القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 6 مايو 2025

الانحياز لإسرائيل .

 

الانحياز لإسرائيل .

د. عصمت سيف الدولة .

العربي العدد 742 بتاريخ 28 يناير 2001 .

فيما وراء حدود مصر الدولة ، شرقا وغربا وشمالا وجنوبا ، عالم كامل من الدول والشعوب والأمم المتراصة .. ويصدق هذا على كل دولة في الأرض . فإلى أي مدى يمكن أن تمتد سيادة وإرادة أي دولة ؟ ..

تمتد سيادتها الى حدود اقليمها البري والبحري فقط لا تتجاوزه . وتمتد ارادتها الى رعاياها فقط لا تتجاوزهم . وأقصى ما يمكن أن تطمح اليه طموحا شرعيا أن تكون لها – وحدها – السيادة الكاملة على اقليمها كله ، وأن تكون ارادتها وحدها هي المؤثرة في شؤون رعاياها كلهم ، حينئذ تكون دولة مستقلة ذات سيادة . أما اذا مدت سيادتها الى ما وراء حدودها أو مدت ارادتها الى غير رعاياها فهو تجاوز تختلف أوضاعه تبعا لمضمونه وجسامته . فقد يكون تدخلا في شؤون الدول الأخرى ، وقد يكون اعتداء ، وقد يكون احتلالا ، وقد يكون حربا .. وفي كل هذه الحالات يكون عدوانا غير مشروع .

على أساس ما تقدم كان الذين قبلوا ووقعوا اتفاق 26 مارس 1979 يستطيعون الاحتجاج على أي نقد يأتي من خارج مصر بأن مصر قد تصرفت في حدود اقليمها ، وأن من حقها كدولة مستقلة ذات سيادة أن تختار لنفسها ، وأن ليس للدول العربية ولا لغيرها ، أن تتدخل في شؤونها الداخلية أو أن تفرض عليها مواقف لا تريدها ، وأنها اذا نقضت الاتفاقات والمواثيق والقرارات الجماعية التي كانت تربطها بالدول العربية لم تفعل شيئا أكثر من ممارسة سيادتها والتعبير عن استقلالها بإرادتها . اذ لا يخفى على أحد أن التزام أية دولة بمواثيق أو اتفاقات أو معاهدات أو علاقات لمدة غير محدودة ، وحرمانها من المقدرة على التحلل منها بإرادتها المنفردة ، يمس صميم استقلالها وحريتها في أن تختار لنفسها ما تريد في الوقت الذي تريده .

وكان من الممكن أن يكون هذا المنطق قابلا للدفاع عنه دفاعا تسانده الشرعية الدولية والشرعية الدستورية معا . وكل ما يمكن مطالبة الذين قبلوا ووقعوا اتفاق 26 مارس 1979 حينئذ هو ألا يغضبوا اذا استعملت الدول العربية أو اية دولة أخرى ذات المنطق في تحديد مواقفهم من مصر الدولة فقطعوا علاقاتهم بها سياسيا أو اقتصاديا أو ثقافيا . ولسنا نشك لحظة في أن دولا عربية كثيرة كانت ستبقى "صامتة" أو ستعود بعد الانقطاع الى "وصل" علاقات جديدة مع مصر الدولة وستردد حججا يبدو عليها وقار "الحكمة والتعقل" : .. والله نحن لا نتدخل في شؤون مصر الداخلية ، ولقد اختارت مصر لنفسها ما لم نكن نتمناه لها ولكنها – والحق يقال – لم تتدخل في شؤوننا .. صحيح أنه لم يكن هذا هو المنتظر من مصر "الشقيقة الكبرى" ولكن قد وقع ما وقع فلا داعي للقطيعة . ثم ان مصر قد خرجت "من" الاجماع العربي ولكنها لم تخرج "على" الاجماع العربي . فلماذا طال عمرك ، لا نعاملها ونتعامل معها كما نعامل ونتعامل مع دول كثيرة سبقت الى الاعتراف بإسرائيل ؟.. ولماذا نحمّل مصر أو نتوقع منها البقاء في الصف العربي دائما ؟ لا تنسوا – يا اخوان – ان مصر حديثة العهد بالعروبة ، بل لم نكن ندخلها ضمن الدولة العربية التي قامت من أجلها الثورة العربية الكبرى عام 1919 .. وحتى لو كانت مصر عربية ، وهي بالقطع عربية - هكذا يقول فريق اخر – فان الوعي القومي في مصر يفتقد للعمق ، ولقد فجره حديثا المرحوم جمال عبد الناصر ولم تمتد جذوره الى أبعد مما سمحت فترة حكمه ، وبالتالي فان جدارة مصر بالقيادة العربية تفتقد الأسباب الموضوعية والوعي العقائدي والحس الثوري الذي تتطلبه معركة العروبة . ولقد قدم اتفاق 26 مارس 1979 ذاته دليلا من الواقع بصحة هذا الذي نقول . بل لعله اذ كشف للأمة العربية بالرغم من مرارة الكشف انها كانت تتبع قيادة غير مؤهلة موضوعيا ، قد صحح المسيرة العربية أو أتاح فرصة "تاريخية" لتصحيحها ليقودها في نضالها القومي المؤهلون الحقيقيون لقيادتها .. ومن ثم فلا داعي لاستمرار القطيعة ، ومن أجل شعبنا العربي في مصر فان الامة العربية بخير ولم تخسر شيئا كثيرا بخروج مصر من الاجماع العربي الى اخره ..

لا شك لحظة في ان شيئا مثل هذا كان سيقال تمهيدا للعودة الى وصل ما انقطع من علاقات مصر الدولة بالدول العربية او بعض الدول العربية ، لا لأن مثل هذا قد قيل علنا على اثر زيارة رئيس الجمهورية للقدس المحتلة ولكن لأنه يقال خفية على نطاق أوسع من ساحات الدول التي يقال لها "معتدلة" ومصدر العلم بما هو خاف ما نعرفه من تاريخ قريب وهو أن حكومات عربية كثيرة أبعد ما تكون عن "البراءة" ، ممّا مهّد وساعد على أن تنتهي الأمور الى قبول وتوقيع رئيس جمهورية مصر العربية اتفاق 26 مارس 1979 .

وسنعود الى هذا الموضوع الخطير فيما بعد ، نحن نتابع الان منطق الإقليمية المصرية .

المهم أن لو حدث هذا لما خسرت مصر الدولة كثيرا مما كانت تحصل عليه من بعض الدول العربية ولكنها لم تفعل ، فقد تجاوز اتفاق 26 مارس 1979 حدود مصر وامتدت إرادة الذين وقعوه الى ما يتجاوز الحدود المشروعة لإرادة مصر الدولة وذلك على الوجه التالي:

الاعتراف

تنص المادة الأولى فقرة 2 من الاتفاقية الرئيسية على أنه "عند إتمام الانسحاب المبدئي المنصوص عليه في الملحق الأول (بعد ستة اشهر من تبادل وثائق التصديق على المعاهدة) يقيم الطرفان علاقات طبيعية وودية بينهما طبقا للمادة الثالثة فقرة 3" وتقول المادة الثالثة فقرة 3 : "يتفق الطرفان على أن العلاقات الطبيعية التي ستقام بينهما ستتضمن الاعتراف الكامل " .

هذا النص يتضمن ردا نرجو أن يكون مقنعا لكثيرين ممن هاجموا او دافعوا عن مواقف وقرارات رئيس الجمهورية قبل توقيع اتفاق 26 مارس 1979 ، ولنبدأ بالذين هاجموه .

لقد قيل وتردد بكل الصيغ ـ ان رئيس الجمهورية اذ قبل فض الاشتباك الأول والثاني ، وإذ زار القدس ، وإذ فاوض إسرائيل في كامب دايفيد ، وإذ وقع اتفاق 26 مارس 1979 تكون مصر قد اعترفت بإسرائيل . هذا النص يقدم ردا على ما قيل وتردّد فهو اتفاق الطرفين أي بإقرار من إسرائيل نفسها ، يؤجل الاعتراف الكامل بها الى ما بعد تسعة اشهر من تبادل وثائق التصديق على المعاهدة ويعلقه على شرط إتمام الانسحاب المبدئي . وهذا يعني أنه الى ان يتم الانسحاب المبدئي في موعده لا تكون مصر قد اعترفت بإسرائيل ولو كانت الولايات المتحدة الامريكية أو الصهاينة يعرفون أن مصر قد اعترفت بإسرائيل قبل 26 مارس 1979 لما همّهم ولما أصرّوا على أن تلتزم مصر بالاعتراف بإسرائيل بنص صريح في الاتفاق . ولو كانت حكومة مصر تعرف انها قد سبق لها أن اعترفت بإسرائيل قبل 26 مارس 1979 لما علقت اعترافها - بنص صريح – على شرط وحدّدت له موعدا في المستقبل . كل ما يمكن أن يقال الان ان ما حدث قبل 26 مارس 1979 كان اعترافا "واقعيا" أي اعتراف بواقع ، او اعترافا "ضمنيا" ، اعترافا قانونيا "ضمنيا" وأن إسرائيل كانت تريد الاعتراف القانوني الصريح وقد حصلت عليه أخيرا . ومع ذلك فان مثل هذا القول يمكن الرد عليه بالإضافة الى أنه لم يعد مفيدا الان . لقد كان نقد الاعتراف "الضمني" مقيدا للتحذير من مخاطر الاستدراج الى الاعتراف الصريح .. أما وقد أصبح الأمر أمر اعتراف كامل صريح فلا فائدة في إعادة المناقشة في الدلالة القانونية للتصرفات السابقة وقد نعود الى دلالتها السياسية فيما بعد .

ولكن هذا النص يردّ ردّا أكثر اقناعا على الذين دافعوا ويدافعون عن "الاعتراف" بإسرائيل . يقولون أن إسرائيل أمر واقع لا يستطيع عربي أو غير عربي أن ينكره . والا فضد من كان يناضل العرب ويحاربون منذ 1948 ؟ .. ومن الذي طرد العرب من فلسطين ومن الذي يمنعهم من العودة ؟ ومن الذي هزم الجيوش العربية أعوام 1948 و1956 و1967 ؟ ومن الذي احتل سيناء والضفة الغربية والمرتفعات السورية ؟ ومن الذي كان يفاوض العرب في رودس ؟ ومن الذي اعترف به أغلب دول العالم ؟ ومن الذي يجادل العرب في هيئة الأمم المتحدة ويشتكيهم فيدافعون أو يشتكونه فيدافع أمام مجلس الأمن الدولي ؟ ومن هو الطرف الاخر في قرار 242 ؟ .. الى اخره .. ليس ثمة أية أوهام في شأن وجود إسرائيل فان العرب لم يتعاملوا خلال ثلاثين عاما مع أشباح . وما دامت موجودة فليعترف العرب بها . بل ان العرب قد اعترفوا بها في الحقيقة منذ أن وجدت وكان أول اعتراف بها في اتفاقيات الهدنة في رودس . ثم انهم يعترفون بها كل يوم عندما يتحدثون عن "الحرب" مع إسرائيل ، وحالة الحرب مع إسرائيل ، بل هم يملأون الدنيا صراخا لأن مصر انهت "حالة الحرب"  مع إسرائيل لأن حالة الحرب لا تقوم الا بين دول .. الى اخره ..

الواقع ان الرد على كل هذا قد جاء في اتفاق 26 مارس 1979 . اذ كان مجرد أن إسرائيل موجودة كأمر واقع وأن أغلب دول العالم قد اعترفت بها .. الى اخره ، يعني أو يقتضي اعتراف مصر بها ، فلماذا الالتزام بالاعتراف بها في موعد محدد في المستقبل وبالشروط الواردة في اتفاق 26 مارس 1979 ؟ .. واذا حدث ما يحول دون تنفيذ هذا الاتفاق قبل أن يتم الانسحاب المبدئي فهل يقال أيضا أن مصر – على أي حال – معترفة بإسرائيل لأنها أمر واقع أو لأن أغلب الدول معترفة بها ، أو لأنها كانت معها في "حالة حرب" .. أو حتى لأنها وقعت معها "معاهدة" وان كانت لم تنفذ .  

أين الحقيقة وأين المغالطة في كل هذا الذي يقال اتهاما ودفاعا ؟

الحقيقة أن إسرائيل موجودة على أرض فلسطين كأمر واقع لا يمكن انكاره أو تجاهله . بل لعل تجاهله هو السبب الأساسي في كل ما أصاب العرب من كوارث منذ أن وجدت إسرائيل . أما المغالطة فهي في القول بأنها ما دامت موجودة فيجب "الاعتراف" بها . ذلك لأن "الاعتراف" تصرف قانوني تكسب به الدولة المعترف بها شرعية الوجود في مواجهة من اعترف بها فقط . نقول من اعترف بها فقط لأن الاعتراف مثله مثل كافة التصرفات الدولية لا يلزم الا الدولة التي يصدر منها ، ولا تترتب عليه اثار الا في مواجهتها ولا يضار منه الذين لم يصدر عنهم . ونقول "تكسب به الدولة المعترف بها شرعية الوجود" لان التعامل السياسي والاقتصادي والتجاري والمالي والثقافي .. الخ ممكن بدون اعتراف ، ولقد بقيت مجموعة من الدول دهرا تتعامل مع جمهورية الصين الشعبية بدون أن تعترف بها . انه ما يسمى "الاعتراف الواقعي" أي التعامل مع أمر واقع غير منكور ولكن بدون "الاعتراف" بشرعية وجوده . كما أن "الاعتراف" بشرعية الوجود لدولة ما لا يستتبع بالضرورة التعامل معها سياسيا أو اقتصاديا أو تجاريا أو ماليا أو ثقافيا وذلك في حالة قطع العلاقات . ومثالها مصر الان ، ان علاقاتها مقطوعة مع أغلب الدول العربية ولكن الاعتراف بها ما يزال قائما ونعتقد أنها ما تزال تعترف بالدول العربية التي قطعت علاقاتها معها .

على هذا الأساس نستطيع أن نعرف الدلالة الحقيقية لما جاء في اتفاق 26 مارس 1979 من التزام مصر بالاعتراف بإسرائيل . ان الاتفاق يلزم مصر بأن تعترف بشرعية إسرائيل . وما معنى هذا ؟ .. معناه ان الاتفاق يلزم مصر بأن تعترف بأن إسرائيل هي صاحبة الحق الشرعي في ارض فلسطين . وما الذي يهم العرب ما دام المسلّم أن إرادة الدول لا تمتد الى ابعد من اقليمها ورعاياها وأنها لا تلزم الا نفسها وأنه لا أحد يضار مما تفعل ما دام ليس طرفا فيه ؟ .. ما الذي يضير العرب من فعل لا تمتد اثاره اليهم ؟

قلنا في البداية أننا لا نتحدث عما يضر أو ينفع أحدا خارج مصر . فلا مبرر للحديث عما يضر العرب من اعتراف مصر بإسرائيل . وقلنا أننا سنحصر انتباهنا فيما يضر أو ينفع مصر . فلنبق في هذه الدائرة مهما تكن ضيقة . ولنعرف الى أي موقع حمل اتفاق 26 مارس 1979 مصر ، أي ما هي اثار الاعتراف بإسرائيل في موقف مصر من الصراع العربي الصهيوني .

جوهر الصراع العربي الصهيوني هو لمن ارض فلسطين . منذ عشرات القرون وهي للشعب العربي ثم غزاها الصهاينة بحجة أنها ارضهم وأقاموا عليها دولة اسموها "إسرائيل" وما يزال الصراع دائرا بين العرب والصهاينة حول هذا الجوهر . الشعب العربي الفلسطيني ثار وهُزم وطُرد وتشرّد ثم عاد فتجمّع وقاتل وما يزال يقاتل من أجل "استرداد ارضه" فلسطين السليبة كما يعبرون عنها . والدول العربية ، كل دولة عربية ، تدعم نضاله أو لا تدعم ولكنها تقر له بحقه المشروع في ارضه فلسطين فلا تعترف بإسرائيل . وكل دولة اعترفت بإسرائيل أو تعترف بها تقر لها بحق مشروع في ارض فلسطين ، وبالتالي تنكر على الشعب العربي الفلسطيني أي حق في أرض فلسطين . ذلك لان الموقف لا يحتمل الحياد . فالصراع يدور حول ارض واحدة اسمها فلسطين بين طرفين كل منهما يقول أنه صاحبها الشرعي . الشعب العربي الفلسطيني من ناحية والصهاينة من ناحية أخرى . فمن يعترف بإسرائيل يحدد موقفه من كل من الطرفين ، اما مع هذا واما مع ذاك . اما مع الشعب العربي الفلسطيني واما مع الصهاينة . ولما كان الصراع ما يزال قائما ، اذ لم "يعترف" الشعب العربي الفلسطيني بإسرائيل ولم يقبل اية وثيقة أو قرار دولي أو عربي يتضمن هذا الاعتراف ، فان قرار الاعتراف يتضمن تلقائيا وبالضرورة الانحياز الى الصهاينة ضد الشعب العربي الفلسطيني في الصراع حول الأرض لمن تكون . ولما كانت الدول العربية الأخرى ، كل الدول العربية الأخرى ، منحازة الى الشعب العربي الفلسطيني انحيازا حده الثابت والمشترك عدم الاعتراف للصهاينة بحق مشروع في ارض فلسطين وهو ما يعني تلقائيا وبالضرورة حق الشعب العربي الفلسطيني المشروع في أرضه فان الاعتراف بإسرائيل يمثل بالنسبة الى الدول العربية موقفا معاديا . وليس بين الموقفين مساحة لموقف محايد بحكم الطبيعة الخاصة للصراع ذاته .

ومن هنا لا يستطيع أحد أن ينكر على الذين قبلوا ووقعوا اتفاق 26 مارس 1979 أنهم ألزموا مصر ، ومصر فقط ، بالاعتراف بإسرائيل ، وأن على الفلسطينيين أو العرب ان يقبلوا أو يرفضوا اتفاق ما جاء خاصا بهم في اتفاق كامب ديفيد التي يحيل عليها اتفاق 26 مارس 1979 . لا يستطيع أحد أن ينكر عليهم هذا ، بالعكس ، ان أحدا في العالم ، وبخاصة العرب الفلسطينيين ، لا يجهل أن اتفاق 26 مارس 1979 غير ذي أثر الا بالنسبة الى من قبلوه ووقعوا عليه . ولكن أحدا أيضا لا يستطيع أن ينكر أن الذين قبلوه ووقعوا عليه قد انتقلوا به من موقع الانحياز الى الشعب العربي الفلسطيني ضد الصهاينة الى موقع الانحياز الى الصهاينة ضد الشعب العربي الفلسطيني انحيازا ثابتا حده الأدنى الاعتراف بإسرائيل .

هكذا نرى كيف أن اتفاق 26 مارس 1979 لم يقف عند حد الخروج "من" الاجماع العربي ، بل تجاوزه الى الخروج "على" الاجماع العربي ، ومواجهته في صف واحد مع الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل ..

وليس هذا هو كل ما في الانحياز من مواقف ..

الشروط :

قبل زيارة رئيس الجمهورية للقدس (19 نوفمبر 1977) كانت الضغوط الدولية التي لم تتوقف منذ يونيو 1967 قد انتهت الى أسلوب "يحفظ ماء الوجه" ويجمعهم على مائدة مفاوضات دولية تشترك فيها الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفياتي ويرأسها الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة تدور في جينيف تحت علم الأمم المتحدة واسمه مؤتمر جينيف . وبينما رفضته دول عربية لم يكن مطلوبا منها حضوره كان الإعلان المصري القاطع بان فض الاشتباك الثاني (اول سبتمبر 1975) هو اخر تحرك منفرد وأن ليس بعد هذا الا العمل العربي الجماعي في جينيف مبررا لدى بعض الدول العربية الأخرى لقبول صيغة مؤتمر جينيف أو عدم الاعتراض عليها . وبدأ جميع الأطراف مرحلة "مناورات" سياسية تمهيدا لما يعتقدون أنه سيساعدهم على احراز مكاسب في مؤتمر جنيف أو حتى قبل مؤتمر جينيف . وكان من بين هذه المناورات ما اشترطته منظمة تحرير فلسطين من ضرورة أن تعترف بها إسرائيل أولا وأن توجه اليها دعوة رسمية للحضور قبل أن تقرر ما اذا كانت ستحضر أم لا ، ومنها ما اذا كان العرب يمثلون بوفد واحد أو بوفود متعددة بتعدد دول المواجهة .. وكان لإسرائيل شرطان لا اكثر . الشرط الأول : عدم اشتراك منظمة تحرير فلسطين . وكان هذا متوقعا وتعرفه المنظمة تماما . أما الشرط الثاني ، وهو ما يهمنا هنا ، فهو بدء المفاوضات في جنيف "بدون شروط مسبقة" . تلك كانت امنية إسرائيل الى ما قبل شهر واحد من الموعد الذي كان محددا لانعقاد مؤتمر جينيف . المفاوضة بدون شروط سابقة . وكان هذا الشرط يفتح أمام المفاوض العربي في جينيف مجالات واسعة للرفض أو القبول تبعا لما تسفر عنه المفاوضات .

وفجأة زار رئيس الجمهورية القدس المحتلة فقُبرت في القدس كل الجهود الدولية التي بُذلت من أجل الوصول الى صيغة مؤتمر جينيف . وبدأت سلسلة المفاوضات والاتفاقات المنفردة . وكان يمكن للمفاوض المصري أن يتمسك بأنه لا يملك حق وضع شروط سابقة لحل مشكلة الصراع العربي الصهيوني ، وأن يحتج بأن إسرائيل نفسها قد أعلنت قبولها المفاوضة بدون شروط سابقة ، وبالتالي أن اقصى ما يستطيع أن يوافق عليه في اتفاقه مع إسرائيل هو تأكيد إسرائيل قبولها المفاوضة بدون شروط سابقة ودعوة الأطراف العربية الأخرى الى قبول المفاوضة على هذا الأساس . ولم يكن أحد في العالم غير العربي يستطيع أن يلومه على هذا الموقف .

ولكنه لم يفعل .

عاطفة عاصفة غريبة كانت تندفع الى النهاية ، ولم تترك الولايات المتحدة الأمريكية ولا تركت إسرائيل هذه الفرصة فاستغلتها الى حد لم يكن يخطر على بال أحد ، ولم يكن لازما حتى لتأكيد العواطف العواصف . فجأة اتفاق كامب ديفيد الذي يحيل عليه اتفاق 26 مارس 1979 متضمنا عديدا من الشروط السابقة التي يرى الموقعون أن "على الدول العربية" قبولها مسبقا قبل اية مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل .

تقول الوثيقة التي تحمل عنوان "اطار السلام في الشرق الأوسط" تحت العنوان الفرعي "المبادئ المرتبطة" :

1 - تعلن مصر وإسرائيل أن المبادئ والنصوص المذكورة أدناه ينبغي أن تطبق على معاهدات السلام بين إسرائيل وبين كل جيرانها مصر والأردن وسوريا ولبنان .. 

2 – على الموقعين (.. الأردن وسورا ولبنان) أن يقيموا فيما بينهم علاقات طبيعية كتلك القائمة بين الدول التي هي في حالة سلام كل منها مع الأخرى . وعند هذا الحد ينبغي أن يتعهدوا بالالتزام بنصوص ميثاق هيئة الأمم ..

ويجب أن تشمل الخطوات التي تتخذ في هذا الشأن (أ) الاعتراف الكامل .(ب) الغاء المقاطعة الاقتصادية .(ج) الضمان في ان يتمتع المواطنون في ظل السلطة القضائية بحماية الإجراءات القانونية في اللجوء الى القضاء .

3 – يجب على الموقعين استكشاف إمكانية التطور الاقتصادي في اطار اتفاقية السلام النهائية بهدف المساهمة في صنع جو السلام والتعاون والصداقة التي تعتبر هدفا مشتركا لهم .

4 – يجب إقامة لجان للدعاوي القضائية للحسم المتبادل لجميع الدعاوي القضائية المالية .

5 – يجري دعوة الولايات المتحدة للاشتراك في المحادثات بشأن موضوعات متعلقة بشكليات تنفيذ الاتفاقيات واعداد جدول زمني لتنفيذ تعهدات الطرفين .

6 – سيطلب من مجلس الامن التابع للأمم المتحدة المصادقة على معاهدات السلام وضمان عدم انتهاك نصوصها وسيطلب من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التوقيع على معاهدات السلام وطمان احترام نصوصها كما سيطلب منهم مطابقة سياستهم وتصرفاتهم مع التعهدات التي يحتويها هذا الاطار .

يا سلام !

مطلوب من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وانجلترا وفرنسا والصين أن يطابقوا سياساتهم وتصرفاتهم مع المبادئ التي رأى رئيس مصر العربية ومناحيم بيجن في كام ديفيد أنها "يجب" أن تحكم العلاقة بين إسرائيل والأردن وسوريا ولبنان . وما الذي يحدث اذا "تنطعت" واحدة من هذه الدول الكبرى فلم تطابق سياستها وتصرفاتها مع هذه المبادئ أو استعملت حقها في "الفيتو" عند طلب التصديق على معاهدة السلام من مجلس الامن ..؟ !! ..

ما علينا نريد ان نبقى في حدود الجدية . وعلى أي حال فان أحد لم يتمسك بالفقرة السادسة بجملتها في اتفاق 26 مارس 1979 . فلم يطلب أحد من مجلس الامن المصادقة على "معاهدة السلام" بين مصر وإسرائيل ، ولم يطلب أحد أن يضمن مجلس الامن عدم انتهاك نصوصها ، ولم يطلب أحد من الأعضاء الدائمين لا التوقيع عليها وضمان احترام نصوصها ولا مطابقة سياستهم وتصرفاتهم مع التعهدات التي تحتويها .. وحلت الولايات المتحدة الامريكية محل مجلس الامن وباقي الأعضاء الدائمين فيه .. مع ان "المبادئ المرتبطة" كانت واجبة التطبيق في راي المتفقين في كانب ديفيد على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية . لأنها – كما قالوا – مبادئ مشتركة بين كل المعاهدات .

على أي حال نلاحظ في الوثيقة :

ان كل فقرة من فقراتها تبدأ بكلمة "يجب" أو ما يماثلها من صيغ الامر والوجوب . والخطاب موجه الى الدول العربية التي "تبدي استعدادا للتفاوض على السلام مع إسرائيل" كما تقول الوثيقة في موضع اخر . اذن فعلى الدول العربية أن تبدي استعدادا للتفاوض على السلام مع إسرائيل ، على ان يكون مفهوما أنه "يجب" عليها أن تقبل في المفاوضة إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل تشمل الاعتراف الكامل بها وإلغاء المقاطعة الاقتصادية معها والمساهمة معها في صنع جو من السلام والتعاون والصداقة .. حتى الصداقة أصبحت واجبة ..

هذه الشروط السابقة التي لم تصدر عن إسرائيل قبل زيارة القدس ، ولا بعد زيارة القدس ، الى ان اشترك المفاوض المصري معها في اشتراطها على الدول العربية من موقف واحد في كام ديفيد . فاذا لم تقبل اية دولة منها هذه الشروط يبقى الاحتلال الإسرائيلي للمرتفعات السورية (الجولان) وفي جنوب لبنان أما من الضفة الغربية وغزة فسنرى ما هو ادهى وامر .

ثم نلاحظ أن ليس في هذه المبادئ المرتبطة كلها ما "يجب" على إسرائيل عمله . لم توجه كلمة "يجب" الى إسرائيل في اية فقرة أو جملة ، فلم يُقل - مثلا – "يجب" على إسرائيل أن تنسحب من الجولان أو جنوب لبنان فيما لو قبلت سوريا ولبنان هذه الشروط .

وهكذا نرى أن اتفاق 26 مارس 1979 ، الذي يحيل على اتفاقيات كامب ديفيد ، لم يقف عند حد الخروج "من" الاجماع العربي ، ولا عند حد الخروج "على" الاجماع العربي ومواجهته في صف الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل ، بل تجاوز كل هذا الى المواجهة الإيجابية : الاشتراك مع إسرائيل في توجيه شروط "يجب" على الدول العربية أن تقبلها مقدما اذا ارادت ان تسترد أراضيها المحتلة .

فهل بعد هذا تجاوز ؟ ..

نعم ...

من كتاب هذه المعاهدة .


الاثنين، 5 مايو 2025

الخطاب الاخير للرئيس الراحل جمال عبد الناصر

 

ما أخذ بالقوة لا يستردّ بغير القوة ..

اخر العبارات التي اختتم بها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر خطابه الاخير في 23 يوليو 1970 ..




الأحد، 4 مايو 2025

ما هي حقيقة ما دار بين الرئيس جمال عبد الناصر والعقيد معمر القذافي ؟

ما هي حقيقة ما دار بين الرئيس جمال عبد الناصر والعقيد معمر القذافي ؟

لماذا تم اقتطاع أجزاء محدّدة من الحوار ؟..

ولماذا أخرجت المحادثة من سياقها ومن ظروفها المحيطة ؟..

هل كان يستطيع عبد الناصر - مثلا - تحقيق أهدافه بدون الهدنة التي تمكنه من بناء حائط الصواريخ ؟..

هل كان عبد الناصر يرسم تكتيكا بهدف الحرب أم الاستسلام ؟ ..

وهل كان عبد الناصر بهذا التكتيك يطرح الاعتراف بالعدو في تلك المحادثة ؟..

مقاطع مماثلة لما تم تسريبه من محادثات عبد الناصر مع معمر القذافي تسفه كل ما كان مقصودا من التسريب وتكشف بالفعل حالة التردّي والخداع التي كان يواجهها :



القاهرة – "رأي اليوم" – محمود القيعي :

أكدت أسرة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر صحة تسجيل اجتماع الرئيسين الراحلين جمال عبدالناصر ومعمر القذافي ، وأنه ليس مفبركًا باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث نشرته قناة "ناصر تي في" على يوتيوب، التابعة لأسرة الرئيس الراحل عبد الناصر، وليس قناة مجهولة.

أسرة الرئيس الراحل تمتلك أرشيفا كاملا للقاءاته مع الرؤساء والقادة العرب ووزراء حكومته ، خاصة اللقاءات التي أجريت في منزله بمنشية البكري ، بعد هزيمة 1967 ،  بحسب تصريحات ابنته هدى ، في لقاء مع قناة CBC .

من جهته قال عبد الحكيم جمال عبدالناصر في تصريحات صحفية إن لقاء أبيه مع القذافي حقيقي ، وليس مفبركًا ومحضره موجود ومتاح فى مكتبة الإسكندرية ، مشيرا إلى أن الأسرة مسؤولة عن القناة وتديرها ، وإنهم مستمرون في نشر تسجيلات مماثلة للقاءات الرئيس الراحل .

عاصفة الحديث لا تزال مستمرة ولم تهدأ بين تربص قوم وغضب واستياء آخرين .

د. محمد السعيد إدريس مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية يوضح أن القاعدة العلمية في دراسة أي قرار سياسي أو تصريح لشخص له أهمية ما هي البيئة الخاصة بالقرار .. ظروفه الزمنية ، الأوضاع الداخلية للبلد الصادر عنها ، الأوضاع الإقليمية ، الأوضاع الدولية .

وبعدها نقيم القرار أو التصريح بناء على كل هذا .

ويضيف أننا يجب ألا نستقطع الحدث ، لافتا إلى ما ورد في حديث الرئيس الراحل عبد الناصر الأخير يعتبر خارجا عن القواعد التي كان ملتزما بها كقائد لتحرير فلسطين وعدو مطلق للكيان الصهيوني .

ويضيف لـ"رأي اليوم" أن كل هذا يدفعنا عن طريق المنهج العلمي للتساؤل : متى قال هذا الكلام ؟ وفي أي ظروف ؟

ويواصل قائلا : "عبد الناصر قال هذا الكلام بعد يوليو 1970 حينما قبل مبادرة روجرز، وتعرض بسبب هذا لهجوم رهيب من عراق أحمد حسن البكر ومزايدة على أعلى درجة ، ولابد هنا للتفرقة بين بعث سورية وبعث العراق ، أيضا تعرض عبد الناصر لهجوم منظمات فلسطينية" .

ويذكّر إدريس بذهاب أنور السادات إلى جامعة القاهرة ، وإلقائه خطابا يوضح لماذا قبل عبد الناصر مبادرة روجرز ، مشيرا إلى أن كل هذا كان محاولات للتعتيم على السبب الحقيقي ، وهو إقامة قواعد الصواريخ على طول جبهة القتال ضد الكيان الصهيوني ، وهو الكلام الذي أكده بوضوح الأستاذ محمد حسنين هيكل من أن مصر خاضت معركة من أنبل معاركها التاريخية وهي معركة إقامة حائط الصواريخ الذي بدونه ما كان يمكن للعبور أن يتم في 73 .

ويوضح أن شركة المقاولون العرب هي التي قامت بالعمل البطولي بإقامة قواعد صواريخ ، التي كلما تم إنشاء إحداها استهدفها الطيران الإسرائيلي ، وارتقى العديد من الشهداء المصريين .

ويقول إنه مع إعلان مصر وقف إطلاق النار وحرب الاستنزاف التي هدت الكيان ولا يعترف بها ، وتم التعتيم عليها تماما من نظام السادات والذين جاءوا بعده .

مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية يؤكد أن عبد الناصر وافق على وقف إطلاق النار لإقامة قواعد الصواريخ ، مشيرا إلى أن القذافي جاء إلى عبد الناصر ليستفسر منه عن الأسباب الحقيقية ليطمئن قلبه ، ولا تهتز ثقته في زعيمه .

وبحسب إدريس فإن عبد الناصر لم يكشف السر الحقيقي لقبوله وقف إطلاق النار ، وإلا لكان كل شيء انتهى ، مشيرا إلى أن الحقائق لم تُعلن إلا في أكتوبر 1973 عندما كشفها هيكل في "سنوات الغليان والانفجار" .

ويتابع قائلا : "هناك أعداء لجمال عبد الناصر ، وأنا توقفت عن الدفاع عنه ، لأنه ليس في دفاع من أحد بسبب أفعاله" .

وينتقد إدريس الاستعجال وفرحة وشماتة البعض بما جاء في حديث عبد الناصر الأخير ، مؤكدا أنه يجب أن تعلن الحقائق ويعرفها الناس ، وأولها أن جمال عبد الناصر هو زعيم هذه الأمة .

ويخلص إلى أنه حتى لو كان الحديث صحيحا ، فلا يضير عبد الناصر في شيء ، لأنه حاول قدر الإمكان أن يكتم سر الحرب رغم كل الضغوط التي تعرض لها ، ومنها الإهانات التي وجهت له في عمّان من قبل منظمات فلسطينية .

ويختتم إدريس مؤكدا أن من يقف وراء نشر حديث عبد الناصر يريد ليس فقط نشر ثقافة الاستسلام بل تبريرها ، ليضرب عصفورين بحجر : إهانة عبد الناصر وتشويه صورته كمناضل ، وفي ذات الوقت الترويج لقبول فكرة السلام أو الاستسلام .


الجمعة، 2 مايو 2025

المرجعية التاريخية في الأثر الأدبي للدكتور عصمت سيف الدولة (4)

 WEB

المرجعية التاريخية في الأثر الأدبي للدكتور عصمت سيف الدولة

(4)

الوجه الآخر لثورة ١٩١٩ المصريّة

ثورة فلّاحي الهماميّة .

عليا مسلّم .

باحثة وأكاديمية تعمل على تاريخ الحركات الاجتماعية والسياسية المصرية من خلال الذاكرة الشعبية  .

دراسة منشورة بموقع ومجلة بدايات .

»إن كان لقصّة صعود المقاومة الوطنيّة للاستعمار أن تحكى باتّساق ، فيجب أن نغفل إستراتيجيّاُ دور عوام الناس«

كاياتري (1)

»هل الاستحالة شبه الكاملة لاستعادة أصوات العوامّ استعادة مباشرة تعني أنّه لا يمكننا الوصول إلى خبرة الناس في قاع المجتمع ووعيهم؟ «

جويل بينين(2)

في صيف ١٩١٨ (3) ، سقط على مكتب الأمن العام في وزارة الداخليّة في القاهرة وابلٌ من تقارير متنوّعة عن «أنشطةٍ إجراميّة» في قرى البلاد من أقصى شمالها في محافظة البحيرة في الدلتا ، حتّى أسوان في الصعيد(4) . تنوّعت هذه التقارير من حرق مراكز الشرطة ، ومحاولة تحرير المجنّدين الذين «تطوّعوا» قهراً للخدمة في «أنفار السلطة» (فرق العمل المصريّة)(5) تحت إمرة الجيش البريطانيّ ، وحتى طعن عُمد القرى والعساكر البريطانيّين العاملين على التجنيد . كانت تلك بداية واحدة من أكبر وأهمّ ثورات الفلّاحين في القرن العشرين في مصر(6) . كانت أيضاً عين بداية الثورة التي استغلّها السياسيّان الوطنيّان سعد زغلول وعلي شعراوي كي يدعما التفاوض مع الإدارة البريطانيّة بخصوص الاستقلال عن الاستعمار البريطانيّ(7) .

مساهمة في تاريخ العوامّ المصريّين

أسّس زغلول مع زملائه الوفد (الذي صار لاحقاً حزباً وطنيّاً ليبراليّاً) في تشرين الثاني / نوفمبر١٩١٨ كبعثةٍ من النخبة الوطنيّة تمثّل قضيّة الاستقلال المصريّة في مؤتمر الصلح في باريس سنة ١٩١٩. حشَدَ الوفد الطلبة والمحامين في طول البلاد بتوكيلاتٍ يجمعون التوقيعات عليها من الفلّاحين تفويضاً بالحديث نيابةً عنهم(8) . وما إن تمّ ذلك ، حتى أخذت «الثورة» ملمحاً مختلفاً . علتْ دعوةٌ إلى الإضراب العامّ - ووُزّعت المنشورات في القاهرة وفي محافظاتٍ متنوّعة توضّح كيف تبدأ مواكب الاحتجاج (طالع المنشور ص ١٠٥) ، شاملةً ترتيب المتظاهرين ، والشعارات المرفوعة ، واللافتات كذلك ، كما شملتْ خريطةً توضّح السفارات والمؤسّسات الدوليّة التي ينبغي أن تسير المظاهرة أمامها(9) .

رفع عديد المتظاهرين شعاراتٍ سلميّة متّبعين تعليمات المطويّات أثناء تدميرهم أو حرقهم محالّ ومؤسّساتٍ اعتبروها رموز الاستعمار الغربيّ(10) . الأمر الذي يشير إلى دافعٍ آخرَ خلف الثورة ، دافع ضدّ مفهومٍ أعرض وأكثر تعقيداً عن السلطة يتجاوز الاستعمار البريطانيّ ويضمّ مزيجاً من الحُكمين المحلّيّ والاستعماريّ . باعتبار ذلك، فإنّ ما أهدف إليه في هذه الورقة هو أن أبحث وراء ثورة ١٩١٩، بل وحتى وراء ثورة الفلّاحين في ١٩١٨، كي أستكشف الوعي السياسيّ (غير المتّسق دائماً) الذي كان في طور الظهور بين الفلّاحين . ما الذي ثاروا ضّده بالضّبط؟ ما هي إستراتيجيّات المقاومة التي أخذوها في الاعتبار؟ وكيف عبّروا عنها ؟

صُوِّرت أحداث عصيان ١٩١٨ في سجلّات الخارجّية البريطانيّة كسلسلةٍ من الأنشطة الإجراميّة أو ، في المقابل ، الموالية للحركة الوطنيّة (دون انحيازاتٍ سياسيّة غير ذلك) كما في مذكّرات سعد زغلول (١٩٨٧) وكتابات لطيفة سالم (١٩٨٤) . أهدف إلى أن أساهم في المعرفة الصغيرة التي تجادل بأهمّيّة (11) ودلالة تاريخ عوامّ المصريّين(12) .

المذكّرات سجلّاتٌ عن الوعي السياسيّ

تركيزي هنا لا يغطّي فقط أساليب المقاومة المتنوّعة التي أدّت إلى عصيان ١٩١٨، وإنّما يمتدّ إلى كيف نوقشتْ تلك الأساليب ومورستْ بينما أخذت الأفكار السياسيّة في التطوّر معبّرةً عن العلاقات المرغوبة مع الهياكل السياسيّة ورموز السلطة المتنوّعة . إلّا أنّ المصادر التي يمكنها أن تكشف عن تلك الأصوات وعن «الوعي السياسيّ» لأولئك الذين كانوا جزءاً من الحركات التي تقع خارج المَيل الوطنيّ الساحق (وأحياناً في معارضته) قليلةٌ ومتفاوتة . كيف يمكننا ، بعد الأحداث بمئة سنة ، أن نعثر على مصادر تُبصِّرنا أفكارهم ودوافعهم ؟(13) .

استَخْدَمْتُ المذكرات لأستقرئ التعبير عن الأفكار السياسيّة بما يتجاوز الأحزاب السياسيّة والثورات طارحةً طرح سياسات عوامّ الناس والحركات الشعبيّة ، راصدةً تفاصيلَ حميمة تقع خلف السياسيّ وفي جوهره (14) . قدّمَت الأعمال الأدبيّة التي اعتمدتْ على مصادر أرشيفيّة نظرةً متبصّرة في الأحداث السياسيّة والتاريخيّة، كما قدّمتْ قصصاً مُؤرشفةً لا يمكن الوصول إليها عبر المصادر والسرديّات الرسميّة (15) .

سأنظر في ثلاثة مصادر. الرئيس منها هو «مشايخ جبل البدارى» ، الجزء الثاني من «مذكّرات قرية» الهماميّة في أسيوط ، مسقط رأس المفكّر العروبيّ المصريّ والمحامي المعروف ، عصمت سيف الدولة (١٩٢٣ - ١٩٩٦) . كتب سيف الدولة المذكّرات بناءً على سلسلة مقابلات أجراها مع سكّان القرية رغم أسلوب الكتابة والسرديّة التي هي أشبه إلى الرواية من المذكّرات . تظهر قرية الهماميّة في أحداثٍ أيقونيّةٍ سُجّلت في أرشيف الخارجيّة البريطانيّة وفي الأدب الوطنيّ . نشرتْ دار الهلال مذكّرات سيف الدولة التي عنوانُها «مذكّرات قرية» على جزأين اثنين في ١٩٩٤ و١٩٩٥ قبل وفاته مباشرةً في ١٩٩٦، ونشرتْ لاحقاً على الإنترنت . تحمل المذكّرات إلينا بأصوات عديد من سكّان القرية وبمسألة التهرّب من التجنيد الذي يتكرّر عبرها .

أطابق المذكّرات بمصادر أخرى أقصر ، مأخوذة من أرشيف الخارجيّة البريطانيّة - التي سجّلتْ بالتفصيل ما سمعه ملازمٌ مُشرف على عمّال على الجبهة المصريّة وعلى جبهاتٍ متنوّعة أخرى من أداءاتٍ ونكاتٍ ألقاها هؤلاء العمّال ، وسجّلت كذلك هتافات وشعارات ارتفعتْ خلال ثورة ١٩١٩ توضّح ميلاً ضدّ الحكومة وغالباً ضدّ حزب الوفد . هذه أيضاً «أصواتٌ» أسعى لاستعادة صداها .

يقدّم الأرشيف البريطانيّ والتقارير الوطنيّة الموثوقة ككتابات عبد الرحمن الرافعي (١٩٤٦) (16) ولطيفة سالم (١٩٨٤) كلاهما سرداً خطّيّاً للحرب وللثورة . تزعم هذه السرديّات أنّ الفلّاحين أُخِذوا إلى الحرب إمّا لأنّهم رغبوا في ذلك أو لأنّهم أُجبروا ونتيجةَ ذلك قامت الثورة ضدّ الاستعمار. أمّا المصادر التي تقدّم نظرةً في «لغاتٍ حميميّةٍ» (17) فإنّها تشير إلى عديد السرديّات وعديد الاحتمالات، وفي أحيانٍ كثيرة تشير إلى وعيٍ متضارب كما في الحيرة بين الانتفاض ضدّ استخدام الثورة الوفديّة السلاحَ الذي أُعطي للفلّاحين للدّفاع عنها، وبين التفاوض مع مُلّاك الأراضي . والأهمّ من ذلك ، أحاول أن أنظر في كيف عبّر الفلّاحون عن مقاومتهم ، أنْ أستكشف كيف بقيتْ بعض عناصر ذلك رغماً عن التسريد والتأطير الوطنيّين القويّين لثورة ١٩١٩.

قصّة الجماعة بصوت الفرد

«أصل الحكاية وفصلُها أنّه في صيف عام ١٩١٤ اندلعتْ حربٌ مجنونةٌ بين دول أوروبا ، حربٌ مثل المعارك التي تنشب بين روّاد المقاهي في المولد. تبدأ بضربةٍ تطفئ النور «وتخلّيها ضلمة» ثمّ يتعارك الجميع ... يضرب كلّ واحدٍ القريبَ منه قبل أنّ يضربه بدون أنّ يكون ثمّة سبب الّا أنّ المعركة بدأت . وهي فرصة للهرب من دفع أثمان المشروبات على الأقلّ . كذلك فعلتْ دول أوروبا المتجاورة في قارّتها . ضرب شخصٌ مجهولٌ من الصرب الأرشيدوق فرديناند بالرصاص في سراييفو فقتَلَه . فضربَت النمسا الصرب . فضربت ألمانيا فرنسا وبالمرّة ضربت بلجيكا . فضربتْ روسيا هنغاريا . فضربتْ تركيا روسيا . فضربت إنكلترا ألمانيا . فضربتْ إيطاليا النمسا ، إلخ . وانداحت أمواج العنف المجنون من أوروبا حتى اجتاحت الكرة الأرضيّة فأسموها الحرب العالميّة وهي حربهم . المهمّ أنّ أمواجها قد أغرقتْ مصر واندفع منها تيّارٌ من الإثار هزّ الحياة في مركز البداري . وامتدّ إلى الهماميّة فدخلت الهماميّة الحرب العالميّة» (عصمت سيف الدولة) (18) .

«مذكّرات قرية» هي مذكّرات من مجلّدين عن قرية الهماميّة ، كتبها المنظّر الاشتراكيّ والفيلسوف السياسيّ والمحامي عصمت سيف الدولة . وُلد عصمت في قريته الهماميّة قرب جبال البداري في مديريّة أسيوط من صعيد مصر . ترك الهماميّة على مراحل بغرض إكمال تعليمه . عاد سيف الدولة إلى القاهرة بعد حصوله على درجة الدكتوراه في باريس ليمارس القانون وعُرف بمواقفه الشجاعة في الدّفاع عن المتّهمين في القضايا السياسيّة في عهد السادات (١٩٧٠ - ١٩٨١) ، لا سيّما بعد «انتفاضة الخبز» ١٩٧٧ والتي قُبض على أثرها على عددٍ كبيرٍ من المفكّرين والمتظاهرين والناشطين . قُبض عليه هو نفسُه عدّة مرّات بسبب كتاباته الماركسيّة والاشتراكيّة العربيّة ولنشاطه التنظيميّ ، وكان ذلك في ١٩٧٢ (لأكثر من سنة) وفي ١٩٨١.

يتّضح خطّ سيف الدولة الفكريّ في افتتاحه «مذكّرات قرية» حين يوضّح أنّه لا توجد طريقةٌ صادقة في كتابة مذكّرات فرد دون الرجوع إلى المجموع . ولذا ، فعوضاً عن أن يكتب مذكّراته هو ، فهو يكتب عن أهالي قريته الذين تسربتْ ذكرياتهم للأحداث وخبراتهم الموروثة إلى كلّ واحدٍ من أطفالهم . وبذلك يتحوّل صوته إلى صوت الراوي يستخدم عناصر شعبيّةً مثل «قال الراوي» و«كان يا مكان ، يا سادة يا كرام» ، فيركّب القصص عبر الكتاب عوضاً عن أن يعلّق عليها .

يفتتح المجلّد الثاني من المذكّرات، «مشايخ جبل البداري» ، والذي أستخدمه في هذه الورقة بنقاشٍ بين الراوي (صوت الكاتب) وبين شيخ غفر القرية . يحثّ الكاتب شيخَ الغفَر على أن يحكي له ذكريات القرية ، ويجهد الشيخ كي يشرح أنّ أيّ قصّة يحكيها فردٌ نيابةً عن المجموع تشوبها الشكوك . إلّا أنّه يذكر أنّ أحد الأشياء التي بمقدور أيّ شخصٍ أن يحكيَها نيابةً عن الآخرين هي المصائب - فالمصائب التي تحلّ بالقرية لا تشوبها أيّة شكوك . «اسأل من تشاء عمّا مرّ بقريتهم من مصائب عامّة فتسمع منهم جميعاً ما يتذكّرون فيذْكره كلّ واحدٍ منهم لا يختلفون فيه ولا يُخفون منه ثمّ اجمعْ ما يقوله كلّ واحدٍ إلى ما يقول غيره ، تعرف ما تقوله القرية» (19) . هذا لأنّ المجموع لا يتشكّل إلّا في وجود خطر يواجه الجميع ويواجهه الجميع . يسأل الكاتب الشيخ عزيز عمّا يعتبره أزمةً أو كارثة جماعيّة ، فيجيب الشيخ بثلاثة : السلطة ، والفيَضان السنويّ ، والجزيرة (التي يرسّبها فيَضان النيل ويتلاعب بها مُلّاك الأراضي) . تمرّ خبرة الحرب العالميّة الأولى بهذه الأشياء الثلاثة جميعها .

تحكي المذكّرات عن هذه الكوارث وردّ فعل أهالي القرية عليها . وقد سلّطت كلّ مصيبةٍ منها الضوءَ على العلاقة بين القرية وشبكة السلطة (الإدارة البريطانيّة - المصريّة المشتركة) (20) ، والحكومة (الأفراد الذين يمثّلون الحكومة أو يفهم أهالي القرية أنّ لديهم سلطةً عليهم) ، والأرض (وكيف تُحدّد استحقاقات الأرض) . لا تسري المذكّرات بترتيبٍ زمنيّ لكنّها تُظهر كيف أنّ الأهالي يتعلّمون تدريجيّاً التنظيمَ فيما يتعلّق بهذه القوى الثلاث التي تهدّدهم - الاستعمار ونخبة مُلّاك الأراضي والطبيعة . وفي تعاملهم مع كلّ كارثة ، تزيد حصيلتهم من أشكال التنظيم التي تنفع والتي لا تنفع مع زيادة حصيلة القرية من الخبرات .

ثلاثيّة مقاومة السلطة

هامٌّ جدّاً لهذا البحث استكشافُ معنى بعض المصطلحات ، واعياً أنّ هذه المذكّرات موجّهةٌ لجمهورٍ أوسع لا يعرف لغة القرية واصطلاحاتها . ولذا ، فإنّ من الضروريّ استكشاف مَن أو ما الذي يمثّله مصطلح السلطة . في البداية ، يشير هذا المصطلحُ إلى الإدارة المشتركة المشغولة بالحرب ، إلّا أنّها بعد ذلك تصير هي الحرب نفسها - قوّة كبيرة تلُوح في الأفق وتأخذ الرجال وتصادر البضائع إلى «حيث لا أحد يعرف» . تكاد السلطة ألّا تظهر، على عكس الفيَضان الذي يعترضه الأهالي مادّيّاً ، أو على عكس الحكومة التي يعيش ممثّلوها بين ظهرانيهم .

هناك أربعة شخصيّات تُحكَى المذكّرات من خلالهم . الأوّل هو الشيخ عبّاس، مثقّف القرية الأزهريّ الذي يتابع السياسة المحلّيّة والعالميّة ويحاول أن يدفع الأهالي نحو الاشتباك الرسميّ مع الحكومة (بكتابة العرائض ومقاضاة مُلّاك الأراضي) . وهو يستخدم «صوت» الأزهر والعربيّة التقليديّة («القاهريّة» على حدّ تعبيره) بوعي كامل كوسيلةٍ للإقناع (كي يظهر بمظهر المتعلّم الورِع في آن) ، إلّا أنّه يُرفَض أحياناً لعدم إلمامه بتقاليد القرية بشكل كافٍ بسبب تغيّبه الطويل بغرض الدراسة . الصوت الثاني هو صوت يونس عبد الله ، ابن أخت عبّاس وتابعه الذي ينتهي به الأمر مأخوذاً إلى الجبهة ، مخاطراً بحياته من أجل أن يحلّ محلّه . يروي يونس خبرته في الحرب ، وكيف أنّه ومجموعةً من أربعة وعشرين صعيديّاً زاملوه في فرقة العمل تعلّموا التفاوض مع المسؤولين العسكريّين الفرنسيّين ، كما تعلّموا الإضراب لتحسين ظروف معيشتهم وعملهم . الصوتان الأخيران هما صوتا نعمان ولد الشيخ عماد زيدان وفكري عبد النبي - شابّان اثنان أخذا على عاتقهما أن يستعيدا جزيرة القرية ، وهي أرضٌ زراعيّةٌ خصبة يطرحها فيضان النهر، من مُلّاك الأراضي الوجهاء الذين منحتْهم الحكومة ملكيّتها. يبحث فكري ونعمان عن طرقٍ يسلّحان بها نفسيهما وباقي أهالي القرية كي يطردوا الحكومة من الأرض . وفي غضون ذلك ، يمرّان بخبرة ثورة ١٩١٩، وتتحوّل نيّتهما عندها لتصبح أن يكملا الثورة بهدف أن يحتفظا بهذه الأسلحة وينظّما ثورة الفلّاحين ويؤسّسا حكومة الفلّاحين .

حاولتُ في قراءتي المذكّرات أن أستكشف استراتيجيّات ثلاثاً لمقاومة أنواع السلطة الثلاثة تلك - استخدام القانون ، بكتابة العرائض مثلاً ، والإضراب على الجبهة ، واستخدام السلاح أو القوّة لاسترداد الأرض . نظرْت في كيف تَبني هذه المقاومة والاستحقاق والمخاطرة والنجاح أو الفشل حصيلة الخبرة المحلّيّة وكيف يُعبَّر عنها . ونقطتي الأساسيّة هنا هي ليست إن كانت هذه الأحداث قد وقعتْ بالفعل ، بل استخدام هذه الاستكشافات كفرصةٍ للنظر في الوعي بكيف أنّ «السياسة» يُعبَّر عنها دون استخدام اصطلاحات ذلك الوقت ومفاهيم الأمّة والاستعمار . يُبصِّرنا هذا الأمر بكيفيّة التعبير عن مفاهيم الاستبداد والحرّيّة ، وبكيف يجري القتال من أجل الحرّيّة بوسائل خاصّة بالقرية .

تحدّي الطاعة في «التطوّع»

«في ٢٠ أكتوبر / تشرين الأوّل ١٩١٧، صدر قرارٌ للتشجيع على التجنيد ... صدر مع هذا القرار منشورٌ للمديريّات بتاريخ ٢١ أكتوبر ١٩١٧، يطلب من مأموري المراكز ومن العُمد حثّ الأهالي على التطوّع في فرق العمل ، وطلَبَ من مديري المديريّات استخدام تأثيرهم الأخلاقيّ لدعم الحركة . تقدّمتْ حركة التجنيد التطوّعيّ بشكلٍ مُرضٍ نتيجة هذه الإجراءات ... في أسيوط وافقوا تمام الموافقة على المشروع وعبّروا عن رغبتهم في توفير المجنّدين (21) .

في بداية ١٩١٧، انتشرتْ كالنّار في الهشيم رواياتٌ عن عساكر بريطانيّين يُغيرون على أسواق القرى المحيطة ويسلبون الماشية والمحصول ، ويأخذون الشباب إلى «حيث لا أحد يعرف» . على أثر ذلك ، انتشر في الهماميّة خوفٌ من التجنيد ونقاشٌ عن أشكال المقاومة .

يحكي عصمت سيف الدولة في مذكّراته قصّة الشيخ عبّاس - مثقّف القرية - ونقاشه مع العمدة وكبار القرية محاولاً إقناعهم بأفكاره عن كيفيّة مقاومة التجنيد . كان عبّاس يرى أنّه ينبغي تقديم عريضة . قرأ في الصحيفة عن شروط التجنيد (شباب سنه من ١٨ - ٤٥ سنة) وعن أنّ التجنيد قائم على التطوّع . لذا ، كانت طريقة مقاومة التجنيد ، في رأيه ، في أن يوقّع جميع أهل القرية على عريضةٍ تعلن عدم رغبتهم في التطوّع للحرب ، وبذلك يجبرون السلطة على الالتزام بقواعدها هي نفسها . بمجرّد أن وافق العمدة وكبار البلد على فكرة العريضة ، ولو بعد تردّد ، أمَّ الشيخ عبّاس صلاة الجمعة . مستكشفاً فكرة التطوّع، لاحظ عبّاس أنّ مصطلح «تطوّع» يأتي من «الطاعة» . وفي السياق القرآنيّ، الطاعة الواجبة هي طاعةُ الكبار من نفس الدين ، إلّا أنّ أهالي القرية ليسوا ملزَمين بطاعة قوى الاستعمار ، لأنّ لا طاعة لطاغية وبالتأكيد لا طاعة لكافر . وإن أطاع الأهالي الاستعمارَ فهو لا شكّ من قبيل التجديف .

وبمرور الوقت ، اكتشف عبّاس من العمدة ومن أقربائه الأصغر سنّاً أنّ مقترحاته لم تلقَ الترحاب الذي تصوّره . فإمامتُه للصلاة مثلاً ، اعتُبرتْ من قبيل الجرأة لأنّ تعليمه الدينيّ لا يعطيه صلاحيّة إمامة الصلاة ، الذي هو امتيازٌ لكبار القرية . والأهمّ من ذلك، ففكرة وضع خمسة وأربعين اسماً لشباب القرية على ورقةٍ وتسليمها لذات الجهات المسؤولة عن التجنيد تبدو وكأنّها تسليمُ الأهالي لهؤلاء الشباب - أي تماماً عكس ما تخيّله الأهالي وهو إخفاءُ الشباب . فالعُمد في القرى المحيطة ، يختارون مجنّديهم بأنفسهم - أساساً من بين المرضى وكثيري المشاكل - ليحافظوا على بقيّة أهل القرية من التجنيد .

حاجج آخرون بأنّ محاولات عبّاس أشبه بـ «الذين يشتكون الحكومة للحكومة» ، وهو أمرٌ لا يخلو من المخاطر . فمواجهة السلطة استراتيجيّة جرّبها الأهالي من قبل ، وهي بالفعل تحوّم طوال المذكّرات باعتبارها تحذيراً من الخسارة التي قد تنتجها المواجهة . فعندما يتعلّق الأمر بالسلطة ، يوجد مسلكان اثنان لا ثالث لهما ، إمّا مع السلطة أو ضدّها . وهُم باعتبارهم فلّاحين ، يجهدون كلّ سنة في مكافحة الفيَضان ويعرفون جيّداً أنّ مواجهة بعض التيّارات لا تؤدّي إلّا إلى التهلكة . يدرك أهل الهماميّة جيّداً من خبراتهم السابقة أنّ كلَّ مواجهةٍ مع الدولة لا تعني إلّا الخسارة .

اللغة واستراتيجيّات تفادي التطوّع


إلّا أنّ العَوم مع التيّار لا يعني قبول استراتيجيّة التجنيد والتطوّع . بل أنّها تشمل استراتيجيّاتٍ تتفادى التطوّع بواسطة «زواج السلف» مثلاً ، والذي هو زواجٌ مؤقّت بهدف ضمان أنّ شروط التجنيد لا تنطبق على الرجل ، أو عدم الظهور أيّام السوق لتفادي الاستيلاء على المحصول والماشية ، أو الهروب إلى الجبال القريبة . حُذِّر عبّاس مرّاتٍ عديدة من أنّ نصيحته باعتباره «مثقّف القرية» ليستْ دائماً محلّ ترحاب الأهالي ، وأنّهم عادةً ما يحسّون أنّه غريبُ نسيَ أهمّيّة تقاليد القرية ، خصوصاً حين يفترض أنّ بإمكانه أن يحدّد للأهالي أيَّ الاختيارات أفضل لهم . في حين كان الأهالي يعتمدون على تاريخ من «المصائب» كمرجع يعلّمهم ما يفيد وما لا يفيد ، يعتمد عبّاس على معرفته بالقانون وبما ينبغي أن يكون . رضخ العمدة في النهاية وأعطى عبّاس العريضة المختومة ، موضحاً أنّه حصل على أختام بعض الأهالي إلّا أنّ أغلب الأختام وضعَها هو بنفسه على الورق ، وأنّه بذلك يصير هو المسؤول شخصيّاً عن العريضة (22) .  فعَلَ العمدة ذلك لأنّه مقتنعٌ بعض الشيء بمجهودات الشيخ ، ويكنّ بعض التقدير أيضاً ، ولكن ليس لأنّه مقتنعٌ تماماً .

توجّه عبّاس إلى أسيوط لتسليم العريضة ، أوّلاً إلى مركز البوليس حيث رفض المأمور تسلّمها ، ثمّ بحث عن محامٍ يساعده في إيصال العريضة إلى الأشخاص الملائمين بالطريق القانونيّ الذي يُلزمهم بتسلّمها . أراد عبّاس أن ترسَل نسخة إلى كلٍّ من رئيس الوزراء ووزير الداخليّة وحكمدار المديريّة ، ومدير المديريّة ، ومعاون البوليس وإلى مأمور مركز البوليس . حملت كلّ عريضة اسم المرسَل إليه وتضمّنتْ أيضاً أسماء جميع من سيتلقّى نسخةً منها، كتبها عبّاس بنفس الحبر الأسود الذي يُستخدَم في المديريّة . يتحدّث سيف الدولة طوال المذكّرات عن خصوصيّة القرية . يشرح ما الذي تعنيه مصطلحات السلطة والتطوّع والحكومة ، وهو يكرّر الإشارة إلى كيف أنّ قرارات الأهالي واستراتيجيّاتهم السياسيّة تنبع من حصيلتهم الخاصّة لذكريات المقاومة . وقد تعارضتْ هذه الخصوصيّة مع طموحات عبّاس التي تحاول أن ترى القرية جزءاً من نظامٍ قانونيٍّ أكبر واعتبارها جزءاً من حركةٍ وطنيّة في نهاية المطاف .

عاد عبّاس من العاصمة إلى القرية بما تعلّمه عن القانون والسياسة الهيكليّة . حاول أن يتلاءم مع تلك الهياكل مباشرةً ليحفظ القرية من مدّ الحرب . إلّا أنّ اعتماده على تلك الهياكل وعلى القانون كان دائماً محلَّ انتقاد ذوي الخبرة المحلّيّة التي تركّز على إنقاذ القرية ، وعلى الحفاظ عليها بغضّ النظر عمّا يحدث خارجها .

تُناقش سماح سليم في تحليلها رواية الأرض المثقّفَ المتعلّم في المدينة الذي يعود إلى القرية راغباً في مخاطبة الحكومة مباشرةً من خلال العرائض كي يحمي أرض القرية من التدمير الذي تسبّبه مشروعات البُنى التحتيّة . وهي تعتبر العربيّة الرسميّة المنمّقة للقرويّ المتعلّم لغةً وطنيّة تتساوى في نظرها مع معرفة كيف يمكن نيل الحرّيّة، وربّما أيضاً تحسين حال القرية (23) . يذكّرنا هذا بكيف أنّ عبّاس وقف على منبر القرية محاولاً حثَّ الأهالي على «شكاية الحكومة للحكومة» . وفي كلتا الحالتين، لم ينبهر الأهالي بمعرفة الهياكل السياسيّة الأكبر وكيفيّة التعامل معها بل أثارتْ سخريتهم، فقام صراعٌ على اللغة المستخدَمة في كتابة العرائض وعلى أنواع المعارف المختلفة المتعلّقة بنيل الحرّيّة .

تحدّث جون تشالكرافت عن اللغة أيضاً في كتاباته عن عرائض الفلّاحين في مصر في القرن التاسع عشر، ملاحظاً أنّهم «استخدموا اللغة الرسميّة في الشكاوى في سياقٍ محمّلٍ بالسلطة ، حيث يمكن أن يؤدّي خطأٌ في اختيار الكلمات إلى خسارة قضيّتهم وسبل عيشهم ، بل وربّما حياتهم نفسها» (24) . يحاجح تشالكرافت بأهمّيّة العرائض في توضيح سياسة الفلّاحين في التعاطي مع مؤسّسات الدولة والتفاوض معها ، وهي سياسة نادراً ما تظهر في الأدب الذي يصوّر الفلّاحين في مصر، ولا حتى في الكتابة الأكاديميّة عن الفلّاحين التي عادةً ما تصف سياستهم إما بالسلبية والتفادي المستمر ، أو بالفعل الثوري العنيف . تقترح هذه المصادر أيضاً بأنّه عوضاً عن رؤية الدولة ومجتمع الفلّاحين من منظورٍ حديث في اتّجاهٍ واحد وعداوة صفريّة المحصّلة ، يمكن تصوّر مجموعةٍ من العلاقات أكثر تشظّيّاً وتبايناً تتضمّن حواراً متبادلاً (25) . وفي حالتَي عريضة رواية الأرض والعريضة ضدّ التجنيد الإجباريّ في الهماميّة كلتيهما ، يورّط الأهالي أنفسهم في شبكةٍ من ديناميّات السلطة غير المتكافئة والتي بإمكانها أن تبتلعهم بالرغم من محاولاتهم استخدام لغتها .

حاول عبّاس أن يكون أذكى من القانون إلّا أنّ القانون كسب في النهاية . ففي واحدةٍ من زياراته العديدة إلى مركز البوليس في أسيوط (والتي زاد تكرارُها ويأسُها كلّما وصلتْ من القرى المجاورة أخبارٌ عن القبض على النّاس هناك) ، قُبِلت عريضتُه أخيراً وحظيت بالاهتمام الذي ظلّ يطلبه شهوراً . طلب منه مأمور المركز أن يشهد شفاهةً وكتابةً أنّ كلّ اسمٍ من الأسماء الآتية في العريضة ترفض التطوّع في الحرب رفضاً باتّاً ، وأنّ كلّ اسم لم يأتِ في العريضة يوافق طبعاً على التطوّع . ولأنّ عبّاس حرص على وضع الأسماء الخمسة والأربعين التي تطابق اشتراطات التطوّع كلّها ، شهد عبّاس بما طُلب منه ووَقَّع على شهادته تلك ، غافلاً أنّه نسيَ و(ربّما) نسي العمدة أن يضعا اسمه هو نفسه على العريضة . وبمجرّد أن وقّع العريضة ، قُبض على عبّاس لأنّ الأهالي الذين أسماؤهم على عريضة القرية فقط هم من يرفضون الذهاب للحرب .

استُبقي عبّاس في زنزانةٍ مظلمة وسخة هو وباقي المجنّدين من القرى المجاورة ولم يفرَج عنه إلّا بعدها بأيّامٍ عندما تطوَّع يونس - قريبه ومُريده - كي يأخذ مكانه . وكان يونس عبد الله هو الوحيد من أهالي الهماميّة الذي ذهب للحرب والوحيد من كلّ من ذهبوا من أهالي أسيوط الذي كُتب له أن يعود .

إضرابات على الجبهة وتفكيك السلطة

كتب المُلازم إي.كيه ڤينابلز :

«ذات مرّة أثناء مروري ليلاً للتأكّد أنّهم كلّهم في سبات ، خرجتْ أصواتٌ من أحد أكياس النوم موجزةً حال الجيش بما فيها ملاحظاتٌ تنتقد البريطانيّين والأتراك . وعندما حذّرهم الباش رَيِّس كي يخرسوا ويناموا ، أجاب أحدُهم ، «حسناً يا حسن، نحن نعرف أنّه ينبغي عليك تنفيذ أوامر الرجل الكبير» . تلا تلك الإجابةَ ذعرٌ صامتٌ إلى أن تدخّل : «لكنّك تعرف أنّ الرجل الكبير نفسه يسمعنا» . وبغضّ النظر عن مدى قلق المتحدّثين في الطابور صباح اليوم التالي ، لم تُتّخذ ضدّهم أيّ خطوات، فهم كانوا أحد أفضل العمّال في الفرقة» (26) .

قليلةٌ هي الحكايات أو الدراسات عن خبرات المجنّدين المصريّين على الجبهة ، ناهيك عن طرق المقاومة التي اتّبعوها هناك (27) . ولا تزال توجد بعض الفرص للتنقيب عن أصوات المصريّين على الجبهة خلال الحرب العالميّة الأولى . واحدة من تلك هي الأغنيات التي وثّقها الملازمون البريطانيّون المشرفون على فرق العمل في يافا وسيناء . يَظهر هذا التوثيق في أرشيف الخارجيّة البريطانيّة ، كما يَظهر في بعض المذكّرات كمذكّرات إي.كيه ڤينابلز الذي أشرف على فرق العمل في رفح وغزّة ولاحقاً في يافا (28) .

في الحادثة المقتبسة أعلاه ، يستمع ڤينابلز للعمّال بينما هم يُنَكِّتون مدركين أنّه يسترق السمع وأنّ بعض النّكات كانت عنه هو . هنا لا تصير النكات فقط طريقةً لإضعاف سلطته (29) بالسخرية منه ومن السلطة التي يمثّلها ، بل تصير أيضاً طريقةً لمواجهته بتلك السخرية لأنّهم يعرفون أنّه يسمعهم، بل أنّهم يعرفون أنّه لن يقدر أن يفعل شيئاً كي يردّ على سخريتهم. وبالمثل، بل ربّما بمزاج أكثر راديكاليّة، أدرك يونس عبد الله وزملاؤه على الجبهة في مدينة «كاليه» أنّ أهمّ شيءٍ للجيش الفرنسيّ هو ألّا يتوقّف العمل ، وأنّهم بهذا المعنى لا يمكن الاستغناء عنهم . تعلّم هؤلاءِ بسرعة أنّ الإضرابات وسيلةٌ فعّالة يحصلون بها على ما يحتاجون.

وصل يونس وأربعةٌ وعشرون زميلاً له من أسيوط إلى بولونيا بعد رحلةٍ في البحر استغرقتْ خمسة وأربعين يوماً . أُخذوا من هناك إلى كاليه حيث صدرتْ لهم التعليمات بحفر خنادقَ عمقُها متر على المدد . عُيِّن أحدهم (ثابت) رَيِّساً على الباقين وخُصّص لهم ملاحظٌ مغربيّ (30) . لم تعجبهم أحوال معيشتهم عند الوصول ، فقد أُعطي كلٌّ منهم لوحاً خشبيّاً ينام عليه وثلاث بطانيّات من الصوف (واحدة توضع فوق اللوح مباشرةً ، وثانية يغطّون أنفسهم بها، وثالثة كوسادة) . ثمّ إنّهم انتظروا بضع ساعات حتى جهز الطعام الذي كان مقزّزاً. وعندما قرّروا ألّا يبارحوا مواقعهم نهاية الأسبوع لأنّهم سوف يُطردون من كلّ مطعم أو مقهى يدخلونه ، طلب منهم المجنِّدون عملاً في أيّام راحتهم . إلّا أنّه سرعان ما علّمهم الريّس ثابت حيلة ذكيّة، وكما يأتي في المذكّرات :

«الريّس ثابت عرف يتعامل مع الفرنساويّة . مسك عليهم مسكة وعلّمنا حيلة . هي حيلة ولكن نفعتْ . أهمّ ما يهمّهم هو ألّا نتوقّف عن العمل . فكلّما أردنا شيئاً كنّا نتأخّر في النوم فيأتي الفرنساويّة ويرطنون بلسانهم فيقول المغربيّ أنّنا لا نريد أن نشتغل لأنّ الجراية قليلة فيعطونا المزيد . كلّ ما نريد ، حتى الشاي الثقيل ، حتى الدخان ، حتى اللحم الأحمر لا نطلبه . تَعلّمنا أنّنا إذا طلبنا لا نحصل على ما نطلب ، وأنّ «الناس تخاف وما تختشيش» . سلاحنا جاهز . نتوقّف عن العمل وثابت يقول : «أصل الرجّالة عاوزين كذا، فيحضرونه على طول» . وانبسطنا آخر انبساط ... إلى أن جاء الشتاء»...  (31) .

تكمن أهمّيّة تلك الإضرابات في أنّها علّمت المجنّدين أنّ اعتماد الحرب عليهم كموارد يعني أنّهم يستطيعون منع هذه الموارد عن السلطة بالتوقّف عن العمل ، وبالتالي يجعلون السلطة أضعف.

يشرح سيف الدولة في بداية المذكّرات أنّ السلطة تعني عند أهالي الهماميّة أكثر من مجرّد مزيجٍ من الإدارات (32) ، فهي أيضاً قوّة أكبر غير معروفة . فالسلطة «تأخذ الغلّة والحمير والجمال والنقود وتخطف الأطفال وتهتك أعراض النسوان» ، و«ما حدّش راح السلطة من الهماميّة غير يونس ، وما حدّش رجع منها حيّ غيره»، ويسأل أهل القرية «عن مصير الذين أخذتْهم السلطة»، و«عاد يونس عبد الله من السلطة قبل أن يعود غيره» . صارت السلطة تمثّل البرزخ الذي هو الحرب ، حيث لا أخبار تعود منه وبالكاد يرجع قليل ممّن ذهبوا «حيث لم يكن أحد يعرف قبل أن يحكي يونس عبد الله » .

تشير تقارير ١٩١٨ في أرشيف الخارجيّة البريطانيّة (33) إلى أنّ هناك العديد من حالات القبض نتيجة التحريض على المقاومة ، وأنّ أغاني ظهرتْ عن الحرب وإغراءاتها (34) محذّرةً الآخرين من الاشتراك في الحرب . تتّسم المقاومة بطابع المواجهة أكثر حتى تتحوّل للعنف ، فتُقطع سكك الحديد ، وتنتشر النيران والجثث في القرى . يصير هذا هو الحال في مصر، لكن أيضاً في الجزائر وفي غرب أفريقيا (35) حيث بدأ الأهالي الانتفاضات بعد أخذهم إلى الحرب.

الإضراب حتى الموت

إلّا أّن هذه الجرأة المتزايدة لم تأتِ من دون تكلفة . ففي حالة يونس عبد الله ، تدهورت بحلول الشتاء صحّة أحد زملائه ويُدعى القبيسي ، والذي كان مريضاً وضعيفاً أصلاً . وفي صبيحة يومٍ من الأيّام استيقظوا ليجدوه تجمّد حتى الموت ، «أوّل واحد منّنا يموت في الغربة» . أبلغ العمّالُ المسؤولين الفرنسيّين عن موته ، وطلبوا ماءً ساخناً كي يغسلوه ويشرعوا في إجراءات الدفن ، وهو الطلب الذي رُفض دون تردّد . الموت في الغربة شيء ، لكنّ عدم الدفن تبعاً للطقوس الإسلاميّة هو نوعٌ آخر من الضياع - ضياع ألّا يجد الإنسان طريقه في الخلود .

قرّرت المجموعة الإضراب وعاهدوا بعضهم البعض على أن يظلّوا متّحدين حتى يُرسَلوا إلى موطنهم ، فكلٌّ منهم يخاف أن يكون هو الآتي دورُه في الموت . استمرّ الإضراب عن العمل والطعام خمسة أيّامٍ حضر بعدها الجنرال الفرنسيّ الذي كانوا يدعونه «جنّ النار» (لعبة على كلمة «جنرال») للتفاوض معهم بنفسه. وحين فشل التفاوض ، جعلهم يقفون في المطر ، فاعترضوا وجلسوا جميعاً متّحدين . عاد الجنرال ونشب جدال ، وفقد الريّس ثابت هدوءه وهاجم الجنرال وقتله . أطلق العسكر الفرنساويّة النّار عندها على مجموعة العمّال فماتوا جميعاً إلّا يونس . فحص المشرف المغربيّ ، واسمه خليفة ، الجثث واحدةً واحدة ، وحين وجد يونس نصحه بألّا يتحرّك وأن «يعمل نفسه ميتاً» حتى يفحصه الطبيب في المستشفى ، ونصحه بأن يتذكّر أن ينبّه مَن يفحصه «أنّه جريح ولا يجوز قتل الجرحى» . تبع يونس نصيحة خليفة فاستُبقي في المستشفى حتى شُفي ، ثمّ أرسل إلى موطنه في رحلةٍ طويلةٍ دامتْ (45) يوماً . وهو الآن يجلس في مقعد داره يحكي حكايته بصوتٍ عالٍ تسمعه القرية كلُّها .

ثورة ضدّ الإنكليز أم ضدّ الباشوات ؟

يحكي القسم الأخير من مذكّرات عصمت سيف الدولة حكاية «الجزيرة» ، وهي قطعةٌ من الأرض ظهرتْ من ترسّب التربة التي يجلبها الفيَضان ، منتجةً في النهاية «جزراً» خصبة جدّاً يعيش عليها الفلّاحون في صعيد مصر. تُعتبر تلك الجزر نعمة ، بل وهِبةً من النيل . منحت الحكومة أكبر الجزر في الهماميّة عطيّةً للنبلاء في منتصف القرن التاسع عشر خلال حكم الخديوي سعيد ، كما يزعم الأهالي .

يشرح فكري أنّ الحرب جلبتْ «فقراً على فقر» ، موضحاً أنّها لم تجعلهم أفقر، بل أضافتْ بُعداً جديداً إلى فقرهم: ضعفَ سيطرتهم على مقدّرات عيشهم ، و«اضطراباً في علاقاتهم الاجتماعيّة المستقرّة» . «لم تزدْهم الحرب فقراً على فقر، ولكنّها زادتْ من شعورهم بالفقر حين تجاوزتْ آثارُها الاقتصاديّة حدود الحاجات المادّيّة الأساسيّة فأشاعت الاضطراب في علائقهم الاجتماعيّة المستقرّة فتمرّدت النساء وخربت البيوت» (36) .

قرّر فكري وصديقه نعمان أنّ الطريق الوحيد لاستعادة «الجزيرة» هو في أخذها بالقوّة ، وأنّ علاقات القوّة بينهم وبين الحكومة ينبغي إعادة ترتيبها . يفكّر المؤلّف ومَن أجرى معهم المقابلات مليَّاً في فكرة الحكومة كما يعبّر عنها أهل الهماميّة . تظلّ الحكومة دائماً مجسّدةً في شخص ، جابي الضرائب ، أو المأمور ، أو الباشا صاحب الأرض . على عكس السلطة، التي هي قوّةٌ أو شيء ، الحكومة شخص ، تجسيدٌ لعلاقات القوّة القاهرة . هنا يتكرّر ثانيةً حكيُ حصيلة القرية من تاريخ تعاطيها مع الحكومة . يشاهد فكري ونعمان مظاهر الانتفاضة (في ١٩١٩) أثناء سفرهما إلى المدينة وهما يحاولان الوصول إلى حيث يعتقدان أنّ بإمكانهما الحصول على السلاح . النار في كلّ مكان . كانا راكبين القطار المتوجّه إلى ديروط خلال الحادثة الشنيعة حين توقّف القطار وقُتل الجنود البريطانيّون بأيدي الأهالي (37) . يلتقي الاثنان شخصاً يوزّع السلاح ويوافق على أن يعطيهما سلاحاً بشرط أن ينضمّا للثورة . ويوافق الاثنان على ذلك بشرطٍ آخر ، لأنّه : بعد الثورة لن يستردّ أحدٌ السلاح منّا فنستردّ جزيرتنا بإذن الله إذا لم يردّوها لنا . فقلت سمعت في أسيوط أنْ قد سقطتْ حكومة الباشوات التي يرأسها رشدي بك . وغداً تنتصر الثورة وتقوم حكومة الفلّاحين (38) . تثير أخبار الثورة ردود فعل متباينة بين الأهالي . فهناك الحماسة للانتفاضة ضدّ البريطانيّين ، ما يعطيهم فرصةً للحصول على السلاح والقتال لتحصيل مطالبهم هم . إلاّ أنّ هناك أيضاً إدراكهم أنّ كلّ الأسماء المرتبطة بثورة الوفد هم من الباشوات أصحاب الأراضي ، عَينِ من يقهر الفلّاحين وعينِ من يرغب الفلّاحون في هزيمتهم .

يَظهر هذا الصراع في كتابات راينهاردت شولتز (39) الذي ينظر في فجوة السلطة الناتجة من انسحاب القوى الاستعماريّة ، والخطر الذي تمثّله للصفوة المالكة للأراضي ، خصوصاً التي لا تعيش على الأرض نفسها . لا يعرف الفلّاحون على وجه اليقين إنْ كانت الثورة ستعضد قوّة الطبقة المالكة للأرض ، أم أنّها تمثّل فرصةً (للتسلّح وربّما الثورة ضدّ حكومة ملّاك الأراضي) ، أو كما في حالة الشيخ عّباس ، إن كان ينبغي عليهم الانضمام للثورة لوضع مطالبهم موضع الصدارة منها .

يُلقي النظر عن قرب إلى خبرة فكري وصديقه، وقَناعتهما بأنّ الثورة المسلّحة هي الطريق الوحيدُ لإعادة ترتيب علاقات القوّة ، ضوءاً جديداً على الفترة بين ثورة الفلّاحين ١٩١٨ وثورة ١٩١٩. فأوّلاً، هي تُبصِّرنا بهذه الأحداث الموثّقة باعتبارها جرائم «عنيفة» . ففي حالة الهماميّة ، والتي يبدو أنّها كان لها دورٌ في تلك الأحداث الأيقونيّة التي تعاود الظهور في العديد من المصادر التاريخيّة والأدبيّة ، يوجد وعيٌ سياسيٌّ قويّ واعتبارٌ لتاريخ من العلاقات مع الحكومة لحصيلة بعينها من علاقات القوّة ، كما أنّ هناك رغبةً في تغيير هذه العلاقات بالعنف .

هناك أيضاً تفكيكُ سرديّة ١٩١٩ عن الوحدة وتعبئة الصفوة المثقّفة جمهورَ الفلّاحين . هنا يرى الفلّاحون الثورة تشتعل ويفكّرون في كيفيّة استغلالها لصالحهم . هم أيضاً يفكّرون في إمكانيّة الثورة على الثورة بمجرّد انتهائها ، حتى يحقّقوا حكومة الفلّاحين . وفي الحالتين كلتيهما ، نجد أنّ للفلّاحين مصالحَ خاصّة يضعونها في قلب الثورة ، ولا نجدهم يرتبطون بالمصالح الوطنيّة التي يرَون أنّها تكاد تتساوى في القمع مع مصالح الاستعمار .

طبقاً لمذكّرات الصحافيّ مصطفى أمين ، أعطي النّاسُ منشوراتٍ في ثورة ١٩١٩ تطلب منهم الهتاف من أجل «الهدوء والسكينة» . وهو ما فعله الناس أثناء تكسيرهم واجهات المحلّات وإشعالها (40) . يمثّل هذا التناقض الوعيَ المتناقضَ لهذه المظاهرات ، حيث تتعارض الهتافات مع الأفعال مظهرة شرارة الديناميّات التي تحلّ في الثورة محلَّ القلب . فحتى إن جرى تسريد وتأطير ثورة ١٩١٩ ببلاغة ، فإنّ الأصوات التي علَتْ أثناء الشغب والمظاهرات تدلّ على أشياء أخرى . يسري ذلك أيضاً على الشعارات المرفوعة في مقالٍ يعود لسنة ١٩٣٨ عن هتافات الحرب وأغانيها (41) ، حيث يناقش كاتب المقال الشعار المشهور «مش عاوزين حدّ أبداً يحكمنا ، وإن مكانش ولا حدّ يلومنا !» هذه الهتافات التي لا يبيّن المقال أصلَها هي نواة مشاعرَ أوسع ضدّ الحكومة تزداد توسّعاً بمرور الوقت . تَظهر ذات المشاعر أيضاً بوضوح في كتابات زينب أبو المجد عن الثورات في قرية قنا حيث يعتدي الناس على أعضاء الوفد خلال زيارتهم الصعيد بعد نهاية الثورة بسنوات (42) .

كلّ هذه الأحداث والشعارات تثقب ثقوباً في السرديّة الرائقة للثورة الشعبيّة ، لكنّ الأهمّ من ذلك أنّها تعطينا إحساساً بالإمكانيّة . ما الذي تتركه هذه الأحداثُ «المشوّشة» - «مشوّشة» بعنفها وبغياب وضوحِ الرؤية عمّن هو العدوّ ، وبغياب القوّة الموزَّعة بين طرفين في مقابل علاقات المقاومة - لحركات المستقبل ؟ كيف يبدو تأريخٌ بديل لـ١٩١٩ حين يتضمّن مثلَ هذا العنف ، وغياب القيادة ، ودرجة عالية من الأفقيّة ، وطرقاً لنشر الأفكار السياسيّة والتعبير عنها ؟ وكيف يؤثّر كلّ ذلك في الثورات الحاليّة ؟

خاتمة

«إنّ عرض أيّ موضوعٍ عن طريق الاهتمام «بالصورة الكبيرة» لا بدّ أن يُبرز الهياكل كبيرة الحجم والنزعات التاريخيّة على حساب التواريخ الصُغْر - اجتماعيّة التي ربّما تسمح بمساحةٍ أكبرَ لأصوات العوامّ» (جويل بينين) (43) .

بعدما عاد يونس من الحرب، جلس في مقعد داره في بيت العائلة وبدأ يستعيد تجاربه على الجبهة بصوت عالٍ يسمعه الجميع . كان رفْع الصوت أمراً معتاداً في حال كانت عند أحدهم قصة يحكيها، كي يصبح بإمكان الناس المتجمعين في المقعد أن يسمعوه ، وكذلك النساء والأطفال في فناء الدار الذين كانوا يحتاجون أو يفضلون البقاء في المنزل. كرر يونس القصة مرّة بعد مرّة كي يسمعه الجميع .

استخدم الناس هذه الطريقة في بعض الأحيان حين حضرت السلطات لسؤال الأهالي عن حريق القطار في أسيوط ، أو حين كانوا يبحثون عن الهاربين ، حيث يقف الناس في المقعد ويجيبون عن الأسئلة بصوتٍ مرتفع حتى يتأكّدوا أنّ الجميع قد سمعهم ، وأنّ رواياتهم ستتطابق . هذا التكنيك في الحكي ، في صياغة سرديّة يمكن أن يسمعها ويردّدها الجميع ، يرمز بعض الشيء للكيفيّة التي تُبنى بها سرديّات القرية ، فهو يمثّل الطريقة التي أنشئتْ بها «حصيلة» القرية وأعيد توكيده خلال الأحداث التي عرضناها في هذا المقال .

يعتمد عصمت سيف الدولة في استعادة مذكّرات القرية على هذه التقاليد الشفهيّة المتنوّعة ، ويروي القصص كما حُكيتْ له ويمْعن التفكير في المصطلحات المستخدَمة . كانت هذه محاولةً لتمييع هيمنة لغته هو (لغته القاهريّة ، وفهمه الأيديولوجيّ ومعرفته بالسياق التاريخيّ للأحداث) ، وهو يعتمدها كذلك لفهم كيف تسمّى الأحداث والفرق المتناحرة في الهياكل السياسيّة الأكبر للحكومة والإدارة الاستعماريّة وكيف توصف .

إنّ شفاهة المذكّرات تجعلها لا تسري بالترتيب التاريخيّ ، بل تُبنى كوعيٍ بما يجب أن تقاومه القرية وكيف يجب أن تُبنى تلك المقاومة. يرسم سيف الدولة كيف أنّ السلطة التي يقاومونها تطوّرت من الحكومة إلى الإدارة البريطانيّة المسؤولة عن الحرب ، إلى مزيج من إدارة القوّات الاستعماريّة والحكومة وممثّليهم في القرية ، ثمّ نهايةً بقوّةٍ أكبر تشمل كلّ هذه العناصر كما تشمل النبلاء أصحاب الأراضي الذين استنزفوا موارد القرية بما فيها أهلُها .

لم تكن هناك على مرّ المذكّرات «مقاومةٌ طاهرة» (44) . إنّ محاولة تضمين القرية في الخريطة السياسيّة الأكبر و«محاربة الحكومة بالحكومة» ، والحفاظ على هامشيّة القرية واستقلالها وبُعدها عن الأنظار ، إلى النقاش الحارّ عمّا إذا ما كان ينبغي على القرية أن تصير جزءاً من ثورةٍ وطنيّة أكبر ، كلّ هذه كانت صيرورةً مستمرّة من التفاوض مع هياكل القوّة داخل القرية وخارجها . فالقرية لم تكن إطلاقاً منعزلةً وإنّما مرتبطة بالبلد الأكبر، متورّطة في هياكل القوّة والصراعات حول التحكّم في الأرض .

إلّا أنّ المذكّرات تشير إلى أنّ خطابات المقاومة لم تنمحِ هكذا ببساطة - «لا من سياسة الزمن ، ولا من السجلّات التاريخيّة» (45) . لا تزال آثار النضالات موجودةً في حكايات مَن ورثوا خبرات القرية سماعاً وإن لم يكونوا عاشوا الأحداث المحكيّة ، وفي آثارٍ شفهيّة أخرى سلّطت عليها الضوء هنا كالنّكات وشعارات المظاهرات والأغاني الموجودة في مصادر أخرى متنوّعة . هذا التبصير بلغة الاحتجاج يلقي ضوءاً على نواة نضالاتٍ مختلفة اختفتْ في وهيج الصراع الأكبر من أجل الاستقلال الوطنيّ في ١٩١٩.

في كلّ واحدةٍ من الأحداث التي نوقشتْ هنا ، كان هناك نضال على مستوياتٍ متنوّعة . ثقة عبّاس في أنّه يعرف بالضبط كيف يقاوم التجنيد الذي تمارسه الإدارة الاستعماريّة قوبلت بالإعجاب والازدراء معاً أثناء مناقشة الأهالي خطورةَ المواجهة والاشتباك مع السياسة الكبيرة في توازن قوى غير متكافئ . إنّ الرحلات المضنية التي قام بها عبّاس إلى أسيوط على حماره ذهاباً وإياباً طوال المذكّرات - إمّا لمقابلة المحامين أو لتخليص أوراق ملكيّة الأراضي ، أو لمتابعة العرائض ، أو في نهاية الأمر ، فقط لينتظر يونس - صارتْ رمزاً لمحاولته ربطَ القرية بباقي العالم . وهو يقوم بهذا عن طريق توثيق مقاومتهم وترسيمها بتسجيل معارضتهم للتجنيد في العرائض وبتسجيل النزاع على الأراضي في وثائقَ قانونيّة .

في خبرة يونس على الجبهة ، نجده يتعاطى مع الآخرين من القرى المجاورة في أسيوط كما يتعاطى مع مُشرفهم المغربيّ حول أساليب الإضراب والمقاومة لتحسين ظروفهم بناءً على فهمٍ متزايدٍ بأهمّيّة وضرورة عملهم للجيش الفرنسيّ . إلّا أنهم في النهاية يُرمَون جميعاً بالرصاص إلّا يونس الذي يعود لقريته كي يحكي حكايته ويشارك في بداية عصيان ١٩١٨.

يجول في داخل فكري ونعمان وآخرين مثلهما، نزاعٌ بين الانضمام لثورة ١٩١٩ - ثورة أبطالها هم نفس أصحاب الأراضي الذين يرغبون في إخراجهم منها - واستخدام السلاح الذي مُنح لهم في الثورة في بداية «ثورة الفلّاحين الحقيقية» . إنّ فهم هذه المعضلة عظيم الأهميّة لفهمٍ أعمقَ لكلٍّ من جذور وطبيعة الانتفاضات التي تحيط بثورة ١٩١٩ وتؤدّي إليها . فحجر الأساس في السرديّة الفوقيّة لثورة ١٩١٩ هو وحدةٌ تعْبر الدين والطبقات ، ونقاشات مثل هذه تفكّك هذا الأساس وتُلقي الضوء على هياكل القوّة ، خصوصاً في داخل القرية والتي رغب الفلّاحون في مقاومتها قبل أن تُخرسهم ثورة ١٩١٩.

في كلّ هذه الأحداث لم يُصر إلى تقييم «نجاح أو فشل» تكتيكات المقاومة . هل أدّى تصميم الشيخ عبّاس على استخدام العرائض لإنقاذ القرية كلّها على حساب يونس ؟ أم أنّه أدّى لتسليم واحد من الأهالي بكلّ كفاءة ؟ هل حسّنت الإضراباتُ على الجبهة من أحوال العمل للخمسة والعشرين صعيديّاً في فرقة العمل في «كاليه» ، أم أدّتْ إلى هلاكهم جميعاً عدا واحداً ؟ هل كان ينبغي على فكري ونعمان التمسّك بموقفهما والحشد «لثورة الفلّاحين الحقيقيّة» ؟ أم كان الانضمام للقضيّة الوطنيّة أجدى من الناحية الاستراتيجيّة ؟

هذه ليست الأسئلة المطلوب طرحُها، والإجابات عليها مطلوبٌ فرضُها على تلك السرديّات . أهمّ ما يتعلق بهذه السرديّات الشفاهيّة والتواريخ الصُغرويّة وصفوف الاحتمالات هو ما تُبصِّرنا به في كيفيّة نشوء السياسة والوعي السياسيّ . فالفلّاحون لا يجدون أنفسهم فجأةً مشاركين في عصيان عنيف، ولا هم يخشَون المواجهة . هناك حصيلةٌ للقرارات السياسيّة والمواقف تراكمتْ على مدىً طويل في كلّ مفترَق طرق . تمدّنا القرية بتاريخٍ صُغرويٍّ لا يتّسم بالتجانس بأيّ حال . بل هو زمرةٌ من الأصوات الجماعيّة تخبرنا باحتمالاتٍ سياسيّة عديدة .

إنّ نظرةً أعمق في هذه السرديّة وعناصرها البلاغيّة تُبَصِّرُنا بسياسةٍ جديدة ، ولغة جديدة تعبّر عن تلك السياسة ، وتتركنا في حضرة تراثٍ جديدٍ لثورة أسطوريّة عمرُها مئة سنة . الثورات مشوّشة، والأخطار كبيرة ، والتضحيات بالغة، وعادة ما يُستبعَد الأهالي من العوام من النضال رغبةً في سرديّة سلسةٍ وموحّدة وطاهرة . إنّ النضال من أجل التفاوض حول السلطة ومن أجل مقاومة القمع مستمرٌّ لا نهايةَ له .

·         1 - Gayatri Chakravorty Spivak, In Other Worlds: Essays in Cultural Politics (New York: Routledge, 2008), 245

·         2 - .Joel Beinin, Workers and Peasants in the Modern Middle East (Cambridge: Cambridge University Press, 2001), 100

·         3 - .قُدّمت هذه الورقة ونُشرتْ بالإنكليزيّة في سلسة شبكة أبحاث الحركات الاجتماعيّة والحشد الشعبيّ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز الشرق الأوسط بمدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسيّة. أودّ أن أشكر جون تشالكرافت على دعمه أثناء بحث هذه الورقة وكتابتها وفي كل مساعيَّ الأكاديميّة قبلها، كما أودّ أن أشكر دينا حشمت وحنان السبع وخالد فهمي ونايرة أنطون وناريمان يوسف على تعليقاتهم القيّمة وتنقيحهم كثيراً من العبارات أثناء صياغتها. وفي المقام الأوّل، أود أن أشكر عايدة سيف الدولة على مساعدتها لي في العثور على مذكّرات والدها وعلى الإجابة عن أسئلتي الساذجة بينما ينهار العالم من حولنا. أشكر عمرو غربيّة على قبول المهمّة المستحيلة بترجمة أفكاري وكتابتي في لغة عربيّة بديعة، وعلى استعادة أصوات عصمت سيف الدولة وأهالي الهماميّة بلسانهم هم .

·         4 - .طالع تقارير متنوّعة في FO 141 / 797 / 2 وFO 141 / 268

·         5 - .في الأماكن التي خرج منها عدد كبير من المتطوّعين، جنّدت الإدارة المحلّيّة أو الاستعماريّة عدداً كبيراً من المجنّدين قسراً . إلّا أنّ السجلّات العموميّة والاصطلاح المحلّيّ كليهما استعملا «التطوّع»، فعلى سبيل المثال ، يشجّع الناس بعضُهم بعضاً على «مقاومة» التطوّع . لمزيد عن عمليّة التطوّع، طالع: Kyle Anderson, «The Egyptian Labor Corps: Workers, Peasants, and the State in World War I,» International Journal of Middle East Studies 49, no. 1 (February 2017): 5 - 24, https://doi.org/10.1017/S0020743816001112

·         6 - .Ellis Goldberg, «Peasants in Revolt: Egypt 1919,» International Journal of Middle East Studies 24, no. 2 (1992): 261 - 280; Rheinhard Schulze, «Colonization and Resistance. The Egyptian Peasant Rebellion of 1919,» in Peasants and Politics in the Modern Middle East, ed. Farhad Kazemi and John Waterbury (Miami and Florida: Florida International University Press, 1991)

·         7 - .في مذكّراته ، يذكر سعد زغلول الانتفاضات في مايو / أيّار١٩١٨في قرى تُجاور قريته هو في البحيرة، مركّزاً على أنّ الهجمات لم تكن فقط على مراكز الاستعمار ، لكن أيضاً (وعلى وجه الخصوص)على المتواطئين المحلّيين مثل وزارة الداخليّة في سعد زغلول، مذكّرات سعد زغلول، الجزء السابع ، حرّره عبد العزيز رمضان (القاهرة : الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، ١٩٩٦) ، ٣٦. تقتبس مذكّرات مصطفى أمين الصحافيّ وابن حفيد سعد زغلول زغلول نفسه في مناقشات عن كيف يحرّكون الأهالي . تظهر مشاهد حرق مراكز الشرطة وقطع سكك الحديد في قرى الصعيد والدلتا نفسها مرّة أخرى في مذكّرات أمين، إلّا أنّها مبيّنة في سياقٍ وطنيّ كهجوم مؤسّسات الاستعمار فقط كردّ فعلٍ على القبض على زغلول في مارس / آذار١٩١٩. طالع مصطفى أمين، من واحد لعشرة ، (القاهرة، مطبوعات كتاب اليوم، ١٩٧٧) ، ١٦٣

·         8 - .لمزيدٍ عن منطق التوكيلات والاستراتيجيّة من ورائها ، طالع زغلول ، مذكّرات سعد زغلول : الجزء السابع . لنصّ التوكيلات ، طالع أمين ، من واحد لعشرة . لاستراتيجيّات التوزيع ، طالع عبد الرحمن الرافعي ، ثورة سنة ١٩١٩: تاريخ مصر القومي من ١٩١٤ إلى١٩٢١(القاهرة : دار المعارف، ١٩٨٧) ٨ Ziad Fahmy, Ordinary Egyptians: Creating the Modern Nation through Popular Culture, 1870 - 1919 (Cairo: American University in Cairo Press, 2011)

·         9 - .Ziad Fahmy, Ordinary Egyptians: Creating the Modern Nation through Popular Culture, 1870 - 1919 (Cairo: American University in Cairo Press, 2011), 143

·         10 - .أمين، من واحد لعشرة،١٦٢

·         11 -  .لطيفة سالم، مصر في الحرب العالمية الأولى (القاهرة : الهيئة العامة للكتاب، ١٩٨٤)؛ زغلول ، مذكرات سعد زغلول : الجزء السابع

·         12 - .Anderson, «The Egyptian Labor Corps: Workers, Peasants, and the State in World War I»; Goldberg, «Peasants in Revolt: Egypt 1919»; Schulze, «Colonization and Resistance. The Egyptian Peasant Rebellion of 1919»; Farhad Kazemi and John Waterbury, Peasants and Politics in the Modern Middle East (Miami: Florida International University Press, 1991)

·         13 - .توضح زينب أبو المجد كيف أنّ تاريخاً يُترك عادةً من التمرّد والمقاومة في الصعيد ، وخصوصاً قنا ، يمكن كشفه بالبحث في سجلّات المحاكم والبوليس عن «الجرائم» و«الأنشطة الإجراميّة» (أنشطة قبل - سياسة أو لا سياسيّة) في Zeinab Abul-Magd, Imagined Empires: A History of Revolt in Egypt (Berkeley: University of California Press, 2013)

·         14 - .طالع مثلاً استخدام جويل بينين مذكّرات فكري الخولي عن إضرابات المحلّة في الأربعينيات Beinin, Workers an Peasants in the Modern Middle East, و Hanan Hammad, «Arwa Salih’s the Premature: Gendering the History of the Egyptian Left,» Arab Studies Journal 24, no. 1 (2016): 120 - 145, واستخدام دونالد كواترت (٢٠٠١) مذكّرات عاملٍ من عمّال مناجم الفحم في تركيّا في القرن التاسع عشر. Donald Quataert, Miners and the State in the Ottoman Empire: The Zonguldak Coalfield, 1822 - 1920, vol. 7 (Berghahn Books, 2006); Donald Quataert and Yüksel Duman, «A Coal Miner’s Life during the Late Ottoman Empire,» International Labor and Working Class History 60 (2001): 153 - 179

·         15 - .Samia Mehrez, Egyptian Writers between History and Fiction (Cairo: American University in Cairo Press, 1994); Noha Radwan, «A Place for Fiction in the Historical Archive,» Critique: Critical Middle Eastern Studies 17, no.1 (2008): 79 - 95

·         16 - .الرافعي، ثورة سنة ١٩١٩: تاريخ مصر القوميّ من ١٩١٤إلى ١٩٢١

·         17 -  .Alia Mossallam, «‘Hekayat Sha’b.’ Nasserism, Popular Politics and Songs in Egypt. 1956-1974» (PhD Thesis, 2012), LSE Theses Online, https://core.ac.uk/download/pdf/16390657.pdf

·         18 - .عصمت سيف الدولة . مشايخ جبل البداري : الجزء الثاني من مذكّرات قرية (القاهرة : دار الهلال ، ١٩٩٦)، ١٦

·         19 - .سيف الدولة، مشايخ جبل البداري : الجزء الثاني من مذكّرات قرية ،١٠

·         20 - .رغم أنّ هذا هو معنى «السلطة» الرسميّ، إلّا أّنه اصطلاحٌ يتحوّل معناه في مذكّرات سيف الدولة ، وهو ما أستكشفه بتفصيلٍ أكبر في الأجزاء القادمة

·         21 - .Notes on Recruitment, FO141 / 2689

·         22 - .جرت العادة أن تُصدر للنّاس الأمّيّين أختامٌ رسميّة تحلّ محلّ توقيعاتهم

·         23 - .Selim,The Novel and the Rural Imaginary in Egypt, 1880 - 1985, 176 - 79

·         24 - .John Chalcraft, «Engaging the State: Peasants and Petitions in Egypt on the Eve of Colonial Rule,» International Journal of Middle East Studies 37, no. 3 (August 2005): 308

·         25 - .Chalcraft, 318

·         26 -  .‘Still they served,’ E.K. Venables, «EKV/III-7 Lieutenant E.K. Venables’ Papers» (Unpublished Manuscript, 1919 - 1916), Imperial War Museum Department of Documents

·         27 - .هناك عددٌ من الدراسات عن خبرات الجنود الهنود في الجيش البريطانيّ من خطاباتٍ مصادَرة أو خضعتْ لرقابة الاستخبارات البريطانيّة . نظرتْ دراساتٌ أخرى في كيف وثَّق أسرى الحرب في ألمانيا (خصوصاً بين أفراد قاع المجتمع من المستعمرات البريطانيّة والفرنسيّة) خبراتهم على الجبهة وأخفَوها في صورة أغانٍ أو حكاياتٍ شعبيّة جمعها باحثو علم الموسيقى الإثنيّة واللغويّين من معسكرات السجناء . طالع مثلاً : Das Santanu, «The Singing Subaltern,» Parallax17, no. 3 (n.d.): 4 - 18; Anette Hoffman, Echoes of the Great War: The Recordings of African Prisoners in the First World War, Arts Journal3 (October 2014): 7 - 23, https://doi.org/10.5456/issn.2050-3679/2014s11ah; Anette Hoffman and Phindezwa Mnyaka, «Hearing Voices in the Archives,» Social Dynamics41, no. 1 (December 2014): 141 - 165; Britta Lange, «South Asian Soldiers and German Academics: Anthropological, Linguistic and Musicological Field Studies in Prison Camps,» in When the War Began We Heard of Several Kings. South Asian Prisoners in World War I Germany, ed. Roy Fraziska, Heike Liebau, and Ahuja Ravi (New Delhi: Social Science Press, 2011)

·         28 - .Venables, «EKV/III-7 Lieutenant E.K. Venables’ Papers»

·         29 - .تشرح سلوى إسماعيل أفكار دوكرتو عن الثقافة الشعبيّة والمقاومة ، واصفةً ممارسةً تضعف السلطة. «صيرورة تدريجيّة تٌحدث شقوقاً صغيرة تهدم في النهاية هياكل التسلّط . هذه الخدعة التي تنطلي على النظام القائم تشكّل تكتيكاً من تكتيكات المقاومة الشعبيّة » Salwa Ismail, Political Life in Cairo’s New Quarters: Encountering the Everyday State (Minnesota: University of Minnesota Press, 2006)

·         30 - .كانوا يشيرون إليه بـ«المغربيّ» ، والتي قد تعني أنّه من المغرب أو من بلاد شمالي أفريقيا، فقد يكون مجنّداً جزائريّاً في الجيش الفرنسيّ

·         31 - .سيف الدولة ، مشايخ جبل البدارى : الجزء الثاني من مذكّرات قرية ،١٣

·         32 - .هذا ما يسمّيه كايل أندرسُن «نظام ضغط الإدارة» والذي يجمع وزارة الحرب ، والدبلوماسيّين المدنيّين من الخارجيّة البريطانيّة ، وحكومة رشدي . طالع Anderson, «The Egyptian Labor Corps: Workers, Peasants, and the State in World War I,» 11

·         33 - .طالع FO 141 / 797 / 7652 عن حادث في كفر الصارم حيث ألقي القبض على سيدي أحمد شعبان لأنّه قال للنّاس «لا تقبلوا ولا تخشوا شيئاً ، بل اضربوا كلّ من يقترح عليكم التطوّع»

·         34 - .لم يكن كلّ من أخذ إلى الحرب مجبوراً على ذلك، كما ساعدت بعض المحفّزات الاقتصاديّة على التطوّع. طالع Anderson, «The Egyptian Labor Corps: Workers, Peasants, and the State in World War I»; Goldberg, «Peasants in Revolt: Egypt 1919»

·         35 - .من ضمن الانتفاضات المعروفة والمتعلقّة بالتجنيد الاستعماريّ لأغراض الحرب (والتي شملت كذلك الجيش والإدارة المحلّيّة) انتفاضات المجنّدين في مناطق من الجزائر في ١٨١٤و١٩١٦ - ١٩١٧وفي ڤولتا العليا في ١٩١٥ - ١٩١٦. طالع Gilbert Meynier, L’Algérie Révéléé - La Guerre de 1914 - 1918 et Le Premier Quart Du XXe Siécle (Paris: Droz, 1981); Hoffman and Mnyaka, «Hearing Voices in the Archives»

·         36 - .سيف الدولة، مشايخ جبل البدارى: الجزء الثاني من مذكّرات قرية، ٢:٥٤

·         37 - .Fahmy, Egyptians: Creating the Modern Nation through Popular Culture, ١٩٧٠ - ١٩١٩,١١; سيف الدولة ، مشايخ جبل البدارى : الجزء الثاني من مذكّرات قرية، ١٤٤ - ٥. لمزيد من التقارير عن هذه الحادثة ، طالع FO 141 / 753 / 3 و Tawwaf,١٩١٩

·         38 - .سيف الدولة ، مشايخ جبل البدارى : الجزء الثاني من مذكّرات قرية ، ١٦٨

·         39 - .Schulze, «Colonization and Resistance. The Egyptian Peasant Rebellion of 1919»

·         40 - .أمين ، من واحد لعشرة ،١٦٣

·         41 - .عبد اللطيف النشّار، «الثقافة العسكرية وأناشيد الجيش» الرسالة ٢٢٤ (٢٧نوفمبر / تشرين الثاني ١٩٣٩)؛ Alia Mossallam, «‘Ya ‘aziz ‘Aini, Ana Bidi Arawah Baladi’: Voyages of an Egyptian Tune from Estrangement at Home to Longing on the Fronts of WWI,» in Cultural Entanglement in the Pre-Independence Arab World: Arts, Thought and Literature (I.B. Tauris, Forthcoming)

·         42 - .Abul-Magd Empires: A History of Revolt in Egypt, 144

·         43 - .Beinin and Peasants in the Modern Middle East, 99

·         44 -.Ella Shohat and Robert Stam, Unthinking Eurocentrism: Multiculturalism and the Media (London: Routledge, 1994), 11

·         45 -.Chalcraft, «Engaging the State: Peasants and Petitions in Egypt on the Eve of Colonial Rule,» 318

المرجعية التاريخية في الأثر الأدبي للدكتور عصمت سيف الدولة (1) .

المرجعية التاريخية في الأثر الأدبي للدكتور عصمت سيف الدولة (2).

المرجعية التاريخية في الاثر الادبي للدكتور عصمت سيف الدولة  (3)