القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 21 يوليو 2021

عن التعويضات واجهاض العدالة الانتقالبة في تونس .

 عن التعويضات واجهاض العدالة الانتقالبة في تونس .

د.سالم لبيض .

يبدو أن خطبة رئيس مجلس شورى حركة النهضة (التونسية)، عبد الكريم الهاروني، مطلع شهر يوليو/ تموز الجاري، في رهط من الإسلاميين الغاضبين المتجمهرين في ساحة القصبة الحكومية في العاصمة، ودعا فيها رئيس الحكومة، هشام المشيشي، بلغة مشحونة بالتهديد والوعيد، إلى تفعيل صندوق الكرامة الذي أقرّته حكومة يوسف الشاهد قبل خمس سنوات، تنفيذاً لما ورد بقانون العدالة الانتقالية عدد 53 لسنة 2013، وذلك قبل يوم 25 يوليو/ تموز الجاري، المتزامن مع ذكرى عيد الجمهورية، يبدو أن تلك الخطبة أنتجت حركة احتجاجيةافتراضية حادّة وعامة من مختلف الشرائح الاجتماعية والنخبوية، ضدّ حركة النهضة، الإسلامية، بلغت حدّ الدعوة إلى اعتماد ذلك التاريخ موعداً للنزول إلى الشوارع، وإسقاط الحزب الإسلامي من الحكم، وتغيير النظام السياسي برمّته.

وقد أسند ذلك الفعل الاحتجاجي بيانات الأحزاب السياسية والكتل البرلمانية من حلفاء "النهضة" في الحكم ومعارضيها، وردود أفعالهم الرافضة والمندّدة بدعوة الهاروني تفعيل صندوق الكرامة الذي سيمكّن نشطاء الحركة الإسلامية من مبالغ مالية، أشيع لدى الرأي العام بأنها ستكون في حدود ثلاثة آلاف مليون دينار، بناء على طريقة احتساب محدّدة، لجبر أضرار 29950 من الضحايا، أغلبهم من الإسلاميين، وفق التقرير الختامي الشامل لهيئة الحقيقة والكرامة.

ومن أسباب انتشار خطبة الهاروني، وهو الرجل الثاني في حركة النهضة بعد راشد الغنوشي، في فيسبوك ويوتيوب، والتداول في شأنها ونقاش مضامينها في الوسائل الإعلامية المحلية والمنتديات الشعبية على نطاق واسع، طابعها الاستفزازي ومنزع التحدّي والصلف تجاه الحكومة ورئيسها، ومحاولة ابتزازه لخدمة شأنٍ حزبيٍّ صرف. ولم يتردّد الهاروني في مخاطبة المتجمهرين المعتصمين في ساحة القصبة بأنه "واحد منهم" وفق قوله، مؤكّدا على انتمائهم الحزبي الإسلامي النهضاوي، ونافياً عنهم البعد الوطني الشامل المتعدّد الانتماءات، إذ لم يشارك في هذا التحرّك ضحايا آخرون للاستبداد من أنصار تيارات سياسية يسارية وقومية عربية وليبرالية ونشطاء منظمات نقابية كبرى، مثل الاتحاد العام التونسي للشغل، وحقوقية على غرار الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، ممن تعرّضوا للقمع والاضطهاد والتعذيب والانتهاك والقتل والتصفية على خلفية الهوية السياسية، والموقف المعارض لنظامي الرئيسين الراحلين، الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي. فضلاً عن أن الفصل 11 من قانون العدالة الانتقالية عدد 53 لسنة 2013 ينصّ على أن "جبر ضرر ضحايا الانتهاكات حق يكفله القانون، والدولة مسؤولة عن توفير أشكال الجبر الكافي والفعال بما يتناسب مع جسامة الانتهاك ووضعية كل ضحية، على أن يؤخذ بعين الاعتبار الإمكانات المتوفرة لدى الدولة عند التنفيذ"، الأمر الذي تجاهلته حركة النهضة بإصرارها على تفعيل صندوق الكرامة في هذا الظرف المالي الصعب الذي تمرّ به الدولة التونسية.

وتحتاج "النهضة"، وهي الحركة الإسلامية الكبرى في تونس، ونخبها القيادية التي انطلقت في حملة اتصالية وإعلامية موازية ومضادّة، إلى جهد كاسح واستثنائي لإقناع المواطن التونسي بأن مطلب الهاروني لا يمثل دعوة غنائمية نهمة، في واقعٍ يشعر فيه هذا المواطن بالغُبن والقهر والهزيمة أمام وباء كورونا المتفشّي في مختلف أرياف تونس وقراها ومدنها وحواضرها وأحيائها وشوارعها وأزقتها ومستشفياتها التي تفوح منها رائحة الموت والمآتم. وتعيش الدولة أزمة مالية غير مسبوقة، قد تؤدي إلى عجزٍ في خلاص الديون المتفاقمة وسداد الأجور، ما دفع دولاً كثيرة إلى اعتبار تونس دولة منكوبة وبائياً، تحتاج إلى التدخلات الإنسانية والمساعدات السريعة.

وتعترض جهود النهضاويين من أجل تنقية صورتهم مما علق بها من شوائب غنائمية صعوباتٌ لا يمكن تخطّيها بسهولة، فيردّد تونسيون أنهم استفادوا أيما استفادة من الثورة التونسية، وورثوا نظام بن علي وحزبه التجمع الدستوري الديمقراطي في المجالات كافة، سيما الاقتصادية والمالية منها. كتب المؤرخ الهادي التيمومي في الجزء الثاني من كتابه موسوعة الربيع العربي في تونس 2010-2020 (منشورات دار محمد علي)، قائلاً "استقال يوم 27 جويلية 2012 وزير المالية، حسين الديماسي، لأسبابٍ تخصّ إسراف الحكومة في النفقات وخاصة التعويضات لمناضلي حركة النهضة، وهي تعويضات مكلفة جداً لميزانية الدولة". وفي السياق ذاته، صرّح أبو يعرب المرزوقي، أستاذ الفلسفة في الجامعة التونسية والنائب السابق عن حركة النهضة في المجلس الوطني التأسيسي ومستشار رئيس الحكومة الأسبق حمّادي الجبالي، يوم 7 مارس/ آذار 2013، لصحيفة الشروق التونسية، عشية تقديم استقالته، قائلاً "الحكم زمن الترويكا تحوّل إلى توزيع مغانم على الأقارب والأصحاب والأحباب من دون اعتبار لمبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب"، مؤكّداً ما ذكره القيادي النهضاوي، عبد الفتاح مورو، يوم 24 فبراير/ شباط 2012 لصحيفة حقائق، أن "من بين وزراء حمادي الجبالي أشخاصٌ قدراتهم محدودة وقع اختيارهم فقط للولاء، ومنهم من دخل للعمل لأول مرة، وذلك في منصب وزير وهناك من لم يعمل في حياته، ولو يوماً واحداً وأول مرّة يعمل في حياته يتولى منصب وزير".

سابق الإسلاميون في تونس الزمن منذ سنة 2011، من خلال أغلبيتهم القارّة في المجالس التشريعية وتوليهم الحكومات أو المشاركة فيها أو إسنادها، بسن قوانين العدالة الانتقالية ومختلف نصوصها الترتيبية، ويستثنى من ذلك المرسوم عدد 1 لسنة 2011 المتعلق بالعفو العام الذي وقّعه الوزير الأول الأسبق محمد الغنوشي. ومن أهم تلك التشريعات القانون عدد 4 لسنة 2012 المتعلق بأحكام استثنائية للانتداب في القطاع العمومي، والأمر عدد 833 لسنة 2012 في كيفية تطبيق أحكام ذلك القانون، والأمر عدد 3256 لسنة 2012 المتعلق بضبط إجراءات العودة إلى العمل وتسوية الوضعية الإدارية للأعوان العموميين المنتفعين بالعفو العام. لقد مكّنت تلك النصوص كل الإسلاميين النهضاويين والسلفيين، بمن في ذلك من شارك في عملية سليمان الإرهابية سنة 2007، من التمتع بالعفو العام ومبدأي العودة إلى العمل أو الانتداب المباشر في الوظيفة العمومية. وتمتع العائدون بما يسمى إعادة بناء المسار المهني، أي الحصول على كل الرتب والترقيات المهنية خلال فترة طردهم التي دامت في أغلبها 20 سنة 1991-2011، وأن تتولى الدولة مساهمتهم في صناديق التقاعد والحيطة الاجتماعية، ما مكّنهم من أجور في مستوى بقية زملائهم المباشرين، والحصول على منحة تقاعد بالمستوى نفسه.

بالتوازي مع هذا المسار الذي اعتمدته حركة النهضة في حلّ مشكلات مناضليها وأنصارها بإدماجهم في مؤسسات الدولة التونسية، وتمكينهم من مواقع قيادية حساسة، كانت لها كلفتها المالية العالية، فتحت الحركة الإسلامية قنوات حوار مع رجال النظام القديم، متجاهلة مبدأي الاعتراف والاعتذار، وفي مقدمتهم الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي الذي التقى رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي بباريس صيف سنة 2013، واتفقا على تقاسم السلطة على أرضية عدم تصويت النهضة لقانون تحصين الثورة وعدم إدراج بند في الدستور يحدّ من سن رئيس الجمهورية. والحال أن السبسي هو من أبرز المشمولين بالعدالة الانتقالية لتوليه إدارة الأمن الوطني 1963-1965 ثم وزارة الداخلية 1965 - 1969. وقد عرفت تلك الفترة انتهاكات كبيرة شملت شرائح سياسية يوسفية ويسارية وقومية عربية وطلابية ونقابية، ولترأسه البرلمان التونسي سنة 1991 تحت سلطة بن علي المشمولة بدورها بالعدالة الانتقالية. ثم صوّت النهضاويون في البرلمان سنة 2017 لصالح قانون المصالحة الإدارية الذي اقترحته رئاسة الجمهورية، ومكّن رجالاً كثيرين من المنظومة القديمة المعنيين بالعدالة الانتقالية ممن علقت بهم تهم فساد ونهب المال العام وتجاوزات السلطة من عفو تمنحه المحاكم التونسية التي كانت أدانتهم في وقت سابق. وكذلك كان الأمر مع آخر أمين عام لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي، محمد الغرياني، قبل حله بحكم قضائي سنة 2011، الذي انتدبه رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، مستشاراً خاصّاً لديه. ولقد كانت حركة النهضة تعلم أن حلفاءها الدستوريين الذين ساعدتهم على العودة إلى الحياة السياسية، وتقاسمت معهم الحكم منذ سنة 2015، لم يعترفوا بجرائم حزبهم الدستوري الاشتراكي أو التجمعي، ولم يقرّوا بالانتهاكات التي مورست زمن حكمهم، ولم يعتذروا على ذلك، مرسّخة الفكرة السائدة بأن مسار العدالة الانتقالية انتهى غنيمةً نهضوية لا أكثر. أما العدالة الانتقالية، بما هي اعتراف واعتذار وإصلاح وإدماج ورد اعتبار وإنصاف لكل من مورس ضده الانتهاك، فرداً كان أم جماعة أم جهة، وحُرم من الحياة الكريمة، فإن ذلك كله قد تحوّل إلى مجرّد شعار، وإلى تقرير ضخم أصدرته هيئة الحقيقة والكرامة بانتهاء أشغالها سنة 2018 لينشر في موقع الرائد الرسمي التونسي، يحتاج هو بدوره إلى التصويب التاريخي الذي سيتولاه مؤرّخو الجامعة التونسية النزهاء بعد أن تبيّنت في كثير من تفاصيله رؤى الإسلام السياسي وتمثّلاته غيرالمحايدة.

الأحد، 16 مايو 2021

لا تسترخصوا هذه الأمّة..

 لا تسترخصوا هذه الأمّة..

عبد السلام بوعايشة.
 لن أردد ما رددناه آلاف المرات منذ تسلل المشروع الصهيوني إلى فلسطين و نجاحه في افتكاك قرار تاسيس دولته من منظمة الأمم المتحدة سنة 1947...ما يجب قوله اليوم ضمن جولة الصراع الجديدة بين الشعب العربي و المشروع الصهيوني هو ما يلي..
 1 - المقاومة في فلسطين ليست غزة أو الضفة الغربية أو القدس أو  اراضي 48 فحسب ،كما انها ليست حماس أو  فتح أو  الجهاد الإسلامي أو  الجبهة الشعبية فحسب، كما أنها ليست أي تنظيم أو حزب أو دولة عربية تبنت القضية و قاومت من أجلها ...المقاومة في فلسطين هي أمة بحالها و شعب عريق يؤمن بارضه و حقه و انتمائه و حضارته يرفض التسليم او التطبيع او الهزيمة او الاستسلام و هو الذي يجر خلفه كل العناوين السياسية و العسكرية و يدفع بها نحو السير في الطريق الذي اختاره منذ قرر مقاومة اولى العصابات التي غزت فلسطين في بداية القرن العشرين.. هذه الأمة و هذا الشعب هو أمة العرب و شعبها.
 2 - المشروع الصهيوني ليس دولة الاغتصاب المسماة "اسرائيل" بل هو تحالف دولي جسمه و راسه و قوته الضاربة في الغرب الراسمالي عامة و قاعدته العسكرية المتقدمة في فلسطين.. هذا المشروع يتخذ من فلسطين قاعدة و أداة لمنع اي نهوض قومي عربي في منطقة تمثل مهبط كل الاديان و مهدا للحضارات الانسانية و مركزا للطاقة و ملتقى للقارات الخمس و مفرقا للطرق التجارية و اعتدالا لجميع الفصول حتى...
 3 - بعد أكثر من قرن من الصراع و الحروب و الانتصارات و الهزائم و التضحيات تاتي هذه الجولة الجديدة من الصراع لتكشف عن حقيقة ان الامة منتصرة رغم الهزائم العسكرية و ان المشروع الصهيوني منهزم رغم التفوق العسكري و التكنولوجي لاننا نشهد اليوم ان شوارع و ساحات باريس و واشنطن و لندن و امستردام و روما و نيويورك و مدريد ...كلها تقف الى جانب الحق الفلسطيني و في المقابل لا احد يتجرأ لمساندة العدوان في اي شارع مهما كان ضيقا ...
4 - ردود فعل الدول على ما يجري في فلسطين يؤكد للمرة الالف أن مآلات الصراع يتوقف عليها مصير النظام العالمي كله و ليس مصير العرب و الفلسطينيين و اليهود فحسب لاننا نرى و نسمع و نتابع حالة التعبئة السياسية و الاعلامية في التعاطي مع الوضع عند كل جولة من جولات الحرب .. من القاهرة الى موسكو الى واشنطن الى نيويورك الى لندن الى بروكسال الى طهران و انقرة و باريس اتصالات و اجتماعات و تصريحات و مواقف تصب كلها في التعبير عن الخوف من انعكاسات ما يجري على الاستقرار الدولي و على مصالح الدول طبعا...بوتين يرى في اجتماع مع وزرائه ان ما يجري يؤثر على الامن الروسي...بايدن جدد دعمه للصهاينة...الاوروبيون يحاولون عبثا  الامساك بالموقف الوسط..اجتماع عاجل لمجلس الامن و للجمعية العامة للامم المتحدة...اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الاوروبي...اجتماع لمنظمة المؤتمر الاسلامي و مجلس وزراء الخارجية العرب...
 5 - هذه الجولة من الصراع و ما شهدته من توسع شامل لكل ارض فلسطين تؤكد ان الكيان الصهيوني هزم استراتيجيا و ليس بينه و بين الفناء و الذوبان سوى ان يرتقي مشروع المقاومة ليوحد صفه فلسطينيا و عربيا و يفرض بديله على الارض الحبلى بالتفاؤل و الامل... بهكذا تمشي سيحملون جثة دولتهم على اكتافهم و يرحلون .

السبت، 1 مايو 2021

عن الانقلابو- فوبيا في تونس .

د.سالم لبيض . 

يطفو موضوع الانقلابات العسكرية والسياسية على سطح النقاش والجدل الذي ينخرط فيه المجتمعان، السياسي والإعلامي، في تونس، من فترة إلى أخرى، وينعكس سلبا وإيجابا على الطبقات الشعبية والنخب المحلية التي تتخذ من منصّات التواصل الاجتماعي، وخصوصا فيسبوك، منبرا لإبداء تفاعلها والتعبير عن مواقفها وإبراز أحاسيسها ومشاعرها تجاه الظاهرة الانقلابية. ويبدو أن هذا الموضوع قد تحوّل إلى نوع من الانقلابو- فوبيا، أو الخوف غير العقلاني، والرهاب من تدخل الجيش في الحياة السياسية وتولي السلطة، على غرار ما حدث ويحدث في دول عربية وبلدان إفريقية وآسيوية وأميركية لاتينية كثيرة.

ولكن هذه الصفة تنفيها أعمال أكاديمية مختصة في تاريخ الانقلابات العسكرية في الوطن العربي، والمهتمة بتجربة الجيش التونسي تاريخا وواقعا معيشا، فقد جاء في كتاب نبيل خليل "ملف الانقلابات في الدول العربية المعاصرة" (دار الفارابي، بيروت، 2008) أنه "على أربعين انقلابا عرفتها المنطقة العربية منذ عام 1949 نجد أن نصيب سورية منها تسعة انقلابات تليها موريتانيا بستة انقلابات ثم العراق والسودان اللذان سجلا أربعة انقلابات لكل منهما تبعهما لبنان وجزر القمر بثلاثة انقلابات أما مصر والصومال وليبيا فقد شهدت كل منها انقلابا واحدا". ويلاحظ من هذا التصنيف عدم إدراج تونس ضمن البلدان العربية التي عرفت تجربة الانقلابات العسكرية. ويميل إلى هذا الرأي أستاذ العلوم السياسية والعسكرية في الجامعات الأميركية، نور الدين جبنون، في مقاله "دور الجيش في الثورة التونسية" المنشور في كتاب "ثورة تونس: الأسباب والسياقات والتحديات" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2012). يكتب "تعتبر المؤسسة العسكرية الوطنية التونسية فريدة من نوعها مقارنة بالمؤسسات العسكرية في العالم العربي، إذ تميزت، منذ انبعاثها، كقوة مسلّحة بمستوى عال من المهنية، على الرغم من عددها وعتادها المتواضعين. إضافة إلى ذلك فإنها لم تتورط في انقلابات أو ثورات ضدّ الدولة أو النظام". لكن جبنون الذي ينأى بالجيش التونسي عن تنظيم أو المشاركة في انقلابات أو ثورات يعود للحديث عن الانقلاب "الطبي - الدستوري"، ويقصد الانقلاب الذي قاده زين العابدين بن علي يوم 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 1987 متوليا الحكم بعد إطاحة الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة. وعلى الرغم من شيوع مصطلح الانقلاب الطبي الذي أطلقه أوّل مرّة المؤرخ التونسي، مصطفى كريم، في مقاله "تأملات في شخصية بورقيبة" في كتاب "الحبيب بورقيبة وإنشاء الدولة الوطنية قراءات علمية للبورقيبية" (مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، تونس، 2000)، فإن انتماء بن علي إلى المؤسسة العسكرية التونسية، بعد تخرجه من كلية سان سير ومن مدرسة المدفعية بشالون سور مارين الفرنسيتين، ومشاركته في البرنامج الدراسي للاستخبارات والأمن العسكري بفورت هلابيرد الأميركي، مؤكد، وذلك قبل أن يعيّن مديرا للأمن العسكري التونسي، ليتولى بعد ذلك عدة وظائف عسكرية وأمنية، أهمها ملحق عسكري في بعض السفارات التونسية، ومدير للأمن الوطني ووزير دولة مكلف بالأمن، ثم وزير للداخلية بالتوازي مع خطة وزير أولا، الأمر الذي مكّنه من إطاحة بورقيبة، معتمدا على خطّة أمنية قادها ونفّذها صحبة رفيق دربه الضابط السامي السابق في الجيش التونسي وآمر الحرس الوطني آنذاك، الحبيب عمّار. وقد استبق بن علي، بانقلابه الطبي، انقلابا آخر كانت تخطط لتنفيذه حركة الاتجاه الإسلامي (النهضة) يوم 8 نوفمبر/ تشرين الثاني 1987، لإطاحة الرئيس بورقيبة ونظام حكمه. يصف القيادي في حركة النهضة ووزير التعليم العالي السابق، المنصف بن سالم، في كتابه "سنوات الجمر .. شهادات حيّة عن الاضطهاد الفكري واستهداف الإسلام في تونس" (2014) مراحل الانقلاب العسكري والأمني "الإسلامي"، بقوله "جمعت ما أمكن من بعض الشخصيات والمطلعة على نقاط قوة الحركة أو لها صلة ببعض ضباط الجيش والشرطة ممن لهم ميولات إسلامية ومن الوطنيين المخلصين، وجدت الطريق معبّدة وسهلة إلى حدّ كبير، جلّ الناس يشعر بضرورة التغيير ولا مجال لبقاء بورقيبة في سدة الحكم". وفي ما يتعلق بتنفيذ الخطة العسكرية الانقلابية، يقول القيادي الإسلامي "أول عمل قمنا به وضع عناصرنا في المواقع الحساسة يوم 7/11 (1987)، ليكونوا في أماكن التنفيذ، ثم أحصينا ما لنا من أدوات عمل: دبابات، طائرات، ناقلات جنود، مخازن أسلحة، ذخيرة، قاعات عمليات، هواتف مهمة، أجهزة اتصال لاسلكي، مواقع اتصالات الوزارات المهمة والرئاسة الإذاعة والتلفزة..". ويعترف بن سالم بأن "رجال المجموعة كانوا في المواقع الحساسة في انتظار أوامر البدء أو ساعة الصفر"، لكن بن علي سارع إلى تنفيذ انقلابه لإجهاض المخطط "الإسلامي". وإذا أضفنا إلى هذه الوقائع التاريخية المحاولة الانقلابية التي خطّط لها مجموعة من الضباط اليوسفيين (نسبة إلى صالح بن يوسف) سنة 1962، على غرار محمد بركية ومحمد قيزة وعمر البنبلي، انتقاما لصالح بن يوسف الذي تم اغتياله سنة 1961، وقد ذاع اتهام رئيس الدولة الحبيب بورقيبة بذلك، وبتخطيط من وزارة الداخلية التي كان يتولاها آنذاك الطيب المهيري، كما فصّلت القول دراستنا "الأزمات الاجتماعية والسياسية في تونس 1957 -1987" المنشورة في كتاب "القضاء والتشريع في تونس والبلاد العربية" (مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، تونس، 2004)، فإن محاولات استعمال الجيش التونسي، إبّان فترتي حكم الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، بغرض تغيير نظام الحكم وتولي السلطة لم يكن مجرّد شكّ أو تخمين.

لقد استطاع الجيش التونسي أن يمسح من الأذهان ومن الذاكرة السياسية تلك الصورة الانقلابية، تخطيطا أو محاولة أو تنفيذا، والتي علقت بثلاثة تيارات فكرية وسياسية رئيسية، العروبيون (اليوسفيون) والإسلاميون (المجموعة الأمنية لحركة الاتجاه الإسلامي) والدستوريون (بن علي وجماعته)، واستثني منها تنظيمات اليسار التونسي، برفضه تولي الحكم عشية 14 يناير/ كانون الثاني 2011، لمّا كانت السلطة ملقاة على قارعة الطريق تنتظر من يتلقفها، وتأمينه عملية انتقال الحكم وحمايته الانتقال الديمقراطي ومرافقته إبّان مختلف المراحل التي مرّ بها على مدى عشر سنوات، ودوره البطولي في مقاومة تنظيمات الإرهاب الإسلامو – سياسية، وما صاحبه من تقديم تضحيات وشهداء.

وعلى الرغم من ذلك، تأبى الدعاية الانقلابو- فوبية التوقف، مع الإشارة إلى أن تيار الإسلام السياسي، مجسّدا في حركة النهضة وأنصارها، قبل أن تلحق بها جماعة ائتلاف الكرامة ومناصريه، هم الأكثر إثارة للمسألة الانقلابية. ولعلّ ذلك يعود إلى استحضارهم المستمر إطاحة حكم الإخوان المسلمين في مصر سنة 2013، وتولي الجيش المصري السلطة، بقيادة وزير الدفاع السابق، عبد الفتاح السيسي، والخشية من إعادة تلك التجربة في تونس.

وفي هذا السياق، اتهم الإسلاميون سنة 2018 لطفي براهم، وزير الداخلية في حكومة يوسف الشاهد، بالتخطيط لانقلاب على الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي بدعم من دولة الإمارات، ما أدى إلى إقالته من منصبه. وروّجوا بكثافة ادعاء جهاز الاستعلامات التركي عثوره على وثائق خطيرة عند استيلاء القوات التركية على قاعدة الوطية الليبية في شهر مايو/ أيار سنة 2020 تكشف عن "خطة سعودية – إماراتية"، يشارك فيها رموز نظام بن علي، وتهدف إلى تكرار سيناريو مصر في تونس، وإطاحة الرئيس قيس سعيد الذي تعرّض هذه المرة، وبعد أن طفت إلى السطح خلافاته الحادّة مع حركة النهضة ورئيسها راشد الغنوشي، إلى حملة شعواء من مناصري الإسلام السياسي، خصوصا بعد زيارته القاهرة الشهر الماضي (إبريل/ نيسان)، ولقائه الرئيس المصري، واتهامه بالتخطيط لانقلاب عسكري على شاكلة ما شهدته مصر سنة 2013.

الطهورية التي يدّعيها تيار الإسلام السياسي التونسي، برأسيه حركة النهضة وائتلاف الكرامة، في الموقف من الانقلابات العسكرية والأمنية مدخلا لتولي السلطة، واستعمالها في المناكفات والمزايدات السياسية مع خصومهم السياسيين القوميين العرب واليساريين والدستوريين تنفيها تجربة الحركة الإسلامية السودانية بقيادة حسن الترابي وعمر البشير الذي جاء إلى السلطة على ظهر دبابة بعد إطاحة حكومة الصادق المهدي المنتخبة ديمقراطيا، والبقاء في الحكم ثلاثين سنة (1989 - 2019) تتجدد كل خمس سنوات عن طريق انتخابات صورية، جاعلا من السودان قاعدة انطلاق لجميع التنظيمات والشخصيات الإسلامية، بما في ذلك المتطرفة منها مثل أسامة بن لادن.

ولا تحتاج التجربة الديمقراطية التونسية إلى كل هذا البكاء والهلع والخوف واتهام المنافسين وغرماء السياسة بالانقلابية، من دون تقديم أدلة وبراهين على هذه التهم. فقد بدأت مبادئ التداول السلمي على السلطة والاحتكام للصندوق الديمقراطي وشفافية الانتخابات وحرية الفكر والرأي وحق تأسيس الأحزاب وغيرها من قيم الديمقراطية تترسّخ ويشتدّ عودها على قاعدة أكثر من قرن من النضال الذي خاضته النخب الفكرية والسياسية التونسية زمن الاستعمار الفرنسي، وفي أثناء فترة الاستبداد بحقبتيه البورقيبية والبنعلية. ولا أحد يستطيع أن يعيد عدّادات التاريخ إلى الوراء لإنتاج نظام استبدادي جديد، وإن مصدر الانقلابو- فوبيا الحقيقي هو الخوف من فشل تجربة حكم الإسلام السياسي التونسي الممتدة عشر سنوات التي صاحبها شبه انهيار للدولة ومؤسساتها، والاستتباعات السياسية التي قد تنتهي بتلك التجربة إلى فقدان الإسلاميين مزايا السياسة وإكرامياتها الاقتصادية والمالية وسطوة الحكم وشوكته والنفوذ الذي اكتسبوه، ما قد يعرّضهم للمساءلة والمحاسبة وانتقام صناديق الانتخابات.