مركز
دراسات الوحدة العربية : ندوة فكرية
أزمة الديمقراطية في الوطن العربي (PDF)
الفصل
الأول : مفاهيم الديمقراطية في الفكر السياسي الحديث .
مقدّم
البحث : د.علي الدين هلال . (البحث في كتاب الندوة ص 35 (PDF))
تعقيب الدكتور عصمت سيف الدولة :
6 - تبدأ هذه الدراسة
بتحديد غايتها – كما جاء في المقدمة – وتسعى الى طرح بعض المفاهيم والاشكالات
النظرية المتعلقة بمفهوم الديمقراطية وذلك بصفة عامة وكمدخل للنقاش في هذه الندوة
. وتنتهي بطرح ثلاثة أسئلة ثم تقول : هذا هو التحدي . فهي في الأساس فاتحة حوار
وليست طرفا فيه ، وبالتالي كان من التوفيق التنظيمي ان يُفتتح الحوار بها . وهي
تطرح أسئلة ولا تجيب عنها فتضع المشاركين في هذه الندوة أمام تحدّ ، عليهم أن
يقبلوه فتبعث الحرارة في الندوة منذ البداية .
لقد طُلب الي أن أعقب
عليها بدلا من الصديق الغائب الأستاذ السيد ياسين الذي كان قادرا على أن يقدّم
الينا تعقيبا متأنيا أكثر وفاء بغايته من تعقيب عجول . على أي حال ، فإنني أعتقد
أن ليس من قواعد التعقيب أن يغير من الطبيعة الافتتاحية للبحث . وأن التعقيب غير
التعقّب ، بمعنى أن المعارضة فيه غير لازمة . في هذه الحدود قد أستطيع أن أضيف الى
الدراسة بعض الملحوظات التي تساعد على تحقيق غايتها كفاتحة حوار .
2 - لقد طرحت الدراسة أربع مقولات في نهاية
مقدّمتها . أولاها تقول أن "المساواة كمثل أعلى هي جوهر مفهوم الديمقراطية
" . وهي مقولة غير قابلة للإنكار . فمنذ البداية يرسي جون لوك أساس فلسفته في
الديمقراطية بقوله : "لما كان الناس جميعا أحرارا ومتساوين بالطبيعة فلا يمكن
انتزاع أي شخص من حالته هذه واخضاعه للسلطة السياسية لشخص اخر الا برضاه"
(الفصل الثامن من الرسالة الثانية فقرة 95 من كتابه رسالتان في الحكم) . ومنذ
البداية يرسي جان جاك روسو أساس فلسفة في الديمقراطية بقوله : "انه لا بقاء
للحرية بدون المساواة" (الفصل الحادي عشر – الكتاب الثاني من العقد
الاجتماعي) . ان ما سيكون ثمار خلاف في مفهوم الديمقراطية هو مضمون المساواة أو
محلها وليس المساواة ذاتها . وهو خلاف بذرت بذوره مبكرا وقبل أن تفترق النظم في
علاقتها بالديمقراطية . فلوك وروسو كلاهما كان متفقا على أن "الإرادة"
هي مضمون المساواة ، وعلى هذا الأساس المشترك أقام كل منهما نظريته من العقد
الاجتماعي والذي افترضنا أنه انعقد بين أفراد متساوين في إرادة انشاء المجتمع
المدني . وإذ يصبح العقد قانونا ، فقد اتفقنا على المساواة أمام القانون . ولكن
روسو أضاف مضمونا اخر للمساواة سيبقى بدون تقنين حتى بدايات القرن العشرين . فهو
يقول : "لكل فعل حر سببان يجتمعان لإنتاجه ، أحدهما معنوي وهو الإرادة التي
تحدد الفعل ، والأخر مادي وهو المقدرة على التنفيذ" (الفصل الأول – الكتاب
الثاني – من العقد الاجتماعي) . ويقول : "اما فيما يتعلق بالثروة فان
المساواة تعني ألا يبلغ أي مواطن من الثراء ما يجعله قادرا على شراء مواطن اخر
وألا يبلغ من الفقر ما يدفعه الى بيع نفسه" . ويضيف في الهامش : "اذا أردت
أن تضفي على الدولة استقرارا قرّب بين الحدود القصوى بقدر الإمكان ، فلا يبقى فيها
غنى فاحش ولا فقر مدقع . فهذان الوضعان اللذان لا ينفصلان عن بعضهما البعض مضرّان
بالخير العام . ان أحدهما يؤدي الى وجود أعوان الطغاة والأخر الى الطغاة . وفيما
بينهما تشترى الحرية وتباع ! أحدهما يشتريها والأخر يبيعها
" (الفصل الحادي عشر – الكتاب الثاني) .
وتُلفتنا بقوة هنا ،
النظرة الموضوعية الاجتماعية التي نظر بها روسو الى العلاقة الديمقراطية . انه لا
يتهم أحدا بالطغيان ، بل في ظل علاقة اقتصادية تفتقد المساواة في المقدرة على
تنفيذ الإرادة الحرة يصبح المقهورون أنفسهم أعوانا للطغاة اذ يبيعون لهم حرياتهم
لان الغنى الفاحش لا ينفصل عن الفقر المدقع . وقد عبر عن هذه العلاقة الموضوعية في
موضع اخر من كتابه بقوله "أن نتذكر أن جدران المدن تتكون من أطلال منازل
القرى واني لأرى بعين الخيال بلدا بأسره يتحول الى انقاض كلما رأيت قصرا جديدا
يشيد في العاصمة" (الفصل الثالث عشر - الكتاب الثالث) .
3 – سيجري تاريخ أوروبا
بعد ذلك في المجرى الذي شقه لوك فيلسوف الديمقراطية البرجوازية بقيادة البرجوازية
. وسيشن بروك وبلاكتون حملات شعواء لمحاربة فلسفة روسو في إنجلترا بتحميله مسؤولية
العنف الذي صاحب الثورة الفرنسية . أما في فرنسا ، فقد انتصرت الثورة بقيادة
البرجوازية ونقل اليها مونتسكيو فلسفة لوك فتصوغ دستورها الأول عام 1791 مقررا
ديمقراطية النخبة أو الصفوة : "ان الأمة التي تنبع منها كل السلطات لا يمكن
أن تمارسها الا بواسطة مفوّضين" (المادة الثانية) . واقتصر حق الاقتراع على
من يكون مالكا أو منتفعا بملك يدُرّ عليه دخلا يعادل 150 يوم عمل (كان الحد الأقصى
للأجر اليومي فرنكا واحدا) . أما في الريف فاشترط أن يكون مالكا أو منتفعا بأرض تدُرّ
عليه الدخل نفسه أو أن يكون فلاحا زارعا لأرض تدُرّ دخلا سنويا يعادل 400 يوم عمل
. أي كان على الفلاح أن يزرع أرض ثلاثة من الملاك المتمتّعين بحق الاقتراع ليكون
له هو حق الانتخاب .
فلما استولى الجيروند –
حزب اليسار – على السلطة ، ووضعوا دستورا عام 1793 وأصدروا اعلانا جديدا بحقوق
الانسان على هدي مذهب روسو ، وهو ينص على أن وظيفة الحكومة تضمن للإنسان التّمتّع
بحقوقه ولم يكتف بالاعتراف بحقوقه . وبعد أن أورد حرية الملكية أضاف "الا أن
إنسانية الانسان غير قابلة للمساس بها فلا يعترف القانون ابدا بأن يعمل انسان في
خدمة انسان اخر" . ثم نص على أن حق مقاومة البطش هي خلاصة كافة حقوق الانسان
الأخرى ، ويكون البطش واقعا على المجتمع كله كلما مس فردا واحدا من افراده كما
يكون واقعا على كل فرد فيه اذا مس المجتمع كله ، وعندما تخرق الحكومة حقوق الشعب
تصبح المقاومة هي اقدس الحقوق وألزم الواجبات بالنسبة للشعب كله والى كل فرد فيه .
ثم اعترفوا في الدستور لكل مواطن فرنسي يبلغ 21 عاما ولكل أجنبي يقيم في فرنسا
أكثر من عام بحق الاقتراع بشرط واحد هو أن يعيش من دخل عمله .
حينما تم هذا ، حسمت
البرجوازية الخلاف المجرّد حول مفهوم الديمقراطية بالقوة المسلحة بقيادة بطلها
نابليون بونابرت ، فلم يجد دستور 1793 فرصة للتطبيق . وعادوا الى مبادئ دستور 1791
.
4 – اذن ، منذ البداية
ثمة مفهومان لديمقراطية الحكم ، أحدهما يتجسد فكرا ونظاما وممارسة فيما يسمى حكم
النخبة أو الصفوة بصرف النظر عن أسباب اصطفافها ، والأخر يتجسد فكرا ونظاما
وممارسة فيما يسمى حكم الشعب الذي يقال له ديمقراطية .
ان الباحث يضع أمامنا
مظاهر عودة الديمقراطية الليبرالية الى بدايتها . حكم الصفوة أو النخبة الإدارية
أو التكنوقراطية أو الارستقراطية الخبيرة ، وهو ما قد يعني عند بعضنا افلاس
المفهوم الليبرالي للديمقراطية . ويضع أمامنا مظاهر تقنين الديمقراطية الاجتماعية
في التجربة الماركسية وهو ما قد يعني عند بعضنا مرحلة جديدة من مراحل مفهوم
الديمقراطية . وفي جميع الحالات يضعنا الباحث أمام أمرين سيكونان حاضرين عبر كل الدراسات
في هذه الندوة والتعقيب عليها :
أولهما : قبل الحديث عن
الديمقراطية مفهوما ونظاما ، يجب تحديد موقف واضح من المساواة مفهوما ومضمونا.
ثانيهما : ان التناقض
المحتمل بين مفهوم النخبة ومفهوم الديمقراطية يستحق الدراسة والتأمل ولو لاكتشاف
مدى حقيقة ما توحي به كلمة نخبة من استبعاد للشعب من مفهوم الديمقراطية .
الفصل
الخامس : المحدّدات التاريخية والاجتماعية للديمقراطية .
مقدّم
البحث : عادل حسين (البحث في كتاب الندوة ص 199 (PDF))
النقاش : د.
عصمت سيف الدولة :
حينما أراد المشرعون في
الهند وضع القانون الجنائي ، قضوا أربع سنوات في صوغ نصوصه . استنفد القانون سنتين
منها واستنفد نصّ خاص سنتين ، وهو النص على الدفاع الشرعي ، أي الحالة التي يجوز
فيها للمواطن أن يستعمل القوّة والعنف حتى القتل دفاعا عن حقه . هذا الحق من حيث
هو استثناء على النظام القانوني ، تحيطه قيود شديدة في الشرائع اللاتينية
والأنجلوسكسونية . ولكن المشرع الهندي ، قد رأى بعد عامين من الدراسات الاجتماعية
والقانونية أن يوسع من فرص استعماله . وجاء في مذكرته الايضاحية تبريرا لهذا
التوسع "ان المشكلة في الهند ليست كيف يحد القانون من نزوع الافراد الى
استعمال العنف دفاعا عن حقوقهم ، ولكن كيف يمكن أن يشجع القانون الافراد عن الدفاع
عن حقوقهم بالعنف " . قياسا على هذا المنهج الذي يوثق الصلة بين الأفكار
المصوغة والواقع الحي ، أعتقد أن الباحث يحمد على جرأة الابداع الفكري الذي تضمنه
بحثه . ذلك لأن مشكلة الديمقراطية في الوطن العربي ليست كامنة في العجز العربي عن
فهم واستيعاب الأنماط المتعددة في التراث العالمي ، فقد جربها جميعا ، ولكن ربما
تكون كامنة في تهيئة ابداع النمط الذي يرى أنه أقرب استجابة الى واقعنا الاجتماعي
المتعين .
ولا يقل من استحقاق
الباحث هذا التقدير أنه قدم صيغة مستقلة ، فلنسمها يوتوبيا . فصوغ المستقبل فيما
يسمى "المدن الفاضلة" أو "المدن المثالية" ليس غريبا على
الفكر الاجتماعي أو السياسي ، بل انه يخدم – أو يمكن أن يخدم – المسيرة الفكرية أو
التطبيقية من حيث هي إضافة أو إعادة تشكيل المثل الأعلى لجهود البشر . يخدمها من
حيث هو يضبط اتجاهها ويحد من مخاطر التخبط التجريبي .
من أين يستمد الباحث
جرأة الابداع هذه ، ليس من ذاته على سبيل القطع . فنحن الذين نعرف شخص وتاريخ ونضال
الباحث ، لا نستطيع أن ننسب اليه وهو على أبواب الشيخوخة ، الغرور أو الادعاء . ولكنه
يحاول أن يصوغ أفكار تيار شعبي كاسح في مصر أصبح يتجه بقوة نحو مثل أعلى إسلامي ولا
يعرف كيف يصاغ . وبالتالي فان انتماءه الى هذا التيار ومحاولة التعبير عنه أو صوغ
أفكاره يقفان على أرضية أكثر ديمقراطية من كثير من الذين يقدمون صيغا لا تعبر عن
جماهير واقعية في الشارع العربي .
الفصل الحادي عشر : الديمقراطية وثورة 23 يوليو
1952 – 1970 .
مقدم
البحث : طارق البشري (البحث في كتاب الندوة ص 579 (PDF))
تعقيب الدكتور
عصمت سيف الدولة :
1 - تحاول هذه الدراسة
تقويم ثورة 23 يوليو 1952 ، التي حددت عمرها التاريخي من 1952 حتى 1970 ، طبقا
لمعيار تُسمّيه "المعيار أو التصور الأمثل للتنظيم الديمقراطي" . ولم
تترك هذا المعيار مجهّلا من حيث هو أمثل تنظيم ديمقراطي بل حدّدته فهو :
"تقييد سلطات الحكم الفردي وإخضاع أجهزة الدولة لسلطان الهيئات النيابية
المنتخبة وتأمين الحريات الجماعية من جهة تكوين الجمعيات السياسية وحرية الاجتماع
والنشر وغير ذلك مما يلزم لتحقيق التشكيل النيابي الأمثل ، ويتيح لهذا التشكيل
الهيمنة الفعلية على أجهزة الدولة" .
ولما كان للنظام النيابي
شكلان : أحدهما النظام النيابي الرئاسي ونموذجه الولايات المتحدة الأمريكية ،
وثانيهما النظام النيابي البرلماني ونموذجه المملكة المتحدة (انجلترا) ، وكان
الشكل البرلماني هو الذي يتيح للتشكيل النيابي (البرلمان) الهيمنة الفعلية على
أجهزة الدولة وليس الشكل الرئاسي ، فإننا نستطيع ان نفهم أن المعيار الذي انتقاه
الدارس للتنظيم الديمقراطي الأمثل هو : النظام البرلماني .
وهذا المعيار لا يزال
الكثيرون يستخدمونه لتقويم النظم منذ لوك ومونتسكيو ، وهناك كثيرون اخرون يضيفونه
الى مخازن التراث التاريخي التي تضم نفائس الإنجازات البشرية في بعض مراحل التاريخ
، وان كانت قد فقدت صلاحيتها في الحاضر ، ومن الناس من ينكرون علاقته بالديمقراطية
معنى والديمقراطية نظاما ، وتتضمن كثير من الدراسات المقدّمة الى هذه الندوة خليطا
من هذه الاتجاهات جميعا . وبالتالي ، فإننا لا نعلق هنا عن المعيار البرلماني الذي
اختارته الدراسة ، انما نقصر تعليقنا على الوقائع التي نسبتها الدراسة الى تاريخ
مصر قبل وبعد ثورة 23 يوليو 1952 ، واتخذت منها موضوعا للتقويم ، ثم نترك لصاحب
الدراسة ، ولمن يريد أن يعيد قراءتها على ضوء الوقائع المصححة .
2 - أهم تلك الوقائع
التي تقوم من الدراسة مقام الأساس هو ما جاء في الدراسة ، بعد إشارة مقتضبة الى
الصراع السياسي في ظل دستور 1923 ، من أنه : "من خلال هذا الصراع الدستوري
السياسي ، وبسبب تراكم التجارب عبر سني اعمال الدستور ، تشكل المثل الديمقراطي لدى
قوى الحركة الوطنية الديمقراطية ولدى المفكرين الاحرار والمستنيرين ، تشكل على
صورة أكثر واقعية وتحديدا وأضبط من حيث الصياغات الفنية الملموسة ، اقرارا للهيكل
النيابي العام للدستور وللمحتوى الحزبي له ، مع اقتراح الاحكام العلمية التطبيقية
التي ينفتح بها سبيل هيمنة "الأمة" على مؤسسات الحكم ويتحقق بها ضمان
الحريات العامة الفردية والجماعية ، وتنطلق بها الحركة الحزبية بغير ما يعوقها من
تدخل جهات الإدارة ، وتقليص نفوذ الملك الى ما يصير به "يملك ولا يحكم "
ومع دعم هيمنة الهيئة النيابية على جهاز الدولة فلا يكون لها شريك ، بمعنى تجريد
المحور الملكي من اية فاعلية وربط مؤسسات الدستور بالمحور البرلماني وحده ، مع
ضمان ربط أواصر هذه المؤسسة مع قوى الرأي العام السياسي" .
3 - ليس مما يقلل من
استحقاق هذا القول التعليق عليه – انفراد الدراسة – بقوله. فقد يكون التفرد مؤشرا
على الاصالة المبكرة ، وقد كان يمكن أن يكون القول أكثر اقناعا لو أن الدراسة قد
أبانت عمن تعنيهم بقولها : "قوى الحركة الوطنية الديمقراطية ولدى المفكرين
المستنيرين" . لا نشك في ان لديها أسماء يمكن أن تذكر ، ولكننا نشك كثيرا في
أن تكون تلك الأسماء رموزا للحركة الوطنية الديمقراطية والمفكرين الاحرار
المستنيرين الذين تدل صيغة الحديث عنهم على انهم المعبرون عن اتجاهات الجماهير .
والواقع أن الدراسة كانت قد قدمت لهم ما يوحي بهذا الدور حين قالت في الصفحة
الأولى أنها تشير الى المعيار أو التصور الأمثل للتنظيم الديمقراطي الذي شاع بين
جمهور الراي العام السياسي في مرحلة ما قبل الثورة ، وفي ملامح التصور الديمقراطي
الذي ظهر لدى هذا الجمهور عندما قامت ثورة 23 يوليو .
لنبحث – اذا – عن هذا
التصور الديمقراطي الأمثل : أي النظام البرلماني ـ في مرحلة ما قبل الثورة .
4 – نجد أولا التجربة
الحية . نجدها تبدأ بإصدار دستور 1923 الذي أنشأته لجنة من ثلاثين ، اختارهم الملك
بأمر صادر منه في اول اذار – مارس 1922 ، قال عنها سعد زغلول زعيم الشعب حينئذ
أنها لجنة الاشقياء . ولقد صدر الدستور في 19 نيسان – ابريل 1923 بالأمر الملكي
رقم 43 لسنة 1923 ونص في المادة الأولى منه على ان حكومة مصر "ملكية وراثية
وشكلها نيابي" ، وفي نطاق تفصيله للنظام النيابي نص في (المادة 61) على أن
"الوزراء مسؤولون متضامنين لدى مجلس النواب عن السياسة العامة للدولة وكل
منهم مسؤول عن اعمال وزارته" . وأضاف في (المادة 62) أن "أوامر الملك
شفهية أو كتابية لا تخلي الوزراء من المسؤولية بحال" وخول مجلس النواب في
(المادة 66) سلطة "اتهام الوزراء" ، بعد أن كان قد خوله سلطة سحب الثقة
منهم وأوجب على من تسحب الثقة منه أن يستقيل (المادة 65) ، هذا بالإضافة الى تولي
السلطة التشريعية (المادة 24 و35 و36) . بذلك توفرت لدستور 1923 أسس الهيمنة
البرلمانية على جهاز الدولة . واذا كان الدستور قد أشرك الملك في بعض السلطات ،
فان الدستور ذاته قد نص في (المادة 60) على أن "توقيعات الملك في شؤون الدولة
يجب لنفاذها ان يوقع عليها رئيس مجلس الوزراء والوزراء المختصون" . وبذلك
يمكن ان ترفع - مؤقتا - شماعة الملك التي عُلّقت عليها أخطاء كثيرة . اذ أن تلك
الأخطاء ذاتها لم تكن لتقع بدون موافقة المؤسسات الدستورية ولا خارج النظام
البرلماني ذاته . وكان المتواطئون مع الملك يعرفون من أحكام الدستور وقواعد اللعبة
البرلمانية أنهم المسؤولون ، أما مدى نهوضهم بهذه المسؤولية فكان متوقفا على مدى
ايمانهم بالنظام البرلماني كمعيار أمثل للديمقراطية .
5 – أيا كان الامر ، فقد
وُضع النظام البرلماني موضع التطبيق في مصر لأول مرة ابتداء من عام 1923 . أي أنه
لم تكن في مصر أية تقاليد برلمانية سابقة يمكن أن تكون معايير للممارسة اللاحقة .
ويمكن القول أن ذلك النظام كان مقبولا كتصور أمثل للديمقراطية في بداية تطبيقه من
جانب كل القوى الوطنية الديمقراطية والمفكرين والاحرار والمستنيرين على حد قول
الدراسة محل التعليق .
ولقد كانت بداية التطبيق
تدعم موجة التفاؤل التي صاحبته . ففي بداية التطبيق جرت أول انتخابات في مصر وفاز
فيها حزب الوفد فوزا ساحقا وأسندت الوزارة الى سعد زغلول رئيس حزب الأغلبية . ولكن
حدث يوم 19 تشرين الثاني – نوفمبر 1923 أن قتلت أحدى المنظمات الوطنية السرية
السيرلي ستاك القائد الانجليزي للجيش المصري وحاكم السودان . فاستغل الانجليز
الفرصة وقدموا الى حكومة سعد زغلول مطالب لا تمت أغلبها الى الحادث بصلة (الاعتذار
– عقاب الجناة – منع التظاهرات – دفع غرامة مليون جنيه – ارجاع الجيش المصري من
السودان – اطلاق يد الانجليز في تحديد مساحة الأرض التي تزرع قطنا في السودان) .
رفضت الحكومة ، وأعلن
سعد زغلول استقالته أمام البرلمان يوم 14 تشرين الثاني – نوفمبر 1924 ، واكتفى
البرلمان بالاحتجاج . فاصدر الملك أمرا الى أحمد زيور بتأليف الوزارة التي يسميها
المؤرخون "وزارة تسليم ما يمكن تسليمه" . فسلمت بمطالب الانجليز وصدر
مرسوم يوم 25 تشرين الثاني – نوفمبر 1924 بتأجيل انعقاد البرلمان شهرا . وفي 9
كانون الأول – ديسمبر 1924 عين إسماعيل صدقي وزيرا للداخلية كمؤشر لاتجاه النية
الى حل مجلس النواب واجراء انتخابات جديدة "يطبخها" . وفعلا ، في يوم 24
كانون الأول – ديسمبر 1924 أي قبل نهاية الشهر المضروب لتأجيل البرلمان بيوم واحد
، استصدرت الحكومة مرسوما بحل مجلس النواب وتحديد يوم 6 اذار – مارس 1925 لانعقاد
المجلس الجديد ، كأنما تريد أن تحتكم الى الشعب . ولكنها سوّفت في الانتخابات الى
أن أنشأت حزب الاتحاد يوم 25 كانون الثاني – يناير 1925 ، والى أن غير إسماعيل صدقي
الدوائر الانتخابية بما يتفق مع رغبات مرشحي الحكومة ، وأخيرا حدد للانتخابات يوم
12 اذار – مارس 1925 .
فما الذي حدث ؟
أطاح شعب الفلاحين صاحب
ثورة 1919 بكل ما أراده الإنكليز والملك والحكومة . وما ان افتتح البرلمان يوم
الاثنين 23 اذار – مارس 1925 حتى انتخب سعد زغلول رئيسا له . كان ذلك في الجلسة
الصباحية ، وفي المسائية كان قد صدر مرسوم جديد بحل مجلس النواب وتقرر وقف
الانتخابات . واعتبر الشعب والقوى الوطنية والمفكرون الاحرار والمستنيرين أن هذا
الحل غير مشروع طبقا للدستور . فتربصوا جميعا حتى اقترب يوم 21 تشرين الثاني –
نوفمبر 1925 ، اليوم المحدد دستوريا لانعقاد البرلمان . وقامت حركة شعبية عارمة
تجمع النواب والشيوخ من بيوتهم وتحملهم على الاجتماع في أحد الفنادق تحت حراسة
الشعب الذي بقي محتشدا أمام الفندق (الكونتننتال – ميدان الأوبرا) يحرس نوابه .
وأدى كل هذا الى اذعان الحكومة للحركة الشعبية فحدّدت موعدا للانتخابات يوم 26
أيار – مايو 1926 .
6 – الى هنا لا يستطيع
أحد أن يقول ان النظام البرلماني لم يكن يمثل لدى الشعب وقواه الوطنية والمفكرين
الأحرار والمستنيرين ، التصور الأمثل للنظام الديمقراطي . ولا يستطيع أحد أن يقول
أن الشعب كان عاجزا عن حماية هذا النظام ضد أي مساس به من جانب الانجليز أو الملك
أو حتى السلطة التنفيذية الحاكمة فعلا . ولا نعتقد أنه قد اضعف من حماس الشعب
للنظام البرلماني ، ذلك الحدث المضاد له ، الذي يحيط ولاء القيادات للنظام
البرلماني أو وعيهم عليه بشكوك جادة ، ونعني به تخلي حكومة الأغلبية عن الحكم
تاركة نوابها يواجهون حكومة مفروضة عليهم . ان قواعد اللعبة البرلمانية كانت تقتضي
دستوريا ، اما أن يمنح النواب ثقتهم لحكومة اقلية أو غير حزبية – وهو ما حدث مرات
كثيرة بعد ذلك – حرصا على مقاعدهم ، وهو موقف مخل بأسس النظام البرلماني ، وهو ما
لم يحدث عام 1924 ، واما أن تطلب الحكومة الجديدة حل البرلمان وإعادة الانتخاب وهو
ما حدث . نقول أن هذا الذي حدث وأخلّ مؤقتا بآلية النظام البرلماني ، لم يضعف من
حماس الشعب له أو من الثقة في صلاحيته . وقبل الشعب بحماس فياض من سعد زغلول قائد
حزب الأغلبية ، المتخلي عن واجباته البرلمانية ، دفاعه الحار عن النظام البرلماني
حينما عاد . قال في 27 حزيران – يونيو 1926 : "وبعد فاني أحمد الله تعالى على
عودة الحياة النيابية بعد طول غيبتها التي هي في الحقيقة غيبة طويلة تجرعت البلاد
فيها الغصص واشتدت آلامها ، فلا غرو أن تمتلي نفوسنا اليوم بالفرح والسرور وبعودة
هذه الحياة . يجب علينا أن نشكر الله سبحانه وتعالى على هذا الائتلاف الذي توثقت
عراه وكان من أهم الأسباب في عودتها ... انما الحياة الحقيقية هي الحياة النيابية
. هي الحياة التي يشعر فيها كل فرد من الامة أنه ليس خاضعا الا لأمر واحد هو
الدستور والقانون " .
7 – ان إشارة سعد زغلول
الى "الائتلاف" الذي توثقت عراه وهو يتحدث في الجلسة الأولى من الدور
الأول لانعقاد مجلس النواب العائد يوم 27 حزيران – يونيو 1926 ، وشكره لله على
الائتلاف والعودة معا ، يكشف لنا منذ البداية عن جرثومة الفشل الذي سيصاحب النظام
البرلماني في مصر حتى 1952 . الفشل في أن ينسج بينه وبين الديمقراطية صلة قريبة أو
بعيدة .
8 – ذلك لأننا اذا
اعتبرنا أن صلة النظام البرلماني بالديمقراطية تتمثل في قيامه على قاعدة الإرادة
الشعبية في الاختيار والنيابة عن الأمة في الممارسة ، فان حظه من الديمقراطية
سيكون متوقفا على حرية اختيار الشعب (أو هيئة الناخبين منه) للنواب من دون تدخل من
قوة أخرى تفرض على الشعب نوابه . نريد أن نقول أن ذلك التصور الأمثل للنظام
الديمقراطي في مصر قد أصبح متوقفا على عملية الانتخابات ابتداء من عام 1925 الذي
عاد فيه النظام بعد أن حاول الانجليز والملك والحكومة هدم أركانه . ولكن أحداث عام
1926 ذاتها تدل على أنه قد عاد أنقاضا ولم تسلم له بنية من بعد ، لا بفعل الانجليز
أو الملك أو الحكومة ، ولكن بفعل الأحزاب ذاتها وعلى رأسها الوفد ذاته .
9 – الذي حدث انه في يوم
3 نيسان – ابريل 1926 عقدت الأحزاب اجتماعا ، عقدوا فيه اتفاقا أذاعوه في اليوم
ذاته . كان الاتفاق يتضمن امتهانا لأي معنى من معاني الديمقراطية ، ويمثل مؤامرة
موجهة أساسا ضد الشعب نفسه ، ومعولا هداما للنظام البرلماني ذاته . ذلك لأن
الأحزاب قد اتفقت على ان تقتسم فيما بينها الدوائر الانتخابية . فاختص حزب الوفد
بمائة وستين دائرة (وقع بالنيابة عنه سعد زغلول) واختص حزب الاحرار الدستوريين
بخمس وأربعين دائرة (وقع بالنيابة عنه محمد محمود) واختص الحزب الوطني بتسع دوائر
(وقع بالنيابة عنه محسن حافظ رمضان) . وهكذا عينت الأحزاب "نواب الشعب"
. وعينت قيادة كل حزب من ينوبون عن الشعب من أعضائه . وحرم الشعب منذ بدء تجربته
البرلمانية من أن يختار نوابه . وتكرر هذا التآمر أكثر من مرة بعد ذلك .
10 – ابتداء من عام 1926
، لم تعجز اية حكومة في تاريخ مصر ، حتى عام 1952 ، من الحصول على البرلمان الذي
تريده ، سواء تريده لحسابها كما حدث في الانتخابات التي أدارتها حكومات الأحزاب
غير الوفدية ، أم تريده لحساب الوفد كما حدث في الانتخابات التي أدارتها حكومات
غير حزبية تمهيدا لعودة الوفد الى الحكم ، وأصبحت اللعبة البرلمانية تدور فوق
وخارج الإرادة الشعبية وضدها في اغلب الأوقات . ولم يحدث منذ عام 1926 أن رفع
الشعب اصبعا دفاعا عن أي حزب ولا دفاعا عن لعبة الانتخابات والبرلمانات والحكومات
، التي ما أن أعادها عام 1925 حتى تآمر ضدها أبطالها قبل أن ينقضي عام واستبعدوها
. ان واقع السلبية الشعبية في مواجهة الصراعات البرلمانية هو الذي انتهى بالوفد في
أواخر أيامه ، وقبيل الثورة الى التحالف مع الملك لضمان استمراره في الحكم بعد
سنوات طويلة من ابعاده في ظل النظام البرلماني ذاته ، وبالتالي يمكن أن نستنتج
اكتشاف الشعب عامة ، من خلال الممارسة ، أن تصور الديمقراطية كما يجسدها النظام
البرلماني الذي أيد إقامته عام 1923 ودافع عنه عام 1924 ليس هو – على الأقل –
التصور الأمثل وسنرى فيما بعد كيف نطلع الى مثل عليا أخرى .
11 – باستبعاد التصور
الشعبي ، ينحصر مجال التحقق من الوقائع التي أوردتها الدراسة في مجال من أسمتهم
القوى الوطنية والمفكرين الاحرار والمستنيرين . ان كل أولئك – مع التحفظ على
اوصافهم المتبرع بها – كانوا موزعين أحزابا وجماعات استقطبتهم ، اما الأحزاب فكانت
الحزب الوطني ، وحزب الوفد ، وحزب الأحرار الدستوريين ، وحزب الشعب ، وحزب مصر
الفتاة ، وحزب السعديين ، وحزب الكتلة الوفدية ، وحزب الفلاح ، وجبهة مصر . أما
الجماعات فأقواها استقطابا وأعرضها شعبية كانت جماعة الاخوان المسلمين التي أنشئت
عام 1929 ، أي في ظل النظام البرلماني ، ويمكن أن تضاف جماعة الماركسيين الذين
حاولوا منذ 1929 ولم يحصلوا على شرعية الوجود كحزب . ونظيف من عندنا جماعة
"المستقلين" الذين لعبو أدوارا رئيسية في الحياة السياسية قبل 1952 على
تناقضات الأحزاب . ونضيف – لقطع كل جدل – جماعات المثقفين الذيم لم يهتموا
بالمشاركة الفعلية في اللعبة البرلمانية ولكنهم لعبوا أدوارا مؤثرة في صوغ أو
إعادة صوغ التصور الأمثل للديمقراطية ومكان النظام البرلماني من هذا التصور . أولئك
هم أساتذة الجامعات والخريجون الذين تبقى منهم في مصر ، والمتلقون علما وفكرا من
المعاهد الأوروبية وتجاربها الديمقراطية .
لسنا نتصور أن يستحق أي
شخص ممن يشملهم تعبير "القوى الوطنية والأحرار من المفكرين والمستنيرين"
نسبة الى هؤلاء ما لم يكن في موقع نسبة أو انتسابا الى أولئك .
والان نصفي .
12 – نستبعد أولا ما
يعرف بأحزاب الأقلية ، حزب الأحرار الدستوريين ، وحزب الشعب ، وحزب السعديين وحزب
الكتلة الوفدية . فأولئك هم الذين – بالتناوب أو بالتعاون – وعلى مدى المرحلة
التاريخية من 1924 حتى 1952 أهدروا الشرعية الدستورية من أجل تزييف التصور الأمثل
للنظام البرلماني . ففي عام 1928 عطل محمد محمود رئيس حزب الأحرار الدستوريين
بالاتفاق مع حلفائه ، الحياة النيابية لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد ابتداء من 19
تموز – يوليو 1928 ، واستند في ذلك الى ما جاء في البيان الرسمي لأسباب التعطيل من
أن الحياة النيابية أصبحت أداة لطغيان الأغلبية البرلمانية ، ولذلك عجزت تلك
الحياة النيابية عن تحقيق أخص ما يرجى من الاصلاحات المختلفة في المرافق العامة
للبلاد .
نتوقف هنا قليلا لنلاحظ
بانتباه شديد بدء اخضاع النظام البرلماني كمعيار للديمقراطية ، لمعيار اخر هو
اصلاح المرافق العامة للبلاد . ان هذه البداية لن تلبث أن تطرح على التصور الأمثل
للديمقراطية أن يختار أو يوفق بين النظام البرلماني وكفاءة الإدارة الحكومية . ثم
نستمر .
وفي عام 1930 ألغى
إسماعيل صدقي رئيس حزب الشعب وحلفاؤه دستور 1923 كلية واستبدله بدستور 1930 . هنا
عادت الحركة الشعبية الى التحرك إيجابيا للحفاظ على الشرعية واسترداد دستور 1923 ،
وتحقق لها هذا عام 1935 . نقول دفاعا عن الشرعية وليس دفاعا عن النظام البرلماني ،
فان الحركة الشعبية لم تدافع عن النظام البرلماني حينما عطله محمد محمود عام 1928
، ولم تدافع عن دستور 1923 لأنه دستور برلماني ، فان دستور 1930 ذاته كان دستورا
برلمانيا ، ولكنها كانت تدافع عن الشرعية الدستورية .
على أي حال مع بقاء
دستور 1923 ، وفي ظله ستستأثر أحزاب الأقلية هذه بأطول فترات الحكم ، وستدبر
انتخاباتها ، وستحصل على برلماناتها ، من دون أن تنكر – وهذا على أكبر قدر من
الأهمية – أن الوفد هو الحزب الذي تؤيده أغلبية الشعب ، فتقطع الصلة بين الحكم
والأغلبية في النظام البرلماني ، فتضرب أمثلة واقعية متتالية على وهن الصلة بين
النظام البرلماني والديمقراطية يكون له أثره الهائل في نقض فرص وجود هذه الصلة .
13 – ثم نستبعد ثانيا
الحزب الوطني وحزب مصر الفتاة وجماعة الماركسيين ، فتلك قوى كانت تنتمي فكرا أو
ممارسة الى ما يمكن أن نسميه "مجاملة" الخط الثوري ، أي أنها لم تكن
تؤمن أساسا بالبرلمانية ولم تكن تشارك فيها ، وكانت تفتقر الحضور الشعبي الذي
يؤهلها للمنافسة الانتخابية .
ثم نستبعد – ثالثا – حزب
الفلاح وجبهة مصر ، فتلك جماعات محدودة جدا من اليائسين الذين حاولوا أن يتحولوا
الى أحزاب قبيل ثورة 1952 ، ولم يسمح لهم الوقت بأن يوضعوا موضع الاختبار
البرلماني .
بقي الوفد وجماعة
الاخوان المسلمين . ولقد قام كل منهما بأقوى الأدوار أثرا في تكوين التصور الأمثل
للديمقراطية قبل 1952 ، وكانا معا يستقطبان الأغلبية الكاسحة من الوطنيين
والمفكرين الأحرار المستنيرين . وبالتالي يمكن أن تؤخذ أفكارهما في نظام الحكم
وعلاقات المؤسسات الدستورية والنظام البرلماني كمؤشرات للتصور الأمثل للنظام
الديمقراطي ، كما كان شائعا قبل الثورة بين الجماهير .
14 – أما عن الوفد فقد
كان منذ نشأته تحت قيادة سعد زغلول الى نهايته تحت قيادة مصطفى النحاس صاحب المبدأ
"الزعامة الفردية" والمدافع عنها . كان برلمانيا في مواجهة الملك ،
ولكنه كان في مواجهة الشعب وفصائل الحركة الوطنية وفي مواجهة قيادات الوفد وقواعده
وجماهيره ، يرفع صوته عاليا ويطبق بصراحة مبدأ " الزعامة الفردية" . كان
سعد زغلول هو "الزعيم" الذي لا تتقيد ارادته بقرارات حزبه ولا يخضع في
تكوين ارادته وتقريرها وفرضها لأي نظام داخلي أو أية أغلبية حزبية . وكذلك كان
مصطفى النحاس . لم يكن أي منهما يطبق البديهية الأولى من النظام البرلماني ، وهي
الخضوع لرأي الأغلبية الا اذا كان رأي الأغلبية مؤيدا لرأيه . أما اذا خالفته
الأغلبية فهو "الزعيم" الذي لا تجوز مخالفته . مثلا ، كانت قيادة الوفد
عام 1921 تتكون من سعد زغلول رئيسا وأربعة عشر عضوا . فلما اختلف الأعضاء مع
"الزعيم" أصدر قرارا منفردا بفصل عشرة أعضاء أي أغلبية القيادة . وفي
عام 1932 كانت قيادة الوفد تتكون من مصطفى النحاس رئيسا وأحد عشر عضوا . فلما
اختلف الأعضاء مع "الزعيم" أصدر قرارا منفردا بفصل ثمانية أعضاء ، أي
أغلبية القيادة .
المهم أن قرار كل منهما
قد نفذ فورا وأيدته جماهير الوفد من دون أن يعتد أحد أو يحتج بقواعد الأغلبية
والأقلية . احتج العقاد ففصل . ذلك لأن المنتمين الى الوفد أقوى عناصر الحركة
الوطنية والمفكرين الأحرار .. والمستنيرون من أعضائه لم يكونوا يتصوروا أن النظام
الأمثل للديمقراطية هو البرلمانية ، بل كانوا يتصورون فعلا أن النظام الأمثل حتى
للبرلمانية هو أن تدور لعبتها تحت رعاية وتوجيه وقيادة زعيم لا يخضع هو لها .
وبقد طرحت هذه
"الايديووجيا" في صحف الوفد . فنشرت الجريدة الوفدية كوكب الشرق يوم 3
كانون الثاني – يناير 1936 راي الوفد وتصوره لنظام الحكم الأمثل فقالت : "ما
خلت نهضة عامة من زعامة ولا أقفرت حركة وطنية من قيادة ولا قامت ثورة الا على
توجيه . ومن ثم كان للزعيم في الحركات القومية قداسة لا يمسها شيء ومقام لا ترتفع
اليه ظلال الشبهة وأوج لا يبلغه اتهام . ان الجماعات هي التي تختار زعماءها ولكن
الاختيار نفسه لا يلبث أن يحيط ذاته بالقداسة والتكريم الواجبين للمعنى المتمثل به
، فان الزعيم هو الجماعات نفسها في فرد ، كما أن الجماعات هي الفرد نفسه ممثلة فيه
" . وفي 10 أيلول – سبتمبر 1937 أراد
مصطفى النحاس أن يمهد لفصل محمود فهمي النقراشي في مواجهة معارضة الأغلبية فقال :
"ما كنت يوما من الأيام رئيس حزب أو هيئة بل زعيم أمة باسرها فمن خرج عليها
صبت عليه غضبها ، ومن وقف في طريقها كان كمن يقف أمام التيار الجارف يكتسحه فيلقيه
في قاع اليوم ، فلا يجد لنفسه مخرجا ولا الى الحياة طريقا " . وفصل النقراشي
بعد خطابه ذاك بيومين .
15 – وأما عن جماعة
الاخوان المسلمين ، فقد نشأت ونمت على أساس من نظام البيعة على السمع والطاعة
والتسليم الكامل للقيادة ، احتجاجا بقوله تعالى " فلا وربك لا يؤمنون حتى
يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما "
. ولقب رئيس الجماعة " المرشد العام" يوحي بما هو أكثر من الزعامة لان
مخالفته لا تعني شيئا أقل من الخروج على "الرشد" . ولم تكن الجماهير
العريضة المنتمية الى "الاخوان المسلمين" تتصور أي نظام أمثل للحكم من
دون مرشد عام ، ومن دون الالتزام بقراراته المرشدة .
16 – فاذا تركنا الأحزاب
والجماعات وذهبنا نفتش عن التصور الأمثل للنظام الديمقراطي حيث تدرس النظم وتصاغ
المعارف وتوجه العقول في الجامعات ، نجد أن جيلا كاملا تربى على ما كان يقدمه اليه
د. عبد السلام ذهني والدكتور وايت إبراهيم أستاذ القانون العام بكلية الحقوق . انه
الجيل الذي سيناط به تطبيق النظام البرلماني حتى الأربعينات . فنجد في كتبهما التي
كانا يلقيان منها الدروس أبوابا ثابتة بعنوان "مساوئ الديمقراطية
وأمراضها" ، ويعدّدانها فهي عشرة : (1) ضعف سلطة الحكومة ، (2) عدم توافر
الاكتفاء من رجال البرلمان ، (3) مرض الحزبية وما ينجم عنه من تفكك في قوى الأمة ،
(4) خطر النقابات ، (5) روح الاشتراكية الخطرة المتطرفة ، (6) ضعف الوسائل
البرلمانية واضرارها الحاضرة في تحقيق الأغراض البرلمانية ، منها الاطالة في
الكلام والفوضى في النقاشات وايثار المصالح الخاصة على المصالح العامة ، (7) تسرب
الفساد الى النظم الانتخابية ، (8) ضعف الرأي العام (9) أمية الشعب ، (10) عدم
ملاءمة النظام القائم لعقلية الشعب .
وعندما ينتقل الاستاذان
الى العلاج ينقلان الى طلابهما نقلا مطولا اراء علماء القانون العام في أوروبا من
عشرين مرجعا يحرصان على اثبات أسماء مؤلفيها على وجه لم يهتما بمثله في أي موضع
اخر كما لو كانا يروّجان لها عند الطلاب . ينقلان عن لوويل قوله : "لا بد في
سبيل المحافظة على كيان الدولة وحتى تستطيع معالجة ما ينزل بها من اضطراب أو قلق
من أن يكون هناك فرد في زعامتها يجمع في يده مزايا السلطات المطلقة " و
" وقد تكون هذه السلطة المطلقة للفرد ممقوتة في نظر فريق من الشعب ، وفي بعض
الظروف على أن جماعات الشعوب بوجه عام تميل الى تحييد ما تقفه الهيئات من مواقف
الحزم والجرأة ، وذلك فيما اذا سلمت الأمة بوجهة النظر السياسية القائمة" و
"لهذا وفي سبيل مقاومة أو تكميل الهيئة النيابية وما تحتمله من المسؤولية
الكبرى في الحكم السياسي للبلاد يجب أن يخلى مكان بجانبها كي يتسنى للهيئة
السياسية القائدة أن تأخذ قسطها هي الأخرى من المسؤولية الشخصية أو الأدبية وأن
يكون لديها من النفوذ بالقدر الذي تستطيع فيه معالجة ما يطرأ من الضغط أو المقاومة
" .
وينقلان عن لاسكي قوله :
"وقد ازداد الأخذ بهذا المبدأ بعد الحرب وذاع شيوعه وهو أن المسائل الكبرى تُحل
ويُبت فيها خارج البرلمان وبغير وساطته وأن يترك للسلطة التشريعية حق إقرار هذه
الآراء عن طريق الاقتراع عليها بلا أو نعم وبعد حصول مناقشة لم تخرج عن كونها
شكلية" و "مما لا شك فيه أنه يترتب على ذلك كله أن يضعف نفوذ النظام
النيابي وأن يأتيه قول من قالوا من قبل في أن النظام البرلماني أصبح بحال لا
يستطيع معها مواجهة المسائل الحيوية الخاصة بالدولة الحاضرة" .
وينقلان عن جيتزفتش قوله
: "ان السلطة التنفيذية القوية والقادرة المنتجة هي ضرورة لازمة للنظام
البرلماني" . وينقلان عن بارتيلمي : "ان هذه الأحزاب ان هي الا جماعات
تآكلتها الأضغان والأحقاد والمنازعات وعدم الوثوق ببعضها البعض والمشاجرات
البرلمانية" .
وينقلان عن شارل بينوا :
"ان قيمة رجال البرلمان أخذت في الهبوط من نحو خمسين عاما وفي كل وقت يحصل
فيه التجديد" . " فاذا ما آن أوان انتهاء مدة البقاء في البرلمان تولى
النائب وقتئذ خوف الفشل من العودة اليه . ولهذا فانه يطرق باب الوزراء حتى يضمن
لنفسه البقاء في البرلمان . وهم يشعرون بالحاجة اليه حتى يطمئنوا عن الاخرون الى
دوام الاستقرار في الوزارة . وكل من الطرفين يعطي مقابل أن يأخذ . ويأخذ في مقابل
أن يعطي ويستغله ناخبوه وهو يستغل الوزراء ّ .
17 وينتهي الاستاذان الى
تلقين طلبتهما الخلاصة في اخر دروس العام فيقولان : "ويستخلص مما تقدم ما
يأتي : ان الأنظمة السياسية أكثر الأنظمة القانونية اعتبارية وما يصلح لدولة قد لا
يصلح لدولة أخرى . بل ما يصلح لدولة معينة في زمن معين قد لا يصلح لنفس هذه الدولة
في زمن اخر . وان أحسن نظام سياسي ما كان أكثر انطباقا على استعداد الأمة وأكثر
ملاءمة لظروفها " . فنلاحظ انهما كانا قد ذكرا من بين امراض النظام القائم
حينئذ – في ظل دستور 1923 – المرض رقم (10) وهو "عدم ملاءمة النظام القائم
لعقلية الشعب واستعداده " . فهما يصرفان انتباه الطلبة الى البحث عن النظام
الملائم خارج الصيغة البرلمانية صرفا يكاد يكون صريحا . ثم يضيفان الخلاصة الثانية
: "والعبرة في كل نظام سياسي بالرجال الذين يقودونه ويحكمون أصوله ويعملون
على رفع شأنه ، فاذا لم يجد النظام السياسي رجالا أفذاذا يحفظونه من عبث العابثين
، انهار ذلك وتولى وحلت محله الفوضى" . (نقلنا ما تقدم من كتاب مجموعة رسائل
في الأنظمة الدستورية والإدارية الذي اشترك في تأليفه د. عبد السلام ذهني و د.
وايت إبراهيم بدلا من الرجوع الى المؤلفات المنفردة لكل منهما ، وقد كان هذا
الكتاب هو الذي يدرس في كلية الحقوق حتى عام 1940).
18 – عندما تقوم الثورة
في 23 يوليو 1952 سيكون قد شغل مركز الأستاذية لتدريس القانون العام في كلية
الحقوق الدكتور سيد صبري فيبادر الى مساندتها حتى قبل الغاء الدستور بمقال أحدث
أثرا هائلا عن "الشرعية الثورية" نشر في الاهرام يوم 27 تموز – يوليو
1952 . والدكتور عثمان خليل الذي سيقول "لقد أجمع الفقهاء الدستوريون على أن
أسوأ مظاهر الاستبداد هو الذي يأتي عن طريق مظاهر تمثيلية أو نيابية وأنه استبداد
معسول يستبد بالشعب باسم الشعب .
19- لم يكن أساتذة
القانون في الجامعة هم وحدهم الذين يصوغون التصور الأمثل لنظام الحكم صيغة غير
برلمانية ، وان كان أثرهم عظيما في تكوين معيار المفكرين الأحرار والمستنيرين من
خرجي الجامعات قبل 1952 ، بل دخل صاغة الفكر خارج الجامعات يعبرون بالأدب والفن عن
مرارة التجربة البرلمانية التي تجري ، اما بالخروج عليها كما فعل العقاد واما
بالهجوم عليها كما فعل توفيق الحكيم ، ولقد كان الحكيم أقوى أثرا في صوغ التصور
الأمثل للديمقراطية وعلاقته بالنظام البرلماني . ولقد أنشأ من أجل ذلك كتابه الذي
نشر تحت عنوان شجرة الحكم عام 1938 في شكل مسرحية مباشرة التعبير . وقدم لطبعة
جديدة منه بقوله : "ان الحكم المثالي ، في واقع الأمر ، ليس في المبادئ المثالية
، بل في الأشخاص المثاليين " . وكأنما اتخذ من جمال الأداء الفني للمسرحية
وسيلة لإغراء القرّاء على أن يقتنعوا برأيه القائل : "ان النظام البرلماني في
مصر هو الأداة الصالحة لتخريج الحكام غير الصالحين" . وأيّده بمقال نشر في
عام 1938 تحت عنوان "لماذا أنتقد النظام البرلماني" .. نقل فيه الى
قرّاء مسرحيته أن السيد فلاندان رئيس وزراء فرنسا الأسبق قد نشر في صحيفة كانديد
بتاريخ 28 تموز – يوليو 1938 : "ان البرلمان الفرنسي لم يعد له في البلاد
اعتبار ، فقد كف عن مراقبة أعمال الحكومة بالمعنى الحقيقي " . ونقل اليهم قول
السيد أندريه تارديو رئيس وزراء فرنسا في جريدة جرنجوار في 17 تشرين الثاني –
نوفمبر 1938 : "الحقيقة هي ان كل أزماتنا الاقتصادية والمالية ليست الا ثمرة
نظامنا السياسي ، ثمرة تلك الحرفة البرلمانية تجمع في نفس الوقت بين الاستبداد
والعبودية " .
ثم يقول الحكيم : "خير
مصر والبلاد الشرقية في محيطها الصغير ، وخير العالم كله بدوله الكبرى والصغرى في
محيطها الكبير ، يتوقف على ظهور حفنة من رجال نسوا في لحظة من اللحظات ، أبهة
أشخاصهم وسيادة دولهم ليعملوا خالصين مخلصين لتحقيق المبادئ المثالية على الأرض
بما تحويه من عدالة وحق وتعاون ومحبة واخاء " .
20 – لقد كان كل أولئك
أبناء عصرهم ولقد كان عصرهم الذي بدأ بالحرب الأوروبية الأولى هو عصر "أزمة
النظام البرلماني" في كل العالم ، وهو غير منكور . ولم يكن للحركة الوطنية
والمفكرين الأحرار والمستنيرين في مصر أن يصوغوا تصوراتهم ويتخذوا معاييرهم للنظام
الديمقراطي الأمثل نظاما برلمانيا تدينه الدنيا كلها في ذلك الوقت ، غير أن التراث
العربي كان يطرح على الحركة الوطنية والمفكرين والاحرار والمستنيرين البديل عن
النظام البرلماني أو القرين الأعلى للنظام البرلماني . انه الزعيم أو
"المستبد العادل" كما أسماه محمد عبده في مطلع القرن . وفي مصر بالذات
كان نموذج محمد علي على رأس فرنسان أحلام جيلنا في المستبد العادل . وكان اخرون
كثيرون يقدّمون عمر بن الخطاب نموذجا لما يتمنون . وقبل أن تنشب الحرب الأوروبية
الثانية كان النظام النازي والنظام الفاشي يدرّسان باستفاضة في كلية الحقوق من بين
النظم الإصلاحية اللازمة لتقدم الأمم وحل أزمة النظام البرلماني .
ولنا على ذلك شهود من
المعاصرين ..
21 – أحدهما الأستاذ
احسان عبد القدوس الذي كان يعبّر عن جيل ثورة 1952 قبل أن تقع ويدعو لها ويحتل
مكانا مؤثرا في الاتجاه الفكري للحركة الوطنية النامية . كتب بعنوان "ان مصر
في حاجة الى دكتاتور .. فهل هو علي ماهر" ، تحمّس فيه للدفاع عنه لأنه يُعتد
برأيه الى حد لا يسمح معه للوزراء بالتفكير ثم قال : "ومصر تقبل معه أن يعتد
برأيه الى حد أن يصبح ديكتاتورا للشعب لا
على الشعب .. ديكتاتورا للحرية لا على الحرية ، ديكتاتورا يدفعها الى الامام ولا
يشدها الى الخلف " .
ويقول أحمد حمروش في
كتابه قصة ثورة 23 يوليو : "في هذه المرحلة أيضا (يقصد مرحلة ما قبل الثورة )
كانت صيحة المناداة بالحاكم المستبد العادل قد علت وترددت ووصلت الى الذروة سواء
في الخارج أو في الداخل " . نشر الكاتب الأمريكي ستيوارت أليسوب مقالا في
صحيفة شيكاغو صن تايمز يقول فيه : "ان الحديث عن انعاش الديمقراطية في بلد
كمصر يعيش فيه أغلبية الشعب عيشة أحط من عيشة الحيوانات لغو فارغ . ان مصر لا
تحتاج الى ديمقراطية بل تحتاج الى رجل فرد . الى رجل ككمال أتاتورك ليقوم
بالإصلاحات الضرورية اللازمة للبلاد . لكن مشكلة مصر في كيفية العثور على
الدكتاتور فليس بين رجالها من لديه المؤهلات اللازمة للديكتاتورية " .
22 – وبعد ، فبعد ثلاثين
عاما من قيام ثورة 1952 نجتمع الان لنعبر جميعا بصيغ شتى عن رفض الديكتاتورية
والدفاع عن الديمقراطية ، فنعرف من أنفسنا أن المعيار الأمثل للديمقراطية عندنا
يكاد يكون مناقضا للمعيار الأمثل في فترة ما قبل الثورة .. وتبدو فكرة المستبد
العادل فكرة ساخرة أو جديرة بالسخرية . وقد تعود أحلام بعضنا الى المعيار
البرلماني ، وكل هذا قابل للحوار من أجل الوصول المشترك الى معيار متفق عليه هو
بالضرورة الزمنية ، معيار للمستقبل . ولا شك في ان التجربة التاريخية بالغة الثراء
التي ارتبطت بثورة 1952 عامة وبعبد الناصر خاصة ، ثم بالردة عليها من بعد وفاته
بشكل أخص ، تمدنا بأسباب واقعية للوصول الى معيار أفضل من معايير الأجيال التي
سبقتنا ، ليس مقبولا منا أن نهدرها من أجل راحة القناعة بمعايير لفظية مجردة .
أقل من هذا قبولا ، ان
نسقط معاييرنا الانية على مرحلة تاريخية سابقة ، وأن نسند الى الواقع التاريخي ما
ليس منه ، لا لأننا نريد أن نصل الى شيء مفيد للديمقراطية في مستقبل الوطن العربي
، ولكن لنعطي أنفسنا الحق في أن ندين ثورة 23 يوليو بأنها أقامت أركانها في مواجهة
معيار جماهيري شائع مستقر من قبلها ، فنهدر كل دلالة التأييد الشعبي الكاسح للثورة
ولقائدها على مدى عمرها . ثم نتمادى الى درجة أن نقول عن الغاء النظام الملكي انه
اغتيال سياسي . وهو قول لا يُردّ الا بأن لا حول ولا قوة الا بالله .
الفصل
الثالث عشر : تجربة الديمقراطية في الأردن .
مقدّم
البحث : د. جمال الشاعر (البحث في كتاب الندوة ص 683 (PDF))
النقاش : الدكتور عصمت سيف الدولة :
نشكر الباحث والمعلقين
من الأردن على ما وضعوه أمامنا من معلومات كانت مفتقدة يحتاج التعليق عليها الى استيعاب
ودراسة . وانما أقصر تعليقي على ايحاءات الدراسة كما جاءت في النهاية بحلها .
والايحاء بحل بالغ الأهمية ، لأن البحث عن حل هو المبرر المشروع لطرح المشكلات .
يقول الباحث : "في غياب المؤسسات القومية العربية سواء في الاشكال القانونية
كالجامعة العربية أو مؤتمرات القمة الفاعلة فإننا نعيش اليوم سلطانيات في كل قطر
عربي" . ان هذا القول قد يوجه اتجاهنا الى الحل في الجامعة العربية ومؤتمرات
القومة ويحرفنا عن الاتجاه الى الحل الصحيح ، وهذا خطر . ولي عليه ملاحظتان ،
أولاهما : انني كنت أتوقع من الباحث بالذات أن يظن بنسبة القومية الى الجامعة
العربية ومؤتمرات القومة ، لأنه أعلم منا بأننا ، ان كنا جميعا عربا فلسنا جميعا
قوميين . القوميون قوة ، قد يكونون قلة ، يربطون بين أفكارهم ومسالكهم وبين هدف
الوحدة برباط وثيق . دولة الوحدة بدلا من جامعة الدول ونقيضها . وحدة القمة بدلا
من تعدد القمم ونقيضه .
أما الملحوظة الثانية
فهي أنني أعتقد أن الحل الموحى به مستحيل موضوعيا . فالجامعة العربية ومؤتمرات
القمة لن تحررنا من السلطنات ، لأن الجامعة العربية هي جامعة السلطنات ومؤتمرات
القمة هي مؤتمرات السلاطين . انما الحل هو المؤسسة الجماهيرية القومية الديمقراطية
في مواجهة وضد السلطنات والسلاطين .
الفصل
الرابع عشر : الديمقراطية وتجربة الحزب الواحد في الوطن العربي .
مقدّم
البحث : د. مصطفى الفيلالي . (البحث في كتاب الندوة ص 745 (PDF))
تعليق د.عصمت
سيف الدولة .
أوافق الباحث على ما
قاله من أن تحقق الديمقراطية ليس متعلقا بالتعدد الحزبي أو الحزب الواحد . وقد مر
شعبنا العربي في مصر – ونحن معه – بالتجربتين . ولا استطيع أن أقول صادقا ، أن
الديمقراطية كانت متحققة الان قي ظل التعدد بشكل خاص . فالواقع انها مفتقدة بدرجات
متفاوتة في التجارب الثلاث .
أين يقع التعدّد الحزبي
والواحدية الحزبية من مشكلة الديمقراطية ؟ فعلى المستوى الاجتماعي ، يستحيل الحزب
الواحد ، الا اذا افترضنا فرضا غير انساني وهو اتفاق الناس جميعا على رأي واحد في
الشؤون العامة . التعدد اذن موجود اجتماعيا بقدر التقدم الحضاري لأي مجتمع . أما
الواحدية فلا توجد الا على المستوى الحقوقي ، أي السماح السلطوي لأحد الأحزاب بأن
يمارس علنا نشاطه الحزبي . وبالتالي فان تقويم الحزب الواحد في علاقته
بالديمقراطية لا يجوز أن يكون بالرجوع اليه ، اذ أنه لا يشكو مشكلة ديمقراطية .
أما الذين يشكون من مشكلة ديمقراطية فهم الجماهير المنتظمة فعلا في أشكال حزبية
ممنوعة من الممارسة العلنية ، أو الراغبون في الانضمام الى مؤسسات حزبية وهم امنون
. ان الحزب الواحد هنا يعتبر عقبة في سبيل الديمقراطية بصرف النظر عن إنجازاته .
هذه قضية يمكن الدفاع
عنها . أما الربط المطلق بين التعدد والديمقراطية فهي قضية أخرى لا يمكن الدفاع
عنها . فالعبرة بالتعدد ، مدى مطابقته للاتجاهات المختلفة في المجتمع الواحد ، اذ
هو تعبير عن الاختلاف . والاختلاف بين الاتجاهات المتعددة هو مقدمة للصراع
الاجتماعي الذي يعوق التطور الاجتماعي ، الى أن يصفي بعض الاتجاهات البعض الاخر .
وهو صراع لا بد منه متى تحققت واقعيا أسبابه الاجتماعية ، لا بد منه سرا أو علنا
سلميا أو بالعنف . هنا يأتي الحل الديمقراطي الذي يمثل أسلوبا تقدميا اجتماعيا ،
وليس فقط صيغة سياسية ليبرالية . ان حرية ظهور الاتجاهات الاجتماعية المختلفة في
أشكال حزبية علنية ، واستبدال الصراع السري في غياب حَكَم الى صراع علني يحكم فيه
الشعب . في هذا الصراع ، سيكون من الأهداف الرئيسية لأي حزب تصفية الأحزاب
المختلفة معه عن طريق استقطاب الجماهير دونهم أو حتى استقطاب قواعدهم وكوادرهم ،
وهي عملية ديمقراطية تؤدي الى الحد من التعدد . التعدد اذن ليس قيمة ديمقراطية في
ذاتها ، ولكن قيمة الديمقراطية تكمن في أنها السبيل الى التعدد اللازم موضوعيا
واجتماعيا من دون عنف .
الفصل
السادس عشر : من أين نبدأ ؟ .. وما العمل ؟.. (ندوة مفتوحة)
الدكتور عصمت
سيف الدولة :
ما العمل ؟ الحل هو دولة
الوحدة الديمقراطية . من أين نبدأ ؟ من الواقع كما هو . القضية بسيطة جدا ، وقد
مارستها كل الشعوب ، من الممكن الى ما يجب ان يكون . نحن نلتزم بما يجب أن يكون ،
ثم نحاول الممكن في زمانه ومكانه ، في عناصره الموضوعية والذاتية .
الممكن بالنسبة الينا
هنا ، هو أن نتفق على الحد الأدنى من المفاهيم التي عرضت . وعندي أن نبدأ من دولة
الوحدة ، حتى من مفهوم ليبرالي ، اذا كان هذا السبب هو الذي يجعلني ألتقي مع
ليبرالي يلتزم الوحدة ، ثم نترك للتجربة أن تصحح مفاهيمي ومفاهيمه .
أما الصعوبة ، فهي
الممكن من حيث الواقع ، سنفترق وسيصل كل منا الى بقعة في الوطن العربي، ليس هي فقط
جزءا من الوطن ، انما عليه بناء إقليمي كما قال احد المشاركين ، في درجة تطور
معينة وفي مشكلات معينة من تيار إسلامي وشيوعي وغيرهما . وهذا لا يعتبر عقبة ،
سواء أكنا وحدويين أو غير وحدويين ، فان منهاج النجاح هو الواقعية . علينا ان
نلتزم جميعا ، أيا كانت أفكارنا من الحد الأدنى ، ان كانت المهمات الموضوعية
المطروحة علينا في الأماكن التي نناضل فيها ، سنناضل من الصفر أو من دون الصفر ،
تحت الالتزام الواضح المحدد نحو دولة الوحدة ، ولا يعنينا بعد ذلك متى ستتحقق دولة
الوحدة .
ما دمنا نختار دولة
الوحدة ، فنحن نختار مجتمعا ، وما دمنا نعمل وسط الجماهير ، فهو عمل اجتماعي .
الأداة المناسبة التي تفرضها طبيعة العمل ، أن يكون العمل جماعيا منظما . فهو لو
استطعنا أن نحقق أي عمل جماعي تحت أي شكل ، ولكن شريطة أن يتوجه نحو هدف استراتيجي
. فعندئذ سوف يكون لكل واحد منا مطلق المرونة في أن يعالج الموقف المرحلي أو
التكتيكي من حيث هو ، من دون أن تفرض عليه أية صيغة معينة .
الفصل
الخامس عشر : الديمقراطية والحدة العربية .
مقدّم البحث
: د. عصمت سيف الدولة .
قبرص من
26 الى 30 تشرين الثاني 1983 .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق