القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 3 ديسمبر 2020

عبد الناصر والحملة الظالمة / عبدالله امام .

عبد الناصر والحملة الظالمة

 عبدالله امام .

6/7

الصداقة المصرية السوفيتية
..
ولابد أيضا من وضع العلاقات المصرية السوفيتية خلال الستينات في موقعها الصحيح، دفاعًا عن شرف مصر، واستقلالها.. وحرية إرادتها التي أصابها كثير من التشويه المتعمد..
ولم يكن عبد الناصر مرتبطًا بالاتحاد السوفيتي بأية معاهدة عام 1971، فقد وقعت المعاهدة الوحيدة بين مصر والاتحاد السوفيتي، أي بعد رحيله بعام كامل.. وفي تلك الفترة - وبعد رحيل عبد الناصر - عين في مصر أول وزراء شيوعيون.
وكان المسئولون عن الإعلام والصحافة جميعًا بعيدين عن أي ارتباط مذهبى بالاتحاد السوفيتي، بل لعل بعضهم كان بأفكاره من المعادين للاتحاد السوفيتي[3]..  فلم يسيطر الشيوعيون على الإعلام كما ردد البعض كثيرًا.
وكان عبد الناصر قد أصدر ميثاق العمل الوطني في 21 مايو 1962 وتحدث فيه عن الاشتراكية العلمية، وقال أن هناك خلافات بين التطبيق العربي للاشتراكية، والماركسية، فنحن نؤمن بالدين، ولا نرى تناقضًا بين تطبيق الاشتراكية.. والايمان بالدين الذي لا نعتبره معوقا، بل دافعا لتقدم الشعوب، واشتراكيتنا تقوم على أساس توسيع قاعدة الملكية، فلا تلغي الملكية الخاصة، ولا تؤمم كل وسائل الإنتاج، وتحدد دورا للقطاع الخاص، كما أنها ترفض ديكتاتورية الطبقة، والحزب الواحد، وتقيم بدلا منه تحالفا بين فئات الشعب العاملة الخمسة، بعد أن تم حل الصراع بين الطبقات حلا سلميًا، لا دمويًا،، كما أننا نؤمن بالقومية العربية وننادى ببعثها فنحن جزء أساسي ومؤثر من العالم العربي كانت هذه هي الرؤية للتطبيق الاشتراكي في مصر، وهي تختلف عن الرؤية المذهبية في الاتحاد السوفيتي.
وسياسية الاتحاد السوفيتي الخارجية هي تأييد الدول النامية في نضالها ضد الاستعمار، وحق الشعوب في حل مشاكلها، واحترام سياسة عدم الانحياز، ومعاونة حركات التحرر، وكانت مصر تنتهج نفس هذه السياسات.
وكانت بداية التعاون مع الاتحاد السوفيتي في مجال التسليح ، ففي السنوات الأولى للثورة ، كان قادتها يأملون أن تعاونهم الولايات المتحدة الأمريكية لتسليح مصر، وبناء جيش وطني قوي... وسافرت الوفود إلى أمريكا، ولكنها لم تعد حتى بالوعود... وأخذت الولايات المتحدة تماطل في إمداد مصر بالسلاح، ثم عرضت أن ترتبط معها بحلف عسكري، هدفه محاربة الشيوعية، وكان رد عبد الناصر كيف أرتبط بحلف يقاوم عدوا لا أراه فهو علي بعد ستة آلاف كيلو متر، بينما عدوى الأساسي أراه على بعد أميال مني! كيف أحارب الشيوعية، ولا أحارب مغتصب أرض فلسطين!
ورفض عبد الناصر الارتباط مع الغرب في أحلاف عسكرية، بل أنه قاد حملة شرسة ضد جر البلاد العربية لهذه الأحلاف المشبوهة .
وبعد أن قامت إسرائيل - مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية - بعدوان وحشي على غزة، أصبح من المحتم أن تحصل مصر على السلاح.. وبسرعة. واتجهت نحو الشرق، وطلب عبد الناصر من شواين لاي في باندونج أن يتوسط لدى الاتحاد السوفيتي لمد مصر بالسلاح.
وفي عام 1955 سافر حافظ إسماعيل على رأس وفد عسكرى إلى براغ لعقد أول صفقة سلاح مع الدول الاشتراكية.. - الاتحاد السوفيتي وتشيكوسلوفاكيا وبولندا - ووافق الاتحاد السوفيتي على كل مطالب مصر من السلاح ، وكانت هذه الصفقة تحمل عدة دلالات، فقد كسرت احتكار الغرب لتوريد السلاح لمصر، وكانت بداية لتطوير شامل القوات المسلحة بفروعها المختلفة وإعادة تنظيمها وأيضا بداية لرحلة طويلة من التعاون في المجال العسكري انتهت باتجاه السادات مرة ثانية نحو الولايات المتحدة الأمريكية لتسليح الجيش المصرى.
ويقول حافظ إسماعيل رئيس البعثة التي عقدت أولى صفقات السلاح مع السوفييت أن أسعار السلاح كانت تقل كثيرًا عن الأسعار التي كانت مصر تشترى بها من دول غربية، بل أنه لا يمكن مقارنتها بالأسعار الغربية.
لم يكن السلاح بالنسبة للاتحاد السوفيتي صفقة تجارية، ولكنه كان تأييدا لسياسة مصر برفضها الانضمام للأحلاف العسكرية الغربية، وسعيها لتصفية القواعد الاستعمارية، كما أن معاونته لثورة مصر الوليدة، يعطيه مكانة في الوطن العربي، وفي العالم الثالث.
وقد تكثف التعاون في المجال العسكري بعد هزيمة 1967، وهو الأمر الذي اعترف به السادات في كل خطاباته مشيدًا بدور الصديق السوفيتي ودعمه قائلا للصحفيين أن على من يريد أن يشكك في علاقة مصر بالاتحاد السوفيتي الصديق بلا غرض، أن يقصف قلمه!
التعاون العسكري
وكان الاتحاد السوفيتي قد تنازل عن ثمن جميع الأسلحة التي استخدمت في حرب اليمن، كما شطب من قائمة الديون كلها الأسلحة التي حصلت عليها مصر منه بعد نكسة 1967 مباشرة..
وبعد الهزيمة بدأ الجسر الجوي لتعويض مصر عما فقدته من معدات عسكرية خلال الحرب!
وقال السادات فيما بعد أنه كانت تهبط بمصر طائرة كل دقيقتين تحمل السلاح.
وقد بلغ عدد الرحلات الجوية التي حملت السلاح في تلك الأيام 550 رحلة جوية إلى جانب 15 باخرة نقل معدات، رأي الاتحاد السوفيتي أن تكون هذه الأسلحة كلها بلا مقابل تعويضًا عما فقدته مصر من السلاح، فتنازل عن ثمنها. لتكون هدية من الاتحاد السوفيتي للشعب المصري، وجاء الرئيس بودجورني، ومعه المارشال زخارف رئيس هيئة الأركان على رأس وفد عسكري، وأمضي العسكريون في مصر أربعة أشهر، درسوا خلالها أسباب النكسة ووضعوا رأيهم في تقرير قدموه لعبد الناصر بناء على طلبه، كما شاركوا في وضع اللبنات الأولي لإعادة بناء القوات المسلحة.
وعقدت مصر أثناء زيارة بودجورنی أول صفقة سلاح بعد الهزيمة قيمتها مائة مليون جنيه - خلافًا للسلاح الذي منحه الاتحاد السوفيتي هدية - وأرسل 1200 مستشارًا عسكريًا في جميع التخصصات و120 طيارًا لتدريب الطيارين وقد سافر عبد الناصر بعدها إلى الاتحاد السوفيتي ثلاث مرات، التقى خلالها بالقادة هناك، وقد أسفرت كل زيارة عن مزيد من التعاون العسكري.
وفي زيارته الأولى صحب معه ياسر عرفات، وقدمه للقادة السوفيت، وحصلت مصر على أسلحة بمائتي مليون جنيه، وعلى عدد آخر من المستشارين.
وسافر السادات إلى موسكو وطلب خبراء في الطيران، وصواريخ سام 3 بأطقمها لتدريب الجنود، ووافق الاتحاد السوفيتي على إرسالها خلال ستة شهور، ورأي عبد الناصر أن المدة طويلة وسافر إلى موسكو وحصل على أكبر صفقة سلاح من الاتحاد السوفيتي. فيها 85 طائرة ميج معدلة و10 ميج تدريب، و32 كتيبة صواريخ سام 3 بأجهزتها ومعداتها وأطقمها، وعدد من أجهزة الرادار وقطع الغيار، وموتورات الطائرات، وطائرات التدريب.
ولقد جاءت هذه الخطوة ردًا على الغارات الإسرائيلية في العمق المصري. وكان التواجد السوفيتي في مصر، تحذيرًا لإسرائيل والولايات المتحدة بعدم معاودة هذه الغارات، وقد تأكد هذا التحذير عندها التقطت طائرات إسرائيل حديثًا بالروسية بين سرب طائرات يحمي سماء مصر يقوده سوفيت وأوقفت إسرائيل غاراتها على العمق، وبدأت إسرائيل وأمريكا حملة ضارية ضد التواجد السوفيتي في مصر، يستخدم نفس الكلمات التي يرددها البعض الآن.
وفي زيارة عبد الناصر الأخيرة لموسكو طلب أجهزة الحرب الالكترونية المتطورة، وطائرات قاذفات ثقيلة، واستكمال شبكة الدفاع الجوي بالصواريخ، بالإضافة إلى مهمات ومعدات عسكرية أخرى، واستجابت القيادة السوفيتية لطلبات عبد الناصر التي وصل ثمنها 400 مليون دولار، وتقرر تخفيض 50% من قيمتها.. وفي هذا اللقاء اتفق على حضور 5500 جنديًا من وحدات الصواريخ والدفاع الجوي، والحرب الالكترونية على أن تكون مهمتهم مؤقته حتى تتمكن القوات المصرية من تدريب بدل منهم من المصريين، وقد ارتدوا الزى الميداني، ورفض أن يتجولوا في البلاد أو حتى يزوروا المنشآت السياحية، وفي هذا اللقاء أعلن جمال عبد الناصر أنه سوف يقبل مبادرة روجرز لتعطيه الوقت الهادئ لاستكمال بناء شبكة الصواريخ على الضفة الغربية من القناة، رغم اعتراض القيادة السوفيتية على أن يقبل عبد الناصر حلا يحمل العلم الأمريكي، ولكن عبد الناصر قال أنه واثق أنها مناورة تقوم بها أمريكا، وأنه يقبلها لأنها تحمل العلم الأمريكي لمجرد توريطها، فإنه ليس لدي أمريكا أي حل إلا أن نستسلم لإسرائيل.. والمسألة مجرد مناورة أمريكية لتلتقط إسرائيل أنفاسها من حرب الاستنزاف ثلاثة أشهر سوف نستغلها - نحن - في بناء حائط الصواريخ.
قد بلغ عدد المستشارين السوفيت 1200 وزعوا على جميع الوحدات بزيهم المدني عدا من يعملون في وحدات ميدانية... ولم تتحمل مصر أية تكاليف مادية لهم سوي المأكل والمسكن أما مرتباتهم فيدفعها السوفيت.
وكان الاتحاد السوفيتي يتحمل نفقات تدريب وإيواء الضباط والجنود المصريين الذين ذهبوا للتدريب في موسكو بمعدل 1800 عسكري كل ثلاثة أشهر.
ولم يطلب الاتحاد السوفيتي من مصر - في مقابل كل ذلك - سوى تزويد أسطوله في البحر المتوسط بالمؤن والمياه العذبة.
فلم يكن السوفيت يمثلون جيش احتلال في مصر، فقد جاءوا بناء على طلب القيادة الوطنية لتمكينها من حماية عمقها في فترة عصيبة، وعندما طلب إليهم أن يغادروا مصر، غادروها قبل الموعد المحدد.
يتساءل سيد مرعي «بماذا انتصرنا في حرب عام 1973... إننا انتصرنا بالسلاح السوفيتي، وإذا كان قد حدث انتقاد للأسلحة السوفيتية في أواخر السبعينيات وقيل أنها ليست في كفاءة السلاح الأمريكي، فقد تم الرد عليه بشكل حاسم في 6 أكتوبر لقد حاربنا الأسلحة الأمريكية بأسلحة سوفيتية، وقابل السلاح السوفيتي السلاح الأمريكي وانتصر عليه».
ويواصل سيد مرعي قائلا«يجب أن لا ننسى أبدًا أن أولادنا قتلوا في 6 اكتوبر بسلاح أمريكي، كما لا ننسى ما فعلته أمريكا بعد 6 أكتوبر من نقل كميات ضخمة من الأسلحة الحديثة الى إسرائيل كما أشار الى ذلك الرئيس السادات».
التعاون الاقتصادي..
وقدم الاتحاد السوفيتي معاونات اقتصادية أيضًا، بشروط ميسرة جدًا، وعندما امتنع البنك الدولي الذي تمثل الولايات المتحدة 32% من أصوات مجلس إدارته عن تمويل بناء مشروع السد العالى، قام الاتحاد السوفيتي ببنائه في الموعد المحدد.
وفي كل ما قدمه الاتحاد السوفيتي لمصر، كان يعمل على حقوقه من الصادرات المصرية، من البصل، والأحذية، والقطن، والموبيليات والروائح العطرية، وهكذا سددت مصر قيمة بناء السد العالي كاملة.. أي أنه لم يحصل من مصر على عملات صعبة أبدًا.
وقد أقام في مصر عشرات المصانع، واستصلح مساحات مساحتها عشرة آلاف فدان، أعلن عنها خرشوف أثناء زيارته لمصر.
أقام الاتحاد السوفيتي في مصر 108 مشروعًا صناعيًا من الأرض، وأهدى مصر مزرعة آلية استصلحها على نفقته منها مجمع الحديد والصلب، ومصنع الكوك، ومصفاة الزيوت بالسويس، ومصنع المطروقات، ومصانع السجاد، ومجمع الألمنيوم بنجع حمادي، ومصنع الكيماويات في ابي زعبل، والترسانة البحرية بالإسكندرية، وغيرها.
وبنى السد العالي، ومد شبكة الكهرباء إلى أربعة آلاف قرية لتغير نمط الحياة فيها تمامًا، كما ساعد في بناء 96 مشروعًا منها 33 مشروعًا صناعيًا ومحطات كهرباء.. وشارك في تحسين زراعة 300 ألف فدان، ومد شبكة الأنابيب في النوبارية.
وساهم الاتحاد السوفيتي في تدريب الكوادر الفنية للصناعة حيث أقام 43 مركز تدريب تكنيكي في كل الفروع ملحقة بالمصانع، إلى جانب تدريب عدد من الكوادر داخل الاتحاد السوفيتي، وبالأرقام فقد درب 167 ألف من العمال الفنيين في الفروع المختلفة، وأنشأ معهد الحديد العالى الذي خرج 300 مهندس يعملون بمصنع الحديد والصلب حلوان.
وفي المجال الثقافي أقام ودرب وعاون في بناء أكاديمية الفنون، ومعهد الباليه ومعهد الكونسرفتوار والسيرك القومي وغيرها من الأعمال الثقافية الجادة.
وكانت قد وضعت خطة للاستثمار الصناعي قيمتها 250 مليون جنيه خلال خمس سنوات بعد إنشاء وزارة الصناعة.
ولم يكن هناك من يمول الصناعة بخمسين مليونًا من الجنيهات سنويا سوى الدولة، وكانت شروط الغرب أن تدفع مصر ربع الثمن مقدما والفائدة على الباقى 6% على الأقل.
وسافرت أول بعثة لبحث إمكانية التعاون مع الاتحاد السوفيتي عام 1958 برئاسة الدكتور عزيز صدقي وزير الصناعة، وحصلت على قرض 62 مليون جنيه استرليني للخطة، وكانت الشروط السوفيتية: الدفع بعد عام من إقامة المصنع، أي من إنتاج المصنع نفسه وعلى أقساط لمدة 12 عامًا وبفائدة لم تزد على 2.5%.
ويقول الدكتور عزيز صدقي «أنهم يساعدوننا بوصفنا دولة وطنية تقدمية تحاول تنمية نفسها، ولم يحدث أن استغلوا حجم المعونات لفرض أسلوب معين كما لم يتدخل في خطتنا، وعندما حدث سوء تفاهم سياسي معهم عام 1959 واصلوا التعاون معنا في مجال الصناعة دون أي تأثر بالأزمة».
وبهذه الطريقة وبمعاونة السوفييت أمكن تنفيذ الخطة في ثلاث سنوات بدلا من خمسة!
ويقول الدكتور عبد العزيز حجازى «أن العلاقة بين مصر والاتحاد السوفيتي نشأت باتفاق حول مبدأين أساسيين الأول هو محاربة الاستعمار والصهيونية تحت عنوان الاستقلال الوطني، والثاني هو التنمية الاقتصادية والاجتماعية كهدف لصالح الجماهير»[4].
ولا يعتقد الدكتور حجازي أن هناك مواطنًا مصريًا يرفض ويشكك في مثل هذه الفلسفة فمن الواضح أن الاتحاد السوفيتي يؤيد قضايا التحرر الوطني والاستقلال السياسي في الدول العربية والعالم الثالث عمومًا، وهي بالنسبة لنا من نقاط التعاون السياسية الأساسية وموقف الاتحاد السوفيتي معنا في المنظمات الدولية، وأمام العالم كله في كل مناسبة يؤكد تمسكه بتأييد مصر والدول العربية في تحرير الأرض من أجل ضمان حقوق شعب فلسطين.
المقارنة المجحفة
الذين يقارنون صداقة مصر بالاتحاد السوفيتي في الستينات، بتبعية مصر للولايات المتحدة الأمريكية في السبعينيات، عليهم أن يشيروا إلى المشروعات الإنتاجية التي أقامتها الولايات المتحدة في مصر.
إنها لم تقم مصنعًا واحدًا، ولم تستصلح شبرًا واحدًا من الأرض.
والذين يتحدثون على الاستعمار السوفيتي لمصر عليهم أن يحددوا القواعد العسكرية التي أقامها في مصر، وأن يبرروا خروج خبرائه فورًا قبل الموعد المحدد عندما طلب إليهم ذلك.
وان يسألوا أنفسهم عما إذا كان ممكنا أن تمد الولايات المتحدة مصر بالسلاح الذي يمكنها من مواجهة العدو الأساسي إسرائيل.
ثم ما هو حجم ديون مصر للاتحاد السوفيتي وفوائدها خلال خمسة عشر عامًا من التعاون، أقيمت فيها الصناعة، واستصلحت الأرض، وسلحت مصر بسلاح تفوق على السلاح الأمريكي حقق النصر في أكتوبر 1973، وعوض مصر عما فقدته من سلاح، ثم ما هو حجم ديون مصر وفوائدها للولايات المتحدة الأمريكية خلال عشر سنوات لم يقم فيها مصنع واحد، ولم تستصلح أرضًا، ولم تكن مصر في حاجة إلى سلاح لتخوض به حرب تحرير.
إن هذا ليس دفاعًا عن عبد الناصر ولكنه كما قلت دفاع عن شرف مصر واستقلالها وحرية إرادتها وقرارها المستقل...

زواج المشير من السيدة برلنتي عبد الحميد
..
وكان آخر ما في جعبتهم - حتى الآن - أن ألبسوا الممثلة برلنتي عبد الحميد ثياب السياسيين، واستدعوها لتأدية دور في الحملة على جمال عبد الناصر.
واختيرت برلنتي عبد الحميد، لأنها كانت متزوجة من المشر عبد الحكيم عامر زواجًا عرفيًا سريًا.. لم يكن معروفًا.. فلم يعلن هذا الزواج، ولم تظهر معه في المجتمعات..
وأفردت لها الصحف صفحات تحدثت فيها عن عبد الناصر وعامر.. فعبد الناصر قتل عبد الحكيم عامر، وعرض عليها مليونى دولار لكي تقوم بعملية تشهير بعبد الحكيم عامر ولكن شهامتها ووفاءها رفضا تمثيل هذا الدور.. فهي وفية لزوجها والد وحيدها عمرو، كما أنها صادقة لا تكذب أبدًا.
كانت السيدة برلنتي عبد الحميد تتصور أن أحدا لن يهتم بالرد عليها فتمادت في نشر أكاذيب حول وقائع مسجلة في تحقيقات كثيرة.
وكانت برلنتي عبد الحميد قد تعرفت على المشير عبد الحكيم عامر بواسطة صلاح نصر بعد انفصال الوحدة بين مصر وسوريا مباشرة.
وفيما بعد سوف يتزوجها المشير عامر بعقد عرفي، الأمر الذي لم يعطها حقًا قانونيًا في أن ترث المشير عامر. وإن كان قد تقرر أن يصرف لإبنها عمرو معاشًا، وكانت أسرة المشير عامر كريمة معها فأعطت ابن المشير نصيبه من ميراث أبيه بعد تدخل كريم من مصطفى عامر شقيق المشير.
وقصة السيدة برلنتي طويلة.. طويلة.. ويكفي أن ننقل بعض فصولها من ملف قضية عبد المنعم أبو زيد سكرتير خاص المشير لدى محكمة الحراسة.. وكان عبد المنعم قد اتهم في قضية الانحرافات في مكتب المشير، وفرضت عليه الحراسة، كما كان قد تقدم ببلاغ عن التعذيب الذي أصابه أثناء التحقيق معه، وهو يرجع كل ما حدث من إلقاء القبض وتعذيب ثم سجن، بل وأيضا ما سمى بقضية انحراف مكتب المشير إلى السيدة برلنتي، ورغبتها في الانتقام منه شخصيًا. لأنه كان يعارض زواجها من المشير.. ولننقل أجزاء من القضية كما وردت في أقوال عبد المنعم أبو زيد المودعة في محكمة الحراسة.. تقول المذكرة المقدمة منه تحت عنوان «كيف قابلت السيدة نفيسة عبد الحميد» النص:
مهمة من اليمن:
«
عام 1963 كلفني العقيد على شفيق بالبحث عن فيلا مناسبة لسكني خبير ألمانى ومعه زوجته في منطقة الهرم أو المعادى تكون غير مكشوفة وسهلة المواصلات والحراسة واعتبر ذلك أمرًا سريًا هامًا نظرًا لحدوث اعتداءات على بعض الخبراء، كنت أبحث وأسلمه عناوين ما أجده.
«
وفي إحدى سفرياتنا لليمن أمرنى المشير بالنزول للقاهرة لمدة 24 ساعة أرتب فيها عقد الفيلا وانتقاء أثاثاتها على أن تكون جاهزة للإقامة في خلال أسبوع من نزولنا من اليمن وعدت لليمن بعد 24 ساعة موقعًا عقد الفيلا باسم ممدوح إبراهيم البربري وهو السكرتير المدني للمشير وقريب العقيد على شفيق، وأخذت مساحات الغرف وانتقيت مع الصيرفي الموبيليات اللازمة..
«
بعد أسبوع من عودة المرحوم المشير من اليمن كانت الفيلا جاهزة لإقامة الخبير الألماني - ركب معي المشير ليلًا وأُعجب بالفيلا وتعرف على الجناينى إسحق وعائلته - واستلم المفاتيح وانتهت علاقتي بهذه المأمورية اللهم إلا إرسال الايجار كل أول شهر..
«
في يوم ما.. كنت أحاول إصلاح الثلاجة بنفسى ومعى إسحق إذا بزوجته تهرول قائلة: (الست الخوجاية جت، فخرجت فورًا من باب المطبخ إلى السيارة.. وما إن أدرت السيارة.. وجدت بلوزة وبنطلون تنادى: يا أستاذ عبد المنعم فعدت وتقدمت منها وسلمت علي وهي على عتبة المطبخ ولدهشتى وجدتها تشكرني على ذوقي في اختيار المفروشات والموبيليات.. واتلخمت عندما وجدتها تسألني عن صحة زوجتى ومرضها، وعن أولادي كل باسمه بما هو مشهور عنه.. كل ده وأنا مرتبك مش قادر أعرف مين دى.. لأني مش متصور أبدا بأي شكل أن تكون دي..
«
كانت معلوماتهم عني أنني أتحلى بأخلاق فلاح.. وشهامة ولاد البلد، ولذلك كما علمت فيما بعد.. اتفقت برلنتي مع المرحوم المشير أن أوضع أمام الأمر الواقع.. فكانت تمثيلية اللقاء..
«
خرجت لأواجه العقيد على شفيق والأسئلة تلح على.. هل دی صحيح برلنتى؟ وإزای.. واشمعنى؟.. وطلبني المرحوم المشير وسألني.. ومن حركات ايديه وهزات رأسي عرف ما يجول بخاطري فقال لي مطمئنا: دى بنت طيبة وبكره تعرفها كويس ومالهاش أى مطامع فينا..
سيارات لبرلنتي:
«
ومشيت الأمور وأنا مقتنع تمامًا بخطأ ما وصلنا إليه وقد كشفت عن مخاوفي على المشير منها أمام العقيد علي شفيق ومتولى السيد مرافق المشير، وتأكدت من تصرفاتها أن هدفها الاستيلاء على المشير والزواج منه.. وفي سبيل الوصول إلى الحقيقة وتعريتها تظاهرت بإخلاص لها وكنت أبلغ المشير عن كل تصرفاتها، كانت تطمع في العربة المرسيدس 180 التي يركبها فأمر بإعطائها عربتى الخاصة فيات 1300 وظلت معها إلى أن أتلفت البريبريز وألحت عليه فأمر على شفيق فصرف لها عربة فيات 2300 باسم والدتها «سيدة محمود فراج» على اعتبار أنها أرملة الشهيد الرائد محمد أنور عونی..
«
كانت تتظاهر أمامه بالقناعة.. حتى أنني عندما أكدت له في آخر عام 1965 عن هدفها بتطلعاتها وإصرارها على الزواج منه قال: دى بتنتقد الإسراف حتى في الأكل.. ومستعدة تعيش على البتاو والجبنة القريش وتعيش على حصيرة وطبلية ولمبة جاز.
«
كانت تردد، ذلك دائمًا حتى صدقها تمامًا.. وكانت أمها تخطط للزواج.. حاولت الاتصال بالسيدة الجليلة حرم المشير لتبلغها عن العلاقة بها وتضعه أمام الأمر الواقع.. لجأت لكل الطرق حتى الشعوذة والأحجبة وبلغته ذلك بمسك الأحجبة في ثنايا المراتب والمخدة، ويمزقها ويدعي أن المخابرات تبلغه.. في حين لم يرها.. جربت معه كيف تغضب وتختفي ونبحث عنها في كل مكان.. وتصطلح على يد شقيقه.. باختصار تمسكت حتى تمكنت.
«
أخر عام 1965 قبل أعياد النصر أبلغت المشير عما دار بيني وبين والدتها وبحضورها عن الزواج وكيف طلبت مني أن أساعدها في إثارة شكوك السيدة حرمه وعزمها على تكليف شقيقتها زهرة للاتصال تليفونيًا بها وإخطارها بأن المشير متزوج من برلنتى عبد الحميد.
محاولة الزواج:
«
إزاء اصراري أمامه وكنا عائدين إلى الحلمية في يناير 1965 - قبل سحور رمضان - وسيادته يعارضني وينكر نية الزواج. قلت له دى يا فندم مش استنتاجات مني أو تحليل موقف.. ده واقع وبيكلمونى فيه مباشرة ظانين إني لن أبلغه لثقتهم بى.. قال: جواز لا.. اروح فين من الناس لو تعلم..
«
واجهني بأنه يشك تماما في معلوماتى..وحتى يصدقني على أن أقوم بتسجيل هذا الكلام. فاستكثرت على نفسي أن أقدر على تغفيلها والتسجيل عليها.. وقلت له.. مين بعرف يسجل على دى..
«
الساعة 9 صباحًا أيقظونى من النوم لوجود مندوب للسيد صلاح نصر في انتظاري منذ الثامنة في الحلمية لأمر عاجل وهام.. وجدت رائد من المخابرات سلمني جهاز تسجيل متوسط الحجم وعرفني كيفية تشغيله وأن السيد صلاح نصر أرسله به علشان المأمورية المطلوبة منك.
«
دارت بی الأرض.. وكيف أن المشير بعد هذه العشرة الطويلة يشك في صدقي.. واستهولت احتمال أن أعجز عن التسجيل عليها فأفقد ثقته..
«
ذهبت غلى مكتبي بالجيزة ولم يكن هناك سوى تليفونى وثلاث أفراد حراسة.. وجلست أفكر.. وهداني الله لحكمة كانت خافية أن أحاول التسجيل عليها من التليفون.. وجرءت ونجحت فقد جاءني صوتها عبر الأسلاك في لهفة إنت فين..؟ ده أنا قولت الدكتور أى المشير ضحك عليك ووقعت بكلام أدامه.. لأنه منذ الفجر بيكلمنى كلام غريب زي ما يكون حاسس بحاجة
فطمأنتها على. وفتحت معها المواضيع التي كانت تقولها لي...باختصار نجحت تمامًا في كشف مستورها وما تخفيه عنه.. ومحاولاتها اتصال شقيقتها بحرم المشير.. أفصحت بوضوح عن نياتها وأمالها وكيفية الوصول إلى ذاك وأول غرض هو الزواج.
«
وجدت في وجودى خطرًا شديدًا عليهًا.. لعلمي بأسرارها وحقيقة نواياها.. وتأكدها من أنني خدعتها وأعارض في زواجها بل والأكثر من ذلك سجلت عليها وكشفتها للمشير.. اتضح فيما بعد أن التسجيل الذي سجلته عليها قدمه لها المرحوم المشير وأنه ضبط هذا الشريط بواسطة المخابرات العامة عام 1967 في منزل برلنتي عبد الحميد في العجوزة.
«
وكان التدبير والانقلاب الخطير.. وكان الانتقام الرهيب..
الانتقام الرهيب:
«
في نهاية 65 أقامت حفلة في فيللا الهرم لمناسبة عيد ميلاد المرحوم المشير.. ولم أحضرها ولم أكلف بها.. واتصلت بى زوجتي السابقة في مكتبي بالجيزة ليلا لتقول لي أن برلنتى اتصلت وطلبت منها ضرورة الحضور للمشاركة في عيد المشير.. واعتذرت.. وفوجئت بعد ذلك بالمرحوم المشير يطلبها ويلح في ضرورة حضورها.. فأخذت تاكسي وحضرت الحفل. وأعادوها بعد انتهائه الى منزلها.
«
في الصباح فوجئت بالمرحوم المشير يأمرني بالتوجه إلى الهرم للبحث عن صورة فقدت من حفلة أمس.. وبالبحث لم نجد شيئًا. كنا بحث على شفيق معي.. ولاحظت أن برلنتي توجهني وتحاول إقناعي بأن أطفال إسحق الجناينى وجدوها ووضعوها في نار كانوا يتدفوا عليها ضمن ورق مجلات... الخ.
«
وكان ممكن أن أوافق وينتهى الموضوع.. ولكن عندما سألت عن نوع الصورة الفاقدة وما تحويه من أفراد علمت بأنها صورة تحوى المرحوم المشير وبجواره تحت إبطه برلنتى يحيط بها شقيقه السيد حسن عامر والسيد مصطفي عامر وأن الصور التي التقطت للحفل تعدت مائة صورة على الماكينة البولورايد ولم تنقص سوى هذه الصورة.. عند ذلك تأكدت وجاهرت برأيي أن أصحاب المصلحة في سرقة هذه الصورة هي برلنتي ووالدتها.. لأن هذه الصورة العائلية تعتبر بمثابة عقد زواج شرعي قد تحرر بالصورة بدل القلم وأن شاهدى العقد شقيقيه..
«
قات للمرحوم المشير رایی وقلت للعقيد على شفيق وأيدنى في ذلك.
«
اتهمتنى بالتقاعس في التحقيق والبحث، وأن إسحق سافر بلده بحجة زيارة والدته المريضة وأنه أخفاها هناك.. إلخ..
حتى أن المشير صدقها وبدأ التحقيق بنفسه مع إسحق وأولاده.. ومع الأسف امتدت يده بالضرب وإيذاء إسحق البواب.. ترضية لها.. وسألني المشير بحضورها عما قلته له بيني وبينه عن أصحاب المصلحة في الاستيلاء على الصورة.. وجاهرت برأی في وضوح باستبعاد استيلاء أسحق أو أولاده على الصورة.
«
لذلك عملت على بث بذور الشك من جهتي.. مدعية بأن سهير استولت عليها يوم الحفل وأعطتها لي وسلمتها بدوري إلي زكريا الطاهر ليبيعها لحسابي في ايطاليا.

قصة زكريا الطاهر:
«
وقصة السيد زكريا الطاهر الذي أشاد بوطنيته ورجولته وجهاده المرحوم المشير جاءت ومعه اللاجئ السياسي العراقي العقيد عرفان.. واشتكى لي من تصرف مدير مكتب السيد فتحي الديب وزير الشئون العربية، وأنه آثر العودة دون مقابلة الوزير رغم أنه كان عاوز يبلغ عن موضوع هام جدًا جدًا (شرحته للمشير) فقال لي هاته يقابلني بكره.. فلما أخبرته أنه مسافر على طائرة الصباح إلى روما أمرني ضرورة الاتصال بالسيد زكريا في جناحه بأوتيل شبرد وأبلغه تقدير المشير وأن السيد حسن صبری الخولى يقابله في أي وقت بعد عودته.. وفعلا أبلغته ذلك.. وأعطيته تليفونى للاتصال بي فور عودته..
«
وهكذا وصمت بأني بعت المشير وخنت الأمانة.. وعزز ذلك شمس بدران بتقارير وبذلك فرط في المرحوم المشير.. عندما التقت رغبة شمس بدران وبرلنتي عبد الحميد للإطاحة بي والإجهاز على، وزحزحتي من طريقها.. أما شمس فهدفه الإطاحة بالعقيد على شفيق والإطاحة بي هي أول الطريق.
«
وكانت القضية والأكذوبة الكبرى..
«
بحثوا عن الصورة الفاقدة.. أو زعموا ذلك للمشير فلما لم يجدوها.. تقرر وضعي وراء الشمس ولو لفترة حتى لا أستفيد في ظنهم بالصورة وتفقد أهميتها حسب الظروف.
«
ترقبوا عودة زكريا الطاهر من روما وكنت بالسجن وأعدو جهاز تسجيل على التليفون وطلبوه في فندق شبرد وأفهموني أنه عندما يرد على التليفون.. أسلم عليه.. وأقول له أنني في مأمورية وبعد الحمد لله على السلامة أقول له جبت لي إيه.. وعملت في اللى معاك ايه. ولكن زكريا لم يشأ يرد علينا مباشرة.. وقال: اللى عاوزنى يسيب نمرة التليفون ليطلبه هو بمعرفته.. طبعًا لم تعطيه النمرة.. وقاموا بتحرياتهم حوله»..
شهوه آخرون:
وطبعا لم يثبت أن عبد المنعم أبو زيد حصل على الصورة وفي صفحة 675 من التحقيق يكمل محمد متولي السيد سكرتير الشهر الخامس القمة قائلاأنه.. كان هناك صراعًا منذ بداية الثورة بين على شفيق وشمس بدران «ظلت هذه الصراعات حتى حدث عام 1966 أن كان هناك عيد ميلاد المشير وبرلنتى عبد الحميد.. وعيد الميلاد كان في البيت اللي في الهرم. وحضره السيد عباس رضوان والسيد صلاح نصر، واللواء عصام خليل وكان هناك تصوير لهذه المناسبة، وكان مجموع الصور عدد معين.. واتضح في نهاية الحفل نقص صورة من هذه الصور. وكانت موجودة في هذا الحفل السيدة سهير فخري وقد وجه لها الاتهام أنها أخذت الصورة على أساس أنها زوجة عدد المنعم أبو زيد لاستغلالها في الوقت المناسب، وبرلنتي عبد الحميد هي التي كانت قد أفصحت عن رغبتها في الانتقام من عبد المنعم أبو زيد وزوجته سهير، لأن عبد المنعم كان يتحرى عن حياة برلنتي وماضيها وكانت تخشى من سهير أن تقوم بإبلاغ عبد المنعم عن ماضيها وحياتها الماضية»..
وفي صفحة 677 من التحقيق يقولكانت سهير فخرى زوجة كامل حسن المحامي وكانا صديقين لبرلنتي عبد الحميد، قبل معرفتها بالمشير، ومحمد كامل حسن المحامي كان دائم الكلام عن برلنتى مع سهير فخري، كانت تحدد لها اسئلة أمام المشير بأنه مجنون وبيشرب كتير، وبيهلوس علشان ما يصدقش أى حاجة تقال عن برلنتي والمشير اللي في الوقت ده كان صديق فقط لبرلنتى.
استدعى عبد المنعم أبو زيد وطلب منه إدخال محمد كامل حسن المحامي المستشفى ودخلوه مستشفى بهمن بحلوان لعلاجه من الشرب، ومكث في هذه المستشفى فترة خرج بعدها، فأتهموه بأنه بيشتم الرئيس جمال عبد الناصر».
ويقول في ص 678 «واعتقلوه وفي خلال هذه الفترة كان قد تم طلاق سهير من محمد كامل حسن، وتزوجت بعد ذلك من عبد المنعم أبو زيد، ويوم حفل عيد الميلاد عرف أنها اتهمت سهير بأخذ الصورة الناقصة لأنها كانت تخشى من سهير على المشير، ولأنها كانت تخشى من وجودها مع عبد المنعم أبو زيد على أساس كانت بتبيح له عن أسرار برلنتي السابقة باعتبارها كانت صديقة سابقة لها وتعرف أسرارها وهذه الصورة كانت بتمثل المشير وبرلنتي وحدهما. والمشير غضب من عبد المنعم أبو زيد وأصر على الصورة لازم تظهر. ولكن الصورة لم تظهر».
وفي صفحة 683 من التحقيق يقول متولى محمد السيد «وبعد ذاك بفترة علمت بأن الصورة التي كانت مفقودة في حفل عيد الميلاد قد وجدت عند والدة برلنتي عبد الحميد وقد علمت بذلك من المشير شخصيًا وقال لي في أحد الأيام الأولاد دول طلعوا مظلومين..
وأفرج المشير عامر عن عبد المنعم ورفاقه أثناء حرب 1967، وبعد الهزيمة وعندما غضب المشير لأن عبد الناصر كان يريد إبعاده عن القوات المسلحة، غادر القاهرة إلى قريته أسطال بالمنيا.. وصحب معه عبد المنعم أبو زيد:
ويقول عباس رضوان في التعليق أنه علم أن جمال عبد الناصر طلب من المشير عامر عودة المُفرج عنهم إلى السجن، وفعلا عاد عبد المنعم إلى السجن، وفعلًا عاد عبد المنعم إلى السجن.
إصلاح تكذب نفيسة:
بعد النكسة واعتكاف المشير عامر، وزع على نطاق واسع في بعض وحدات الجيش، وفي مجلس الأمة، منشور، يحمل الاستقالة التي كان المشير عامر قد أرسلها إلى جمال عبد الناصر عام 1962.
وأثبتت التحريات أن هذا المنشور مطبوع بواسطة السيدة إصلاح شقيقة نفيسة عبد الحميد، على ماكينة رونيو في قريتها بالمنوفية.
وألقي القبض على نفيسة، وعلى شقيقتها إصلاح..
ورفضت نفيسة عبد الحميد الحديث إلا أمام مبعوث يوفده الرئيس جمال عبد الناصر لأنها ستكشف عن أسرار هامة.. وكانت هذه الأسرار كما اتضح ورقة واحدة هي عقد زواجها العرفي من المشير عامر.
وأوفد لها عبد الناصر سامي شرف، ليسمع ما تريد قوله..
ويقول سامي شرف أنه أمضى معها أكثر من ساعة، وأن الحديث بينهما كان يتم تسجيله بالمخابرات العامة، ومن الغرفة المجاورة كان يستمع إليه شعراوي جمعة وزير الداخلية، ومحمد حلمي السعيد الذي أشرف على تحقيقات انحراف جهاز المخابرات ومحمد نسيم وكيل المخابرات العامة الذين جلسوا في غرفة مجاورة.
ويقول سامي شرف أنه في نهاية اللقاء أبلغها أن المشير عامر قد انتحر فانهارت.
ونتساءل سؤالا منطقيا لماذا كان يعرض عليها عبد الناصر مليونين كما تقول للتشهير بالمشير. وماذا كان يمكن أن تقوله عن المشير.. وإذا كان المقصود تشهيرًا بالمشير فلماذا لم يعلن نبأ القبض عليها أو قصة زواجها بالمشير.. ثم أن التشهير بالمشير - فضلا عن العلاقة - التي كانت تربطه بعبد الناصر - هو أمر يؤذي عبد الناصر، ويمس رفاقه، وقادة الثورة، ثم هل كانت برلنتى ترفض مطلبًا بالتشهير، وهي التي كانت تسترحم وتقول أنا في عرضكم اتركوني.. ثم هل كانت ترفض مليونين من الدولارات وفي ظروفها هل كانت تستطيع أن تقول لا.
وكانت السيدة برلنتى قد أنجبت من المشير ابنها عمرو على يد الدكتورة إيزيس خليل شقيقة عصام خليل مدير المخابرات الحربية.
وعندما عاد سامی شرف إلى عبد الناصر وأخبره بموقف برلنتي ورأيها اتصل بأمين هويدي مدير المخابرات العامة، وطلب إليه الإفراج عنها فورًا لأنها «برضه» زوجة المشير:
ولو كان قد ساومها لتشهر بالمشير، وعرض عليها هذا المبلغ الطائل ورفضته، لكان من باب أولى أن تظل محبوسة انتقاما من مسلكها وكان هناك مبرر قانوني فهي وراء طبع منشور الاستقالة.
وكان ذلك وحده كفيلًا بأن يكون سلاحًا في حملة التشهير المزعومة بالمشير.
شهادة شقيقة برلنتي:
السيدة إصلاح عبد الحميد حواس الشهيرة بزهرة، شقيقة السيدة نفيسة عبد الحميد حواس الشهيرة ببرلنتي، قامت بطبع استقالة المشير على ماكينة رونيو في قريتها، وقد ألقي القبض عليها، وأجرى تحقيق معها. قدم ملخص واف للرئيس جمال عبد الناصر بتاريخ 17 مارس 1968، وقد جاء فيه بالنص:
1-
تقوم برلنتي عبد الحميد بعرقلة زواجها «زواج إصلاح» وذلك بمحاولتها اتهامها هي وزوجها بتبديد أثاث خاص ببرلنتى بقصد فصم زواجهما ليتثنى لبرلنتي مراقبة تصرفات أختها بإقامتها معها والقيام بخدمتها.
2-
ذكرت أن أختها برلنتي عبد الحميد سافرت إلى الخارج بتأشيرة خاصة أحضرها عصام خليل بعد موافقة المشير «يحتمل أن تكون التأشيرة من المخابرات العامة» وسافرت باسم نفيسة عبد الحميد ومكث ثلاثة أيام، وقد سافر معها مصطفى عامر كمرافق لها وأحضرت معها خمس حقائب تحوي ملابس بحوالي ألف جنيه.
3-
تعرفت برلنتي على المشير بواسطة صلاح نصر، بعد حوادث سوريا إذ كان المشير في حالة نفسية سيئة وأراد صلاح نصر أن يرفه عنه.
4-
ابتدأت برلنتى برسم مخطط في أن تعيش مع المشير على أن يكون زوجها في الحلال، علمًا بأنها...... يعمل بالوسط السينمائي وقبله شخص إيطالى...... وكان ذلك في الفترة ما بين 1963 إلى 1964م.
5-
كان من أمنيات برلنتي طوال حياتها أن تتزوج من شخصية مشهورة ولذلك عقدت الحزم بأن تتزوج المشير بأية وسيلة.
6-
أوقعت برلنتى المشير في حياة جنسية عميقة مع أنه كان في بدء معرفته بها جادًا في حياته (وخام في شئون النساء).
7-
كان صلاح نصر يغير من علاقة برلنتى بالمشير فسابق علاقته بها قبل معرفتها بالمثير وقد تراهن مع المشير على مبلغ 1000 جنيه يثبت له أن برلنتى سيئة الخلق.
8-
قام صلاح نصر بتدبير حادثة «الشخص الفرنساوى» ولكن المشير يعلم بما يحدث وقد أوصى زهره بأن تدافع عن أختها برلنتى أو استعمل معها الشخص الفرنسي العنف وتوقفه عند حده.
9-
بعد هذه الحادثة تعلق المشير ببرلنتي وقامت هي من جهتها بالسيطرة عليه أنها صممت على أن يسكن المشير ببيت الجيزة وحيث تسكن عائلته في الدور العلوي ويكون المشير بالدور السفلي وكان هذا مخططًا لعدم تأنيب ضمير المشير عند عودته للمنزل متأخرًا.
10-
دفعت برلنتي المشير إلى إنجاب طفل حتي ترتبط به أكثر فوافقها على أن يكون الطفل باسم المشر شخصيًا وهو محمد عبد الحكيم عامر وثبت فعلا بالسجل المدني بهذا الاسم ولكن بعد تقييده نزعت الصفحة المقيدة بها الاسم وكذلك اختفت شهادة الميلاد.
11-
كانت برلنتي تريد المشير خالصًا لنفسها وتغير من كل شخص بعطف عليه المشير حتى والدتها وأخواتها.
12-
ذكرت بأن برلنتي تحس وكانت مشهورة في الوسط الفني بالنحس.
13-
قامت برلنتى عبد الحميد بتقديم كل من محمد كامل حسن المحامى وزوجته سهير فخري إلى المشير كأصدقاء وقام محمد كامل حسن المحامي باستغلال هذه المعرفة بأن يوسط المشير في تصريف قصصه وكتبه إلى الشئون العامة ولكن كان يجد صعوبة في استجابة المشير لذلك.
14-
وذكرت أن المشير أرسله إلى المستشفى مرتين للعلاج من آثار إدمانه للخمر وذاك بإيعاز من عبد المنعم أبو زيد هاني بخلو الجو للآخر للزواج من سهير فخرى.
15-
قالت أن المشير وبرلنتى يقومان بعمل تسجيلات صوتية وأفلام سينما وصور لنفسهما «جنسية» ثم يقومان بعد ذللت بحرقها.
16-
كما ذكرت أن المشير وبرلنتى يعرضا أفلام جنسية 8 مللي وأن هذه الأفلام كانت بين بنات وبنات وغالبًا وتظن أن هذه الصور أخذت لمصريات طالبات بكلية الآداب وأفلام أخرى.
17-
كان عصام خليل يقوم علي خدمة المشير ويُسخر كل إمكانياته لذلك حتى أنه يأتى للزيارة مع المشير ويقوم بإحضار العشاء أو الغذاء الخاص به. وتعتقد إصلاح أنه يقوم بذلك حتى يُدارى أخطائه التي يقوم بها - وكان يدور حديث بينه وبين المشير على أن تكون حساباته مضبوطة ولا يقع في الخطأ ودائمًا كان ينصحه المشير بذلك.
18-
كان عصام خليل يُحضِر هدايا ومجوهرات عند رجوعه من الخارج ويُلبي طلبات برلنتي.
19-
كان كلا من عبد المنعم أبو زيد وعصام خليل من المقربين جدًا إلى برلنتى.
20-
ذكرت ان اراء المشير السياسية كان يؤمن بفكرة الاتحاد الاشتراكي ولكنه كان غير راض عن الموجودين به وأنه كان يميل إلى الاتحاد السوفيتي بشدة قبل العدوان الأخير - وخصوصًا أنه كان على صلة وثيقة بخرشوف وأن الأخير كان لا يرفض له طلبًا.
21-
كانت علاقة المشير بصلاح نصر تتوتر أحيانًا بسبب انحرافه وكان ينصحه المشير بأن كل انسان له أن ينحرف لكن لا يؤثر على عمله وأنه سيراقبه باستمرار وخصص لذلك أحد الأفراد للسؤال عن صلاح نصر كل يوم في منزله.
22-
كانت علاقة المشير ببرلنتي عبد الحميد في الأيام الأخيرة وثيقة وكان يطلعها على جميع تحركاته كذا كانت تصل له البوستة عندما يكون موجودًا معها كما أنه يناقش معها بعض الأمور السياسية.
23-
قامت برلنتي عبد الحميد بتهريب المسروقات التي سرقها عبد المنعم أبو زيد من ضباط حرس المشير السابقين وهربها منوفى السائق إلى منزل المشير بالهرم وهي عبارة عن عدد 3 تليفزيون، 10 سجادة ثمينة «شنواه».
24-
هربت أشياء ثمينة طرف آخرين ويزيد ثمنها عن 100000 جنيه «مائة ألف جنيه».
25-
استلم عبد المنعم أبو زيد من برلنتي سبائك ذهبية وأسلاك ذهبية وكاسات مطعمه بالذهب وكريستال ومجوهرات بكشف دونته برلنتي عبد الحميد بخط يدها.
26-
الفيلا بمصر الجديدة وقطعتين من الأرض بالهرم وسيارات نصر 2300 مشتراه من أموال المشير باسم والدة برلنتي سيدة إسماعيل فراج. وأن المشير لم تكن لديه القدرة المالية لشراء فيلا فاستدان بمبلغ من السيد الرئيس لإتمام ثمن الفيلا.
27-
تقوم برلنتي الآن بعمل سواتير عن طريق جار لها بالمنزل يعمل في المزادات لإثبات ملكيتها لبعض الأشياء.
28-
قامت برلنتي باتصالات بمختلف الأوساط بمناصرة المشير بعد الاستقالة وكانت تشيع أن السيد الرئيس قبض على المشير بعد دعوته على العشاء بمنزله وكانت تقول لقد عادت مذبحة المماليك.
29-
الأفراد التي قامت برلنتي بالتهريب لديهم هم ظافر الصابوني وزوجته، سميرة أحمد وزوجها، أقاربها بالزقازيق.
30-
روتأن في الأيام الأخيرة بعد استقالة المشير وتحديد إقامته كان حلقةالصلة بينها وبين المشير هو أمين حسن عامر نجل حسن عامر شقيق المشير.
31-
ذكرت أن من أسباب انتحار المشير حساسيته وخوفه من الفضيحة خصوصًا بعد معرفته بأن المخابرات قد قامت باستدعاء برلنتي وأختها وكان يتصل بأختها امتثال لمدة ثلاثة أيام على التوالي لمعرفة أخبارخم ولكنه انتحر فی اليوم الرابع.
أقوال برلنتي:
وبعد ذلك كله، فإن نفيسة عبد الحميد بنفسها تحدثت في التحقيق المكتوب عن علاقتها الشخصية بالمشير فقالت أنها بدأت في أواخر عام 1960 عن طريق صلاح نصر الذي رتب اللقاء الأول والثاني ثم اشترك على شفيق في إعداد اللقاءات التالية، وأن العلاقة بينهما استمرت حتى نهاية عام 1964 عندما طالبته بعقد قران شرعى فخيرها بين الانفصال أو أن تتزوج بغيره وترك لها الحرية..
ولسنا نريد أن نسرد تفاصيل أهم ما ورد في التحقيق حفاظًا حتى أشياء كثيرة. المهم. انها قالت أنها تزوجت المشير بعقد عرفى وقَّع عليه حسن عامر، ومصطفي عامر.. في أول عام 1965 ووضعت ابنها عمرو في 4 أبريل 1967.. وكانت مرهقة في علاقتها بالمشير حفاظًا على سريتها حتى أنها نشرت في بعض الأوساط زواجها من مصطفى عامر شقيق المشير وكان عباس رضوان وعصام خليل يعلمان بالزواج، أما شمس بدران فقد عارض إنجابها.
وقالت إن المشير كان يتحدث معها في كل أسراره السياسية.. وأنها طبعت استقالته في دكرنس لتوزيعها في مجلس الأمة، وأن المشير غضب عندما أعلن الرئيس تنحيه ولم يعلن اسم المشير في نفس الخطاب، وأن اخر لقاء بينها وبين المشير تم يوم الاثنين 21 أغسطس 1967 عندما زارها في منزل الدقى بعد أن تركت منزل الهرم، واتصل من عندها تليفونيا بأفراد كان يتحدث معهم بنرفزة ويرد عليهم «لاما يا جيش» ولما سألته مع من يتحدث أجابها «شوية عيال مجانين»، فاستنتجت أنهم ضباط، وقد التقى عباس رضوان وبعض الضباط بالمشير، عندها وقالت أن المشير صارحها بأنه يريد السفر.. وأن ماكينة الكتابة كانت في الحلمية ثم نُقلت إلى الجيزة، وأمر المشير متولى أبو المعاطي بنقلها الى منزلها في الهرم فأرسلتها بدورها إلى دكرنس بواسطة خطيب شقيقتها..
ولا نريد الآن.. أن نزيد على ذلك من أقوال برلنتي نفسها..

التشهير بعبد الناصر:
حملت إحدى سيارات المخابرات السيدة برلنتي إلى بيتها معززة مكرمة. ولم يسيء إليها أحد.. ولجأت إلى القضاء لكي تحصل على نصيب ابنها في المعاش.. وفي الميراث... ووضع عبد الناصر حلا لمشكلة المعاش. رغم أنه لم يعرف بالزواج إلا أخيرا وإذا ادعت غير ذلك فنحن نتحدى أن تظهر صورة لها مع المشير.. وفيها جمال عبد الناصر.. ولديها بالتأكيد صور لها مع عامر ومع بعض أصدقائه.
لقد فات السيدة برلنتي والذين يدفعونها لذلك أمرين:
الأول: أن عائلة عامر، وأولاده من زوجته الأولى هم أولى الناس بالحديث عن علاقة عبد الناصر وعامر.. ولكنهم احتراما لأشياء كثيرة يقدرونها آثروا الصمت، ولو تكلموا لما أساؤا إلى عبد الناصر لأن أي إساءة إلى عبد الناصر تسيء بالتالي إلى والدهم.
الثاني: أن الإخلاص لعامر لا يعني محاولة التشهير بالباطل بعبد الناصر.. فإن ذلك سوف ينعكس على الثورة كلها، وكان عامر هو الرجل الثاني فيها على امتداد سنوات منذ التحضير لها إلى ما بعد الهزيمة العسكرية عام 1967.
على أن انتحار عامر كان القضية الأخيرة التي تناولتها السيدة برلنتي.

..وأخيرًا.. انتحار المشير عامر
وتحاول برلنتي عبد الحميد ومن هم وراءها إعادة فتح قضية انتحار المشير عبد الحكيم.. فتدعى أنه قتل، ولم ينتحر.
ولقد رأينا شهادتين من قبل تكذبان السيدة نفيسة عبد الحميد.
شهادة سامي شرف الذي أبلغها نبأ انتحار المشير وهي في مبني التحقيق بالمخابرات العامة، وكان الحديث مسجلا تسجيلا صوتيًا.. أي أنها لم تعرف وقائع قتل. أو انتحار المشير لأنه كان مقبوضًا عليها.. وحتى إذا كانت حرة طليقة، فقد كان المشير يقيم في بيته مع أسرته، وأولاده.. بعيدًا عنها، وبذلك تكون شهادتها في هذه القضية.. شهادة الذي لم ير.. وربما لم يسمع أيضًا.
الشهادة الثانية هي شهادة شقيقتها إصلاح التي اعتقدت أن من أسباب انتحار المشير، علمه بأن برلنتي عبد الحميد قد استدعيت للتحقيق، الأمر الذي يكشف زواجه العرفي بها. وهو ما كان المشير يخشي أن يعرفه الناس.. لذلك آثر الانتحار.
ولقد انتحر المشير بعد أن صُفِي جيب المقاومة في بيته، وألقى القبض على كل أنصاره الذين كانوا يتحصنون في منزله بالجيزة، كما جردوا من كل أسلحتهم..
فلم يكن هناك خطورة من المشير بعد ذلك. تدفع للتخلص منه.. خاصة بعد أن حددت إقامته.. فلماذا يقتل إذن.
على أن فكرة الانتحار كانت واردة لدى المشير.. أيا كانت الدوافع إليها..
فبعد جلسة المناقشة مع جمال عبد الناصر في بيته، صعد عبد الناصر إلى حجرة نومه، وترك عامر، والسادات، وزكريا محيي الدين، وحسين الشافعي.. ويقول السادات أن عامر ذهب إلي دورة المياه، ثم عاد ليعلن أنه تناول سِمًا، بقصد الانتحار.
ويؤكد هذه القصة كل من زكريا محيي الدين، وحسين الشافعي، ويقول السادات أنه أرسل لإحضار طبيب لإسعافه.
ويقول أمين هويدي أنه استدعى الدكتور الصاوي حبيب طبيب الرياسة وأن حسين الشافعي قد أمسكه حتى يستطيع الدكتور الصاوي أن يعالجه بحقنة رغمًا عنه.
ففكرة الانتحار إذن كانت تراود المشير، وسبق أن أقدم عليها أمام زملائه أعضاء مجلس الثورة، وبشهادتهم جميعًا. وأيضا بشهادة الدكتور الصاوى حبيب.
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يحاول فيها المشير الانتحار.. فقد كشف شمس بدران في التحقيق معه في قضية التآمر علی جمال عبد الناصر، وبعد انتحار المشير فعلا، أن المشير سبق أن فكر في الانتحار فقد قائلا «إن المشير بعد أن أصدر قرار الانسحاب استنتجت أنه يريد أن ينتحر بعد أن رأى الموقف العسكري بهذه الصورة مثل قادة التاريخ هانيبال وغيره».
مرة ثانية كانت فكرة الانتحار واردة عند المشير بشهادة شمس بدران، الذي حوكم وسجن بالتآمر ضد جمال عبد الناصر وكان شمس هو أقرب الناس إلى المشير، ومدير مكتبه، وهو الذي عينه وزيرًا للحربية.. ولا يمكن أن يشهد لصالح جمال عبد الناصر في تحقيق، وبعد أن القى القبض عليه عبد الناصر.. وواصل شمس بدران أقواله في التحقيق بأنه عندما طلب إلى عبد الناصر أن يحضر إلى القيادة، رفض لأن عبد الحكيم هو المسئول «والعملية عمليته» ولكنه يعود فيقول أن عبد الناصر «حضر عندما أبلغته خوفي من انتحار المشير».
فعبد الناصر بشهادة أقرب الناس إلى المشير جاء إلى القيادة منزعجًا لأن المشير يفكر في الانتحار، ولو كان يريد التخلص منه، لما جاء، ولسكت على أقل تقدير، عندما أبلغه رجل المشير بذلك.. ولكن عبد الناصر ذهب إلى القيادة، حرصًا على صداقة عمر تربطه بعبد الحكيم عامر.
مرتان إذن حاول فيهما المشير الانتحار بعد النكسة من قبل.
المرة الثالثة مسجلة وقائعها في سجلات مستشفى المعادى للقوات المسلحة.
كان المشير قد عاد إلى منزله بعد لقائه مع عبد الناصر، وهو اللقاء الذي حاول في نهايته الانتحار.. ولم يجد في منزله رجاله.. ولا ترسانة الأسلحة التي تركها فيه.
وعرف أنه قد صفيت كل جيوب المقاومة، وأصبح وحيدا، فبدأ يجري اتصالات بعدد من رجاله في الخارج في محاولة لجمعهم مرة ثانية.
وتقرر أن تحدد إقامته، وخصصت استراحة على ترعة المريوطية لكي يقيم فيها.
وذهب إليه الفريق محمد فوزى، والفريق عبد المنعم رياض، واللواء سعد عبد الكريم، والعميد سعيد الماحي.
وطلب إليه الفريق رياض أن يصحبهم إلى الخارج، وقد اعترض المشير، ولكنه آثر أن يسير معهم.
وفجأة صرخت ابنته نجيبة بأن والدها قد تناول شيئا في فمه وأنه يقصد الانتحار..
واستدعيت سيارة اسعاف، رفض ان يستقلها المشير. وركب السيارة مع الفريق رياض، واثنان من ضباط الحرس، واضطر بعد إلحاج أن يخرج ورقة من فمه، احتفظ بها أحد الضباط وهو النقيب محمد نبيل إبراهيم عقل، وأسرعت السيارة إلى مستشفى القوات المسلحة بالمعادي، وسجل المستشفى كل الوقائع.
وسلم الضابط الورقة الى المستشفى لتحليلها، وقال الضابط في التحقيق أن المشير قال في السيارة أنه تناول مادة يعرفها رجال المخابرات، وأنه لا يمكن اعتقاله فقد حاولوا اعتقاله مرة سابقة ولكنه حاول الانتحار وأسعف، وسوف يكرر الأمر ثانيه..
اما الضابط الاخر الذي كان يصحب المشير في السيارة فقد قال أن المشير عندما وصل مستشفى المعادى رفض في البداية عمليات إسعافه، ولكنه أسعف رغمًا عنه وعندما قال له مدير المستشفى أنه لم يعد هناك خطر على حياته قال إن هذا أسوا خبر سمعه.
ولعل خير من يروي القصة، هو قائد المستشفى اللواء طبيب محمد عبد الحميد مرتجى حيث قال «أن الرائد طبيب حسن عبد الحي أحمد فتحي طبيب النوبة بالمستشفى اتصل به تليفونيًا الساعة 3.30 من مساء الأربعاء 13 من سبتمبر سنة 1967 وأخبره بأن الفريق أول فوزي موجود وبصحبة المشير فتوجه إلى هناك حيث أخبره الفريق أول فوزى بأن المشير تناول مادة سامة وأنها ليست أول مرة. ثم توجه إلى حيث يوجد المشير فوجد معه الفريق رياض والعميد طبيب القللى والرائد طبيب حسن عبد الحي والرائد طبيب أحمد عبد الله، واستفسر من المشير الذي أخبره بأنه تناول بعض حبوب الأسبرين. غير أن الفريق رياض ذكر له أنه أخرج من فم المشير مادة كان يمضغها في ورقة سلوفان فرد بوجوب تحليلها - وأنه حاول اقناع المشير لعمل غسيل لمعدته رفض وراح يحاول إضاعة الوقت وبعد محاولات مع المشير لإقناعه بضرورة إفراغ في جوفه لأخذ عينة التحليل. تقيأ وأخذ عينة من القىء لتحليلها في المستشفى وفي المعامل المركزية وإذ طمأن الشاهد المشير إلى أنه لن يموت وأنه قد يشعر فقط ببعض التعب وصف المشير هذا النبأ بأنه أسوأ ما سمع. ثم راح الأطباء يقيسون نبضه وضغط دمه واطمأنوا إلى حالته، حتى إذا كانت الساعة الخامسة مساء أصر الفريق أول فوزي على مغادرة المستشفى وفي الساعة 7 اتصل به المقدم طبيب عبد المنعم عثمان وأخبره أن التحليل أظهر آثار لمادة الأفيون. فبادر بالاتصال بالعميد الليثي وأنبأه بذلك ثم اتصل بالفريق أول فوزي الذي طلب ارسال النتيجة إليه - وفي الساعة 9 من مساء اليوم التالى طلب إليه إرسال صورة أخرى من تقرير التحليل - وأضاف أن المشير أغادر المستشفى في حالة صحية جيدة - وأنه لم يحرر تقريرًا رسميًا بالمستشفى عن حالة المشير لأن وجوده كان له وضعه الخاص».
وقد قدمت إدارة المستشفى تقريرًا طبيًا خاصًا بحالة السيد المشير وقع عليه من الأطباء كل من: الرائد أحمد عبد الله، والرائد حسن عبد الحي، والمقدم محمد عبد المنعم عثمان القللى، والعميد محمود عبد الرازق جاء فيه «ان السيد المشير حضر إلى المستشفى حوالي الساعة 4 من مساء يوم 13/9/1967 لإسعافه من احتمال تناول مادة سامة وقد تبين من الكشف الطبي عليه أن حالته العامة جيدة ونبضه من 100 إلى 110 في الدقيقة. ممتلئ ومنتظم وضغط الدم 120/90 والرئتان سليمتان. والقلب سليم ودرجة الوعی والتنبه كاملة، والقوة العضلية والإحساس سليمان والحدقتين طبيعيتان والانعكاسات العصبية سليمة والجهاز الهضمي سليم ولا توجد أعراض إسهال أو مغص أو قىء - وقد تقرر علاجه باعتبار الحالة اشتباه تسمم بمادة مجهولة بإحداث قىء بصفة مستعجلة وإجراء غسيل للمعدة وتحليل الإفرازات - غير أن المشير رفض إجراء غسيل المعدة، وتناول نصف كوب من محلول مقىء ثم تقيأ بإرادته، وفي الساعة الخامسة أعيد الكشف عليه حيث وجد في نفس الحالة العادية فغادر الجناح سيرًا على قدميه ولم تحرر له أوراق علاج بالمستشفى نظرا لطبيعة الظروف وقصر مدة وجوده بها».
مرة ثالثة نقول أن فكرة الانتحار لم تكن فقط وارده في ذهن المشير بل أنه أقدم عليها فعلًا، وكان رافضًا محاولات إسعافه في تلك المحاولات وكان يعالج رُغمًا عن إرادته في كل مرة.
بعد علاجه من هذه المحاولة نقل إلى الاستراحة التي أعدت.
وهناك وجد الفرصة سانحة لتنفيذ فكرته، فأخرج ما كان يحتفظ به على شريط لاصق فوق بطنه وتناوله في غفلة من الحراس.
وكان عبد الناصر في الإسكندرية عندما عاد إلى القاهرة علي عجل لأن المشير عامر قد انتحر.
وعقد اجتماعا لمجلس الوزراء استمر أربع ساعات، وكان عبد الناصر حزينًا وهو يقول أنه فقد أكثر من أخ، وأن واحدًا من إخوته لم يكن قريبًا منه مثل المشير وشرح كل الظروف منذ ما بعد النكسة حتى انتحار المشير.. وقال وزير الاعلام محمد فائق بعد الجلسة أن المجلس استمع في جو من الأسف العميق إلى تقرير وزير العدل على حادث انتحار المشير وملابساته وسير التحقيق فيه.
وقد أكد عصام الدين حسونة وزير العدل بعد التحقيقات أن المشير قد انتحر فعلًا، وكان الوزير قد قسم التحقيق إلى قسمين الأول يشرف عليه النائب العام شخصيًا والثاني يقوم به أكبر خبراء الطب الشرعى في مصر وهم أربعة: الدكاترة: عبد الغني البشري، ويحيى شريف، وعلى عبد النبي وكمال السيد مصطفى.
وكان تقرير الأطباء الكبار الأربعة في 52 صفحة قسمت إلى 12 فصلًا وجاء فيه دراسة لمادة الأكونيتين التي تناولها المشير، والتي تحدث الوفاة خلال من ساعة في أربع ساعات من تناولها.. وقد بحثت اللجنة إمكانية تواجد هذه المادة في الصيدليات بمصر، فطافت بكل أقسام الصيدلية الحكومية ثم بالصيدليات الأهلية، فلم تجد إلا جرامًا واحدًا لدى صيدلية الجيزة اشتراه صاحبها من سنوات عديدة.
وقد اعترف مسئول القسم الكيمائي بجهاز المخابرات العامة بأن الجهاز استورد هذه المادة من ألمانيا الغربية عام 1963، وبقيت بالقسم الكيمائي حتى طلب السيد وجيه عباس مدير مكتب صلاح نصر إعداد ست عبوات من هذه المادة وإرسالها لمكتب المدير، وقد أعدت داخل عبوات التعبئة العادية للأسبرين، واعترف صلاح نصر أنه طنب هذه المادة في تاريخ لا يذكره، وأنه تركها في مكتبه بعد مرضه قبل خروجه من المخابرات مباشرة ولا يعرف عنها شيئًا.
وقد انتهى الأطباء الشرعيون إلى عدد من النتائج أوردوها في تقريرهم من أهمها:
-
ثبت الفحص الطبي أن الجثة خالية تماما من أي آثار إصابة ذات دلالة على وقوع فعل جنائي أو حصول عنف أو مقاومة.
-
عدم وجود أمراض تؤدي إلى حدوث الوفاة على النحو الذي وقعت به.
-
أن المظاهر التي أثبتها الفحص الطبي الشرعي تدل على أن الوفاة نشأت من حالة سمية أدت إلى هبوط سريع في القلب والدورة الدموية والتنفس.
-
أن وجود سم الأكونتينين في الشريط المعدني الذي عثر عليه لاصقًا بالجثة مع ما هو معروف من طبيعة تأثير هذا السم على الجسم. يدل على حصول الوفاة كان نتيجة التسمم بالأكونیتین.
-
ان عدم العثور على الكونيتين عن طريق التحليل الكيميائي أمر متوقع ويسلم به علميًا باعتبار أن قدرًا بسيطا منه يصل إلى ملليجرام واحد تكفي لإحداث الوفاة دون أن يظهر له أثر في التحليل.
-
أنه تأسيسًا على ما تقدم واقعة مضغ السيد المشير ورق السلوفان المحتوى على الأفيون. والذي وجد عالقًا بها أجزاء صغيرة جدًا لورق معدني من نفس النوع الذي أخفيت فيه مادة الأكونيتين التي وجدت على الجثمان، واستمرار ظهور أعراض سُمية من وقت إسعافه للمشير حتى حصول الوفاة دالة على استمرار تأثير هذه المادة. كل ذلك يدل على حصول الوفاة انتحارًا بتناول هذا السم.
كان النائب العام هو المستشار محمد عبد السلام، الذي شارك في الحملة على جمال عبد الناصر فأصدر كتابا عنوانه «سنوات عصيبة» عن سنوات جمال عبد الناصر، حشدها بذكرياته كنائب عام.. وكل الذكريات تهدف إلى التشهير والإسهام في الحملة على ثورة يوليو.
ومع ذلك فإنه في كتابه هذا يقرر أن المشير قد انتحر، وأنه باشر التحقيق بنفسه.. وتأكد لديه انتحار المشير. وان الذين قالوا أنه لم ينتحر فقط اثنتين من بناته، وأرجع ذلك لعاطفة البنوة.
وقال النائب العام في تقريره «أن أقوالهما صدرت عن عاطفة الأبوة من جهة. وبفعل الصدمة من جهة أخرى فحرصتا أن تصفاه بالإيمان والشجاعة وأن تنفيا عنه التهرب من المسئولية، كما أنه من الطبيعي أن تلح عليه فكرة الانتحار من مدة سابقة ويتوقع في كل حين التعرض المزيد من إجراءات تقييد حريته - كشأن المشير - أن يهيئ نفسه لتنفيذ فكرته عندما يتحقق موجبها، وذلك بإخفاء مادة سامة تكون في متناول يده في غفلة من أقرب المقربين إليه. وليس أقطع في مطابقة ذلك للواقع مما صارح به المشير صهره رائد طيار حسين عبد الناصر من محاولته السابقة للانتحار في يوم 25 من أغسطس عندما استدعى خارج منزله. وعلم باتجاه النية الى اعتقاله».
«
وأخيرا فإنه مما يدحض ما أثارته كريمتا المشير من شبهات، وينطق بصحة ما دلت عليه ظروف الحال، تسلسل الوقائع وتصرفات المشير وأقواله.. وماديات الحادث والفحص الطبي الشرعي. وتقارير التحليل من وقوع الحادث انتحارا.. ما أقرته السيدة نجية ذاتها من أنها كانت أول من اتجه اعتقاده إلى ان المادة التي رأتها في فم والدها قبل مبارحته المنزل كانت مادة سامة مما اقتضاها آن تهيب بالآخرين لسرعة اسعافه».
وكانت ابنة المشير قد أثارت في معرض شكوكها أنه لا يمكن أن ينتحر لأنه طلب كتبًا وآلة حلاقة كهربائية أرسلتها إليه صبيحة بوم انتحاره.
وقالت النيابة أنه «فضلًا عن عدم قيام ما يشير إلى أن إرسالها كان بناء على طلبه، وخاصة أنه كان يومئذ في حالة تخدير وهبوط، فقد شهد الفريق أول فوزى أن إرسال آلة الحلاقة الكهربائية إنما كان بأمر منه مخافة استعمال المشير للشفرة العادية.. وذلك فإنه ليس في شيء من هذا ما يغير ما هو ثابت من تناول المشير المادة العامة بقصد الانتحار».
ولم تترك النيابة العامة، طبيبًا، ولا حارسًا، ولا معايشًا للقضية إلا وسألته.. وتحرت منه الحقيقة.
ووضع رجال الطب الشرعي الكبار في مصر رأيهم، ووقعوا عليه بضمير مطمئن.
وقال النائب العام الشديد العداء لجمال عبد الناصر أن المشير قد انتحر.. وكذلك عشرات الشهود، في تحقيق ضخم، يمكن الاطلاع عليه حتى اليوم، لمن يريد أن يكتب التاريخ أو يعرف الحقيقة.
وكانت السيدة نفيسة عبد الحميد بعيدة عن المشير في ذلك الوقت، بل كان مقبوضا عليها.
ولم تكن أسرته تعرف نبأ زواجه السرى أو العرفي منها، ذلك الزواج الذي لم يشتهر إلا بعد انتحار المشير..
ومع ذلك، فان أولاد المشير لا يثيرون القضية، ولا يتحدثون فيها.. وتثيرها السيدة نفيسة..
وتتهم جمال عبد الناصر.. بأنه قتل عامر الذي تزوجها أخيرًا بعقد عرفي، وأنجب منها ابنها الوحيد عمرو... ولا تعليق..

عبد الناصر والحملة الظالمة / عبدالله امام .

 عبد الناصر والحملة الظالمة . 

 عبدالله امام .

5/7

من حارب في اليمن ؟
من المقارنات المضحكة أن الذين لا يملون من الهجوم علی العرب لأنهم لا يدعمون مصر ولا يمدون لها فى أزمتها يد المعونة، هم أنفسهم الذين لا يملون من الهجوم على جمال عبد الناصر لأنه دعم العرب. ومد لهم يد المعونة في أزماتهم، فكأنهم يستنكرون ألا يقوم الحكام العرب بنفس ما قام به جمال عبد الناصر.
ودور مصر العربي مازال موضع هجوم. وإن كان قد خفت قليلا. بعد أن امتدت الأيدى ذات يوم تحاول اقتلاع مصر من أرضها العربية. وتخلع عنها عروبتها.. وهي معركة لم تستمر طويلا، وإن كان قد شارك فيها كبار الكتاب - الذين انهالوا أرضًا على عبد الناصر - حيث لم تلق هذه الحملة إلا الازدراء من المواطن العادي، الذي يعرف أن أبسط مصالحه وأكبرها يرتبط بأمته العربية التي يشاركها اللغة والأرض وطموحات المستقبل كما شاركها معارك الماضى كلها، ولم يكن لجمال عبد الناصر فضل اكتشاف عروبة مصر. فمصر عربية من قبل عبد الناصر، ومن بعده، وربما كانت اسهامات عبد الناصر الجوهرية، أنه أعاد بعث القومية العربية، وواجه الاستعمار الذي كان يتعامل مع العالم العربي على أنه كم مهمل ممزق.
ولابد أن ننظر إلى خريطة العالم العربي قبل جمال عبد الناصر حيث كانت الغالبية العظمى من أقطاره - بما فيها مصر - مستعمرات.
وعندما رحل جمال عبد الناصر، كان الاستعمار قد حمل عصاه على كتفيه ورحل من جميع الأقطار العربية، وكانت بداية مواجهة الاستعمار إعلاميًا بخلق التيار المعادي له افتتاح إذاعة صوت العرب في أوائل يوليو 1954 مع توجيه محدد، بأن تواجه الاستعمار الجاثم على صدر الأمة العربية.
ومع مرور السنوات، أصبح صوت العرب وسيلة ثورة مصر للاتصال بالشعوب العربية، ورصدت بريطانيا 25 مليون جنيه استرلينى للتشويش على صوت العرب، وكان المواطن في أقصی مكان من العالم العربي لا يشترى الراديو إلا لأن به صوت العرب، كما كان سماع صوت العرب جريمة تعاقب عليها بعض الحكومات.
وقاد عبد الناصر بعد ذلك معركة ضد الأحلاف العسكرية التى تهدف لربط العالم العربي بعجلة الاستعمار، وكانت أشد معاركه ضراوة ضد حلف بغداد.
وعندما وقع العدوان الثلاثي على مصر التهبت الأمة العربية كلها مع مصر. وفجرت أنابيب البترول، وقطع العرب بترولهم عن الدول المعتدية. وهددت مصالحها في العالم العربي. واجتاحت المطارات العارمة الدول العربية حتى التي كانت تحت سيطرة الاحتلال.
وقامت المظاهرات في سوريا ولبنان وليبيا وقطر والبحرين، والكويت، والإمارات، والمغرب وتونس.
كانت معظم الدول العربية تقع تحت سيطرة الاستعمار الأجنبي، وبمساندة ثورة مصر المادية والمعنوية تحررت، وعاش عبد الناصر أعياد تحريرها، وساهم في الاحتفال ببعضها. بل بدعمه قامت ثورات تحرير في بعض الدول العربية.. في العراق وفي ليبيا، وفي اليمن، وغيرها من أقطار الوطن العربي.
كان لإسهامات عبد الناصر إذن دور لا ينكره أحد في معارك الشعوب ونضاله ضد قوى الاستعمار.
رؤية نضالية:
عندما ضربت إذاعة القاهرة اثناء العدوان الثلاثي، أعلنت إذاعة عمان «هنا القاهرة» وقالت إذاعة دمشق «هنا القاهرة» وكانت عمان قد طردت الجنرال الانجليزى جلوب قائد الجيش، وعندما حشدت تركيا حشودها على حدود سوريا، بادر عبد الناصر بإرسال قوات مسلحة إلى سوريا لحمايتها.
وعندما هددت الكويت، أرسل عبد الناصر قواته لتحمى استقلال الكويت.
وجاءت سوريا تطلب الوحدة مع مصر عبد الناصر الذي تجسد فيه آمال الأمة العربية ونضال شعوبها.
وقال المجلس الثوري بضرورة الوحدة ووافق عبد الناصر على الوحدة يوم 21 فبراير 1958 وقامت أول وحدة دستورية بين دولتين عربيين في العصر الحديث بإرادة شعبية كاسحة وقال بن جوريون أن إسرائيل أصبحت بين فكي كسارة البندق، بعدها بشهور قامت ثورة العراق وسقط رجل الاستعمار البريطاني نوري السعيد، وسقط معه نظامه بالكامل، وتآمر الاستعمار على الوحدة ووقع الانفصال في 28 سبتمبر 1961م.
ولكن سوريا ظلت في قلب عبد الناصر وضميره. كما ظل هو في قلب الشعب السوري، وفي ضميره وحاول الشعب السوري أن يعيد الوحدة أكثر من مرة مع عبد الناصر.
لم يشهد التاريخ الحديث فترة تقارب بين الشعب العربي في جميع أقطاره مثل سنوات عبد الناصر، حيث عاشت الوحدة أمل الجماهير، وفي وجدانها، وكان عبد الناصر يرى أن الخلافات بين الحكومات العربية هي نتيجة الصراع الاجتماعي في الواقع العربي، وأن وحدة الهدف قائمة عند القواعد الشعبية، كما أن الوحدة لا يمكن أن تتم فرضًا لأن الأهداف العظيمة للأمم يجب أن تتكافأ أساليبها شرفًا مع غاياتها. وأن أي حكومة وطنية في العالم العربي تمثل إرادة شعبها ونضاله في إطار الاستقلال الوطني هو خطوة نحو الوحدة لأنها ترفع كل سبب للتناقض بينها وبين الآمال النهائية في الوحدة، وأن أي وحدة جزئية في العالم العربي تمثل إرادة شعبين وأكثر هي خطوة وحدوية متقدمة تقرب من يوم الوحدة الشاملة وأن الجمهورية العربية المتحدة وهي تؤمن بأنها جزء من الأمة العربية لابد لها أن تنقل دعوتها والمبادئ التي تتضمنها لتكون تحت تصرف كل مواطن عربى، على ألا تدخل طرفا في المنازعات الحزبية المحلية وأن عليها مساندة كل حركة شعبية وطنية وأن تفتح مجال التعاون بين الحركات الوطنية التقدمية.
وعندما رحل جمال عبد الناصر كان العالم العربي كله ملتفا حوله.
وحزن عليه كل العرب، وبكاه الشعب العربي بأكمله، وشارك كل العرب شعوبًا ورسميين في جنازته.. وكانت الجامعة العربية الرسمية تتوسط قلب القاهرة، كما تتوسط مصر قلب العالم العربي.
ولم تكن رؤية جمال عبد الناصر لنضال الشعوب العربية أقوالا كانت أعمالا.
تحرير اليمن:
وهذا ما يوصلنا إلى القضية الهامة، وهي حرب اليمن.
فعندما قامت ثورة اليمن، في 28 سبتمبر 1961، طلبت إلى مصر معاونتها.
وكان السادات مسئولا عن اليمن والخليج العربي.. وكانت الجمهورية العربية المتحدة أول دولة تعترف بالنظام الثوري الجديد في اليمن، الذي سيخلص الشعب من حكم الإمامة وينقله من ظلمات القرن التاسع عشر، ويضعه على مشارف القرن العشرين. ولم تكن هناك بشاعة حكم، أفظع مما في اليمن.. حيث يتولى الإمام كل شيء.. والشعب يئن تحت وطأة الفاقه، والحرمان، من التعليم، والعلاج، والخدمات كلها، فالإمام هو الدولة كلها.. وهو كل الوزارات والإدارات.. ولا أحد يعرف عما يدور داخل اليمن شيئا، حتى أن مصر عندما أرادت معرفة معلومات عن اليمن بعد ثورتها، وقبل التدخل لم تجد إلا لدى السفارة الأمريكية تقريرًا أعده أحد السفراء الأمريكيين عمره ربع قرن.
وطلب النظام الجديد، والشرعي من الجمهورية العربية المتحدة أن تضع مبادئها في نصرة الشعوب في التطبيق، بأن تساند ثورة اليمن الوليدة، خاصة وأن بعض القوى بدأت حرب التدخل ضد النظام الجديد.
واجتمع مجلس الرياسة لبحث هذا المطلب، ووافق الأعضاء جميعًا على أن مصر لابد أن تساند اليمن في ثورتها ويقول حسن ابراهيم أن أحدا من مجلس الرئاسة لم يعترض على الإطلاق، فكلنا وافقنا، بما فينا كمال الدين حسين وأيدنا مساندة ثورة اليمن، والوقوف إلى جانبها إلى أن تسيطر على مقاليد البلاد، فلم يكن تواجد الجيش المصري في اليمن إذن قرارًا فرديًا من عبد الناصر، وأرسلت مصر كتيبة واحدة، سافرت على طائرة مدنية ذات ليلة، ومعها جهاز لاسلكي واحد، للاتصال، وعدد من المدنيين.
وخلال أربع سنوات كان هناك من يهمه الإجهاز على ثورة اليمن، والقضاء عليها وكانت الثورة قد اشتعلت في الجنوب اليمني تطالب أيضا بطرد الاستعمار البريطاني من عدن، وقد أطلقت رصاصتها الأولى في أكتوبر 1964.
وعززت مصر قواتها في اليمن لكي تسيطر الثورة على اليمن، وتقلق أيضا المستعمر البريطاني في الجنوب حتى يرحل.. فقد كان تحرير اليمن الجنوبي من الاستعمار البريطاني عملا لا يقل أهمية عن تحرير اليمن الشمالي من الاستعباد الإمامى.
وكان الذين يقاتلون في اليمن هم جنود مصريون إلى جانب أشقائهم اليمنيين. وفي الجبهة الأخرى كانت بقايا فلول القبائل المأجورة من النظام الإمامي، والأهم من ذلك الجنود المرتزقة الذين جمعوا من كل أنحاء العالم ليحاربوا نظير المال، إلى جانب قوات الإمام البدر وعمه الحسن الذي عاد من رئاسة وفد اليمن في الأمم المتحدة ليقود عمليات التدخل عندما كان البدر مازال مختفيًا وتردد أنه قُتل أثناء اقتحام قوات الثورة لقصره والاستيلاء على الحكم.
وخلال الحرب انتقلت اليمن من القرون الماضية إلى العصر الحديث. أنشئ فيها جهاز للدولة لأول مرة ودرب وسلح جيش يمنى، وأقيمت المدارس والمستشفيات والمصانع لأول مرة، ودخلت الكهرباء، وعبدت الطرق، وأطيح بالنظام الإمامي الرجعي، وأقيمت جمهورية في اليمن وتحرر اليمن الجنوبى، وسيطر العرب على باب المندب، وتمكنوا من إغلاقه خلال حرب 1973 في وجه العدو الصهيوني.
وكانت هناك قوات مصرية لم تشارك في الحرب، أو كانت مشاركتها رمزية.. كالدفاع الجوي، والقوات الجوية، والمدرعات ومع ذلك فقد كان عبد الناصر حريصا على السلام في اليمن، وعلى عدم الاقتتال، حرصه على استمرار الثورة والنظام الجديد، وعقد أكثر من اتفاقية للهدنة نقضها الملكيون وفي أغسطس 1965 بادر عبد الناصر بصحبة زكريا محيي الدين بالذهاب الى جدة دون حساسيات لوضع حد للحرب، وانتهت الزيارة باتفاق ينص على أن تسحب مصر قواتها خلال عام.
وعهد إلى ممثله الشخصي الدكتور حسن صبري الخولي بأن يتابع الاتفاقية مع السعودية قال لي الدكتور الخولى في حديث مسجل أنه كانت لديه تعليمات محددة، أن يؤجل في الاتفاق، حتى لا يخرج آخر جندي مصري من اليمن الشمالي إلا بعد جلاء الاستعمار البريطاني عن الجنوب.
فقد كان الوجود المصري في الشمال هو القوة الدافعة للحركة الوطنية الثورية في الجنوب، وهي أيضا التي تمدها بكل الطاقات.
كانت مساندة حركات التحرير الوطني ومقاومة الاستعمار على كل شبر من الأرض العربية هدفا أساسيا لدى عبد الناصر.. لذلك فانه سيظل رغم الحملة في مساندة شعب اليمن في التحرر من النظام الأمامي من أبرز إنجازات عبد الناصر، وهو فضل يذكره له جميع أبناء اليمن شماله وجنوبه، الذين كرموا ذكري عبد الناصر، بل وكرموا كل الجنود المصريين الذين شاركوا في معارك التحرير الكبرى.
ولم يكن من الممكن أن يترك الاستعمار عبد الناصر لكي يقيم تنمية حقيقية لذلك كان تحرير الأرض العربية هو أحد القلاع لحماية منجزات الشعب المصري في الداخل.
وفي المحصلة النهائية لحرب اليمن فقد انتصرت الجمهورية، وتحرر الشعب اليمني وتحرر باب المندب وسيطر العرب على مدخل البحر الأحمر وخسرت مصر 10 آلاف جندي استشهدوا على أرض اليمن خلال خمس سنوات في معارك لتحرير اليمن، وإقامة الجمهورية، ومساندة الثورة وكان عدد سكان مصر 30 مليونا، ولقد خسر محمد على 8 آلاف جندي في حربه بالجزيرة العربية التي لم تحقق شيئًا، ولم يساند أحدا، وكانت رغبة في التوسع وكان عدد سكان مصر ثلاثة ملايين ودفعت مصر في معارك اليمن 30 مليونًا من الجنيهات، من اقتصادها المرهق، تنفيذًا لأهداف آمنت بها، ولشعارات رفعتها، وعملت جادة على تحقيقها، وتحمل الاتحاد السوفيتي ثمن السلاح كاملا، كما تحمل أيضا نفقات نقل القوات وهكذا فإن عبد الناصر لم يندفع إلى القتال في اليمن ولكنه أرسل قوة محدودة لمساندة ثورة الشعب اليمني، والذين حولوها إلى حرب هم الاخرون الذين لا يهاجمهم أحد.. فهم الذين واجهوا الثورة، وهم الذين حولوا هذه المساندة إلى حرب، وحولوا الكتيبة الصغيرة إلى جيش كبير.
ولم يكن عبد الناصر راغبًا في الحرب، بل كان حريصًا على السلام، وكان الملكيون يصرون على أن يقفوا في وجه عجلة التاريخ وأن يوقفوا التطور، ولكنهم لم ينجحوا.. وانتصر الشعب اليمني وعاشت ثورته، ومازالت رغم اختلاف الحكام، تحمل للشعب المصري وقائده كل الحب والتقدير.
ويقول د. حسن صبري الخولى في حديث خاص: أن عبد الناصر عندما اختاره مسئولا عن اليمن وضع أمامه عددًا من القضايا بوضوح:
- أن مصر ليست لها مطامع في اليمن. هدفها الوحيد هو دعم الشعب اليمني وتأكيد رغبته في القضاء على التخلف. وأن يعيش حياة حضارية.. كأى شعب آخر.
- أنه لابد من الحفاظ على العلاقات الودية الطيبة التي كانت قائمة باستمرار بين الشعبين المصرى والسعودي بقدر الإمكان.
- أن القوات المصرية لن تعود من اليمن إلا بعد أن تتأكد من مسألتين أساسيتين:
الأولى: أن يقوم في اليمن حكم وطني يرضى عنه الشعب اليمني.
الثانية: أن يخرج آخر جندي بريطاني من جنوب اليمن ويتحرر الجنوب اليمني الذي كان محتلا باستعمار بريطانى.
كان عبد الناصر يقلقه فقد جندي مصري في اليمن، ويريد وقف الخسائر في الأرواح، ووافق على أن تبدأ اتصالات هادئة مسع السعودية، وكانت الكويت قد أبدت رغبتها في التوسط لإنهاء النزاع.
سافر الدكتور الخولي إلى الكويت وأمضى ما يقرب من ثلاثة أشهر في لقاءات مع الدكتور رشاد فرعون الممثل للملك فيصل بعيدًا عن العاصمة الكويتية.. وكان يحضرها الشيخ صباح الأحمد وزير الخارجية الكويتي.. وانتهت اللقاءات بسفر الدكتور الخولى إلى جدة وثم التمهيد لتوقيع اتفاقية جدة.
كانت بداية تدخل مصر في اليمن كما يقول الدكتور الخولي بمعاونة صغيرة، طائرة حربية واحدة تحمل اللواء علي عبد الخبير وبضعة جنود كحرس خاص له.. وجهاز لاسلكي ويرافقهم عبد الرحمن البيضانى.. وانتهى الأمر بسبعين ألف جندى مصرى.. ثم خروج آخرهم يوم 7 ديسمبر 1967 بقيادة الفريق عبد القادر حسن آخر قائد عام مصري في اليمن.
الحل السلمي:
رغم مساندة مصر العسكرية فإنها كانت دائما ترى حل المسألة اليمنية بالطرق السلمية وفقا لرغبة الشعب اليمني ولم تدخر جهدا في هذا السبيل، ولكن الآخرون كانوا يصرون على استمرار الحرب، ففي عام 1963 قبلت مصر وساطة الرئيس الأمريكي كنيدي.. الذي أوفد السفير «بانكر» وتم توقيع اتفاقية بين القاهرة والرياض ومضمونها.
- قيام السعودية بإنهاء مساعدتها للملكيين ومنع الزعماء الملكيين من استخدام أراضيها لمواصلة الصراع في اليمن.
- تبدأ الجمهورية العربية المتحدة في سحب قواتها في نفس الوقت الذي تتوقف فيه معونة السعودية للملكيين.
- إقامة منطقة منزوعة السلاح تمتد مسافة 20 كيلو مترًا على جانبي الحدود المرسومة بين السعودية واليمن.
- مرابطة مراقبين محايدين في كل جانب من المنطقة المنزوعة السلاح.
- تتعاون الجمهورية العربية المتحدة والسعودية مع ممثل السكرتير العام للأمم المتحدة وغيره من الوسطاء المقبولين من كلا الجانبين في التوصل إلى اتفاق على إجراءات وقف الاشتباك والتحقق منه،
ولكن هذه الاتفاقية تعثرت.. ولم تنفذ...
اتفاقية الطائف:
وكانت المحاولة الثانية عربية في فبراير 1964 عقب مؤتمر القمة الأولى عرضت كل من العراق والجزائر وساطتهما ورحبت الجمهورية العربية المتحدة والسعودية بهذه الوساطة.
وسافر المشير عامر إلى السعودية على رأس وفد من مصر.. وأجرى محادثات سورية انتهت بتوقيع اتفاقية الطائف. وقد نص الاتفاق السري الذي وقعت عليه كل الأطراف على ما يأتي:
سعيا وراء جمع الشمل العربي وتكتل الأمة العربية في سبيل تحقيق أهدافها العليا ورسالتها الإنسانية الحضارية السلمية، وتمشيًا مع مقررات مؤتمر القمة العربي التي أعدت عن اجتماع ملوك ورؤساء العرب بالقاهرة يوم 17 يناير 1964.
واستجابة للمساعي الحميدة التي بذلها كل من الرئيسين المشير الركن عبد السلام عارف والرئيس أحمد بن بللا في سبيل الوفاق وتصفية الجو العربى بواسطة وفدهما المشترك.
وتنفيذاً لما جاء في البيان الذي صدر عن الرياض بتاريخ 4 فبراير 1964 إثر المباحثات التي أجراها وفد المساعي الحميدة المذكور مع سمو الأمير فيصل ورجال المملكة العربية السعودية فقد اجتمع بمدينة الرياض فيما بين يوم 1 و 3 مارس 1964 وفد يمثل الجمهورية العربية المتحدة مؤلف من سيادة المشير عبد الحكيم عامر نائب رئيس الجمهورية ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة وسعادة السيد أحمد عمر السقاف وكيل وزارة الخارجية الدائم وبحضور وفد المساعي الحميدة المؤلف من معالي السيد أحمد توفيق المدني وزير الأوقاف في الجمهورية الجزائرية ومعالي الدكتور شامل السامرائى وزير الصحة في الجمهورية العراقية وسعادة الحاج عبد الحميد نعمان سفير الجمهورية العراقية في المملكة العربية السعودية.
وقد عقدت عدة اجتماعات سادتها الصراحة التامة وروح الأخوة الإسلامية والتضامن العربي والرغبة المشتركة في التعاون الصادق لما فيه خير الأمة العربية وتحقيق آمالها وفي هذا الجو الأخوى تم بحث القضايا والمسائل المتعلقة بين الطرفين وفي طليعتها المشاكل المتعلقة باليمن.
ونظرا للتقدم الملحوظ وتقارب وجهات النظر فقد اتفق الطرفان على استمرار هذه المباحثات كی تسوى في الاجتماع القادم بين سيادة الرئيس جمال عبد الناصر وسمو الأمير فيصل في مدينة القاهرة بعد انتهاء موسم الحج مباشرة في حوالي نهاية شهر أبريل 1964 وذلك استجابة للدعوة الصادرة من سيادة المشير عبد الحكيم عامر باسم الرئيس جمال عبد الناصر.
كما تعلن المملكة العربية السعودية والجمهورية العربية المتحدة أن لا مطمع لهما في اليمن وأنهما تؤيدان التأييد المطلق استقلال اليمن وحرية شعبه وتقاومان كل محاولة استعمارية ضد اليمن.
كما يعلن الطرفان لما جاء في بيان الرياض الصادر بتاريخ 4 فبراير 1964 عودة العلاقات السياسية فورًا بينهما على أن يتحقق سفير كل منهما بمقر عمله في أقرب وقت ممكن وتسوى كافة القضايا المالية والمادية المتعلقة بين الطرفين بروح التآخي العربي.
إن وفد الجمهورية العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية إذ يسعدهما إعلان هذا البيان ليسعدهما أن يقدما باسم حكومتيهما شكرهما العميق للرئيس السيد أحمد بن بللا والسيد المشير الركن عبد السلام محمد عارف ولممثليهما الشخصيين معالي السيد أحمد توفيق المدني ومعالي الدكتور شامل السامرائى ويتمنيان للأمة العربية دوام العزة والصفاء.
وكان هذا البيان بداية مرحلة جديدة في العلاقات المصرية السعودية حول حرب اليمن.. مرحلة تميزت بالتحرك لإنهاء هذا النزاع.. كانت مصر إذن راغبة في إنهاء الحرب.. ولكن كان هناك من هو صاحب مصلحة في استمرار الحرب، ومن يصر على أن تظل النيران مشتعلة.
لقاء مع الملك فيصل:
وأثناء انعقاد مؤتمر القمة الثاني بالإسكندرية حدث تطور آخر.. فقد كانت زيارة الأمير فيصل فرصة كي يلتقي بالرئيس عبد الناصر في عدة اجتماعات اشترك فيها الأمير سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع، والمشير عامر واستقر الاتفاق على:
- عزم المملكة العربية السعودية والجمهورية العربية المتحدة على التعاون التام لفض الخلافات بين الأطراف المختلفة في اليمن وتصميمهما على منع الاشتباكات المسلحة.. وأن تقوم الدولتان بالاتصالات اللازمة لدى الأطراف المعنية لتهيئة جو من التفاهم للوصول إلى حل للخلافات القائمة بالطرق السليمة، على أن تستمر هذه الاتصالات إلى أن تزول هذه الخلافات وتستقر الأمور في اليمن، وأن تتمسك الدولتان الشقيقان بالتعاون التام فيما بينهما في جميع الشئون وشتى الميادين وتعلنان تأييد كل منهما للأخرى في جميع الظروف سياسيًا وماديًا ومعنويًا.
وأتفق أيضا على ثلاث نقاط عملية لم تعلن هي:
· تعمل الدولتان على وقف القتال فورًا بين الأطراف المعنية في اليمن.
· توقف المملكة العربية السعودية مساعداتها العسكرية والمالية والتي من شأنها أن يستمر القتال وأن يتم انسحاب جميع قوات الجمهورية العربية المتحدة من أراضي اليمن على مراحل على أن يتفق على الطرق الكفيلة بحفظ الأمن والاستقرار.
· يبدأ تنفيذ النقاط الواردة في المادتين السابقتين بعد الاتصال بالأطراف المعنية في اليمن والاتفاق على مراحل الانسحاب وطريقته ومدته وتكوين لجنة تحضرية تمثل الفئات المختلفة.
مرة أخرى كانت مصر إذن ساعية لإنهاء الحرب.. ولكن الآخرين لم يكونوا يرغبون في إنهائها.
واجتمعت هذه اللجنة يوم 29 أكتوبر 1964 في أركويت «شرق السودان» فيما عرف باسم مؤتمر أركويت الذي حضره من مصر السفير أحمد شكري والعميد أ. ح. محمد محمود قاسم ومن الجانب السعودي الدكتور رشاد فرعون والزعيم حمود عبد الهادي محمد عبد الواحد وكان أعضاء اللجنة التحضيرية هم: محمد محمود الزبیری، محمد أحمد نعمان، علي بن ناجی القومي، محمد بن أحمد المطاع، على ناصر طريق، احمد محمد هاجى، محمد عبد الواسع حميد، أحمد محمد الشامى، محمد بن على بن إبراهيم، حسنين موفق، أحمد الحكمي، حسن ابن إسماعيل، يحيى لطفي الفيل، عبد الرحمن الواسع، صلاح المصري.
وقد اتفق في هذا الاجتماع على:
- وقف إطلاق النار وأعمال العنف ابتداء من السابعة مساء يوم 8 نوفمبر.
- عقد مؤتمر وطني يمني في مدينة يمنية في 23 نوفمبر لوضع الأسس الكفيلة بحل الخلافات القائمة بالطرق السلمية، واستقرار الأمور في اليمن.
- يحضر المؤتمر اليمني مائة وتسعة وستون شخصًا من العلماء والمشايخ والقادة العسكريين وأهل الرأي والخبرة من أهل الحل والعقد بحسب النسب الآتية:
3.8 من العلماء، 3.8 من المشايخ، 2.8 من القادة العسكريين وأهل الرأي والخبرة على أن ينضم إلى هؤلاء أعضاء اللجنة التحضيرية أنفسهم وعددهم ثمانية عشر شخصًا.
- يلتزم المجتمعون بتنفيذ هذه القرارات كما يطالبون الجمهورية العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية مجتمعين وكلا منهما من جانبها أن تساعد على تنفيذ هذا الاتفاق.
ولم يجتمع المؤتمر الوطني بسبب الخلافات على نسبة الملكيين فيه.. مرة أخرى كان هناك من لا يريد للحرب أن تنتهي.
وكان لابد من عقد لقاء جديد بين الرئيس عبد الناصر والملك فيصل، قال لي الدكتور الخولى: في بداية صيف 1965 استدعاني عبد الناصر وطلب مني السفر للسعودية لأنه قرر أن يقابل الملك فيصل لإنهاء الحرب، فقد كانت مصر راغبة في استقرار الأمور، ولم تكن ساعية إلى الحرب، وكان على أن أرتب هذا اللقاء... وكان الملك في الطائف وذهبت إليه واقترحت أن يكون مكان اللقاء مطار رأس بناس، باعتباره أقرب بقعة مصرية للأراضي السعودية قلت ضاحكا للملك فيصل:
- يقال أن الطائرات المهاجمة تخرج من مطار رأس بناس.. فلماذا لا نجعله منطقة اللقاء بينكما انت والرئيس عبد الناصر.
ورد الملك فيصلولماذا نلتقي في رأس بناس.. سوف اذهب أنا إليه في الإسكندرية..
وعدت إلى الإسكندرية وقلت للرئيسأن الملك فيصل سيحضر الى هنا ليلتقي بك.
وقام عبد الناصر ليتمشى على الشاطئ.. دقائق معدودة.. وبعدها عاد ليقول لي أنا ذاهب إلى الملك فيصل في جدة.. أخطرهم هناك.. وتصرف على هذا الأساس فنحن نريد إنهاء الحرب..
وعدت فورًا إلى الطائف حيث وجدت ترحيبًا شديدًا بزيارة عبد الناصر التي صحبه فيها زكريا محيي الدين، وأنور السادات، ومحمد حسنين هيكل، والسفير السعودي بالقاهرة محمد علی رضا.
وطلب الرئيس عبد الناصر قبل أن يتم أي لقاء بين الجانبين أن يقوم بتأدية العمرة وفعلا قام الوفد يرافقه الأمير سلطان، والأمير فواز بأداء العمرة بعد العشاء الرسمي الذي أقيم يوم الوصول.. ثم تمت عدة جلسات ودية بعد أن قال عبد الناصر أنه لا داعي لمباحثات رسمية بالوضع التقليدي، وأنه من أجل ذلك لم يرافقه وزير الخارجية المصرية..
محضر اجتماع عبد الناصر:
كانت الجلسة الأولى يوم الاثنين 23 أغسطس 1965 يقول محضر الاجتماع المغلق أن الرئيس عبد الناصر بدأ حديثه بأن أوضح أنه يهمنا أن تعود العلاقات بين مصر والسعودية كما كانت.. الأعداء فقط هم الذين يكسبون من عداوتنا.. العناد يجعلنا تصطدم.. إنني أتكلم بوضوح لمصلحتنا.. الوضع الطبيعي أن تكون مصر والسعودية أصدقاء إن عاجلا أو آجلا لابد أن نصل إلي عودة الصداقة.. نحن لم نهاجم إلا بعد أن هوجمنا.. انا قلت للملك سعود الكلام ده.. وأنا لم أدفع قرشًا واحدًا ضد الملك سعود أو حكمه.. سنة 1965 طلبنا منكم بترول أعطيتموه لنا بدون اتفاق.. لما طلبنا قرضًا أخذناه منكم عملة صعبة دون اتفاق ثم جاءت الوحدة ونتج عن هذا عملية مؤامرة سعود، وسرنا هكذا حتى جاء موضوع اليمن.. هل نحن متفقون في عودة العلاقات إلى طبيعتها..؟ أنا أعتقد أننا.. متفقون.
وهل أنتم متصورون أننا شيوعيون وأننا نمثل خطرًا على العرب.. الحقيقة أعداؤنا هم الذين يقولون هذا الكلام.
هناك فرق كبير بين الاشتراكيين والشيوعيين، وأنتم لا تقبلون أن تكون البلد في أيدي حفنة من الأقلية.. لقد صرفنا 4 آلاف مليون جنيه.. عندنا مشاكل بالنسبة لزيادة السكان في بلدنا.. يوجد خلافات كبيرة بيننا وبين الشيوعية، سنة 1956 حبسنا الشيوعيين وطلعناهم منذ فترة قريبة، ولكنهم لم ولن يستطيعوا تجنيد واحد، ومن أجل هذا قرروا حل الحزب الشيوعي، وهذا يحدث لأول مرة في تاريخ اي بلد.
وتحدث عبد الناصر عن المعلومات المضللة التي وصلت المخابرات الأمريكية عن طريق أحد الصحفيين وكان الصحفي قد ألقى القبض عليه بتهمة التجسس لحساب أمريكا - كما تحدث عن بعض عناصر الإخوان المسلمين الذين يعيشون في السعودية، ومعلوماتهم غير الصحيحة.
وانتهى عبد الناصر من حديثه إلى أن الوضع في مصر مستقر جدًا وليس كما يصور الإخوان المسلمين من أن الوضع سينهار قريبًا.
محضر هذا اللقاء يحوى ردًا للملك فيصل على ما قاله جمل عبد الناصر.. قال الملك بالنصمصر والسعودية يجب أن يكونوا متفاهمين، وأكثر من متفاهمين وهذا هو الشيء الطبيعي والمنطقي لأن الواقع والتاريخ يقومان على ذلك، والأشياء التي عطلت الصف، وأنا ما بتكلم فيها لأنها شيء معروف.
أنا مرتين جيت لمصر لمحاولة إصلاح الحال، وتمكنت بمساعدتك من إزالة بعض الأشياء، ولكن بترجع الأمور تتكرر، أيام الملك سعود لو كان ماضى طيب ما كانت العلاقة ساءت. ونحن مشينا مع الملك سعود بكل اخلاص، وبكل أمانة، وكنا لا نريد أي تفرقة ونفى الملك فيصل أن الحكومة السعودية سلمت نقودًا لأحد لكي يحمل ضد مصر في عهده.
وقال الملك فيصل «سيادتك تتذكر اجتماعنا في شبرد، وكان معك المشير عامر، وصلاح سالم، وتكلمنا، وبينت لسيادتك أننا على علاقة بفاروق. ونذكر له أنه جاب مصر للعرب ونحن كصداقة نعم. ولكن كون فاروق يحكمها ده شئ آخر لا علاقة لنا به، ومصر يحكمها من يريده أبناؤها وسيادتك تتذكر هذا الحديث.
وواصل الملك فيصل حديثه قائلا:
«في العراق انشال الملوك إللى منها، لم نتدخل مادام الشعب يريد ذلك.. من ناحية الكلام على الشيوعيين الإخوان يذكروا كلامي، وأنا بأقول أن مصر تكون شيوعية هذا مستحيل، وان جاءتنا الشيوعية فتأتي لنا من طريق آخر.
الرئيس جمال عبد الناصرهذا شيء آخر غير العلاقة بالاتحاد السوفيتي.
الملك فيصلالمهم إزالة ما يسبب تعكير ما في النفوس.. إن جاءكم تقارير أننا ندفع فلوس ضدكم نحن كذلك تأتينا تقارير أن الجمهورية العربية المتحدة لها مخططات وتريد إحداث شر في المملكة.
وقال الملك فيصل بعد مناقشة اشترك فيها الأمير سلطانولماذا ندفع ولمصلحة من ندفع إذا استطعنا أن نقوم بخدمة بلدنا فهذا أهم.. مصاريف مثل هذه الأمور ليس لها أول أو آخر.. وأكثرها يروح سرقة.. نشتغل ضد مين.. الإنجليز.. الأمريكان.. الروس معقول.. ولكن نشتغل ضد القاهرة.. وأؤكد أنه لا يمكن في يوم من الأيام أن يكون في نفوسنا سعی أو عمل ضد الجمهورية العربية المتحدة بالذات أو ضد أي بلد عربي آخر. وذلك لأن علاقاتنا بالجمهورية العربية المتحدة أكبر وأقوى من أي بلد آخر.
ومن أجل ذلك.. الوضع الطبيعي أن يكون هنا ومصر شيء واحد.. والمهم عندنا أن مثل هذه الأشياء التي تصلك لا تجد عندك قبولا.. أبرك الساعات وأسعد الأوقات علی نفوسنا كلنا هو حضور والشاعر النفراوى والله، ما عندي خبر بحضوره إلا قبل الجلسة بخمس دقائق - وكان الشاعر النفراوى قد كتب قصائد عديدة في الهجوم على جمال عبد الناصر ولكنه حضر في تلك الليلة وألقى قصيدة يشيد فيها بالرئيس جمال - وبعد مناقشات طويلة ومهت اتفاقية جدة.
وكانت اتفاقية جدة من أهم الاتفاقيات في تاريخ العلاقات المصرية السعودية، ولم تنشر الاتفاقية وإنما صدر عن الاجتماع بيان مشترك صاغه الأستاذ محمد حسنين هيكل الذي رافق الوفد المصری وفيما يلي النص الكامل لهذه الاتفاقية الهامة:
- إن الهدف الذي قصد إليه الرئيس جمال عبد الناصر والملك فيصل في مباحثاتهما التي تمت في جدة أيام 25، 26، 27 ربيع الثاني 1385(الموافق 22، 23، 24 أغسطس 1965) هو التمكين للإرادة الحرة للشعب اليمني حتى تكون قادرة على خدمة الآمال الكبيرة التي تحدو هذا الشعب العربي المجيد وتوفر جو السلام الذي يعطي هذه الآمال موضوعيًا المناخ الملائم للنمو والازدهار، هذا فضلا عن إزالة كل سبب للخلاف الطارئ بين الجمهورية العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وتوثيق الروابط التاريخية بين شعبيهما وتأكيد الحرص على الرغبة الأكيدة في صون هذه الروابط من مضاعفات أي سبب للخلاف:
وفيما يخص علاقات الجمهورية العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية بالموقف الحالي في اليمن فإن الملك فيصل والرئيس عبد الناصر - بعد الاتصال بكل ممثلي الشعب اليمني وقواه الوطنية والتعرف على رغباتها - يريان أن طريق الحق والأمان لمواجهة المسئولية تجاه الشعب اليمني وضمانًا للهدف الذي قصد إليه من الاجتماع، يتحقق على النحو التالي:
1- يقرر ويؤكد الشعب اليمني رأيه في نوع الحكم الذي يرتضيه لنفسه وذلك في استفتاء شعبي في موعد أقصاه 23 نوفمبر 1966م.
2-تعتبر المدة الباقية حتى تاريخ الاستفتاء فترة انتقالية بقصد الإعداد والترتيب للاستفتاء المذكور.
3- تتعاون المملكة العربية السعودية والجمهورية العربية المتحدة في تشكيل مؤتمر انتقالي يتكون من خمسين عضوًا ويمثل جميع القوى الوطنية وأهل الحل والعقد للشعب اليمني بعد التشاور مع الفئات اليمنية المختلفة حسبما يتم الاتفاق عليه.
ويجتمع المؤتمر المذكور في مدينة «حرض» يوم 22 نوفمبر 1965 وعلى هذا المؤتمر القيام بالمهام التالية: -
(أ) تطوير طريقة الحكم في فترة الانتقال وحتى إجراء الاستفتاء الشعبي.
(ب) تنكيل وزارة مؤقتة تباشر سلطات الحكم خلال فترة الانتقال.
اج) تقرير شكل ونظام الاستفتاء الذي سيتم في موعد أقصاه 21 نوفمبر 1966م.
4- تتبني الحكومتان قرارات المؤتمر الانتقالي اليمني المذكور وتدعمانه وتتعاونان في إنجاح تنفيذها وتعلنان من الآن قبولهما لوجود لجنة محايدة منهما معًا للمتابعة والإشراف على الاستفتاء وذلك فيما إذا رأي المؤتمر ضرورة لوجود مثل هذه اللجنة المحايدة.
5- تقوم المملكة العربية السعودية على الفور بوقف كافة عمليات المساعدة العسكرية بجميع أنواعها أو استخدام أراضي السعودية للعمل ضد اليمن.
6- تقوم الجمهورية العربية المتحدة بسحب كافة قواتها العسكرية من اليمن في ظروف عشرة أشهر ابتداء من يوم 23 نوفمبر 1965م.
7- توقف الاشتباكات المسلحة في اليمن فورًا وتشكل لجنة سلام مشتركة من الجانبين تقوم بما يأتي:
(أ) مراقبة وقف إطلاق النار بواسطة لجان المراقبة.
(ب) مراقبة الحدود والمواني ووقف المساعدات العسكرية بجميع أنواعها، أما المساعدات الغذائية فتتم تحت إشرافها.. والجان المراقبة المذكورة أن تستخدم الأراضي السعودية إذا دعت الضرورة لذلك التي توصلها لنقط المراقبة التي سوف ينفق عليها.
8- تتعاون المملكة العربية السعودية والجمهورية العربية المتحدة وتعملان إيجابيا على تأمين تنفيذ هذا الاتفاق وفرض الاستقرار في الأراضي اليمنية حتي إعلان نتيجة استفتاء وذلك بتخصيص قوة من الدولتين تستخدمها اللجنة عند اللزوم للقضاء على أي خروج على هذا الاتفاق أو أي عمل على تعطيله وإثارة القلاقل في سبيل نجاحه.
9- بغية دفع التعاون بين الجمهورية العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية إلى التقدم واجتياز المرحلة الحالية إلى الوضع الطبيعي كما كانت وكما ينبغي أن تكون عليه العلاقات بين البلدين يتم اتصال مباشر بين الرئيس جمال عبد الناصر وجلالة الملك فيصل لتلافي حدوث أي مصاعب تقف في طريق تنفيذ هذا الاتفاق.
لم يكن الأمر سهلا بعد توقيع هذه الاتفاقية.. لقد رفضت كل الأطراف اليمنية الاتفاقية، أصدر المشير عبد الله السلال بيانًا قال فيه أن الجمهورية العربية اليمنية حكومة وشعبا لا تقبل بأي حال كل ما من شأنه أن يمس استقلالها، وسيادتها من قريب أو بعيد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وأن اتفاقية جدة عقدت بين الجمهورية العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. ولم تكن الجمهورية اليمنية طرفًا فيها، ولم تقرها... أو تلتزم بها وكل ما يقال عن استفتاء يعتبر تدخلا سافرًا في استقلال الجمهورية العربية اليمنية واعتداء صارخًا على سيادتها ومخالفًا لكل القوانين الدولية.
وقد طبعت سفارة اليمن في موسكو هذا البيان نشرته على نطاق واسع قائلةإنه جاء تعبيرًا صادقًا عن إرادة الشعب اليمني.
وقالتإن الاتفاقية المعقودة في جدة تعتبر سارية على الطرفين الموافقين عليها فقط وأن الشعب اليمني عبر عن رأيه في مؤتمر (حرض).
أما بالنسبة للقبائل فقد عارضها الجمهوريون، وأيدها الملكيون في البداية، ثم أعلنوا أنهم يرفضون أي محاولة للوساطة لإنهاء الحرب الأهلية ضد نظام الحكم الجمهوري في اليمن، ويطلبون انسحاب القوات المصرية حفاظا على أرواحها.
أي أن الأطراف اليمنية جميعها، وقفت ضد الاتفاقية، لأسباب مختلفة بحكم موقع كل طرف.
وقامت مشاكل أخرى أدت الى تعطيل تنفيذ الاتفاقية.. وعرضت الكويت وساطتها أثناء زيارة أميرها لمصر في أبريل 1966، ومرة أخرى.. بدأت الاتصالات لإنهاء المشكلة اليمنية.. وكان محور النقاشات التي دارت بين الدكتور حسن صبري الخولى، والدكتور رشاد فرعون يتلخص في نقاط أربع:
- تسوية الوضع في اليمن - تشكيل الحكومة الانتقالية - سحب القوات المصرية - سحب أسرة حميد الدين.
وكانت الكويت قد تقدمت بمقترحتها في 31 يوليو 1966 وتنص على:-
· تشكيل حكومة انتقالية في اليمن من الجمهوريين والملكيين في ظل النظام الجمهوري القائم.
· تشكيل الحكومة الانتقالية بنسبة 50% لكل من الجمهوريين والملكيين تطلب الحكومة الانتقالية من بعض دول الجامعة العربية إرسال قوات رمزية إلى اليمن لحفظ النظام بالاشتراك مع قوات متساوية العدد من كل من مصر والسعودية.
· تطلب الحكومة انتقالية من السعودية سحب أسرة حميد الدين.
· تطلب الحكومة الانتقالية من القاهرة سحب القوات المصرية.
· تحدد الحكومة موعد استفتاء الشعب اليمني.
ووافقت مصر على هذه المقترحات، ولكن السعودية رفضتها، قدم وزير الخارجية الكويتي بمقترحات كويتية أخرى وافقت عليها مصر، ورفضتها السعودية، وهي قبول تسمية «الدولة» اليمنية.. تشكيل الحكومة الانتقالية بنسبة ثلاثة أخماس جمهوريين وخمسين ملكيين وأن يتم سحب أسرة حميد الدين عند سحب نصف القوات المصرية أو نصف المدة التي يتفق عليها.
وعندما تعثر مؤتمر حرض الذي نصت عليه الاتفاقية، كان هناك اتصال بين الرئيس والملك عبر الرسائل السرية وتلقي عبد الناصر رسالة سرية من الملك وقعها باسم أخيكم فيصل في 14 رمضان 1385 الموافق 5 يناير 1966 وكان نصها:
فخامة الأخ الرئيس جمال عبد الناصر
رئيس الجمهورية العربية المتحدة
تحية وتقديرا وبعد،،
فإن الحافز الذى دفعنى إلى أن أكتب لفخامتكم شخصيا هو ما لمسته من تغيير فى سير أعمال مؤتمر «حرض»، قد يكون مرده إلى الطريق التى أتبعت فى تنفيذ اتفاقية جدة أو إلى تباين وجهات نظر الإخوان الذين عهد إليهم بتنفيذها.
لهذا وجدت من الضرورى الاتصال بفخامتكم ومصارحتكم بذلك؛ لأننى على يقين بحسن نواياكم وتصميمكم الأكيد على إيجاد حل للمشكلة اليمنية التى لم يقتصر لهيبها على اليمن وحدها؛ بل تعداها إلى العلاقات الطيبة التى كانت تربط بلدينا.
وانطلاقا من الروح الخيّرة التى أملت علينا توقيع اتفاقية جدة، ومن جو الود والتفاهم التام الذى ساد المباحثات، كل هذا جعلنى أثق كل الوثوق بأنه لا يمكن أن تقف أى صعوبة فى سبيل تنفيذ هذه الاتفاقية ما دامت النوايا الحسنة رائدنا، والرغبة الصادقة فى الوصول إلى حل لهذه المشكلة نبراسنا.
ولقد كان مفهوما لدينا أثناء المباحثات وما سبقها أن الهدف الرئيسى من هذه الاتفاقية يرمى إلى نقطتين:
1- وضع الأسس العملية لحل المشكلة اليمنية، وإقرار الأمن والسلام فى ربوع اليمن العزيز بعد حرب طاحنة دامت ثلاث سنوات لم يتمكن خلالها أى طرف من إحراز نصر عسكرى حاسم يحقق معه أهدافه.
وهذا ما حدا بنا إلى التفكير فى إيجاد تسوية سلمية تلتقى عندها الأطراف المتنازعة فى فترة انتقالية لا يصر أى فيها على التمسك بنظامه، بل ينصهر النظامان القائمان حاليا فى اليمن فى طريقه على أن تباشر السلطة فى هذه الفترة وزارة مؤقتة لحين إجراء الاستفتاء الشعبى الذى سيتم بموجبه تحديد نوع الحكم النهائى الذى يرتضيه الشعب اليمنى لنفسه.
2- تدعيم التعاون البناء بين الجمهورية العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وإزالة أسباب الخلاف بينهما وتوثيق الروابط التاريخية بين الشعبين الشقيقين، ولهذا فلقد التزمت المملكة العربية السعودية بتنفيذ المادة الخامسة من الاتفاقية التى تنص على وقف جميع المساعدات العسكرية فور التوقيع عليها، والتزام الجمهورية العربية المتحدة بسحب كافة قواتها العسكرية من اليمن فى ظرف عشرة أشهر ابتداء من 23 نوفمبر 1965.
ومن منطوق هاتين المادتين بأنه ليس هناك ثمة علاقة بينهما وبين ما يتخذه المؤتمر من قرارات؛ بدليل أن وقف المساعدات العسكرية من قبل المملكة العربية السعودية نفذ فور التوقيع على الاتفاقية، وعلى أن يبدأ بسحب القوات المسلحة للجمهورية العربية المتحدة يوم انعقاد المؤتمر فى 23نوفمبر1965 أى قبل أن يتخذ المؤتمر أى قرار.
ولتنفيذ النقطة الأولى من هدف الاتفاقية الرامية إلى إيجاد تسوية بين الأطراف المتنازعة كان لابد من تهيئة الرأى العام اليمنى لقبولها، وعلى أن تتم هذه التهيئة فترة الأشهر الثلاثة الواقعة بين تاريخ توقيع الاتفاقية وموعد انعقاد المؤتمر فى «حرض».
وهذا ما قامت به المملكة العربية السعودية من جانبها بينما تركت الجمهورية العربية المتحدة للمسئولين فى صنعاء حرية التصرف حسب رأيهم وهو أهم. ولهذا فقد تعثرت مباحثات المؤتمر وتباينت المفاهيم، وامتزجت طريقة الحكم المؤقتة فى فترة الانتقال بالنظام الدائم الذى سيحكم اليمن، والذى سينبثق منه الاستفتاء الشعبى الذى سيتقرر إجراؤه فى بحر سنة.
وإن عدم السعى لدى الجانب الجمهورى فى صنعاء بتهيئته لقبول التسوية فى الفترة التى سبقت انعقاد مؤتمر «حرض» كان من نتائجه تعقيد الأمور وإحداث البلبلة فى المفاهيم مما أعاق سير أعمال المؤتمر.
وهنا لابد من الإشارة إلى ما تعرضت إليه لجنة السلام من مواقف عدائية قام بها المسئولون فى صنعاء سواء عن طريق وسائل الإعلام أو فى تنظيم المظاهرات ضدها، كما ورد فى الكتاب الذى أرسلته لجنة السلام للمسئولين فى كل من الجمهورية العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية فى 21/10/1965، والذى جاء فيه:
«وإنه لمما يؤسف اللجنة أن تذكر أن الحوادث التى وقعت، وأن الاتصالات التى قامت بها بعد وصولها تثبت بما لا يقبل الشك أن الجهات المسئولة فى صنعاء لم تبذل أى جهد فى وقف الحوادث؛ بل على العكس مهدت لها، وساهمت مساهمة فعلية فيها. وأن اللجنة تود أن تذّكر بالحوادث المشابهة التى وقعت يوم السبت 16/10/1965، وأن تشير إلى عدم اتخاذ أية إجراءات إيجابية حاسمة فى الوقت المناسب كان من أهم أسباب اندلاع حوادث يوم الجمعة 29/10/1965.
وتقول اللجنة فى مكان آخر من الكتاب نفسه:
«وأن اللجنة تستخلص من هذه الحوادث المؤسفة مغزى أعمق فى أن كل ما حدث لم يقع إلا لأن الأطراف اليمنية المعنية لم تتجاوب مع اتفاقية جدة».
هذا حسب رأينا ما أعاق تنفيذ اتفاقية جدة، ويضاف إلى ذلك السماح فى فترة التهيئة بتشكيل منظمات شعبية داخل اليمن، وتزويدها بالأسلحة لإثارة الفتن والقلاقل.
ولكن المملكة العربية السعودية لم تعبأ بكل هذه الإجراءات اعتقادا منها حسبما فهمت من قبل المسئولين فى القاهرة بأن اتفاقية جدة تطبق نصا وروحا. وما هذه الاستفزازات والدعايات إلا مجرد إثارات يقوم بها بعض المغرضين الذين ستتأثر مصالحهم الشخصية من جراء تنفيذ الاتفاقية.
وجاءت الاجتماعات التى عقدتها لجنة القادة فى مؤتمر حرض مؤيدة لهذا الاعتقاد فى بادئ الأمر؛ إذ نوقش فيها طريقة الحكم فى فترة الانتقال تحت اسم ـ الدولة اليمنية ـ واتسع لبحث تحديد عدد أعضاء كل جهاز من أجهزة الحكم فيها.
وفى ضوء ما تقدم فإذا كان رأى فخامتكم منسجما مع مفهومنا من أهداف اتفاقية جدة فإنه يسرنا أن نرسل شخصا موثوقا ومفوضا من قبلنا إلى القاهرة بناء على الرغبة التى أبداها سيادة الأخ حسن صبرى الخولى لسفيرنا فى القاهرة، وذلك للتفاهم مع من ينتدبه فخامتكم لوضع الخطوط العريضة حتى التفصيلية الرامية لحل هذه المشكلة التى لن يستعصى حلها بإذن الله ما دامت النوايا الحسنة متوفرة من الجانبين.
هذا وإننى لعلى يقين بأن فخامتكم ستولون هذا الموضوع ما يستحقه من الاهتمام، وستبذلون قصارى جهدكم لإنجاح المؤتمر، تحدوكم الرغبة الأكيدة المتبادلة فى وضع العلاقات بين بلدينا حيث كانت وينبغى أن تكون دائما قرب وتعاونا وثيقا بناء.. متمنيا لفخامة الأخ الصحة والتوفيق ولشعب الجمهورية العربية المتحدة الشقيق الرفعة والازدهار.

رسالة من عبد الناصر:
تلقي عبد الناصر رسالة الملك فيصل.. وأعد ردًا عليها أرسله للملك وقعه باسم «أخوكم جمال عبد الناصر» وكان نص الرسالة:
جلالة الأخ الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود
ملك المملكة العربية السعودية
أحييكم أطيب تحية وبعد.
فقد قابلت الشيخ محمد على الرضا، سفيركم فى القاهرة، وتسلمت رسالتكم.
وإننى لشاكر لجلالتكم مبادرتكم ومتابعتكم المخلصة لقضية السلام فى اليمن. ولقد اهتممت بما أثرتموه من آراء فى رسالتكم حول تنفيذ اتفاقية جدة.
ولقد تحدثت إلى سفيركم بكل صراحة ووضوح، وشرحت له وجهة نظر الجمهورية العربية المتحدة، وإننى لواثق أنه سينقل لجلالتكم كل ما دار بيننا فى هذا الصدد، وبهذه المناسبة فإننى أود أن أوضح أمرين:
أولهما: أننا عندما وقعنا اتفاقية جدة آلينا على أنفسنا الالتزام بهذه الاتفاقية نصا وروحا مذللين أية عقبات قد تصادفنا، وذلك لتوفير الاستقرار على الأرض اليمنية؛ لكى يستطيع شعبها العربى المجيد أن يبدأ عملية بناء حياته، وأود أن أطمئن جلالتكم أن الجمهورية العربية المتحدة ستظل على التزامها بهذه الاتفاقية التزامها بكل كلمة ارتبطت بها.
والأمر الثانى: الذى أردت أن أؤكده لجلالتكم هو أننى وشعب الجمهورية العربية المتحدة حريصون - غاية الحرص - على أن تظل روح الأخوة هى السائدة فى كل أمر يجرى بيننا، ذلك أننا نؤمن بأن العلاقات المصرية السعودية هى الأبقى، وأن كل جهد من أجل تقويتها يجب أن يبذل، ففى ذلك صالح الأمة العربية كلها. وإذا كان لشعب اليمن الشقيق اليوم مشاكله، فإن كل الأمل والرجاء معقود على أن يستطيع هذا الشعب مواجهتها والتغلب عليها بحكمة أبنائه، وبكل ما تملكون ونملك من جهد نساهم به فى هذا السبيل حتى يستقر لليمن العزيز كيانه المستقل، فنخرج جميعا من هذه القضية التى شغلتنا أعواما ونحن جميعا أقوى اخوة وعملا وارتباطا من أجل مستقبل أمتنا العربية، ومن أجل حريتها وكرامتها ورفاهيتها.
وتأكيدا منا للحرص على صون العلاقات المصرية السعودية من مضاعفات أى سبب للخلاف خارج إرادتنا، فقد اقترحنا إيفاد ممثل شخصى لجلالتكم ليكون مفوضا، وأرجو أن تكونوا على ثقة من أننا سنيسر له كل سبيل للتباحث بوضوح وبصراحة حول تفاصيل ما ذكرته فى حديثى مع الأخ محمد على الرضا.
وإننى لأسأل الله أن يمدنا بفضله ما نستعين به على توجيه طاقاتنا الوجهة الخيرة التى يتحقق بها الخير لشعبينا، ولشعب اليمن الشقيق، ولكافة شعوب الأمة العربية.
ومع تمنياتى الصادقة لجلالتكم بالصحة والسعادة، أرجو أن يتحقق للشعب العربى السعودى تحت قيادتكم كل عزة ورفاهية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كانت هاتان الرسالتان أحد السبل لعل المشكلة اليمنية.. التي لم يتوان عبد الناصر في حلها حلا سلميا مع الإبقاء على النظام الجمهوري والحرص على استقلال الجنوب، حتى تم حلها وعادت القوات المصرية.
وفي المحصلة النهائية فقد كانت حرب اليمن تأكيدًا لدور مصر ومساندتها لحركات التحرر، الأمر الذي دفع القوى المعادية إلى أن تحول هذه المساندة إلى حرب.. ولم تكن معركة مساندة ثورة اليمن هي كل معارك عبد الناصر العربية.
والعرب أيضا..
و.. وانتهى نظام الامامية المتخلف في اليمن، وانتهت معه الطائفية والقبلية، وأصبح اليمن جمهورية مستقلة ذات مجتمع موحد، وعاد المهاجرون اليمنيون، بعد أن كانت اليمن أكثر البلاد العربية طردًا لسكانها، الذين هاجروا بسبب قسوة الحكم أو قسوة الحياة.
وفي المحيط العربي لابد أن نذكر سريعًا لعبد الناصر أن تونس حصلت على استقلالها، وأجريت فيها انتخابات المجلس التأسيسي في مارس 1956 فاز فيها حزب الدستور الجديد بالأغلبية، وأعلنت الجمهورية في يوليو 1957 وانتخب الحبيب بورقيبة رئيسًا. وسافر عبد الناصر إلى تونس ليشهد أعياد استقلالها.
وبدا جيش التحرير في المغرب معاركه التي استمرت حتي عاد الملك محمد الخامس إلى العرش بعد عامين من نفيه، وانتهت الحماية على المغرب وأصبح مستقلا في مارس 1956.
وكانت تربط الملك محمد الخامس بعبد الناصر صداقة متينة وقد شارك في وضع حجر الأساس للسد العالي في يناير 1960.
وقامت ثورة في ليبيا.. وفي السودان، وتحررت كل دول الخليج، وكان صوت عبد الناصر مدويًا وهو يرفع ش عار «بترول العرب للعرب»، ويسعى لتحويله إلى حقيقة الأمر الذي قدره له كل العرب عندما تحقق الشعار بعد رحيله.
ولم يبادر عبد الناصر رؤساء الدول بالهجوم، كما أنه لم يفتعل معارك.. لقد كانت قضيته الأولى تحرير إرادة الإنسان، ومواجهة الاستعمار، واختار موقعه إلى جانب الشعوب.
ولقد اشتعلت ثورة الجزائر ضد الاستعمار الاستيطاني الفرنسي عام 1954 ووجدت في مصر عبد الناصر السند القوى الذي أمدها بالسلاح، والعتاد. ودرب الجنود واحتضن الثوار، وخصص إذاعة سرية للجزائر.
القضية الفلسطينية:
ومن أجل فلسطين كانت ثورة عبد الناصر فقد كانت القضية الفلسطينية هي قضيته التي عاش من أجلها واستشهد علی ساحتها، وليس هناك من يجحد دور عبد الناصر بالنسبة للقضية.
الهزيمة.. قمة المؤامرات الاستعمارية
كان لابد من القضاء على عبد الناصر، وأن تظل مصر بلدًا زراعيًا متخلفًا، ولا تلحق بحضارة وعلم، وصناعة العصر. لتكون إسرائيل هي منارة المنطقة العالية التفوق والتقدم..
وكان لابد أيضا من مواجهة البعد القومى للثورة الذي بدأ ماردًا صاعدًا يقلق أمريكا وإسرائيل..
فشلت كل محاولات التآمر من الداخل، فبدأ التآمر من الخارج، وهذه المرة خطط للمؤامرة الخارجية بدقة وأسهمت فيها كل الأطراف التي تريد أن تتخلص من عبد الناصر.. وهي الأطراف التي تنهال عليه الآن لأنه مازال يزعجها بعد رحيله بأكثر من خمسة عشر عامًا.
وكانت مؤامرة يونيو 1967.. وعندما كتب محمد حسنين هيكل خطاب التنحي بعد الهزيمة، قرأه عبد الناصر قبل أن يلقيه، فوجد به جملة تقول «وأنا اتحمل نصيبي من المسئولية» أمسك عبد الناصر بقلمه، وكتب بدلا منها..«وأنا أتحمل المسئولية كاملة».
وعندما أراد صلاح نصر أن يخفف عنه صدمة الهزيمة المرة، قال له عبد الناصرإنها قصة محمد على تتكرر يا صلاح.
وكانت الدول العظمى قد تكالبت على محمد على، حتى هزمته، عندما أراد أن يخرج بمصر عن حدودها الإقليمية، ويمتد بها، ويكون لها دور مؤثر في المنطقة.
وللهزيمة العسكرية أسبابها التي يتحمل عبد الناصر أيضًا نصيبه فيها..
ومع أن اسرائيل قد احتلت أراضی تعادل ثلاثة أضعاف مساحتها، إلا أنها لم تستطع أن تقضي على روح القتال عند العرب جميعًا، ولم تحقق بالانتصار العسكرى ما كانت ترجوه من إنهاء الصراع العربي الاسرائيلي، وأن يجلس العزب ليتفاوضوا معها فلم يستسلم أي نظام عربى، كما لم يسع أحد إلى عقد صلح منفرد أو غير منفرد معها. فالعرب لم يستسلموا، ولم يفاوضوا، ولم يقبلوا الهزيمة.. ورفعوا اللاءات الثلاثة في أحلك الظروف.. وبعد الهزيمة مباشرة.. لا صلح.. ولا تفاوض.. لا مرور لإسرائيل في قناة السويس.. كما أنها لم تستطع أن توقف المد التحرري فى المنطقة ولا أن تجهز على أعمال وفكد وروح عبد الناصر.
ولقد أجريت عدة دراسات رسمية وتحقيقات في أسباب الهزيمة.. كما قامت لجنة التاريخ التي شكلها السادات بسؤال كل الذين عايشوها.. ولم تنشر بعد هذه الدراسات.
وكانت المعركة قد بدأت بعد أن وضعت الولايات المتحدة عزل مصر، والقضاء على النظم التي تسير على طريقة في التحرر والبناء.. واثقة أن عبد الناصر لن يقف مكتوف اليدين لو تعرضت سوريا لغزو فكان التلويح بغزو سوريا.
وتطورت الأمور إلى إعلان إغلاق خليج العقبة.. وأرسل الرئيس الأمريكي جونسون يقترح ارسال نائبه هيوبرت همفرى إلى القاهرة لمناقشة الأزمة مع عبد الناصر ووافق عبد الناصر، واقترح أيضا أن يسافر نائبه زكريا محي الدين إلى أمريكا على الفور، بدلا من انتظار حضور نائب الرئيس الأمريكي.. وتقرر أن يسافر زكريا محيي الدين يوم 6 يونيو، ولكن إسرائيل قامت بضربتها يوم 5 يونيو.
موعد الحرب:
لم يتصرف عبد الناصر في اتخاذ القرارات من تلقاء نفسه فمنذ بداية الأزمة جمع كل المشاركين معه في الحكم. واستشارهم، على رأسهم رجال المؤسسة العسكرية، بل أنه ثابت من المؤتمرات التي عقدها عبد الناصر في تلك الفترة مع رجاله، والمسجلة بالصوت والصورة أنه حذر من الحرب، بل وحدد موعدها بالدقة صباح 5 يونيو حيث تقوم إسرائيل بضربة مباغتة، ولكن رجال الجيش لم يهتموا بهذه التحذيرات.
وفي المحكمة العلنية التي حاكمت رجال المشير عامر قال أحد المتهمين أن المشير قال له أن العوامل تداعت بسرعة دون أن يدري، فرد عليه حسين الشافعي رئيس المحكمة قائلا بالنص:
«إن الرئيس جمال عبد الناصر عقد اجتماعا شهده جميع نوابه وعرض عليهم مسألة سحب البوليس الدولي باعتبار أنه حق لمصر، الدولة التي استضافت هذا البوليس.. وقد وافق الجميع على هذا الرأي.. ثم اتبع الرئيس هذا بأن قال بالحرف الواحد أن هذه العملية تزيد من احتمالات المواجهة العسكرية من 50% إلى 80% ونظر إلى المشير عامر فأبدى موافقة كاملة على ما قاله الرئيس من توقع، وأبدى موافقته على التنفيذ على أساس أن الموقف العسكري مستعد للزيادة المتوقعة في نسبة احتمالات المواجهة العسكرية إلى 80%.
«وأنه بالنسبة لإغلاق خليج العقبة فان الرئيس جمال عبد الناصر عقد اجتماعا أخر شهده جميع نوابه، وعرض فيه مسالة إغلاق خليج العقبة كآخر أثر بقى من آثار عدوان 1956. يمكن تصفيته وقال الرئيس أن هذا العمل سوف يرفع احتمالات المواجهة العسكرية من 80% إلى100%، وأن المشير عامر قال حينذاك بالحرف الواحد «برقبتى يا ريس».
«ولو كان المشير عامر أبدى أقل بادرة فيما يتعلق باستكمال الاستعداد لكانت هذه البادرة هي الراي الحاسم في الموضوع: وقد عقد الرئيس اجتماعًا آخر وحدد فيه موعد العدوان على وجه التقريب، وقال أنه سيبدأ بضربة جوية، وأننا سنتلقى الضربة الأولى، تكلم لأول وآخر مرة الفريق صدقي محمود قائد الطيران وقال أنه يفضل أن نبدأ بالضربة الأولى، ورد عليه المشير.. وقال أنه سيخسر حوالى 10% في الضربة الأولى، وقال له عبد الناصر يكفيني حتی 20.
أي أنه دار حوار واضح حضره المشيم والقادة، ووافقوا على كل الإجراءات..
العدوان البري أولا:
على أن إسرائيل بدأت عدوانها عام 1967، بتحركات عسكرية برية، وليس بضربة جوية كما هو شائع.
ويقول الفريق صلاح الحديدي رئيس المحكمة التي حاكمت العسكريين المسئولين عن النكسة«أنه حدث هجوم برى إسرائيلى على الحدود المصرية في الساعة السابعة والربع من صباح نفس اليوم 5 يونيو حيث قامت إسرائيل باحتلال موقع متقدم داخل حدودنا المصرية كانت تدافع عنه سرية مشاة مدعمة في منطقة أم بسيس «الأمامية» أي أن الهجوم البري قامت به إسرائيل قبل الهجوم الجوي المشهور بحوالي سبعين دقيقة، وأن إسرائيل قامت بهذا الهجوم كاختبار أخير لجس نبض رد الفعل المصري، والواقع أنه لو كان هذا الهجوم قد وجد العناية الكافية من القيادات المحلية لاعتبر بمثابة إعلان الحرب بيننا وبين إسرائيل، ولكن الغريب أن هذا الهجوم لم يأبه له القادة المحليون بل لم يعتبروه حدثًا هامًا ينبئ بأحداث أكثر جسامة لابد أن تقع في أعقابه، وبالطبع ما لبث الهجوم البري أن فقد أهميته عندما بدأ الهجوم الجوى الرئيسي ضد الطيران المصري في التاسعة إلا ربع»
فإسرائيل بدأت هجومها إذن بقوات برية على منطقة أم بسيس الأمامية قبل ضربة الطيران بساعة وعشر دقائق.
وكان يمكن أن يكون ذلك بمثابة إعلان الحرب، وبمثابة الضربة الأولى لتتحرك قواتنا على أثرها، أو على الأقل تنبه لبداية الحرب، ووقاية الطيران، ولكن ذلك لم يحدث.
ويقول الفريق محمد فوزي «أن المقدم إبراهيم سلامة قائد مكتب مخابرات العريش قد أرسل إنذارًا في الساعة السابعة صباحًا - حتى قبل احتلال قرية أم بسيس - يتحدث عن تجميع لدوريات العدو ومشاهدات أنوار وسماع أصوات عربات جنزير، واستعداده للهجوم، وقد حدث ذلك حوالي الساعة الرابعة من صباح 5 يونيو، وأرسلت الإشارة في السابعة صباحًا إلى مكتب وزير الحربية شمس بدران.. واستقبلت الإشارة، وأرسلت من كوبري القبة إلى مدينة نصر للقيادة العامة حيث كان المشير نائمًا، وتسلمها على شفيق، وعرضها على المشير في غرفته، ولم يؤشر عليها أحد.. ولكنها وصلت لهيئة العمليات في الساعة العاشرة إلا ثلث أى بعد حدوث الهجوم الإسرائيلى الفعلي»
وكان هذا إنذارًا ثانيًا.. إذا كانت القيادة العسكرية واعية وعلى حذر.. أو على الأقل تمارس مسئولياتها العادية.
وكان هناك إنذار ثالث شهير.. هو ما أطلق عليه إشارة عجلون.. كان الفريق عبد المنعم رياض قد سافر إلى الأردن ليتولى قيادة الجبهة هناك.
ولاحظت قواته على شاشات الرادارات الأردنية إقلاع الطائرات الإسرائيلية بأعداد كبيرة.. وقامت القوات الأردنية بإبلاغ هذه المعلومات لاسلكيًا إلى القيادة العامة، وإلى قيادة القوات الجوية.
ويقول صلاح الحديدى «إنه كان من الممكن أن تكون هذه البرقية نقطة تحول لصالحنا في تاريخ المعركة لو أنها وصلت في الوقت المناسب وأمكن الاستفادة من المعلومات التي تحملها ولكن القدر من ناحية، والإهمال من ناحية أخرى، وعدم أخذ الأمور بالجدية اللازمة من ناحية ثالثة والثقة السياسية من عدم قيام الحرب حالت دون الاستفادة من هذه المعلومات الثمينة بل التي لا تقدر بثمن حيث أن مفتاح هذه الشفرة كان قد تغير في الدقائق الأولى يوم 5 يونيو ولم يتمكن الذي استقبلها في القاهرة من فك رموزها حيث استخدم مفتاح الشفرة التي سبقت يوم 5 يونيو بجهل وإهمال. وقد انتهت إشارة عجلون إلى محاكمة عريف وعزله إلى رتبة عسكرى»
الضربة الأولى:
وليست القصة هي الضربة الأولى التي يتهم جمال عبد الناصر بأنه طلب بتحملها فإسرائيل وجهت إليها الضربة الأولى عام 1973، ولكنها قاتلت، وألمانيا وجهت هي الضربة الأولى، ولكنها انهزمت، والأمثلة كثيرة من التاريخ.. ولقد كانت نصيحة كل من الاتحاد السوفيتي وأمريكا ضبط النفس، وألا تبدأ مصر بالقتال، وقال ديجول أنه سيحدد موقفه على ضوء من الذي سيبدأ بالضربة الأولى..
وفي التحقيقات يروى شمس بدران قصة الضربة الأولى قائلا:
» عدت من موسكو بعد أربعة أيام وكان الرئيس في غرفة العمليات فأبلغته بنتائج محادثات موسكو فقال الرئيس: احتمال الحرب ارتفع من 80% إلي 100% وقال: «عندي معلومات مؤكدة بأن اليهود سيهاجمون، بعد غد» وأنه عرف ذلك من مصدر أمريكى وقال «أن الموقف السياسى يحرمنا من الضربة الأولى، لأن أمريكا ستدخل في الحرب لو حدث هذا واحنا مش حمل الكلام ده». واعترض صدقى محمود قائد الطيران وقال: «إن الضربة الأولى من اليهود ستصيبنى بالشلل؛ وقال له المشير: تحب الضربة الأولى، ولا تحب أن يتدخل الأسطول السادس.
صدقى: خلاص.
المشير: ما هي الخسائر؟
صدقى: الخسائر 20%
المشير: عجز 20%وتحارب إسرائيل أو تحارب أمريكا؟
صدقي: أحارب إسرائيل فقط« .
وهكذا وافق المشير على تحمل الضربة الأولى التي لم تكن مفاجئة بعد كل هذه التحذيرات، وفي ظل الاستعداد للحرب. بل والمذهل أن عبد الناصر حدد موعد العدوان فعلا في التاريخ الذي وقع فيه وهو يوم 5 يونيو.
يقول الفريق صلاح الحديدي رئيس المحكمة العليا التي حاكمت قادة الطيران «إن الرئيس جمال عبد الناصر أمر بعقد مؤتمر سياسي مساء يوم 2 يونيو حضره كل من السادة أنور السادات، وحسين الشافعي، وزكريا محي الدين، وعلى صبرى، وعدد من القيادات السياسية كما حضره المشير عبد الحكيم عامر وقائد القوات الجوية ومساعدوه، ورئيس هيئة أركان حرب القوات المسلحة ومساعدوه، ورؤساء الهيئات العسكرية، بعض مديري الإدارات، وكان هذا أكبر مؤتمر سیاسى عسكرى عقد حتى ذلك الحين ونقطة التحول في المعركة.
واستعرض الرئيس الموقف السياسي بالتفصيل وانتهي إلى أننا كسبنا المعركة السياسية، وأن إسرائيل خسرتها على طول الخط.
ومن الناحية الأخرى فإن الظروف الدولية تحتم علينا ألا نتبع استراتيجية عدوانية حتى لا نضحى بموقف أمريكا وباقى الدول الكبرى منا، ولا سيما بعد أن أعلن الجنرال ديجول أن فرنسا ستقف ضد البادئ بالعدوان.
وأوضح الرئيس بأن إسرائيل ليس أمامها إلا أن تسلم بالأمر الواقع أو أن تعلن حربا علينا، وعلى الدول العربية المتاخمة.
وأشار إلى أنه لا يستبعد الاحتمال الأخير، بل يتوقعه مائة في المائة لا سيما بعد تشكيل وزارة حرب وتعيين الجنرال موشي ديان وزيرًا للدفاع في هذه الوزارة، وكذا بعد الاتفاق الذي تم مع الحكومة العراقية على إرسال قواتها للأردن للمشاركة في المعركة القادمة.
وأعلن أن استراتيجيتنا وقد تحولت إلى استراتيجية دفاعية بحتة تلزمنا أن نكون في حالة يقظة قامة من أعمال العدوان إن قامت بعمليات هجومية واسعة وهذا غير مستبعد بل محتمل جدًا فلن يتأخر قيامها بهذه العمليات عن يومين أو ثلاثة «أى - 4 - 5 يونيو  . «
ويقول الفريق صلاح الحديدى« إن صدقى محمود اعترف في المحكمة أمامي بأنه أصدر التعليمات لزيادة الاستعدادات بعد أن حضر هذا المؤتمر، وهذا الاعتراف من الفريق صدقي محمود حقيقة، كما أن تحذير عبد الناصر حقيقة مثبتة في السجلات العسكرية، بل أن اللواء إسماعيل لبيب قائد الدفاع الجوي كان يعمل تحت أمر صدقى مباشرة، حوكم على تهمة واحدة وأُدين فيها، وهي انه لم يُبلغ المرؤوسين له بتعليمات قائد الطيران الفريق صدقي الخاصة برفع درجات الاستعداد وقد دافع عن نفسه بأن القوات الجوية كانت في أعلی درجات الاستعداد«
ويقول الفريق محمد أحمد صادق رئيس المخابرات الحربية:
« إن عبد الناصر تقف عقد مؤتمرًا وهو مسجل بالصوت والصورة وذكر أن السيد الرئيس عندما لاحظ تجمع قوات العدو أمام مثلث رفح والعريش، أبو عجيلة «ثلاث عمليات» خلاف مجموعة لواء مدعم أمام غزة أوصى بتقوية الدفاع في اتجاه رفع.
وكنت قد أشرت في تقريري الذي قدمته له أن العدو أكمل استعداده للهجوم، ويستطيع أن يبدأ من فجر 3 يونيو، فرد الرئيس عبد الناصر قائلا أعتقد أنه من المرجح أن يبدأ في 5 يونيو «وهذه حقيقة للتاريخ « :
«عقب انتهاء الاجتماع توجهت إلى مكتب السيد المشير عبد الحكيم عامر، وبوجود الفريق صدقی محمود، واقترحت إخلاء مطارات سيناء المتقدمة لتعذر تجنب المفاجأة وطلبت أن توزع الطائرات في المطارات الأخرى، ولكن الفريق صدقي رفض هذا الرأى رغم أن المشير كان يضم رأيه إلى رأيى، وعقب صدقي، وقال: أنه أدرى بعمله مني، وأنه لا يريد أن يؤثر على الروح المعنوية لطياريه.
ويقول أمين هويدى: أن الرئيس عبد الناصر حدد تقديراته يوم 2 يونيو كالآتي:
- أن إسرائيل سوف تبدأ عملياتها خلال يومين أو ثلاثة بل حدد سيادته يوم 5 يونيو موعدًا لبدء الهجوم الاسرائيلي.
- أن إسرائيل سوف تبدأ عدوانها بالضربة الجوية.
- أن إسرائيل تعتمد على المفاجأة والمرونة وأن معركتها قصيرة.
ولكن هذه التقديرات لم تتجاوز خارج القاعة.. حيث استمع القادة للتوجيهات ولم يتخذوا أي قرار لتنفيذها، أو لتحويلها إلى عمل، فخرجوا من الاجتماع الذي تحدد فيه موعد بدء الهجوم.. وكأنهم لم يسمعوا شيئًا..
الانسحاب الكارثة:
رغم كل هذه التحذيرات ففي صبيحة 5 يونيو كان المشير عامر وكل قيادة القوات المسلحة الكبار يستقلون طائرة في الجو لتفقد القوات في سيناء.
وكان بقية القادة يودعون المشير في المطار، أما قادة كل القوات الموجودة بسيناء فقد كانوا مجتمعين في مطار بير تمادا انتظارا للمشير.
أي أنه وقعت الضربة الجوية، والمشير ورجاله في طائرة، وقد قيد إطلاق المدفعية المضادة للطائرات لأن المشير في الجو، كما أن كل القادة كانوا بعيدين عن مواقع قياداتهم حتى قادة الفرق والألوية.
يضاف إلى ذلك الحفل الذي أقيم في قاعدة أنشاص الجوية ليلة 5 يونيو، والذي تحول فجأة إلى حفل ساهر واستمر حتى ساعة متأخرة من الليل.
ولم تكن الكارثة فقط في الضربة الجوية.. التي سبقتها ضربات برية - ولكنها كانت في قرار الانسحاب الذي اتخذه المشير عندما علم بضرب الطيران دون دراسة، وهو القرار الذي وصفه بعض السياسية بأنه كان أمرا بالانتحار «  .
ويقول الفريق اول محمد فوزي أن المشير طلب منه وحالته النفسية منهارة، وضع خطة لانسحاب القوات من سيناء خلال عشرين دقيقة. واستدعى الفريق أنور القاضي رئيس هيئة الأركان واللواء ممدوح التهامي مساعداه. وبعد أن وضعوا الخطة مكتوبة توجه للمشير قائلا أنهم وضعوا الخطة على أن يتم سحب القوات بعد أربعة أيام، ورد المشير قائلا «أربعة أيام إيه يا فوزى أنا أعطيت أمرًا بالانسحاب.. خلاص«  .
ولم يكن هناك قرار مكتوب أو منظم لعملية الانسحاب حتى أن بعض القوات كانت تنسحب بينما كانت هناك قوات أخرى متجهة إلى الجبهة، بل أن المشير نفسه أراد أن يدفع الفرقة الرابعة المدرعة إلى سيناء بعد قرار الانسحاب بأربعة وعشرين ساعة إلا أن قادتها رفضوا.
المسئولية السياسية والعسكرية:
في كل الحروب تقع المسئولية على القيادة العسكرية التي تتسلم المعركة وتوافق على قرار القيادة السياسية بالحرب وتقبله وتقوم بتنفيذه. ولو أن القيادة العسكرية أبدت رأيًا مخالفًا، وقالت إنها غير مستعدة لتغير الموقف تمامًا.
ففي كل الاجتماعات، وفي كل المؤتمرات، وفي كل المناقشات التي دارت قبل الحرب، والتي اتخذت بعدها خطوات قد تؤدي إلى المواجهة، لم يبد القادة العسكريون من مختلف المستويات أنهم غير مستعدين.. كما لم يعترضوا على إجراءات القيادة السياسية بل وافقوا عليها وساهموا في صنعها. وبذلك أصبحوا مسئولين عن ممارسة مهامهم.
على أن المؤسسة العسكرية طوال سنوات عبد الناصر، كان لها من السيطرة والقوة والعنفوان ما يجعلها وحدها قادرة على تحمل المسئولية وأن تبدي رأيها، فقد كانت في الواقع هي التي تحكم.
ولم يعلن عبد الناصر كل ذلك، وإنما أعلن مسئوليته الكاملة عن النكسة، وآثر التنحي، وخرجت الجماهير تعلن تمسكها به، وشارك في هذه المسيرات الحاشدة كل الشعب حتى ربات البيوت اللواتي خرجن ملتاعات يعلن تمسكهن بقيادة عبد الناصر، ولو أن تنظيمًا كان قادرًا على إخراج كل هؤلاء الجماهير في ظلام الليل، وفي محنة الهزيمة لكان أقوى تنظيم في العالم، ولما وصلنا إلى ما وصلنا إليه بعد ذلك من ردة على كل المنجزات، التي قام الاتحاد الاشتراكي ليدافع عنها.
وإذا كان هناك - كما يقولون - من دفع الناس في مصر إلى الخروج تمسكًا بجمال عبد الناصر، فمن الذي دفع الجماهير إلى مثل هذا الخروج الحاشد في كل الوطن العربي، بل من الذي دفع العرب في كل العواصم الأوربية إلى الاعتصام في السفارات حتى يقبل عبد الناصر التراجع عن قرار التنحي.
حرب الاستنزاف:
بعد أقل من عشرين يومًا من عودة عبد الناصر بدأت مدافع مصر تنطلق في اتجاه العدو، رفضًا للهزيمة، وتحديًا للأمر الواقع، وكانت معركة رأس العش في أول يوليو، وبعدها لم تسكت المدافع المصرية، وانطلقت قوات مصر المسلحة تقوم بواجبها في إزالة آثار العدوان، فيما أطلقت عليه إسرائيل اسم حرب الاستنزاف، وأطلقت عليه مصر مرحلة الردع استعدادا لمرحلة التحرير.
وأعلن عبد الناصر أن القدس قبل سيناء، والجولان قبل سيناء، ورفض في ظل الهزيمة أن يساوم على حق الشعب الفلسطيني أو على الأرض المحتلة، ورفض الصلح بشروط جيدة من العدو الغاصب الذي أبدى استعداده للتنازل عن سيناء.. وأعلن أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة.
وأعاد بناء القوات المسلحة تدريبًا، وتسليحًا وإعدادًا، فى الوقت الذي كان يقاتل فيه العدو.
وأنشئت منظمة سيناء، وعبرت القوات المصرية لتقوم بأعمال فدائية ضد العدو.
وبعد معركة رأس العش بشهرين أغرقت القوات المصرية أكبر قطعة بحرية لدى العدو وهي المدمرة ايلات ومعها 250 بحريًا إسرائيليًا.. ثم تصاعدت العمليات العسكرية ضد العدو مما اضطره إلى أن يضرب في العمق. ولقد كان رأی قادة إسرائيل أنهم هزموا العرب، وقضوا على إرادة القتال عندهم، وأعلنوا أنهم ينتظرون أن يسلم عبد الناصر، ولكنهم فوجئوا بأن إرادة القتال لم تُهزم، وأن عبد الناصر يعيد بناء القوات المسلحة من صفوة أبناء مصر الخريجين، وهو يقاتل في نفس الوقت، فكانت حرب الاستنزاف مناورة كبيرة استعدادًا للمعركة الفاصلة، وتطورت حرب الاستنزاف تطورًا محسوبًا ليصل في نهايته إلى مرحلة التحرير.
وكان عبد الناصر عندما عهد إلى الفريق محمد فوزي بناء القوات المسلحة من جديد قد طلب إليه أن يخلص من هذه المهمة خلال ثلاث سنوات تنتهي بتحرير الأرض.
وكان عبد الناصر يتابع عمليات البناء، كما كان دائم التردد على الجبهة واللقاء مع أفراد القوات المسلحة، وبحث احتياجاتهم بنفسه.
وخلال حرب الاستنزاف كانت جملة خسائر إسرائيل أكثر من خسائرها في كل حروبها مع العرب على جميع الجبهات.
وفي أواخر سنة 69 استكملت القوات المسلحة هيكلها التنظيمي الذي خطط بناءه على أساس الخطة 200، ونجحت مصر في إقامة أكبر شبكة دفاع جوى على أحدث الأسس المتطورة في العالم. وتمكنت القوات المسلحة من تغيير الموقف العسكري لصالحها، وتأكدت الولايات المتحدة أن تصعد حرب الاستنزاف ليس لصالح إسرائيل، وأن الاستنزاف بعد الخسائر الجسيمة التي لحقت بإسرائيل هو استنزاف للمعدات الأمريكية، التي تعمل بها إسرائيل، أعلنت أن هذه هي الحرب الوحيدة التي خسرتها خلال المواجهة العربية وقامت الولايات المتحدة بمبادرة لإنهاء النزاع تقوم على إيقاف إطلاق النيران لمدة ثلاثة شهور فيما عرف باسم مبادرة روجرز، وقبل عبد الناصر المبادرة بعد أن التقى بالفريق فوزى ليكون جاهزًا بخطة العبور جرانيت بعد انتهاء وقف إطلاق النار..
وكان واضحًا أن قبول وقف إطلاق النار يهدف تحريك حائط الصواريخ إلى الأمام خلال هذه الفترة. وقد قدمت إسرائيل أكثر من شكوى ضد مصر لأنها نقوم بأعمال عسكرية أثناء فترة وقف القتال.
ويقول الفريق محمد فوزى «أنه في أكتوبر 1971 حدد المارشال جريتشكو، التفوق في القوي بين الجبهتين المصرية والسورية وبين إسرائيل بنسبة 2 إلى 1 كما كان متفقًا عليه في خطط عمليات تحرير الأرض في نهاية 1970 وأوائل عام 1971 وأن هذا التفوق يمكن أن يصل إلى 3 إلى 1 لصالح الجبهة المصرية، بالإضافة إلى ما كنا نتوقعه من إمدادنا طائرات ميراج من القوة الليبية، التي اشترتها الثورة الليبية من فرنسا، وأرسل فنيون مصريون للتدريب عليها تحت ستار هوية ليبية»
وقال عبد الناصر للفريق فوزى، ولمحمود رياض وزير الخارجية
«إن توقيت المعركة لن يتجاوز ربيع 1971»
ويقول الفريق أولى محمد فوزي «أنه التقى بالرئيس السادات يوم 26 أبريل 1971 في جلسة منفردة معه استغرق أكثر من ساعة، كان التركيز خلالها منصبًا على تنفيذ الخطة جرانيت وهي الخطة المرحلية لتحرير الأرض الشاملة، وكان الرئيس ناصر قد صدق على تنفيذها في سبتمبر 1970 وتقضي باقتحام القوات المسلحة قناة السويس وتدمير القوات الإسرائيلية، شرقها والوصول إلى خط المضيق الاستراتيجية.
معركة الاستقلال الوطني:
كان الاستعمار يتربص بمصر المستقلة سياسيًا واقتصاديًا المتحررة من النفوذ الأجنبي ويريد عزلها عن الأمة العربية، وهي المحاولات التي سعى لها طويلًا بضرب الثورة بعد أن نشطت الولايات المتحدة في إسقاط نظم زعماء العالم الثالث الذين كانت لهم فاعلية في حركة عدم الانحياز، وتأييد حركات التحرر.
وكانت هزيمة 1967 مؤامرة اشتركت فيها أطراف كثيرة بهدف القضاء على ثورة مصر وإرادتها وتحجيم دورها، ولم تحقق الهزيمة رغم قسوتها ما أرادته الولايات المتحدة وإسرائيل، وقاومت الثورة فرض الهزيمة. فرفضت الصلح، أو التفريط، أو التنازل وأعادت بناء قواتها المسلحة، ودخلت بها حربا لاستنزاف قوات الاحتلال الصهيوني، ودعمت منظمة التحرير الفلسطينية، ووضعت خطة لتحرير الأرض.
والذين يهاجمون عبد الناصر، ينسون دائمًا أن الهدف كان القضاء على استقلال مصر، وحريتها، وإعادتها إلى التبعية.. وعزلها عن أمتها العربية. فهل تراهم يفعلون غافلين، أو متعمدين.. وعندها يكون السؤال.. من هم أصحاب المصلحة في هذا الهجوم..