التجزئة الإقليمية . لم يحدث ابدا
في الوطن العربي أن حزبا غيّر قيادته بل قد حدث أن قيادات غيرت حزبها أو أوجدته
ولم يكن موجودا . الوجه الأخر للعملية هو كيف يمكن الاحتفاظ دائما للقيادة
المركزية القومية بسلطة القيادة الفعلية للفروع في الأقاليم حتى لا تنحرف أو تتمرد
.
كل هذه الأخطاء
وقد اختتم الدكتور عصمت سيف الدولة محاضرته
بالحديث عن أخطاء الحركة القومية العربية وقال :
نعم ، ارتكبت الحركة القومية العربية كل تلك
الأخطاء وأكثر منها . والقوميون مسؤولون عنها . هم وحدهم المسؤولون . ولن يعفيهم
من المسؤولية أن يكونوا هم أول المجني عليهم في جريمة تجزئة أمتهم . فقد كان عليهم
أن يعرفوا كيف يتعاملون مع المجرمين . واذا كان جيلنا يجهزه الزمن للرحيل فان على
الجيل العربي الجديد أن يدرس أخطاءنا . ولقد كانت لي اجتهادات مبكرة غير مؤثرة .
تتابعت مقالات وأبحاثا وكتبا . ولست أريد أن أتواضع نفاقا فأدعي أنني كنت من
المخطئين . ابدا ان كل ما اجتهدت في دراسته وكتابته ونشره كان ينصب جوهريا على
تصحيح ما رأيت أنها أخطاء فكرية جسيمة في الحركة القومية العربية . أخطاء في
المنهج وفي المنطلقات وفي الغايات وفي الأسلوب . وقد نشرت ما رأيت وخلاصته عام 1972
في كتاب يحمل عنوان "نظرية الثورة العربية" لا زلت أعتقد أنه اجتهاد
صائب . وطبقا له تكون الوحدة العربية في عهد الهيمنة الأجنبية هي وحدة التنظيم
القومي . ولا يكون ثمة أي مشروع قومي للمستقبل سوى مشروع تحرير الوطن العربي من
الاحتلال والاغتصاب والهيمنة الأجنبية ، أما بعد ذلك فالمشروع القومي هو المشروع
الذي يضعه التنظيم القومي .. هذا اذا كانت تجربتنا قد علّمت أحدا خطأ السير الى
المستقبل فوق الواقع وتمني النتائج بدون تحقيق أسبابها .
العرض الثاني من جريدة الراي العام
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق