القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 13 أغسطس 2016

المنهج حجر الاساس ..


المنهج حجر الاساس ..
الدكتور عصمت سيف الدولة .

في البدء كنا عربا قبل أن نعرف ما هي العروبة . كان أهلنا في الصعيد يغضبون غضبا يعبرون عنه ردعا لمن يشك في عروبة الاسر . كل الأسر . وكنا أطفالا نصطنع الغضب والمعارك دفاعا عن عروبتنا قبل أن نعرف ماهي العروبة وكنا نتحلق حول أجدادنا وكبار السن يقصون علينا سلاسل من الأنساب تنتهي حتما بجد عربي وراعي غنم وفد في جيش عمر بن العاص فاتحا . يا جدي ..  وهل كان عمر بن العاص عربيا ؟ اخرس يا غبي " امال يعني كان انجليزي " .. كان الانجليز يحتلون مصر منذ عرابي ، فلم يكن أجدادنا يميزون العربي الذي هو منا الا بتقيضه الأنجليزي الذي هو علينا .. وهو كريم لأنه عربي . وهو شهم لأنه عربي . وهو عزيز النفس لأنه عربي . وهو حامي الجيرة لأنه عربي . فعرفنا العروبة فضيلة تنطوي على كل الفضائل ، ومن حين الى حين ، يتزوج فتى ، أو تقام حفلة ختان صبي ، فيجتمع أهل القرية في ساحاتها ليشاركوا ويشاهدوا معالم الفرح الجماعي . يصطف الشياي وقد تساندت أكتافهم وتشابكت أيديهم ويحيط بهم الباقون رجالا ونساء جلوسا على الأرض الطيبة . ثم يبدأ " عوض الله " في قيادة المصطفين على ايقاع دفه الكبير . هو يحدو ويرقص وهم يرددون متمايلين على ايقاعه شعرا بدويا غريب اللهجة حتى اننا نحن الصغار لا نفهمه وان كنا نتمايل معهم . ومن ركن مظلم تنفلت فتاة محجبة فتجلس أمام الشباب من الراقصين ، فيتوقف الرقص ويتقدم الشاب خطوة ليلقي على تلك التي لا يعرفها موال " غزل " صريح . حتى اذا ما فرغ هلل الجميع وانسحبت الفتاة ، وعاد الى الصف ليبدأ الرقص على ايقاع الدف وترديد الأغاني . كانت تلك أسعد ليالينا .. ليالي " زفة العرب " كما كان أهلنا يسمونها .. فعرفنا أن العروبة مصدر بهجة جماعية .. ولم يكن أحد من قروى الصعيد يعرف عن العروبة الا أنها علاقة جماعية على الأصل الواحد .، وفضائل السلوك وبهجة الحياة .. وقرابة فوق الأسر موثقة في صحف عتيقة تحتفظ بها الأسر ليعرف منها كل مولود عربي ـ حين شب ـ مكانه من " شجرة العائلة " التي تنتهي دائما ـ الى عربي جاء الى مصر مع عمر بن العاص .. بعد سنين طويلة من الخبرة والعلم عرفنا أن أغلب ، أو على الأصح بالنسية الى قريتنا " الهمامية " كل تلك الوثائق مزيفة .. اصطنعت لتؤكد شعورا غير زائف بالانتماء العربي ، فلم تكن في زيفها أقل دلالة على صدق الشعور مما لو كانت وثيقة تاريخية ..
قبل أن ندرك كيف يحمل الشعور الصادق صاحبه على تأكيده بالكتابة ، كنا قد تعلمنا القراءة والكتابة والحساب ، ودخلنا مدرسة التاريخ المكتوب عن الأمة والقومية والعروبة ، والتطور .. الخ .فعرفنا من أساتذتنا الأوائل أن العروبة ليست " زفة فرح " بل هي انتساب الى أمة . وحفظنا عن ظهر قلب تقريبا كل أوصاف الأمة كما عددها كل الذين وصفوا الأمة من جميع الأمم .. فلم يعد لدينا شك في أننا ننتمي الى أمة توافرت لها كل أوصاف الأمم .. وعشنا كل آلام العرب ، وآلامنا . وحملنا كل هموم العرب ، همومنا ، وحددنا آمالنا من آمال أمتنا ..
ثم ألح علينا سؤال بعد أن درسنا حتى آخر كلمة النظرية الماركسية في الأمة . سؤال طرحه الماركسيون ولم يطرحه أحد من قبلهم فيما نعلم . لماذا تتكون الأمم ؟ . قالوا ان الطبقة البورجوازية الصاعدة في اوروبا بعد عهد الاقطاع قد " كونت " الأمم فتوسع نطاق السوق الرأسمالي . هكذا كانت ألمانيا وهكذا كانت ايطاليا .. الخ . لم نستطع أن نفهم ، لماذا اذن ، اقتصر جهد البورجوازية الألمانية على تكوين الأمة الألمانية ، واقتصر جهد البورجوازية الايطالية على تكوين الأمة الايطالية ؟ لماذ لم تكون البورجوازية الاوروبية أمة أوروبية الا اذا كانت كل بورجوازية منها قد " وجدت " أمة كانت متكونة من قبل ، واقتصر جهدها على توحيدها .. لا بد أن يكون وجود الأمة سابقا على توحيدها في دولة ..
وبقي السؤال الذي طرحه الماركسيون ، لماذا تتكون الأمة ؟.. بدون جواب ، فاجتهدنا في الاجابة .. من أين نبدأ ؟ ـ أولا ـ من معرفة كيف تتكون الجماعات البشرية ، ثم نعرف ـ ثانيا ـ كيف تتطور من طور الى طور . وكان لا بد من معرفة قوانين التطور الاجتماعي أولا ، اذ أن بداية تكوين الجماعات البشرية معروفة . وكانت البداية اسرا ، ثم عشائر ، ثم قبائل ، ثم شعوبا ، ثم أمما ، فكيف تتطور ( تنمو ) الاسر لتكون عشيرة ، وتتطور العشائر لتكون قبيلة ، وتتطور القبائل لتكون شعوبا ، وتتطور الشعوب لتكون أمما .. ومن يدري ماذا سيكون بعد ذلك ؟
ما هو قانون التطور البشري ؟
كل فرد يسعى الى اشباع حاجنه  لا يألو . كل أسرة تسعى لاشباع حاجاتها لا تألو . تتصارع الأسر على ما يشبع حاجاتها من موارد حتى تتساند ثم تلتحم عشيرة تكون بقوتها الموحدة أقدر على توفير احتياجات الاسر داخلها . ثم تتصارع العشائر حتى تتساند ثم تلتحم قبيلة تكون بقوتها أقدر على توفير أحتياجات العشائر داخلها ، ثم تتصارع القبائل حتى تتساند وتلتحم شعبا يكون بقوته أقدر على توفير احتياجات القبائل فيه ومن مظاهر قوته الاستئتار بأرض معينة وحمايتها والاشتراك في الانتفاع بمواردها . حتى اذا ما استقر الشعب سنين قد تكون قرونا من التفاعل فيما بينه وبين الأرض المعينة ، ينشئ من تفالعله مجموعة من التقاليد والآداب والنظم والفنون والعادات فيكنمل بحضارته أمة . ويحمل الأطفال منذ الميلاد حضارة أمتهم نقلا عن امهاتهم اللواتي حملنها أطفالا عن اطفال عن أطفال ..
نطبق على أمتنا العربية ، انتقلت من الطور القبلي الى الطور الشعبي بالهجرة الى المدينة ( الوطن الخاص بأهل المدينة ) فأصبح أهل المدينة شعبا . وتفاعل شعب المدينة عن طريق الدعوة والفتح بشعوب محيطة وقبائل أخرى وحدها الاسلام بعد تعدد ، آمنها بعد خوف وحماها بعد اباحة لكل غزو ، وتركها قرونا تتفاعل فيما بينها وبين الارض المشتركة ، أداتها لغة واحدة ، وحدودها نظام واحد ، الى أن اكتشف الذين كانوا شعوبا متفرقة ، خلال قرنين من الدفاع عن  الارض المشتركة  ضد الغزو الصليبي ، أنهم أمة مكتملة ذات حضارة عربية تميزهم كأمة عن باقي الامم وباقي الشعوب نتيجة نفاعل الاسلام الحضاري مع ما لا ينقصه من الحضارات السابقة على التكوين القومي ..
وبعد ... ؟
وبعد فان الحضارة العربية التي أنشأتها الامة العربية التي أنشأها الاسلام تتضمن ـ مثل كل الحضارات ـ ضوابط للسلوك ، ومعايير للقيم ، وحدودا للنظر خاصة بها ، ومن بينها مؤشر منهجي حضاري ... هو ذلك الذي يتبعه العربي على السجية بدون افتعال وربما بدون أن يعي به .
 من اين اكتسبه ؟
من الاسلام .
من القرآن على وجه التحديد .
قلنا في كتاب " نظرية الثورة العربية " أولى مشكلات المنهج ... هي " الحتمية " . انضباط الأشياء والظواهر بقوانين حتمية . ولنلاحظ من الآن أن تعبير " القوانين " كما نستعمله يساوي في دلالته تعبير " النواميس " أو تعبير " السنن " كما هي مستعملة في الفكر الاسلامي . وعليه فان الحتمية في الاسلام لا يمكن لمسلم أن ينكرها ويبقى مسلما ، فقد اتخذ الاسلام من انضياط نظام الكون ونبات نواميسه حجة على الذين لا يؤمنون . ودعا الناس الى ان يتأملوا ما في الكون من آيات أو سنن لا تتبدل " سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا " ( الأحزاب 62 ) . " ولا تجد لسنة الله تحويلا " ( الاسراء 77 ) . " أفلم ينظروا الى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج ، والارض مددناها وألقينا فيها رواسي ، وأنيتنا فيها من كل زوج بهيج " ( ق 6 و 7 ) ." انظر الى ثمره أذا اثمر وينعه " ( الأنعام 99 ) . " فالق الاصباح وجعل اليل  سكنا والشمس والقمر حسبانا " ( الانعام 96 )  ... والآيات القصص / 71 ، 72 والرعد /4 ، والروم 22 / وفاطر / 27 و 28 ، والجاثية / 43 ، والبقرة / 164 ، والذاريات / 20 و 21 ، وفصلت / 53 ، والانبياء / 22 .. 
في نطاق هذا الكون المنضبط وحركته بسنن لا تتبدل ، من القادر عن تغييره وتطويره ؟ ..
يجيب القرآن أنه " الانسان " . هو الفاعل الصانع المغير المطور ولا تكون الطبيعة المادية الا موضوع فعله . ويستعمل القرآن تعبير " السخرة  " للدلالة على هذه العلاقة . وهو تعبير قوي الدلالة على أن الانسان هو صانع واقعه والقادر المسؤول عن تغييره . " ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض " ( الحج 65 ) . " وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار " ( ابراهيم 32 ) . " وسخر لكم الشمس والقمر {ائبين وسخر لكم الليل والنهار " ( ابراهيم 33 ) . " وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا ، وتستخرجوا منه حلية تلبسونها " ( النحل 14 ) . " وسخر لكم ما في السماوات وما في الارض جميعا " ( الجاثية 13 ) . " .. الخ . ويقطع القرأن في أن شيئا من الواقع لن يتغير الا اذا تغير الناس . " ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ( الرعد 11 ) . " وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأعلها مصلحون " ( هود 117 ) .
لذلك هو المنهج الاسلامي في كلياته .
قاعدته الأولى أن كل الأشياء والظواهر منضبطة حركتها بقوانين أو سنن حتمية .
وقاعدته الثانية : أنه في نطاق هذه الحتمية يكون الانسان حرا في تغيير واقعه .
وقاعدته الثالثة : أن الانسان وحده القادر على التغيير والمسؤول عنه .
خلال قرون طويلة من الممارسة استقر هذا المنهج في وعي الناس فأصبح " قيمة " تضبط مواقعهم بدون حاجة الى اسناد ديني . ومنه استمدت الحضارة العربية  التي نشأت ونمت واكتملت في ظل الاسلام ذلك الطابع الانساني المميز الذي لا يخطئ الباحثون الاهتداء اليه : الانسان هو البداية . ولقد حصن هذا المنهج الامة العربية ضد كافة المناهج المادية أو المثالية أو النفعية .. ليس ثمة ما يضاف الى صيغته الكلية الا وفاء العرب بما امروا بالوفاء به . تأمل الانسان ودراسته لاكتشاف قوانين حركته منفردا ، ثم قوانين حركته مجتمعا مع غيره . ومع ذلك فسواء أوفوا أو لم يوفوا ، فان حضارته المكونة لشخصيته تزوده حتى بدون أن يعي بمؤشر منهجي هو ان يبدأ نظره الى كل شئ من الانسان ، مؤشر عربي حضاري يوجه المجتهدين في الدراسة الى حيث بدايتها : الانسان ، ويوجه العاملين الى بداية العمل ، الانسان ، ويوجه الراغبين في النصر الى معايير النصر : الانسان  .

***
لماذا فشل المسلمون – اذن – في مواصلة تقدمهم الاجتماعي ؟
نصحح السؤال أولاً لأن صيغته غير صحيحة .
إذ أن الحديث عن الفشل يبدو حديثاً مجرداً من ظروفه التاريخية . فإلى نهاية القرن السادس عشر كانت المجتمعات التي دخلها الاسلام أكثر تقدماً من أي مجتمع آخر . أو على الأقل لم تكن أكثر تخلفاً من غيرها من المجتمعات المعاصرة . فقبل ذلك التاريخ – مثلاً – كانت الحروب الصليبية في بواعثها وفي قواها وفي نظمها وفي أهدافها محكاً للتمايز الحضاري ، ولا نقول العسكري ، بين المعتدين والمدافعين . وكانت تبدو موجة بربرية تحاول اجتياح مجتمع متحضر ، كما اجتاحته موجة غيرها شنها المغول البرابرة . وليس من المنكور أن تلك الحروب الصليبية كانت وساطة ، أو إحدى وسائط ، انتقال الحضارة من العرب الى أوروبا . وهذا لاينفي أنه لم تمض بضعة قرون حتى عادت القوى الأوروبية ففرضت سيطرتها على العالم مسلمين وغير مسلمين . ونحن نعرف أن تلك موجة رأسمالية . ومع ذلك لا نريد أن نحاكمها بما لم نعرفه إلا بعد أكثر من قرن من أنها كانت من أشد الموجات التي اجتاحت العالم عداوة للانسان . فقد استعبدت العالم بجيوش من عبيد الرأسماليين بل نقول انها في نشأتها الأولى كانت ثمرة تقدم علمي لا شك فيه . ولا شك في أن التقدم العلمي تقدم حضاري . هنا بدأ التخلف وهنا فقط يصح طرح السؤال عن الفشل على ان تكون صيغته  :
لماذا فشل المسلمون في الدفاع عن مجتمعاتهم ؟
في حدود هذا الحديث عن المنهج نقول لم يفشل المسلمون . إن الذين فشلوا لم يفشلوا لأنهم مسلمون بل لأنهم لم يوفوا بمسؤوليات ترك لهم الاسلام مسؤولية الوفاء بها . ذلك لأن الاسلام وضع بين أيديهم أسس المنهج وترك لهم استكماله واستعماله .
علمهم أن ثمة قوانين أو نواميس تضبط حركة الاشياء والظواهر حتماً وترك لهم أمر اكتشافها ومعرفة شروط فعاليتها واستخدامها .
وعلمهم أن كل ما في الأرض والسماء مسخر لهم وترك لهم أمر اكتشاف عناصر الأرض والسماء وقواها ومعرفة كيفية تسخيرها لإرادتهم .
وعلمهم أنهم قادرون ومسؤولون عن تطوير واقعهم على ما يريدون وترك لهم إكتشاف مشكلات واقعهم وإمكانيات تغييره وغاية هذا التغيير .
كل هذا لأن الاسلام – كما هو – دين يخاطب الناس كافة ، في كل مكان وفي كل زمان . نقول الاسلام " كما هو " لأننا لا نستطيع ، وما ينبغي لنا ، أن نفهم الاسلام أو أن نحاول فهمه إلا كما هو مطروح في كتابه.
وهو مطروح في كتابه على أنه خطاب إلى الناس كافة ، في كل زمان وفي كل مكان . وما كان الاسلام ليكون على هذا الوجه الانساني الشامل ، بغير قيود من المكان أو الزمان ، لو لم يترك للناس في كل مكان وفي كل زمان أن يتأملوا ويتعلموا ويكتشفوا ويعملوا ويغيروا وفاء منهم بمسؤوليات عن التطور الاجتماعي طبقاً لواقعهم وظروفه التاريخية .
وهكذا ، إذا كنا قد قلنا أن ما يسبق المنهج من مقولات ميتافيزيقية لا يؤثر في صحته إن كان صحيحاً علمياً ، فإن ما يلي المنهج من أحكام في منطلقات وغايات وأساليب التطور الاجتماعي متروك للاجتهاد . نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ، أما ما هو المعروف وما هو المنكر فعلينا أن نكتشفه في واقعنا فنعرفه أو ننكره . وقد بدأ الاجتهاد مع بداية الاسلام . وكان النبي يجتهد فيما لم يأت به نص وكان يخطيء أحياناً في اجتهاده فيعتذر لأصحابه بأنهم أدرى بأمور دنياهم . ومن بعده اجتهد المسلمون في أمور دنياهم وصاغوا اجتهاداتهم في آراء وأفكار ومذاهب عديدة ومختلفة ومتصارعة في كثير من الأوقات . وكل اجتهاد ينسب الى صاحبه ولو أسماه مذهباً اسلامياً . وصحته انه مذهب ( نظرية ) في الفكر الاسلامي . ويتحملون مسؤولية ما في المذاهب من قصور ولهم فضل ما فيها من توفيق . وهي مذاهب لا شاملة في المكان ولا عامة في الزمان ولم تفلت من قانون التطور الحتمي . فاختلفت من مكان الى مكان ومن زمان الى زمان في المكان الواحد . كذلك فعل الامام الشافعي فغير في مذهبه عندما انتقل من العراق الى مصر . ومن قبله أوقف عمر نفاذ نص في القرآن ( المؤلفة قلوبهم ) في ظرف تاريخي لم يكن مسبوقاً في حياة المسلمين . ومن هنا لا يمكن فهم تلك الاجتهادات والمذاهب بعيدة عن ظروفها التاريخية الراهنة إلا ان تكون دعوة الى نظرية ( مذهب ) محددة اجتهد اصحابها فجاءت موفية بمسؤوليتهم كمسلمين عن بيان منطلقات وغايات واساليب التطور الاجتماعي كما يتطلبها واقع مجتمعاتهم . وهو اجتهاد يحتاج الى عناء فيهرب منه الكثيرون .
أياً ما كان الأمر فالاختلاف في الاجتهاد وتعدد المذاهب ( النظريات ) في الفكر الاسلامي لم يكن خروجاً على المنهج أو مساساً بوحدته . لأن ما يتحقق في كل واقع على حدة هو حصيلة معالجة ذلك الواقع على ضوء المنهج . فإن اختلف الواقع اختلفت الحصيلة – الفكرية او العلمية – بالرغم من وحدة المنهج . ولما كان الاسلام لم يلبث أن امتد الى مجتمعات مختلفة في واقعها ومدى تطورها فإن حصيلة التطور الاجتماعي كانت مذاهب مختلفة وممارسة مختلفة ايضاً . فلم يكن هناك مجتمع اسلامي واحد حتى نستطيع أن نقول أن المسلمين عامة فشلوا بما يتضمنه هذا من ايحاء بانهم فشلوا لأنهم مسلمون .
وقد نجح المسلمون في تطوير حياتهم الاجتماعية ، أينما كانوا ، طوال الفترة التي كانوا فيها محتفظين بحريتهم في اكتشاف قوانين الطبيعة وقوانين التطور الاجتماعي . يوم أن كان العلم عبادة والاجتهاد مثوباً ولو كان خاطئاً . وعندما فقدوا حريتهم توقفوا عن التقدم بمعدل السرعة التي كانوا قد بدأوا بها مسيرتهم الحضارية فسبقهم غيرهم . وقد فقدوها في – مجتمعنا – يوم أن تستر الاستبداد بالخلافة وأصبح للأحاديث الموضوعة وللإجماع المصطنع وللقياس الخاطىء وللمذاهب الخاصة قدسية النص القرآني . وأطلقت الأحكام من حدودها في الزمان والمكان ، وتحولت دولة المسلمين إلى دولة كهانة يحكمها الخلفاء ورجال الدين بدلاً من العلماء والفلاسفة والمفكرين والباحثين . فتجمدت المذاهب في الشريعة على مضامين كسبتها في مراحل تاريخية سابقة ، فأصبحت قاصرة عن أن توفي بالحلول الصحيحة لمشكلات الحياة في مراحل تالية . فقام جمودها عائقاً في سبيل التطور . وهكذا كان قد قفل باب الاجتهاد ، استبداداً ، عائقاً دون تقدم المجتمعات الاسلامية ، وليس قفل باب الاجتهاد من الاسلام في شيء بل هو يناقض منهجه  ..

( كانت هذه مقدمات عن المنهج ، ولمعرفة اسس المنهج الانساني عند عصمت سيف الدولة يمكن الرجوع الى كتاب الاسس ) . 


الاثنين، 8 أغسطس 2016

حين تكون قوميا تقدميا .. / رضا لاغة .


حين تكون قوميا تقدميا ..
رضا لاغة .


ينطلق عصمت سيف الدولة من واقع تاريخي موضوعي يتمحور حول التحذير من مخاطر المنهج التجريبي ، وهي حقيقة تبدو جلية منذ هزيمة يونيو 1967 . إن هذا الواقعة التاريخية تشكّل صدمة في مسيرة النضال القومي ، لذلك يجب أن نستلهم منها الدروس ؛ فمن يريد أن يشتغل بالمستقبل العربي عليه أن ينطلق من " مسلمة أولى هي ضرورة النظرية " . غير أن الكاتب يستدرك بالقول أن مفهوم النظرية ينطوي على دلالة مضللة علميا و تاريخيا . ففي المجال العلمي يحيل هذا المفهوم إلى نظريات شتى ، منها ما هو اقتصادي ( نظرية القيمة ...) أم قانوني ( نظرية فصل السلطات) أو هندسي ( نظرية إقليدس) . أما في المجال التاريخي ، ينطلق الكاتب من تقييم الحاصل المعرفي الذي ميز حقبة ما بعد الحرب الباردة التي اصطبغت بلون الماركسية " كنموذج لنظرية النضال الثوري في المجتمعات المختلفة " . إن هذا المعطى الثاني ( التاريخي ) مثّل إحراجا للشباب العربي ، فمن جهة هم مخلصون في خدمة النضال العربي و لكنهم ، وربما للسبب ذاته ، يجدون أنفسهم بين وضعيتين : إما أن يتأثروا سلبيا بالفكر الماركسي أو أن ينساقوا وراء نقده ؛ و" لو أتعبوا أنفسهم أكثر في الإحاطة بالفكر الماركسي واستيعابه لتبيّنوا بيسر أن ما يسمونه النظرية الماركسية غير قائم إلا في أذهانهم " .
يبدو أن النظر في التراث الماركسي يفرز فكرة التعامل مع نظريات ، من حيث ارتباط معنى الماركسية بالتجربة الثورية التي تشكلت على أساسها ، لذلك كان سياق الفهم يختلف من ماركس إلى لينين مثلا .إن فاعلية التأويل هنا لا تخضع لمنهجية معينة صرفة ولكنها مرتبطة بموجّه أساسي يكون فيها قائد التجربة معيار الترجيح و مصدر الفهم الداخلي لنسق تطور الإيديولوجية . إن مضمون هذا التغيير الذي طرأ على الماركسية تاريخيا هو ذاته ما كان ليحدث لو لا عمل الإنسان . فهل نستطيع بعد التسليم بهذه الحقيقة : " إن التغيير غير قابل للتحقق تلقائيا بدون عمل الإنسان" ، أن نتحرر من شرط المعرفة المسبقة بالقوانين العلمية التي تحكم الظواهر؟
يحاول عصمت سيف الدولة ، في اجتهاده ، استيضاح بداهة الإجابة من خلال عنصر الزمان باعتباره " أوّل و أخطر شروط التغيير" ، فما " دمنا نبدأ من الواقع لتغييره في المستقبل ، فإن إمكان هذا التغيير لا يكون متوقفا على مجرد إرادتنا و علمنا ــ بل قبل الإرادة و العمل ــ على ما إذا كانت الأشياء والظواهر التي يتكوّن منها الواقع منضبطة في حركتها من الماضي إلى المستقبل بقوانين أو نواميس حتمية أم لا "
إن هذا المعطى يمثّل شرط لإمكان تغيير الواقع ، و ليس سببا ، و هذا ما لم تتفطن له الماركسية كتصور يقوم على نزعة إدماجية قاسية للإنسان لا تترك له أي قدر من التمايز مع سائر الظواهر ، بينما يقتضي المنهج الاعتراف بكونه هو من ينتج التطور وفق فهم جدلي للواقع . فأين تتجلى درجة العلمية في المنهج ؟
يجيب عصمت سيف الدولة بــ" أن انتصارنا في تغيير الواقع إلى ما نريد متوقف على مدى علمنا بالقوانين الناظمة للوجود و تسخيرها وظيفيا لصالحنا. إن الإنسانية وهي تعيد أحداث انتصاراتها على الطبيعة تراكم فهمها العلمي وفق مقاربة جدلية تضع بعين الاعتبار إدراكها الشامل للقوانين التي تضبط العالم. هنا بالذات تتمظهر مشكلة الإنسان الذي يجابه قصورا في المعرفة بالقوانين؛ " فالطبيعة ما تزال عامرة بقوانين أو نواميس لم تعرف بعد " .
إن هذه المهمة تصبح أكثر صعوبة عندما يشغل بالنا التغيير الذي سيري في الوجود الاجتماعي الذي لا يمكن مماثلته بالظواهر الطبيعية . ينبغي أن نقر ، من منظور عصمت سيف الدولة ، وهذا ما أثبتته الأبحاث العلمية ، بوجود قانون نوعي خاص طالما سنفرط في استخدامه والاستشهاد به ونعني بذلك جدل الإنسان ، لأن مصدر المشكلة يكمن فيما يبدو من تناقض بين الإقرار بانضباط الظواهر بقوانين حتمية وإفراد الإنسان بالحرية والإرادة .
لئن كان هذا التمييز حاضرا في الفكر الغربي ، إلا أن ذلك لم يمنعه من الوقوع في الفخ الليبرالي الذي علّم الناس " أن واقعهم قابل للتغيير وأن ما يحول دون تغييره هي القيود المفروضة على فعالية القوانين الطبيعية التي تضبط حركته " ؛ إلا أن الليبرالية لم تنجح في الكشف عن هذه القوانين فتركت مسألة تطوير الواقع مرتهن للقدرية ضمن اعتقاد راسخ مفاده أن مصلحة المجتمع تتحقق تلقئيا بتحقق مصلحة الفرد . تلك كانت " الثغرة" في الفكر الليبرالي .
كان كل جهد عصمت سيف الدولة ، يتمثّل في مرحلة أولى ، في دحض هذه الأطروحة الليبرالية ، أخذا بزمام بناء النظرية لبلوغ الحقيقة المطلوبة عن كيفية تطور الوجود الاجتماعي . إن هذه المجادلة العلمية تلقي بنا إزاء مفهوم الجدل الذي نسّبه الكاتب إلى الفلسفة الهيغلية مستعرضا في الآن ذاته ، الخلاف الذي نشب بينها و بين الماركسية . فإذا كان اعتقاد هيغل يتأسس على أسبقية الفكر على المادة ن فإن ماركس ، وبعكس ذلك ، يقر بأسبقية المادة على الفكر. و دون أن ننساق وراء التعقيدات الفلسفية لهذا التعارض يخلص عصمت سيف الدولة إلى استخلاص مهم: إن أيا من هذين الرؤيتين يصلح أن يكون منهج لتغيير الواقع ؛ لأن " الإنسان فيهما يتغير مع غيره في سياق حركة المجتمع" . يضاف إلى ذلك أن المفترضات النظرية التي انطلقا منها ( المادة أوّلا أم الفكر ) هي محض " ادعاءات ميتافيزيقية غير قابلة للاختبار العلمي" .
يعمل إذن عصمت سيف الدولة على تعرية المنهج الجدلي المادي ، الذي ينسب لنفسه صفة العلمية لكونه يتنزل كطور تجاوزي للجدل الهيغلي ، مبينا قصوره من خلال زيف الاعتقاد بأن البنية الفوقية هي مجرد انعكاس للبنية التحتية .
إن قصور الماركسية يكمن في تجاهلها لحقيقة كون الإنسان هو قائد عملية التطور ؛ إنها تزج بالإنسان إلى مضمار الحتمية التاريخية ؛ إن الكاتب هنا لا يساوره شك في عبارة الجدل و لكنها تظل غير مبررة ما لم ننسبها للإنسان بوصفه " وحدة نوعية من المادة و الذكاء " . لنصغ إلى زكي نجيب محمود وهو يبوح عن انطباعه لهذا الاكتشاف المنهجي الذي بنا عليه عصمت سيف الدولة نظريته في التغيير الاجتماعي . إنه " ظاهرة تستوقف النظر في ميدان الفكر الفلسفي ، على اختلاف العصور ، و في شتى أقطار الأرض، وهي أن ذوي الأصالة من أصحاب الفكر يغلب أن يكونوا من هواته ، و قل أن يكونوا من محترفيه ، وربما كانت العلة في هذا ، هي أن هؤلاء المحترفين تشغلهم دراسة المذاهب القائمة بتفصيلاتها وتفريعاتها ، حتى تفرّقهم أمواجها ، فلا يجدون لأنفسهم من الفراغ ما يمكنهم من الانصراف إلى تناول المشكلات الحية بالتفكير المبتكر الأصيل " .
عندما يصف زكي نجيب محمود جدل الإنسان بكونه تفكيرا مبتكرا وأصيلا ، فمعنى ذلك أنه يؤيّد صراحة المعيار المنهجي الذي بنيت عليه نظرية الثورة العربية . إن الجزء المحوري في وجهة نظر زكي نجيب محمود يمكن أن ندركه لا فقط من خلال شروط الصحة الافتراضية المنسوبة للجدل ، وإنما من الدور الواعي لهذا الإسهام في تشكيل رؤية فلسفية للذات العربية . يقول:" وإني لأمهّد بهذا الرأي الذي أسلفته للإشادة بثمرة ناضجة من ثمار الفكر الفلسفي العربي المعاصر الأصيل ، قدمها مفكر ــ من غير رجال الفلسفة المحترفين ــ حيث أراد أن يعالج موضوعا هو في صميم الصميم من حياتنا الفكرية و حياتنا العملية على السواء وما أعني به أسس الاشتراكية العربية " .
يستخدم عصمت سيف الدولة ، إذن جدل الإنسان ، بوصفه " العامل الأساسي في التطور" ، ويتناول هذه الحقيقة بالنقاش لفهم معناها مما لا نعرفه من التراث ؛ فالكاتب يؤمن بوجود علاقة بين ذواتية بين الثقافات . لذلك نجده يهاجم أولئك الذين يعترضون ، بادعاءات هووية ، على أن نخضع نهضتنا لإغراء الحضارة الغربية. إن نظرة متعمقة في هذا الصدد ترسخ الأساس التشاركي للحاصل المعرفي الإنساني والمتجلية في مبدأ التثاقف. فمثلما أخذنا عن اليونان لبناء عصرا ذهبيا تلقّف عنا الغرب نتاج علومنا ، و بذلك أضحت المعرفة الإنسانية كسبا كليا شاملا متكاملا لا يمكن أن نزهد فيه بعنوان الأصالة . إن من يفعل ذلك ينسحب من طريق الكينونة و يبقي حبيس أطلال الماضي . و حين يطعن الكاتب في هذا الخطاب الذي يتشكل تبعا لوهم " إخلاص النية للتراث " ، يثبت من ناحية أخرى ، و بمحاجة راسخة ، البعد الإسلامي لهذا المنهج ؛ فيوضّح كيف أن الخطاب الديني متمركز في جذوره العميقة على فكرة الناموس أو ما نسميه بلغة العلم الحتمية . فليس ثمة ما يضاد هذه الحقيقة التي تستمد مقوماتها من النص القرآني . ويعرّف الراغب الأصفهاني السنن فيقول : « السنن : جمع سنة ، وسنة الله تعالى: قد تقال لطريقة حكمته، وطريقة طاعته ؛ وهي متنوعة منها سنة التغيير كما قال الله تعالى : ( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) ، ومنها سنة المداولة كما قال الله تعالى : ( وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) ، و منها سنة التدافع و غيرها كثير . وبالفعل ما من تدبر لكتاب الله تعالى إلا و نجد فيه إخبار عن دليل الإتقان على نحو ما وضح ابن رشد وقبل ذلك الفارابي والكندي . فقد حرص علماء الإسلام على تأويل النص القرآني لذلك ليس غريبا أن يتولّد الخلاف بين الجبرية و القدرية بوصفهما موقفين متعارضين في استيعاب التصور الذي يمكن أن نحمله عن الحتمية والحرية الإنسانية .
يحاول الكاتب في خضم هذا الجهد النظري لمعالجة التراث وضع مشروعه من خلال منح الأهمية اللازمة للنص الديني و إعادة تشكيل فهم ينتصر للعقل وفق استدلال مفاده أن الحتمية لازمة ليتصوّر الناس المستقبل الذي ينتظرهم ، " فبقدر ما نعرف و نحترم القوانين أو النواميس التي تضبط حركة الواقع نستطيع أن نغيره ".
إن هذه النتيجة تصلح أن تكون نقطة تقاطع تجمع بين المنهج العلمي ، بصرف النظر عن كونه ابتكارا غربيا أو إنسانيا و المنهج الإسلامي . وليس كافيا أن نعلن هذه الحقيقة لنعود إلى الدين بتطرف، فالمشكلة لا تزال قائمة : من المسئول عن تغيير الواقع ؟ من يقود حركة التطور الاجتماعي ؟ لماذا فشلنا وتأخرنا كمسلمين ؟
يحدد لنا عصمت سيف الدولة البداية التاريخية لظهور الأزمة ، فالمشكل فينا لأننا زغنا وانحرفنا عن منهجنا القويم ، فلم نعد نحتكم سوى إلى اللحظة الأكثر شكلية في الانتساب إليه . فشلنا لأننا لم نقدر على هضم المعايير التي على أساسها نتطور.
من هنا ولهذا السبب يتوقف الكاتب عند أزمة الفكر القومي التقدمي التي تزداد حدة ، فنسيج هذه الإيديولوجية يعوزها المنهج أصلا. أنظر إلى الفكر العربي الليبرالي " إن أزمة المنهج فيه واضحة ففيه يتحدث الكثيرون عن الأمة العربية وعن القومية العربية وعن الوحدة العربية وعما يجب أو لا يجب في الوطن العربي ... أحاديث كالمواعظ أو المناجاة الذاتية " ؛ فالخطاب القومي عند هؤلاء يرتكز على منهج التجربة والخطأ وهم بذلك ينتجون مفارقة هائلة تجعل من جهودهم بمثابة حملات دعائية غير متطابقة مع الملامح الرئيسية للمشروع القومي منظورا إليه من زاوية تقدمية . فالقول بأننا أمة عربية واحدة حقيقة لا يطالها الشك لأنها تنمو في سياق الطبيعة المعاشة للطليعة العربية . وطبقا لهذه الحقيقة فإننا ملزمون ببذل جهد لتحقيقها بوصفها وعاء المستقبل التقدمي الذي يتجسد في ظل دولتها القومية. غير أنه وتمشيا مع غياب المنهج ، ما أن يشرع القوميون في التحرك نحو غاياتهم ( الحرية والوحدة والاشتراكية ) حتى يجدوا أنفسهم في صدام وصراع يعجزون فيه على " أن يلتقوا في قوة مناضلة واحدة " ؛ فتظهر الحقيقة المفزعة والتي سوف نتحدث عنها بمزيد من التفصيل : " إن القوميين في الوطن العربي فرق موحّدة في الغايات ممزقة الصفوف" . ولذا من المهم حسم إشكالية المنهج كضمانة تقي القوميين من الانقسام والتشظي . يشير عصمت سيف الدولة في هذا المقام إلى أن الطريق الذي سيسلكه يكتسي طابعا تجاوزيا من جهة كونه يخلص الفكر القومي من تـأثير التفكير الليبرالي والنزعة الماضوية المتكلسة للتراث ، استنادا إلى قناعة راسخة مفادها أن الإنسان هو العامل الأساسي في حركة التطور الاجتماعي .
يختم عصمت سيف الدولة نظرته القيمة الشاملة لإشكالية المنهج كسياق تطوري ذو نزعة إنسانية بتعريف جدل الإنسان كمنهج لتغيير الواقع " فلا هو مقولة فلسفية فيما وراء الواقع ولا هو نظرية تحدد منطلق تغيير الواقع و غايته و أسلوبه . إنما هو مجموعة من القواعد والقوانين الموجودة في الواقع الموضوعي إذ نعرفها فنلتزمها نستطيع أن نغير الواقع " . وقبل أن نشرع في فحص تطبيقات المنهج التي تبرر القول بوجود نظرية للثورة العربية ، من المفيد أن نذكر بأن كل حركة تريد أن تعمل على فهم الواقع أو تغييره بدون أن تبدأ بالإنسان فمآلها الفشل و الإخفاق . ومن وجهة نظر ميتودولوجية يقوم الإنسان بتأدية مهامه الجدلية النوعية من خلال حسم التناقض الذي ينشأ بين الماضي والمستقبل . لكن إذا كنا نريد الرجوع بصورة واقعية إلى بناء نظرية التطور الاجتماعي ، وهو أمر ضروري ، علينا إكمال الطريق المتصل بالتطور الاجتماعي لأن الإنسان مدني بطبعه والمجتمع هو الذي ينتج المشكلات ، بوصفها حقائق موضوعية ، يواجهها الإنسان .
في الواقع يتعقد التحليل والمحاجة هنا لأن الكاتب يطرح مراهنتين أساسيتين : علينا أن نوضح أولا العلاقة بين جدل الإنسان والجدل الاجتماعي وأن نرسم تصور يظهر كحل استبدالي لمنهج التجربة والخطأ كإطار مرجعي للنظرية .
يوضح عصمت سيف الدولة هذه السيرورة المركبة للجدل بقوله : " إن الجدل الاجتماعي هو الصيغة الاجتماعية لجدل الإنسان" ، ليغدو المشكل : كيف سيحل واقع التناقض القائم بين عجز الناس عن التطور الاجتماعي وإرادتهم على التطور؟ يتحدث الكاتب ضمن إطار جماهيري من خلال عرض مجمل المشكلات على الناس كسيرورة تعلّم ، لفهم أسبابها ، وهو ما يفضي إلى تطوير مقدرتهم الجدلية على حلها. إذن مثلما أن جدل الإنسان قانون حتمي للإنسان كوحدة نوعية من المادة و الذكاء ، فإن الجدل الاجتماعي هو " القانون الحتمي لتطور المجتمعات " .
على هذا النحو من النظر يمكن أن نستنتج ، في ظل المعطيات السابقة ، أنه لا يمكن ابتداع نظرية في الحقل السياسي كحل للمشكلات التي يطرحها الوجود الاجتماعي ، إلا بتوفير شرطها الوحيد ألا وهو المنهج كإجراء يوفر الشروط الموضوعية للحل وبالتالي تغيير الواقع وفق مبدأ التطور الذي هو سنّة الجدل الاجتماعي ، غير أننا في إطار هذه العلاقة المتبادلة بين النظرية و المنهج مدعوين أن نجابه سؤالا مهما : من نحن ؟
وخلاصة ما يراه عصمت سيف الدولة في هذا أننا أمة عربية واحدة مكتملة التكوين . يعني هذا القول في جملة ما يعنيه وحدة المصير الذي يستدعي بدوره وحدة الدولة التي تحيل إلى سيادة الشعب . فهي " شرط لازم لإمكان معرفة حقيقة المشكلات الاجتماعية في المجتمع القومي" . إن مهمة النظرية إذن تبدأ من " الوجود القومي إلى المصير القومي" ، و لأن الأمة العربية هي أمة مجزأة إلى دول إقليمية فإنه بالضرورة سيكون " التقييم القومي للدولة الإقليمية أنها مؤسسة رجعية وفاشلة . وهذا بالنسبة إلى جميع الدول الإقليمية بدون استثناء" . ومع ذلك يسجل الكاتب تمييزا بين دولة إقليمية منسجمة مع وجودها في حال تقلد الحكم قوى إقليمية وأخرى مناقضة لغاياتها فترفع شعارات القومية ، في حال تقلد الحكم قوى قومية ، " فتثير قدرا من البلبلة الفكرية وتشكك في النظرية القومية " . إن معيار التمييز هنا يقود إلى رفض التصور القومي المنبجس من داخل الدولة الإقليمية و مؤسساتها . وهذا استخلاص مهم سنعود إليه لاحقا عند تقييمنا لهذا الطرح . ولعل هذا تحديدا ما سنناقش فيه عصمت سيف الدولة وفق المتغير السياسي العاصف الذي يسري في واقعنا المعاصر.
لا نروم من خلال إشارتنا إلى هذه النقطة تبرير التداخل بين الدولة الإقليمية ولا نحسب إسهام عصمت سيف الدولة خال من الوجاهة ولكننا نر يد أن ندشن خطوة في التأصيل النظري لنمتحن صلابة كيف يكون الالتزام العقائدي بتحقيق دولة الوحدة أول خصائص التنظيم القومي ولا يكون الالتزام العقائدي للدولة الإقليمية ، حين يحكمها قوميين ، طريقا نحو تيسير الوحدة بل قد يمثل ذلك بلبلة فكرية على نحو ما وضح الكاتب ؟
إن تحولا فكريا كهذا يعد تطورا يبعث على الاطمئنان ويكفي القوميين محاذير التمترس في جوقة الحقائق العنيدة للفردية القاتلة . وأولى تلك الحقائق الوعي بالثالوث المخرب : التجزءة و التخلف والليبرالية التي لن تختفي من صفحات تاريخ الأمة إلا بمجاوزة الثغرات التي ظلت تعتري التفكير القومي الذي مدنا بتصورات مبتورة عن الشروط التاريخية لوحدة المصير القومي . هذه الإشارة السريعة تخوّلنا استخراج أهم ما يترتب من نتائج توحيد معايير الفهم الجدلي للوجود الاجتماعي و أولها " تعيين الغايات التي يجب أن يتجه الجهد الإنساني إلى تحقيقها في الواقع الاجتماعي حتى يتطور" . إن أكثر ما يقلق في هذا الطور أن توجد ميولات إيديولوجية متناقضة ؛ وهو خطر يعزى لغياب الوحدة الفكرية . لذلك يجب أن يكون ضبط الغايات على " قدر من الوضوح والدقة والواقعية " . إن الكلام على وضوح الغايات ودقتها يفترض تعزيز الصلة بالشعب العربي لنعرف المشكلات التي يواجهها ونلتزم بتحقيقها . الغاية هي " أن نعرف من الشعب العربي نفسه المشكلات الواقعية التي يثيرها التناقض بين واقعه وأن نكتشف حلولها الصحيحة ثم نلزم أنفسنا بتحقيقها " . إن هذه من أعظم الصعوبات التي تواجه الطليعة العربية ، فكل الأفكار ، حتى وإن بدت تقدمية تتحطم أو تنهار أمام استعلاء الطليعة عن الجماهير الذين يطمحون إلى إحراز ما يمكن تحقيقه من تقدم . ويقودنا هذا إلى التسليم بحقيقة في تمام الوضوح نختصرها في عبارة التخلف بسبب الاستعمار والتجزئة والاستغلال. تلك هي غاية النضال العربي التي لا مساومة فيها : " استعادة الإمكانيات المغتصبة أو المسلوبة " . ما عسانا نقول حينئذ عن فلسطين سوى أنها عنوان لمعركة التحرر العربي في مواجهة الاستيطان الصهيوني الغاصب الذي يسلب الأمة العربية جزءا من كيانها . إن الاستعمار وفق هذا المنظور يشكل عائقا يحول دون ممارسة الشعب العربي لسيادته . هكذا تكون غاية النضال العربي المتمثلة في تحقيق دولة الوحدة العربية .
هذا العبور من واقع مجزأ إلى واقع موحد يملي على الكاتب أن يتكلم عن مشكل الديمقراطية . فهو يسأل كيف سيكون حل الديمقراطية في دولة الوحدة العربية ؟
إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن مشكلة الديمقراطية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالفكر القومي التقدمي الذي يطرحه عصمت سيف الدولة ، فإنه في المقابل ينفي وجود أي تصور في شأن الديمقراطية. إنه بذلك يحاول إرساء معقولية سلوكية مفادها أنه ليس في مقدور القوميين الانخراط في ممارسة النضال القومي من أجل قيام دولة الوحدة دون الوعي بالعلاقة بين الديمقراطية و القومية ؛ وللأسف الشديد فإن التغاضي عن هذه العلاقة جعل القوى القومية التقدمية وكأنها متواطئة مع الاستبداد . إن هذه الثغرة تفقد مبررات الثقة للدور النضالي للقوميين إزاء الجماهير العربية ، يضاف إلى ذلك أن لهذا المشكل وجه تنظيمي يتمحور حول كيفية تعامل القوى القومية داخل التنظيم القومي الذي يستهدفونه كأداة لتحقيق دولة الوحدة . إن الشرط الديمقراطي يجنّبهم مواجهة الصعوبات التي تعرض وحدتهم التنظيمية للانقسام و التشتت.
وجوهر مشكلة الديمقراطية يكمن في التساؤل التالي : كيف تكون الدولة الشعب كله ؟
إن أي دولة متى كانت دولة فرد أو جماعة أو طبقة تكون مناقضة لشرطها الديمقراطي . من هنا تصبح الدولة الدكتاتورية هي التي يسمح نظامها الوضعي " للناس بأن يكتشفوا الحلول الصحيحة للمشكلات الاجتماعية بأسلوب اكتشافها ( الجدل الاجتماعي ) فلا يستطيعون أن يكتشفوها " . طبعا ليس من السهل الكلام عن الديمقراطية وفق هذا التعبير المجرد ما لم نرسم سياقا تطوريا لها يقوم على ثلاث أبعاد : المشكلة فالحل فالعمل . ولأن المشكلات يجري تحديها قوميا كان لا بد أن يكون أسلوب حلها بالعمل القومي . وما يضاعف من حدة القلق الناشئ من ضياع الديمقراطية في واقع قومي مجزأ هو البيروقراطية . على أن الديمقراطية ، في نظر الكاتب ، " هي الحصانة ضد البيروقراطية " . لذلك لا بد أن تتوفر إرادة لكي يتعلم الشعب كيف يطالب بحقوقه دون خشية حكامه . سيبادر كثيرون إلى القول : من المؤكد أن ليس لنا تقاليد ديمقراطية وإن تاريخ أمتنا لا يرضي أحدا ، فهو تاريخ الانقلابات العسكرية . يجيبنا عصمت سيف الدولة : وهل الماضي حجة على المستقبل ؟
من غير الممكن في نظر عصمت سيف الدولة أن نتحدث عن الديمقراطية بمعزل عن الاشتراكية ، فإذا كنا قد " عرفنا أن الديمقراطية هي النظام القانوني الذي يسمح للشعب باكتشاف الحلول الصحيحة لمشكلاته الاجتماعية و تنفيذها بالعمل ... يكون تحرير الشعب من القهر الاقتصادي شرطا لا بد منه للممارسة الديمقراطية "
لسنا هنا بصدد عرض يوتوبيا سياسية ، ولكننا نتكلم ، بحسب وجهة نظر الكاتب ، عن علاقة عضوية بين الديمقراطية والاشتراكية . وإذا كان لنا ضمن إشارة سريعة أن نبوّب أهم ما يترتب عن هذا الطرح المنهجي للكاتب لقلنا في سياق تناسبي لما قال : " الاشتراكية العربية نظرية لإقامة النظام الاشتراكي في دولة الوحدة الديمقراطية " .
إن التقدم في التحليل يفرض على الكاتب أن ينفذ إلى أبعد من ذلك ليضع أساليب جديدة في التخطيط الاستراتيجي . إن المعركة التي يستأهل القوميين أن يخوضوها هي وضع إستراتيجية تنبني على أساس تصورهم للواقع . باختصار إن جوهر مهمة الحزب القومي الديمقراطي الاشتراكي" أن يصل بين واقعه وغاياته بخطة إستراتيجية " . و قبل أن ننصرف للمناقشة المهيبة حول كيفية إعداد الإستراتيجية ، ينبه الكاتب أنه لا يجب على القوميين أن يشغلوا أنفسهم بهذه القضية ما لم يبنى الحزب القومي الديمقراطي الاشتراكي ؛ فهو وحده " واضع الخطة والمسئول عن وضعها " .
يميط عصمت سيف الدولة اللثام عن الخصائص العامة للإستراتيجية. فهي أولا قومية وهي ثانيا هجومية وثالثا مرنة ورابعا ثورية .

( يتبع) ..

الأحد، 7 أغسطس 2016

الانسان سيد الكون ..


الانسان سيد الكون ..

آيات " التسخير " في القرآن الكريم عديدة ، منها آيات تفصيلية  لبعض الأمثلة التي تحصر هذا الأمر في مجالات معينة كتسخير الرياح ، والشمس ، والقمر ، والنجوم ، والليل والنهار ، والبحر ، والجبال ، والدواب .. وأخرى تؤكد على مفهوم التسخير الشامل لكل شئ كقوله تعالى : " أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ " . ( لقمان ـ 20 ) . وقوله : " وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا " . ( الجاثية ـ  13 ) .
كل شئ مسخر للانسان ، ومعناه أن الانسان سيد الكون ، يتصرف بمشيئته ، وعلى مسؤوليته في حدود تلك " الحتمية " ، أي حتمية القوانين والنواميس التي تجعل كل ما في الكون منتظم ومسخر بامر الخالق . وهو ما يجعل مشيئة الانسان وحريته في حدود المشيئة الالهية المجسدة في نفاذ أمرالله المحكم بقوانينه ونواميسه التي لا تتبدل .. ولهذا فان نجاح الانسان في سعيه وعمله سيكون في حدود التزامه بمشيئة الله ( وما تشاؤون الا أن يشاء الله ) ( التكويرـ 29 ) ، أي في حدود علمه والتزامه بالقوانين النوعية والكلية التي تضبط حركة الاشياء والظواهر والكون الخالي من السكون من جهة ، والخالي من الفوضى والصدفة من جهة أخرى ..
وهكذا ، ان وعى الانسان تلك القوانين واحترم شروطها وفعاليتها ووظفها لصالحه كانت خيرا له ، وان وظفها في غير محلها ، كانت وبالا عليه أو على الآخرين ..

أما اذا جهلها أو تجاهلها فسيكون مصيره محكوما بالصدف ، وهي الاحداث التي نجهل شروط تحققها  ، فتأتي أحيانا على غير ما نتوقع حدوثه ، وتبدو كأنها عقاب مسلط علينا حينما تكون كارثية ، بينما الواقع غير ذلك .. فهي سنن تجري على كل العباد ، ومثلما تجري على المؤمن تجري على الكافر ، ومثلما تجري على الصالح تجري على الطالح ، ولا تعبأ بالنوايا ، ولا بالعلاقات أو بالأفعال ، الا بالقدر الذي يتدخل فيه البشر للتحكم في فعالية القوانين التي تقود التحولات والحركة ، لتكون وفق ما يريدون .. قال تعالى : " ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ( الرعد ـ 11 ) .

( القدس ) .


السبت، 6 أغسطس 2016

اعلان الحرب العالمية الثالثة ..

PDF

اعلان الحرب العالمية الثالثة ..
الدكتور/ عصمت سيف الدولة .
جريدة الأهالي بتاريخ 25 - 4 - 1984

 نشرت الصحف يوم 16 ابريل 1984 خبرا يقول ان الرئيس الامريكى رونالد ريجان قد اصدر تعليمات بشن غارات انتقامية ضد الجماعات الارهابية فى خارج الولايات المتحدة الامريكية وتوجيه ضربات وقائية اليها باستخدام القوة قبل ان تقع اي احداث وان هذه التعليمات قد جاءت كرد فعل للهجوم الانتحارى الذي تعرضت له قيادة قوات مشاة الاسطول الامريكي في بيروت فى اكتوبر الماضى . وقالت الصحف ان تلك التعليمات تتضمن تشكيل وتدريب فصائل شبه عسكرية تابعة لوكالة المخابرات المركزية ( س . أي . ايه ) ولمكتب التحقيقات الفيدرالي الامريكي (مباحث امن الدولة ) ووحدات كوماندوز تابعة لوزارة الدفاع الامريكية ( قوات مسلحة ) وستزود بقائمة بمواقع الارهابيين فى العالم من اجل التحرك بسرعة لتوجيه ضربات اجهاض اليها او شن هجمات انتقامية ضدها .
هذا هو الخبر الذي اعلن . و مادام قد اعلن فهو ليس تعبيرا عن نوايا تهديدية ، ولكنه اعلان عن بدء تنفيذ مخططات سبقت دراستها وتجهيزها للتنفيذ . ذلك لأن رؤساء الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة الامريكية . لا يصدرون اوامر لدراسة امكانية تنفيذها ، بل يصدرونها للتنفيذ بعد ن تكون كل عناصر التحضير لها قد انتهت واصبحت قابلة للتنفيذ الفعلي . 
اذن فان الولايات المتحدة الامريكية قد انتهت من تكوين قوات خاصة أو " جيشا رابعا " بالإضافة الى الجيوش البرية والبحرية والجوية  تتوافر لها عناصر الخفاء والسرية والتمويه على طريقة المخابرات المركزية ، والكفاءة القتالية على أعلى مستوى في القوات المسلحة الامريكية وأصدرت لها الاوامر بأن تغادر الولايات المتحدة الامريكية  الى خارجها بدون أن تسمي جهة معينة أي الى أي مكان في الأرض في أية دولة لتوجيه ضربات وقائية للجماعات الارهابية باستخدام القوة .
اما الضربات الوقائية للإجهاض فتعني تصفية الجماعات الارهابية قبل بدء تنفيذ اي نشاط ارهابي .
ومعنى ذلك ان الهوية الارهابية لجماعة لن تتحدد طبقا لممارسة فعلية ايا كان قدرها ، بل تشمل الجماعات التي تدين بمبادئ او تتبنى سياسات او تروج افكارا او تلتقي في احزاب او منظمات تعتبرها الولايات المتحدة الامريكية مبادئ وسياسات وأفكارا ارهابية او تؤدي الى الارهاب قياسا على مبادئ وسياسة وأفكار الحكومة الامريكية ذاتها . وبالتالى فان الجماعات المستهدفة ليست معينة على سبيل الحصر جغرافيا فقد تكون في أية دولة .. وليست معينة على سبيل ما تعتبره الحكومة الامريكية ذاتها ارهابية الآن او ما تعتبرها ارهابية في المستقبل قياسا على ما يحدث من تغيير مبادئ وسياسة وافكار الحكومة الامريكية ذاتها في المستقبل .
صحيح ان الخبر المنشور يشير الى قوى الثورة الوطنية في لبنان ، وصحيح  ان الولايات المتحدة لم تكف منذ سنين عن وصف مقاتلي وكوادر وقادة الثورة الفلسطينية بأنهم ارهابيون وهو ما يعني ان الحرب التي اعلنتها امريكا قد اعلنت ضد العرب اولا ولكن هذا لا يعنى اننا نحن المستهدفون وحدنا في مكاننا من وطننا العربي  بل سيضاف الينا  أو قد اضيف فعلا  ، كل الاحرار وكل الثوار في العالم كله . الذين ترشحهم افكارهم واهدافهم ليكونوا ارهابيين في المستقبل طبقا لمقاييس امريكا . وسيضاف الى هؤلاء أو قد اضيف اليهم ، كل الفلاسفة والكتاب والفنانين والصحفيين والطلاب الذين يؤيدون ثورات التحرر الوطني ويعادون المبادئ والسياسات والافكار الامريكية لانهم قياسا على تلك المبادئ والسياسات والافكار شركاء بالتحريض والمساعدة مع الارهابيين . وما لم تجهض افكارهم من الآن ستولد ارهابيين فى المستقبل .
ولست اشك لحظة واحدة فى أن كل الحكومات الجادة في دول العالم قد بدأت منذ 16 ابريل 1984 تدرس على أعلى مستوى قيادي مدني وعسكري وتضع خططا قتالية معقدة وتنشئ مراكز تدريب سرية ، وتجند افرادا مختارين طبقا لمقاييس خاصة . للدفاع عن حرمة اوطانها واستقلالها الخارجى وامنها الداخلي ، ضد القوات الامريكية الغازية خفية التي ستعبر الحدود في شكل طلبة وسائحين وفنانين وأدباء ورجال أعمال وأصحاب أموال بجوازات سفر مزورة  الى اوكار أعدت خفية تحت لافتات بريئة براءة مراكز البحوث العلمية وجمعيات الدفاع عن حقوق الانسان والتدريس في الجامعات حيث يجد كل واحد سلاحه الذى سبق تهريبه واوامر صريحة بأن يقتل ويدمر .. هذا " الفلان " أو ذلك " المكان " لاجهاض مخططات الارهابيين .. لاشك في هذا لأنه لا توجد حكومة جادة في دولة مستقلة تقبل بأن تغزوها جيوش القتل والتدمير الامريكية بحجة ان الولايات المتحدة تريد اجهاض نشاط الارهابيين على ارضها بدلا من ان تتلقى من امريكا اخطارا  بأن لديها معلومات بأن على أرضها ارهابيين ثم تترك لها ممارسة سيادتها على أرضها احتراما لهذه السيادة .
وهكذا ستبدأ كل حكومة جادة في دولة مستقلة ، أو قد بدأت فعلا تكوين جيشها " الرابع " لحماية الوطن واستقلاله وامنه ضد غزو جيش القتلة والمدمرين الامريكي . وكما ان كل مواطن او مقيم في أية دولة قد يكون في نظر الحكومة الامريكية وطبقا لمقاييسها الخفية ارهابيا الان أو مرشحا طبقا لافكاره أن يكون ارهابيا في المستقبل وبالتالي هو هدف للانتقام أو للاجهاض فان كل دولة ستعتبر كل امريكي من ذكر أو انثى يعبر حدودها مشتبها في ان يكون جنديا فى الجيش الرابع الامريكي وسيتعرض لما يتعرض له المشتبه فيهم والخطرين على الأمن من رقابة مستترة وتفتيش خفى واجراءات وقائية ضد نشاطه المحتمل .
كما انني لا أشك لحظة في ان كل الاحرار وكل الثوار وكل الوطنيين فى العالم قد اصبحوا على يقين من انهم افرادا وجماعات قد اصبحوا اهدافا للقتل الامريكي ، أو قد يصبحون اهدافا وجب قتلهم طبقا لمقاييس أمريكية خفية وقوائم سرية ، وأنه قد يكون من بين جند الجيش الرابع الامريكي المكلفين بقتلهم أينما كانوا اولئك الزملاء في المعاهد والملاعب والمشاة في الطرقات ورفاق السفر في القطارات أو قد يكون من بينهم تلكم الصديقات اللعوبات الفاتنات أو اولئك الاساتذة الوقورون .
باختصار لقد أصبح من حقهم أن يشكوا في كل امريكي ، أو في كل عميل نصير لامريكا ، خوفا من أن يكون هو الذى تلقى أوامر الرئيس الامريكي بتنفيذ عملية " الاجهاض " القاتل ، وقد يبلغ بهم الشك الى حد المبادرة الى اجهاض الاجهاض .
وهكذا أعلن الرئيس الامريكي يوم 16 ابريل 1984 بدء حرب الاشباح حيث يطارد مجهولين في أماكن مجهولة في أوقات مجهولة . حيث سيكون السلاح الخنق بالأيدي أو التسمم في الطعام أو الطعن بالخناجر أو الدهس بالسيارات أو تفجير القطارات أو اشعال النار في المنازل أو الغابات حيث سيلجأ كل واحد الى وقاية نفسه ضد ( الضربة الوقائية الامريكية ) بأن يحرز السلاح ويتدرب عليه ويتعلم بنفسه أو يعلمه غيره أن الهجوم خير وسائل الدفاع فينقل المعركة الخفية الى قلب الولايات المتحدة الامريكية حتى تبقى دائرة هناك ولا تنتقل الى خارجها . وهناك ستهزم الولايات المتحدة الامريكية  لأنها قد اختارت ـ بغباء تاريخى ـ ان تخوض حربا لا تجدي فيها القنابل الذرية ولا الطائرات ولا الدبابات ولا الاساطيل ، اختارت ان تعلن حربا ينتصر فيها الوطنيون اصحاب العقائد التحررية  والثورية ويطبقون من تكلفتها ما يكفي لثمن تذكرة سفر وشراء مسدس أو حتى خنجر أو ما هو اقل من ذلك ثمنا .
كل البشر ، في كل مكان ، لن يلبثوا حتى يجدوا انفسهم اما قاتلين أو مقتولين في المخادع والمنازل والطرقات والشوارع ودور اللهو ومعاهد العلم . لن يتم هذا دفعة واحدة ولكنه قد بدأ ، وعلى مدى سنين ستمتد هذه الحرب الجبانة من خلال أفعال وردود أفعال ، ارهاب وإرهاب مضاد الى ان تشمل البشر جميعا . واني لأرجو مخلصا ان تلتفت البشرية الى مخاطر الحرب التي اعلنها رئيس الولايات المتحدة الامريكية ، والا يكون الجهل بمبرراتها أو قواتها أو أسلحتها وساحاتها أو ضحاياها مبررا لتجاهل انها هي هي الحرب العالمية الثالثة التي طال انتظارها .
لقد كانت الحرب العالمية الثالثة متوقعة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية . كان المتوقع أن تكون حربا ذرية حتى تعادلت القوة الذرية او تفوقت على ما تملكه الولايات المتحدة الامريكية فحال التوازن الذري دون أن تكون الذرة سلاحا فتأجلت . وعادت الولايات المتحدة الامريكية الى الحروب التقليدية التي لم تنقطع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية واستطاعت في ظلها ان تفرض هيمنتها على أغلب دول العالم بالقوة المسلحة : بقوة الاقتصاد الذي تغذيه المتاجرة في الاسلحة وبسلاح أكثر فتكا من سلاح هو عجز الشعوب المقهورة عن المقاومة بالقوة نتيجة عجزها عن تحمل تكلفة اعداد الجيوش المتكافئة تسليحا وهكذا تعيش كل الشعوب والامم فى كل انحاء الأرض ـ منذ الحرب العالمية الثانية ـ كمواطنين من الدرجة الثانية أو دونها حتى في اوطانهم ، بينما يحظى بحق المواطنة الكاملة شعبان أو ثلاثة ، هم أعضاء نادي السادة لانهم أصحاب القوة الظاهرة .
وما كان يمكن أن يستمر هذا الاذلال العالمى لأغلبية الأمم والشعوب كان لابد من اعادة المساواة بين البشر بتجريد المتسلطين من قوة القهر . هذا هو السبب الموضوعي الذى جعل الحرب العالمية الثالثة متوقعة . الشئ الذي كان مجهولا هو متى وكيف ومن الذي يشعلها أولا . وفي سبيل الاجابة على هذه الاسئلة لم تكف الدول القادرة القاهرة وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية عن ابتكار الاسلحة ، وشن حرب يقال محدودة لمجرد اختبار فاعليتها ، وتحولت الارض الى كوكب مسلح برا وجوا ليلا ونهارا ، واصبح التجسس علنيا بواسطة الاقمار الصناعية وأدوات التصنت بعيدة المدى .. الخ ولم تقم الحرب العالمية الثالثة التي تتوقعها وتعد لها كل القوى في العالم ..
الى أن كان اكتوبر 1984 فى بيروت شابان عربيان مجهولان ، لا يملك كل منهم الا قضيته  وشجاعته وسيارة ملغومة . يدخلان معركة قصيرة ضد القوات الامريكية البرية والبحرية والجوية في لبنان ، فيهزمان تلك القوات وتضطر الى الانسحاب ، فيلتفت العالم كله ، وعلى رأسه الدولة المهزومة في موقعة بيروت الى القوة العائدة من الماضي . قوة الفرسان . قوة الافراد المسلح كل منهم بقضية وشجاعة وأبسط أدوات التدمير . ويتذكرون تلك المعارك التي دارت بهذا الاسلوب منذ بضع سنين في الطائرات والسيارات والمنازل التي هزم فيها افراد لا يملكون الا قضية وشجاعة أعتى الدول وأجبروها على أن تنفذ ارادتهم . فتجمعت كل هذه الخبرة لتسقط القنابل الذرية والطائرات والدبابات والمدافع والجيوش من حلبات الحرب القادمة : الحرب العالمية الثالثة. فتنشئ الولايات المتحدة الامريكية جيشها الرابع ويتلقى في 16 ابريل 1984 أمر الرئيس الامريكى ببدء الحرب خارج الحدود ضد من يسميهم الارهابيين ، ويزودهم بالاسماء بدون اعلان وبالمواقع وبدون تحديد دولة ، وهكذا قلنا ونقول أن الحرب العالمية الثالثة قد بدأت بعد أن حددت الظروف العالمية اسلوبها انه اسلوب المقهورين الفقراء للانتصار على البغاة الاقوياء ..
ومن يعتقد أن ما نقوله خيالا عليه أن يتفكر في ايهما أكثر واقعية . أن تكون الحرب العالمية الثالثة قد بدأت باسلوب فرضته الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي سادت العالم منذ الحرب العالمية الثانية ، أم أن تعلن دولة كبرى مثل الولايات المتحدة الامريكية انها قد أعدت قوات مقاتلة وأمرتها بانتهاك حرمة كل الاوطان خفية ، وقتل من تريد قتلهم ، بدون اقامة وزن لحرمة الأوطان واستقلال الدول وسيادة الشعوب واحكام القانون . ان اى انسان يعيش بفكره في النصف الثاني من القرن العشرين يدرك أن ما أعلنه الرئيس الامريكي وما تمارسه الولايات المتحدة الامريكية يتجاوز الخيال الى مستوى الجنون ، فلا يبقى الا قبول الواقع كما هو ، والواقع أن الرئيس الامريكي قد أعلن الحرب العالمية الثالثة ، وعلى الشعوب والأمم في انحاء الارض جميعا  أن تعد نفسها لمواجهة حرب الاشباح التي ستدوم سنين طويلة من الرعب الشامل يموت خلالها الناس فرادى وجماعات اغتيالا أو خوفا من الاغتيال فيتمنى الاحياء منهم لو كانت حربا ذرية .



*****




الاثنين، 1 أغسطس 2016

مقياس الخطر من الوجود الاجنبي في الوطن العربي ..


مقياس الخطر من الوجود الاجنبي في الوطن العربي ..
الدكتور عصمت سيف الدولة .
يتساءلون  ، أين نحن من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية ، ويقولون ان الامر كان واضحا حين كنا منحازين الى الشرق . حين اقتصرنا على اسلحته وخبرائه. حين فوضناه في أن يتحدث باسمنا . حين عرضنا عليه الدفاع عن وطننا . حين بذلنا فوق ما نطيق مالا وبشرا في العراك مع الولايات المتحدة الامريكية واصدقائها . حين اخترنا الاشتراكية . ولقد كان الامر واضحا لان حدود الانتماء - كما يقولون - كانت واضحة . فلقد كان العالم منقسما انقساما حادا الى قوتين متصارعتين ، الكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفيتي والكتلة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الامريكية . في تلك الظروف كان من الممكن أن نجد للانحياز مبررا . ولقد حاولنا وحاول غيرنا ان نبني كتلة عدم الانحياز من دول العالم الثالث ، ولكنا - وا قعيا - كنا منحازين . المهم ان الظروف قد تغيرت . وان المتغيرات الدولية قد اصابت علاقات كل الدول بالتغيير. وحل الوفاق محل الصراع بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية . انهم يتعايشون معا ويتفقون معا ويعقدون الصفقات طويلة الامد . وان هذه لفرصة تاريخية لنعود الى استقلالنا ونتعامل مع كل الدول بدون تمييز ولا نزج بانفسنا في معتركات السياسة الدولية . وان اخشى ما نخشاه من خطر على قضيتنا أن نقع فريسة الاستقطاب مرة أخرى ، واخشى ما نخشاه من خطر على حريتتا أن نفقد المقدرة على اتخاذ قراراتنا طبقا لما يتفق مع مصالحنا .. الخ  .
يثير هذا الذي يقال ثلاثة مواقف متميزة في الوطن العربي  .
الموقف الاول ، يعيد التذكير بتاريخ علاقتنا بالاتحاد السوفيتي . لم يكن الاتحاد السوفيتي هو الذي تقدم فدس أنفه في شؤوننا الداخلية . كانت البداية منا . نحن الذين تقدمنا اليه ننشىء معه علاقات اقتصادية ومالية وثقافية وعسكرية فرحب وقبل . ولم نتقدم اليه مختارين . تقدمنا اليه بعد أن استنفذنا كل الوسائل في محاولات استغرقت سنين طويلة أردنا بها أن ننمي علاقاتنا الاقتصادية والمالية والثقافية والعسكرية مع المعسكر الغربي والولايات المتحدة الامريكية بالذات . وكانت للولايات المتحدة الامريكية شروط لا تنسى لانها شروط تمس استقلالنا وحريتنا ” ولما رفضناها ضرب علينا الحصار الاقتصادي ، وجمّدت أرصدتنا المالية في الولايات المتحدة الامريكية ، وتوقفت الاعانات ، وسحب عرض بناء السد العالي ، وغزت اسرائيل أرضنا تحت مظلة حلف الاطلنطي . كان المطلوب منا لكي نحتفظ وننمي علاقاتنا مع الولايات المتحدة الامريكية أن نكف أنفسنا عن الاهتمام أو التدخل في شؤون العالم العربي ، أن نصطلح ونعترف باسرائيل ، لأن نقبل رقابة مالية على خزانتنا ، الا نقيم مشروعا اقتصاديا الا بعد الاذن من البنك الدولي . باختصار كانت تبعيتنا الى الولايات المتحدة الامريكية هي ثمن أية علاقة اقتصادية أو مالية أو ثقافية أوعسكرية . والمرحوم دالاس  وزير خارجية الولايات المتحدة ، هو الذي قال لنا : اما معنا واما ضدنا لان موقف عدم الانحياز موقف غير اخلاقي  …
ولقد لجأنا الى الاتحاد السوفيتي فتعامل معنا في الحدود التي ارتضيناها وقبل شروطا لا تتفق حتى مع مبادئه العقائدية . صفقة الاسلحة تمت سنة 1955 بينما كان كل الشيوعيين في السجون . وبينما كان خبراء الروس ينفذون مشروع السد العالي ، ويخططون لمجمع الحديد والصلب ، ويوردون الاسلحة ، كان الشيوعيون أيضا في المعتقلات في الواحات ، وعندما هزمنا في عام 1967 قدم لنا الاتحاد السوفيتي تعويضا عن اسلحتنا مكننا من استئناف القتال في حرب الاستنزاف . وعندما بدأت غارات العمق ذهبنا ، نحن الذين ذهبنا ، لطلب الاسلحة المتطورة ، ونطلب الخبراء ، ونطلب ، نحن الذين طلبنا أن يتولى طيارون من السوفيت حماية اجوائنا الداخلية الى أن يتم تدريب طيارينا . وعندما قلنا تعالوا نتفق على انهاء مهمة الخبراء قال السوفيت ليس هذا من شأننا لنتفق عليه ، انه من شأنكم انتم فان اردتم فانهوا وجودهم في بلدكم . فلما طلبنا مغادرتهم في موعد ، حددناه نحن، غادروا هم قبل الموعد الذي حددناه . فلماذا نخشى التعامل مع الاتحاد السوفيتي وهذه خبرتنا معهم ..
الموقف الثاني ، يقول ان هذا ليس الا جانبا واحدا من المشكلة. جانبها الثاني هو اننا عندما نقتصر في تعاملنا الاقتصادي أو المالي أو الثقافي أو العسكري على الاتحاد السوفيتي فاننا نكون قد اصبحنا تابعين له سواء اردنا أو لم نرد . ان الاتحاد السوفيتي لم يعطنا كل ما أعطانا حبا فينا أو استجابة لمبادئه ونظرياته. ولو كان يتبع في سياسته الخارجية مبادئه النظرية ما تخلى عن الماركسيين . ولو كان يتبع في تعاونه الدولي مبادئه لما عرض اقتصاد الصين الشعبية وهي دولة ماركسية للخراب عندما سحب خبراءه فجأة في وقت كانت الصين في أشد الحاجة اليهم . انما هو يبحث منذ قرون عن سبيل الى المياه الدافئة ، ولقد فتحنا له مياهنا فاصبح له وجود عسكري قوي في المتوسط ، وفي محيطات الجنوب ونقل بذلك صراعه مع الولايات المتحدة الامريكية الى ارضنا . وفي هذا الصراع لا يمكن الحياد . فهو يسعى باساليبه الخاصة لاحتوائنا وهو يستعمل في سبيل هذا امضى اسلحته وهو السلاح الفكري . ما بين عام 1964 وعام 1967 لم تمض الا ثلاث سنوات قضاها الماركسيون خارج السجون فبلشفوا العقول وسمّموا أفكار الجيل الجديد من الشباب ، وأشاعوا الفساد والالحاد .. وفي الاوقات العصيبة لم يتردد الاتحاد السوفيتي في الضغط علينا بما يملك تحت يديه من ادوات اقتصادية ومالية وعسكرية . حبس عنا قطع الغيار . وهو يرفض جدولة الديون . وهو يرفض ان يعوضنا خسائرنا في الحرب كما فعل مع سورية وكما تفعل الولايات المتحدة الامريكية مع اسرائيل . ثم بماذا يفيدنا الاتحاد السوفييتي ؟ ان ازمتنا اقتصادية . ولقد أصبحنا افقر الدول بعد أن كنا اغناها . ما نريد الان هو ان نوقف الاستنزاف الدائم لمواردنا الاقتصادية والبشرية بالكف عن الحرب . على اسرائيل اذن أن تترك أرضنا بدون قتال ولا يستطيع أن يحملها أحد على هذا الا الولايات المتحدة الامريكية . ثم ان الولايات المتحدة الامريكية هي وحدها التي تستطيع ان تقيلنا من عثرتنا الاقتصادية لانها أقوى قوة اقتصادية في الارض . ألم يلجأ اليها حتى السوفيت ليحلوا ازماتهم الاقتصادية المستعصية . لقد أرهقنا الفقر والحرمان سنين طويلة ولا نريد الا وضع حد لهذا الفقر والحرمان ، فلنفتح أبوابنا للولايات المتحدة الامريكية . لن يأتي الينا الاسطول الامريكي فانه لا يفتقد القواعد . ولن يأتي الينا الجيش الامريكي فقد انسحب حتى من جنوب شرقي اسيا . انما ستأتي الينا الاموال الغزيرة ، والتكنولوجيا المتقدمة ، ومشروعات الاستثمار المدروسة . فتتحول بلدنا الى جنة كما تستحق بدون أن نفقد حريتنا  .
الموقف الثالث ، يقول اننا فوق كل شيء وقبل كل شيء ، يجب أن نحافظ على استقلالنا فلا نقع في شباك التبعية لا للاتحاد السوفيتي ولا للولايات المتحدة الامريكية . وبناء عليه يجب أن نتعامل معهما معا ، لا نعادي أيهما ولا ننحاز الى أيهما وبالتالي نفلت من كليهما ونستفيد من علاقاتنا بالجميع . على هذا الوجه يجب أن يكون التزامنا الاسترا تيجي ، أما المواقف التكتيكية فتتنوع وتتغير تبعا للظروف المتنوعة المتغيرة . ولكن المقطوع به أننا لن نسمح في أي حال بوجود سوفيتي أو وجود أمريكي في أرضنا العربية .. فلا قواعد عسكرية . ولا احتكار للسلاح . ولا تعامل منفرد إقتصاديأ ، ولا رأسمالية ، ولا شيوعية ، بل انفتاح على كل الدول وكل المذاهب وكل النظم  .
ومعارك الكلمات وما تخفيه ، ما تزال مستمرة  .
ونحن نريد بهذا الحديث أن نقيم حدا بين المواقف . اذ لن يضيرأمتنا أبدا أن تفرز القوى من خلال مواقف محدودة بحيث يعرف كل واحد الى أين ينتمي . ان هذا الفرز مقدمة صحيحة وصحية للحل الصحيح . انما تضار أمتنا حقا ، اعني جماهير أمتنا العربية ، عندما تختلط في اذهانها المواقف فلا تعرف كيف تختار موقفها هي .. ولاختلاط المواقف سبب غير خفي  فان جميع المتعاركين يدخلون الى موا قفهم المتناقضة مدخلا واحدا : الوطنية . الحرية . الاستقلال وعدم التبعية … الى آخره . وهو مدخل الجماهير أيضا . فلا أحد يستطيع أن يقنع أحدا في الوطن العربي بخيانتة وطنه أو بيع حريته أو التنازل عن استقلاله . ومع ذلك فان المواقف التي اختلطت في مدخل واحد ، مدخل الوطنية ، مواقف متناقضة فلا بد لها من أن تفرز حتى تعرف جماهير أمتنا أي موقف تختار لنفسها  .
 ليس غاية هذا الحديث اذن ، تحقيق ادعاءات الاطراف المعنية او محاكمة مواقفها ، بل غايته أن يضع بين أيدي الجماهير العربية مقياسا للخطر ، مفترضا ان الموقع الاستراتيجي لوطننا العربي وما فيه من ثروات يرشحه لمطامع كل الذين يحتاجون إلى” وجود ” سواء كان وجودا عسكريا أو اقتصادياً ، ولن نعقد مقارنة بين كل الدول والقوى لنقول من منها الذي يحتاج إلى ” الوجود ” في الوطن العربي . انما نقصر الحديث على بيان كيف تتواجد القوى والدول خارج حدودها  .
 والمقارنة للايضاح ، بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية .
ان الولايات المتحدة الامريكية هي التي هددت صراحة بغزو الوطن العربي وهي التي تتواجد عسكرياً في اسرائيل وهي التي تملك القواعد في بعض الاقطار العربية . يقول أصحاب الموقف الثاني أن الولايات المتحدة هددت ولكنها لم تنفذ مع انها قادرة على التنفيذ . وهي ليست قوة عسكرية موجودة في اسرائيل بل هي حليفة تبيع لاسرائيل السلاح كما تبيع للاردن وللمغرب ، وهذا يجري به العرف الدولي . أما قواعدها في بعض الاقطار العربية فقد أقيمت على أرض مؤجرة  من تلك الاقطار وما تزال لها قاعدة في كوبا لم تستخدمها في اسقاط كاسترو رغم محاولاتها اسقاطه بطرق أخرى . ولقد استطاعت ليبيا ان تنهي هذا الوجود بمجرد طلب انهائه وأخلت أمريكا قاعدتها هناك .
ليكن . منعا للجدال . لنستبعد اذن المقياس العسكري ولنقل أن أياً من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية لن يجسد وجوده خارج حدوده عنوة بالقوة المسلحة والاحتلال . انه الاستعمار “ القديم ” الذي انقضى عصره . كيف يتجسد وجود الدولة خارج حدودها إذن ؟
كل بالاسلوب الذي يتفق مع نظامه الداخلي  .
الاتحاد السوفيتي دولة اشتراكية خالية تماما من المؤسسات الفردية . الدولة هي التي تنتج السلاح وهي التي تبيعه . الدولة هي التي تملك ” ادوات الانتاج وتتعامل - خارجيا - في المنتجات الصناعية والزراعية وغيرها . وكل الناس في الاتحاد السوفيتي عاملون في الدولة ، ولا يستطيع أي واحد منها أن يؤجر قوة عمله الى غير دولته ولكنها تملك تشغيله في خارج الدولة تنفيذا للاتفاقات التي تعقدها الدولة مع الدول . والدولة هي التي تملك الصحف والاذاعة وتطبع الكتب وتنشرها وتوزعها داخل الاتحاد السوفيتي وخارجه .
وهكذا يكون الوجود السوفيتي خارج حدوده وجودا ظاهرا ومحددا ومعروفا لانه يتم من خلال الدولة وفي نطاق علاقاتها بالدول الاخرى . الوجود الاقتصادي يتم في شكل مكاتب متخصصة ترفع العلم السوفيتي علناً . في شكل عقود يبرمها مندوبون مفوضون من الاتحاد السوفيتي رسميا . في شكل مصانع وأدوات صناعية وأسلحة وذخائر تسلّم من الاتحاد السوفيتي الى الدولة المعنية طبقأ لاتفاقات معروفة . في شكل خبراء معروفة أسماؤهم وأسماء أسرهم وأعدادهم ومحال إقامتهم وأرقام هوياتهم لدى سلطات الدولة التي يوجدون فيها . والوجود الثقافي في شكل  مكاتب ثقافية ومكتبات وصحف وكتب تحمل كل منها شعار واسم الاتحاد السوفيتي . وفي شكل وفود زائرة معروفة العدد والاسماء ومدد الاقامة والغرض من زيارتها ووفود مدعوة بالاسم او بالصفة لمدد معلومة تقدم دعوتها الى الدول التابعة لها . لا شيء يجري في الخفاء ، ولا شيء يمكن أن يضلل أحدا في ” الوجود ” السوفييتي عندما يريد الاتحاد السوفيتى أن يكون له وجود خارج حدوده ..
ان هذا الوجود العلني ، والذي لا يمكن الا ان يكون علنيآ هو الذي سمح ويسمح بحملات التشهير بالوجود السوفيتي . ففي كل دولة يستطيع رجل الشارع العادي ان يعرف ما اذا كان للاتحاد السوفييتي وجود في دولة ام لا . وما شكل هذا الوجود . وما حجمه وبالتالي يستطيع ان يقدر ما اذا كان هذا الوجود يمثل خطرا على استقلاله او لا يمثل .. فالمشهّـرون بالوجود السوفيتي لا يحتاجون الى معلومات . كلها متاحة وغير منكورة فيبقى لهم ان يفسروا ويأولوا ويستنتجوا ما يريدون من وجود لا ينكره احد .
على أي حال ، فان أي ” وطني ” يحرص على استقلال بلاده لن يخطىء ابدا في معرفة بدء وشكل ومضمون وحجم الوجود السوفيتي في بلاده . وسيكون عليه هو ان يقدر مدى اتفاق او عدم اتفاق هذا الوجود مع استقلاله الوطني ، وان يحد منه او ينهيه ولن يكلفه هذا شيئا سوى مراجعة او تعديل او انهاء العقود والاتفاقات التي ابرمها مع دولة الاتحاد السوفييتي  .
نأتي الى الطرف الآخر .
الولايات المتحدة الامريكية دولة رأسمالية اقتصاديا ليبرالية سياسيا . الدولة هنا لا تتدخل بشكل عام الا في شكل القوة المسلحة التي استبعدناه . لان الدولة في الولايات المتحدة الامريكية ذات وظيفة محددة : حماية مصالح رعاياها واشخاصهم فقط لا غير . اما العلاقات الاقتصادية او المالية او الثقافية بالدول الاخرى فيقوم بها الافراد والمؤسسات الخاصة . حتى الاسلحة تنتجها وتبيعها مؤسسات خاصة تلك المؤسسات الخاصة قد تقيم علاقاتها مع دولة او مع مؤسسات خاصة ايضا في الدول . وغاية كل هذا النشاط الذي يقوم به الافراد والمؤسسات الخاصة من الامريكيين خارج الولايات المتحدة الامريكية هو الحصول على الارباح . اكبر قدر من الارباح ، وهكذا يتبع الوجود الامريكي مصادر المواد الخام والعمالة الرخيصة والعرض الاستهلاكي أينما كان متاحا بشروط افضل .. ولا تحتاج دولة الولايات المتحدة الى الظهور كطرف في علاقات رعاياها بالدول او المؤسسات او الافراد خارج حدودها . كل ما تحتاجه هو اكبر عدد من العيون والرقباء والعملاء الذين ينشطون خفية للتحقق من أن ” الظروف ” الداخلية في أية دولة لا تهدد مصالح رعاياها اما بتقييد نشاطهم أو بمحاولة الحد من الارباح التي يغرفونها فتظهر حينئذ في شكل قوة عسكرية . وقلة من هؤلاء من يلحقون بسفاراتها كموظفين . الكثرة يتواجدون ايضا تحت شعار النشاط الاقتصادي أو المالي أو الثقافي . وليس مطلوبا من أي وطني حريص على استقلال بلاده ان يكشف حقيقة كل هؤلاء الامريكيين الذين يفدون الى بلاده ، يحملون وعود الرخاء ودعوات السلام . هذا فوق طاقة اي وطنى  .
كيف يمكن اذن ان يعرف أي وطني حريص على استقلال بلاده بدء وشكل ومضمون وحجم الوجود الامريكى في بلاده ؟ بمراقبه ودراسة تتبع النشاط الاقتصادي والمالي والثقافي في بلاده ذاتها عندما يبدأ دخول رؤوس الأموال الخاصة في بلده يكون قد بدأ الوجود الأمريكي سواء جاءت رؤوس الأموال تلك من الولايات المتحدة أو من المانيا الغربية أو من اليابان أو من أي طرف من أطراف الأرض لأن الولايات المتحدة الأمريكية هي ” امبراطورة ” الرأسمالية العالمية كل ثغرة تفتح لتتسرب منها مضاربات السوق الرأسمالي إلى الداخل يدخل معها السوق الأمريكي في شكل مضاربين على احتياجات الشعب في السوق الحرة . كل صفقة دولية تعقدها مؤسسة خاصة “وطنية” هي اسلوب خاص للوجود الأمريكي في الوطن . كل فرع بنك أجنبي هو تجسيد للوجود الأمريكي . كل سلعة استهلاكية لا يحتاج إليها الشعب هي جزء من الوجود الأمريكي . كل مشروع امريكي اقتصادي أو مالي أو ثقافي ، هو وجود أمريكي .. كل دعوة ليبرالية هي دعوة إلى أمريكا لتتواجد . كل نظام رأسمالي هو في التحليل الأخير وجود أمريكي في شكل نظام  .
وفوق طاقة الجماهير العربية العادية أن تراقب وتتبع هذا الوجود منذ بدايته إلى أن يسلبها استقلالها الوطني . فماذا تفعل لمنع مخاطر الوجود الأمريكي في بلادها ؟ هل تقاطع أمريكا ؟
لا  ..
ألاّ  تتعامل مع أمريكا ورعاياها من المؤسسات والأفراد إلاّ  عن طريق دولتها . أن تكون الدولة هي المتعاملة المتعاقدة المتاجرة المبادلة ، مالياً واقتصادياً وثقافياً ، مع أمريكا وكل النظم الرأسمالية . أن تكون الدولة هي صاحبة الصلاحية وحدها ، فيما يدخل أو لا يدخل حدودها من أموال أو بضائع أو ثقافة ، وتكون هي الطرف الوحيد في كل مشروع طرفه الآخر مؤسسة رأسمالية . ان الانفتاح على المؤسسات الأمريكية هو استدعاء للوجود الأجنبي في أرض الوطن  .

مقال نشر في جريدة السفير يوم 28/7/1975 .