الفكر السياسي الناصري وضرورة الانتقال من مواقف الجمود او التجاوز الى موقف التجديد والتأصيل.
د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفة
القيم الاسلامية في جامعة الخرطوم
.
تمهيد :
تهدف الدراسة الى بيان ضرورة الانتقال بالفكر السياسي الناصري
- باعتباره احد تيارات الفكر السياسي العربي المعاصر - من مواقف الجمود ” القبول
المطلق”، او التجاوز ” الرفض المطلق” - باعتبار أن هذه المواقف تعبر عن نمط
التفكير الأسطوري، وتتناقض مع الموقف الإسلامي الصحيح من التجارب الانسانية - الى
موقف التجديد والتأصيل “الموقف التقويمي”، من خلال مراجعات تجديديه تأصيلية - باعتبار
ان هذا الموقف يعبر عن التفكير العقلاني، كما يتسق مع الموقف الإسلامي الصحيح من
التجارب الإنسانية
-
مفهوم المراجعات وتطبيقاته في التجربة الناصرية والفكر السياسي
الناصري :
المراجعة لغة الرَدُّ مرة أخرى إلى الأصل. أما اصطلاحا
فهي عملية نقد ذاتي ، يقوم بها فرد أو جماعه ، لمفاهيمه ” النظرية ” ومواقفه ”
العملية “، فمضمونها – منهجيا – تجاوز موقفي الرفض او القبول المطلقين، إلى موقف
تقويمي قائم على بيان الايجابيات والسلبيات ، بهدف قبول الاولى ورفض الثانية. وقد
قام الزعيم جمال عبد الناصر بمراجعات للفكر السياسي الناصري ، على المستويين النظري
والعملي ، من خلال تقديمه نقد ذاتي للتجربة الناصرية والفكر السياسي المستقرء منها
. فعلى سبيل المثال هو يقر في خطاب له بتاريخ ٣ ديسمبر١٩٦١ انه لم يتم تحقيق العدالة
الاجتماعية والقضاء على الظلم الاجتماعي والاستغلال السياسي والاقتصادية والاجتماعي
بصوره تامهة .
تناقض القراءة العلمانية للتجربة الناصرية معها :
تعددت قراءات التجربة الناصرية، نتيجة لأسباب متعددة.
ولكن يجب تقرير تناقض القراءة العلمانية معها، لأنها تناقضت - على المستويين
النظري والتطبيقي - مع العلمانية كحل قدمته أوربا الليبرالية، ضمن ظروف تاريخيه
خاصة، لمشكله العلاقة بين الدين والدولة، يقوم على الفصل بينهما، فعلى المستوى
النظري نجد – من الناحية الشكلية الاصطلاحية- أن عبد الناصر لم يستخدم مصطلح علمانية
في أي من خطاباته الشفهية أو وثائقه المكتوبة ، أما من ناحية المضمون فقد رفض عبد
الناصر مضمون العلمانية في بعض الخطابات والوثائق، حيث يقول مثلا سنة 1963
“الإسلام دين التطور والحياة، والإسلام يمثل الدين ويمثل الدنيا، لا يمثل الدين
فقط”. هذا فضلا عن أن التجربة الناصرية اتخذت موقفا ايجابيا من الدين ، على
المستويين النظري والعملي. وليس اقلها تقرير كل دساتير الدولة في عهد عبد الناصر
أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة.
الصراع مع الجناح القطبي التكفيري
لجماعة الاخوان المسلمين سياسي وليس ديني : و هنا يجب تقرير ان الصراع بين الدولة في
عهد عبد الناصر والجناح القطبي التكفيري لجماعه الاخوان المسلمين” والذى يتناقض
حتى مع التصورات الأساسية للإمام المؤسس للجماعة ”حسن البنا” – وليس مع كل الجماعة
- في الوقت الذى كانت هذه الدولة تخوض معارك ضد الاستعمار بأشكاله المتعددة في كل
ارجاء الوطن العربي - كان صراع سياسي وليس صراع ديني بين مسلمين وكفار- وهو الامر
الذى اقر به لاحقا عدد من الكتاب المنتمين إلى الجماعة او مؤيديها منهم حسن دوح ،
و دكتور ناجح ابراهيم مؤسس تنظيم الجهاد لاحقا ، و دكتور عبد المنعم ابو الفتوح
احد اقطاب الجماعة – فهو ليس تعبير عن رفض للدين الإسلامي، وان كان تعبير عن رفض
لمذهب التفسير السياسي للدين، الذى يختزل الدين في بعده ، السياسي ، ويجعل السلطة هي
الاصل ‘ الهدف’، والدين هو الفرع ‘لوسيلة’، والذى هو بدعه في ذاته ، وفيما يلزم
منه من مفاهيم. والذى يلزم منه فتن عديده كالاتجار بالدين والتفرق في الدين ‘الشيع
بالمصطلح القرآني’ والتكفير ‘المعلن او المضمر’ . وايضا رفض لاحد صيغه ممثله في
مذهب الغلو في التكفير القتل- ذو الجذور البدعية الخارجية والمفارق للمذهب
السنى-والذى شكل الأساس الفكري للجناح القطبي التكفيري لجماعه الاخوان المسلمين.
فهذا التصور الخاطئ لطبيعة الصراع ظلت آلة التضليل الإعلامي لانصار هذه المذاهب
تروج له ، لتحقيق اهدافها .
نماذج للمراجعات التجديدية التأصيلية :
الأهداف :
اذا كان الفكر السياسي الناصري، قد أشار إلى ثلاثة أهداف
أساسيه ، تجسد حلول المشاكل المشتركة، التي يطرحها واقع الامه العربية المسلمة
المعاصر، وهى :
أولا : الحرية والتحرر الوطني والقومي : كحل لمشكله
الاستبداد الداخلي والاستعمار الخارجي(القديم والجديد “الامبريالي” والاستيطاني
“الصهيوني”).
ثانيا : العدالة الاجتماعية والتنمية المستقلة :كحل
لمشكله التخلف الاقتصاد والتبعية الاقتصادية .
ثالثا : الوحدة : كحل لمشكله التجزئة والتفتيت … فانه
يجب التأكيد على هدف رابع – يحدد ولا يلغى هذه الأهداف – وهو الأصالة والمعاصرة –
او التجديد طبقا لضوابطه الدينية والاجتماعية - كحل لمشكله الهوية الحضارية
وانشطارها الى تقليد او تغريب.
الوسائل: الالتزام بموقف تقويمي من
وسائل الفكر السياسي الناصري ، مضمونه التمييز بين الثوابت والمتغيرات . والاقرار بالإيجابيات
والسلبيات ” وان قلت ” ، ومن ثم قبول الاولى ورفض الثانيه.
تصحيح الفهم الخاطئ لموقف عبد الناصر من الديموقراطيه :
ا/ التمييز بين الزعيم والدكتاتور : ان مواقف عبد الناصر
القومية والوطنية، نالت تأييد اغلب شعوب الامه العربية، فضلا عن استمرار مكانته
الوجدانية لديها كرمز للكرامة والعزة ، يثبت أن عبد الناصر زعيم قومي، عبر عن الإرادة
الشعبية للامه واهدافها ،و ليس دكتاتور وقف ضدها.
ب/ رفض الصيغة الليبرالية للديموقراطية ليس رفض للديموقراطية
: إن رفض عبد الناصر للصيغة الليبرالية للديموقراطية – لأنها ترتبط بالرأسمالية -
لا يعنى رفضه للديموقراطية ، وهو يتبنى صيغه أخرى لها ‘الديموقراطية الشعبية ذات
المضمون الاجتماعي’. والالتزام بهذا الموقف-النظري- يمكن أن يتحقق في واقعنا
المعاصر من خلال أسلوب-عملي- متسق مع روحه –المستندة إلى الإرادة الشعبية -
،ومضمونه تحرير الديموقراطية “كنظام فني لضمان سلطه الشعب” من صيغتها الليبرالية
(بأركانها الأربعة ”الرأسمالية والفردية والعلمانية. والديموقراطية بصيغتها
الليبرالية”) ،وذلك بالاحتكام إلى الشعب ذاته، ومن خلال الالتزام بأساليب التغيير
السياسي السلمي الديموقراطي.
ج/التمييز بين مضمون الديموقراطية وشكلها : ان بعض
المواقف السياسية لعبد الناصر كرفضه لتعدد الأحزاب، وأخذه بأسلوب التنظيم السياسي
الشعبي الواحد، تتصل بشكل الديموقراطية وليس مضمونها، وهي مرتبطة بظروف تاريخيه
معينه ، هي مرحله التحرر الوطني والقومي من الاستعمار القديم، وبالتالي قابله
للتجاوز في ظروف تاريخيه مغايره كواقعنا المعاصر.
مفاهيم وقضايا سياسيه :
مفهوم “قوى الشعب العاملة” : ان تقسيم قوى الشعب العاملة
إلى فلاحين وعمال ومثقفين وجنود، هو تقسيم مهني، يركز على القطاعات الرئيسية
للشعب، دون إنكار قطاعاته الأخرى كالطلبة والحرفيون والعاطلون والنساء والشيوخ.
مفهوم ”تحالف قوى الشعب” : ان هذا المفهوم يعبر عن مبدأ
سياسي هام ،هو وجوب التقاء كل القوى السياسية لتحقيق أهداف الامه وثوابتها ، إلا
انه يجب ان لا يفهم منه وحدة إرادة كل قوى منها، لأن أيا منها لم تكن منظمة ،على
الوجه الذي تملك به وسيلة التعبير عن إرادتها الجماعية.
مفهوم ”تذويب الفروق بين الطبقات” : ان هذا المفهوم ليس
غاية ، بل وسيله ذات أبعاد اقتصاديه ،قانونيه ،اجتماعيه … تهدف إلى تقليل الفوارق
الطبقية في المجتمع.
قضيه “تعدد الأحزاب”: ان عدم منع
الشعب من ان يعبر عن إرادته بالطريقة التي يختارها ، ومنها تشكيل الأحزاب ، مبدأ
ديمقراطي يجب الأخذ به اتساقا مع تقرير الميثاق ان ” الحرية كل الحرية للشعب
“..حيث ان ”كل الحرية ” تمتد إلى حرية اختيار طريقة وأسلوب التعبير عن الرأي
وممارسة النشاط الحزبي .
أسلوب تنظيم الجماهير والديموقراطية المباشرة : كما إن
الموقف الايجابي من الديموقراطية المباشرة، القائمة على انتظام الشعب في منظمات
جماهيرية ، تبقى منعقدة دائما . لا يحول دون الإقرار بوجود صيغ متعددة لهذا
الانتظام الشعبي، وبالتالي فإن اخذ التجربة الناصرية بصيغه معينه له ، جاء فى ظروف
تاريخيه معينه ، ويجب استحداث صيغ اخرى له تتفق مع ظروف عصرنا.
نظام الحكم : إذا كان النظام الرئاسي هو نظام مرحلة عبد
الناصر، فان ذلك لا يعنى وجوب الاخذ به مطلقا . فضلا عن المفهوم الديمقراطي ذاته
قرر العديد من صيغ ‘نظم’ الحكم.
أساليب التغيير : لقد كانت هناك
أسباب تاريخيه معينه ، أدت إلى قيام ثوره يوليو بفعل مجموعة من ضباط القوات
المسلحة ، وليس بتنظيم وتدبير وفعل حزب جماهيري. فضلا عن ان ظاهره الانقلابات
العسكرية تعبير عن مرحله تاريخيه انقضت أو تكاد تنقضي، ولابد من استحداث أساليب
تغيير أخرى أهمها أسلوب التغيير الجماهيري السلمي بالياته المختلفة.
الموقف من ظاهره التعذيب:
· ان التقييم الموضوعي لأى تجربه يجب
ان يقوم على الإقرار بايجابياتها وسلبياتها، وليس اتخاذ سلبياتها كمبرر لإنكار
ايجابياتها.
- انه يجب ادانه التعذيب كممارسه سالبه لا إنسانيه،
مرفوضة” اخلاقيا وقانونيا ودينيا “، بصرف النظر عن من قام بها .
- ان ظاهره التعذيب مرتبطة بالبنية السياسية للعالم
الثالث، نشأت نتيجة لعوامل تاريخيه استمرت عهود تاريخيه متطاولة ، وليست مقصوره
على نظام سياسي معين . فقد كانت موجودة قبل عهد عبد الناصر ، واستمرت - بل وتفاقمت -
بعد عهده ، دون ان تدينها - بصوره قاطعه - ذات القوى والنظم التي ادانتها فى عهده،
بسبب مهادنه الغرب.
· من الثابت ان عبد الناصر قدم من ثبت
عليه ممارسه التعذيب للمحاكمة وسجنه - شمس بدران نموذجا - وقام خلفه بالإفراج عنهم
، بعرض التوظيف السياسي.
· فظاهره التعذيب في عهد عبد الناصر تم
تضخيمها، من قبل قوى ونظم سياسيه مارسته - أو أيدته او بررته - وبحجم اكبر من حجمها
الذي وجدت فيه في عهد عبد الناصر
- واذا كان بعض الكتاب قد أشاروا الى اسباب ظهور هذه الظاهرة
في عهد عبد الناصر ” كتضخم دور الأجهزة الأمنية , نتيجة لخوض الدولة حينها لحروب
تحرريه متعددة ” الا ان كل ما ذكروه يجب ان يقع تحت إطار تفسير الظاهرة ” أي بيان لأسبابها
على وجه لا يحول دون ادانتها كظاهره سالبه”، وليس تبرير لها ” أي ليس دفاع عنها ” .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق