القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 7 أغسطس 2026

هكذا تحدث محمد شحرور .

 

هكذا تحدث محمد شحرور ..

توفيق السيف 

ينتمي الدكتور محمد شحرور إلى طائفة من المفكرين ، الذين لا يرون أنفسهم مديِّنين لأعراف المؤسسة الدينية التقليدية أو قيمها . وهو لا يرى نفسه مديناً لرواة الحديث ولا للفقهاء والمفسرين ، ولا لمنهجهم في قراءة النص الديني واستنباط الشرائع . بل إنه لا يكتم إنكاره للقيم والقواعد التي يجلونها أيَّما إجلال .

يعمل شحرور على أرضية فلسفية ومنطق استدلال مختلف . ولهذا ؛ فليس ممكناً أن يبلغ النتائج ذاتها المتعارفة في المدرسة الدينية التقليدية . في السطور التالية بعض أبرز العناصر التي تميز منهجه عن نظيره المتعارف في هذه المدرسة :

أولاً : يتعامل شحرور مع الدين كبرنامج بحث مفتوح لكل الأجيال. يفهم الخطاب القرآني على ضوء توسع الإنسان في فهم «كلمات الله» أي قانون الطبيعة . ولذ ا؛ سيكون لكل جيل تفسيره الخاص المرتبط بما يستجد من معارف . إن تفسير القرآن في زمن ، يعكس بالضرورة المعارف المتوافرة في ذلك الزمن . لا يتعلق الأمر بالمحتوى اللغوي ، بل باستيعاب الرابطة العميقة بين الخطاب الرباني وقانون الطبيعة .

يتعارض هذا التأسيس مع المنطق الداخلي للمدرسة التقليدية في جانبين مهمين : 

أ - اعتبار رأي الأسلاف مرجعياً مقدماً على رأي المعاصرين ؛ لأنهم أقرب لزمن الوحي . 

ب - التعامل مع تفسير القرآن كمعالجة للتركيب اللغوي والفني في النص .

ثانياً : ما سبق يعني أيضاً أن جانباً من المنظومة الدينية اجتهاد بشري بحت . فهي ليست بكاملها سماوية (وفق ما يصوره الخطباء والمتحدثون) . وقد صدم شحرور قراءه حين قال : إن المحرمات 14 فقط . لأنه يرى أن التحريم حكم خاص بالله ، وقد بيَّنه القرآن بوضوح . أما بقية ما اشتهر في الفقه كمحرمات ، فهي ممنوعات عرفية ، وإن حملت صبغة دينية باعتبارها ضرورة للنظام العام . وفقاً لرأي شحرور ، فإنه ليس للرسول ولا الإمام ولا الفقيه أن يحرّم شيئاً، لكنهم جميعاً مخولون بالنهي عن أي فعل يؤدي إلى مفسدة عامة.

ثالثاً : تصحيح الأحكام الشرعية : حسب العرف الجاري للفقهاء، فإن الحكم الشرعي يعتبر صحيحاً ، إذا تم الاستدلال عليه وفق القواعد المعروفة في أصول الفقه، وثبت ارتباطه بالنص (القرآن أو السنة) . أما شحرور فرأى أن الواقع، هو المختبر الذي يثبت سلامة الحكم الشرعي أو خطله . يجب أن يحقق الحكم مصلحة عقلانية ظاهرة أو يرفع مفسدة ظاهرة ، ولا يصح الاحتجاج بما يسمونه مصالح خفية ، كما لا يكفي استناد الحكم إلى نص قطعي الصدور أو صريح الدلالة ؛ لأنه قد يكون ناظراً لظرف تاريخي خاص.

رابعاً : يعتقد شحرور أن الهوية الدينية (بالمعنى السوسيولوجي) ليست من لوازم الدين . المجتمع الديني بكل شعائره ونظم حياته وأخلاقياته ، يجسد هوية ونظام حياة يختارها أتباع الدين . لكن هذه ليست ديناً بالمعنى الدقيق. بل قد تتجلى روح الدين في مجتمعات لا تحمل أي إعلان عن ديانتها. وحسب تعبيره ، فإن «لسان حال المجتمعات التعددية يقول إن الله واحد وغيره متعدد» ، وأن «لسان حال المجتمعات المتطورة يقول إن الله ثابت وكل شيء عداه سبحانه متغير» . بعبارة أخرى ، فإننا قد نرى تجسيداً للقيم الدينية الكبرى في مجتمعات تتبع سنن الله ، وإن لم تظهر عليها سمات دين بعينه .

هذه جولة سريعة جداً تكشف عن أن فكر المرحوم شحرور، يخالف الفكر التقليدي في المنطلقات والفلسفة العامة ؛ ولذا فهو يضرب في مسارات بعيدة جداً عن تلك المتعارفة في المدرسة التقليدية . هذا يجعل تأثيره محدوداً ، لكنه يصنع – ولو ببطء – مستقبلاً مختلفاً جداً .

(هات بوست)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق