القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 20 فبراير 2025

د.عصمت سيف الدولة في حوار مع جريدة القبس .


حوار مع جريدة القبس .

د.عصمت سيف الدولة :

النظرية الناصرية بذرتها في الميثاق وتربتها هي التجربة التاريخية لعبد الناصر .

الذين يستمدون نظريتهم من احتياجات المستقبل لنظرية الناصرية .. هم ناصريون حقيقيون .

حوار مع جريدة القبس – عدد 5522 بتاريخ 27 – 9 – 1987 .

"هناك ناصريون ، ولكن لا توجد ناصرية" مقولة أطلقها الكاتب الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل .. أثارت جدلا بين صفوف الناصريين .

في المقابل "الناصرية النظرية المستحيلة" مقولة أطلقها المفكر القومي الكبير الدكتور عصمت سيف الدولة .

وتتشابه المقولتان ، وان كانتا أيضا تختلفان . وكان ذلك إيذانا بفتح ملف "الناصرية" هل هي نظرية ، وما مدى التسليم بوجودها ؟

واذا كانت كذلك – أي اذا سلمنا بوجودها – ما هي قواعدها ، وما هو مستقبلها في الشارع المصري والعربي ؟

- أطلقت مقولة "الناصرية النظرية المستحيلة" وأريد ، أن تفتح لنا أوراقك ، وتحدثنا عنها – أي عن الناصرية – ما مدى تسليمك بوجودها ؟

واذا كانت هناك "ناصرية" ما القوانين التي تحكمها اذن ، وهل لها مستقبل في التربة المصرية ، سيما بعد فشل السياسات خلال الستة عشر عاما الماضية . وقبل الحديث : لقد قرأت لك تصورا تقسيميا للمرحلة التاريخية المصرية منذ عام 1952 وحتى الان ، وهي تدور في ثلاثة محاور :

1 – مرحلة ثورة يوليو من 52 الى 1962 .

2 – مرحلة عبد الناصر من 62 الى 1970 ، حيث كانت – وفقا لرؤيتك – ثورة على الثورة .

3 – المرحلة الناصرية وهي من 1970 والى الان .

ما دلالات هذا التقسيم الذي يبدو جديدا .. ان لم يكن غريبا ؟ !

- في البداية أود أن أفتح قوسا ، أو أبدي تحفظا ، وهو لا أدري ان كان نشر هذا مفيدا أو غير مفيد للمشروع الناصري ، وأقصد محاولة الناصرية انشاء حزب لهم انما – على أي حال – سأجيب ، وعليك أنت وحدك مسؤولية نشر ما تراه ، وأرجو ألا تنشر ما يمكن أن يحدث أي خلخلة أو فرقة أو اضعاف لمحاولات توحيد الناصريين في حزب في هذه المرحلة .

في البداية أقول أن تاريخ الشعوب والأمم متصل ، ومستمر ، وبالتالي التقسيم الذي أضعه لهذه المرحلة التاريخية المهمة في تاريخ الشعب المصري ، هو محاولة تمييز المراحل طبقا لمعايير عامة ، وليست النظرة العادية للحياة ، وأنا معني جدا بالاتجاه ، اتجاه حركة التطوّر الاجتماعي ففي مجتمع معين قد تتميز مراحله ، وان كانت حتى التفاصيل التطبيقية متشابهة في مراحل كثيرة .

فلو أخذنا من عام 1952 ، نجد أن الثورة ، ثورة 23 يوليو :

( - من حيث القوى ، تشكيل الضباط الأحرار .. 

- ومن حيث الاستيلاء على السلطة واسقاط الدستور ، الاستعانة بالقوات المسلحة ..

- من حيث الاتجاه في العلاقات الخارجية ، فالاتجاه بقوة نحو التحرر من الاستعمار ..

- ومن حيث النظرة لمسؤولية الدولة بالنسبة للحالة الاقتصادية ، المحاولة المكثفة للتنمية والخروج من التخلف ..

- من حيث الإدارة والأسلوب ، ابعاد التشكيلات الليبرالية من أحزاب وغيرها من امكانية لعب دور في المشاركة في اتخاذ القرار ، توحيد الشعب في منظمة واحدة أخذت اسم هيئة التحرير ثم الاتحاد القومي ) ..

كان اتجاها يتميز أساسا بأنه تحرري عن طريق ثوري ، ذي اهتمام بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية ، مضاد تماما للاتجاه الليبرالي الملكي الذي كان سائدا قبل 1952 .

وفي هذه المرحلة من 52 الى 1962 بُذلت كل الطاقات لمحاولة انجاز هذه المرحلة التحررية ، وقد انتهت خلالها مرحلة الجلاء عن مصر ، ثم بقيت مسالة التنمية ، فالاتجاه الى التنمية اصطدم بمسألة التمويل حتى تمويل الخطة الخمسية الأولى ، حيث وقفت الثورة أمامه عاجزة ، وطُرح سؤال : كيف يمكن انجاز مهمات التنمية في مجتمع متخلف ينتمي الى العالم الثالث ، والاحتفاظ في الوقت نفسه بما تم إنجازه على المستوى التحرري .. بمعنى كيف يمكن أن ننمّي الدولة وتبقى مستقلة في الوقت نفسه ؟

لقد وضح موقف الممولين الأجانب من السد العالي قبل ذلك ، وموقف الرأسمالية الوطنية المصرية ، أو التي يسمونها وطنية من أول مشروع مخطط للتنمية عام 1959 ، كان على القطاع الخاص أن يفي بدوره الوطني طبقا لخطة التنمية ، ومع ذلك فقد نكص بنك مصر بدوره ، لهذا نلاحظ أن أول قرار تأميم انصب على بنك مصر ، لأنه نظرا لسمعته التاريخية التي تصل بينه دائما وبين الوطنية . وكانت الدولة قد عولت عليه تعويلا كبيرا في تمويل الخطة ، اما بتمويل مباشر أو كوسيط يقوم بدوره بين الدولة وبيوت المال الأخرى ليساهموا  في مشروعاتها ، فجاء بنك مصر واتخذ قرارا بأن حالته المالية لا تسمح ، فأمم .

ويقول الدكتور الجريتلي في كتابه العظيم "اقتصاد مصر في 25 عاما" في هذه اللحظة ، فان نكوص القطاع الخاص عن المساهمة في التنمية الوطنية في الخطة الخمسية الأولى ، وعدم تحمله ما يتحمله الرأسماليون الوطنيون عادة من مخاطر المشروعات الجديدة ، هو الذي أعطى الحجة لجمال عبد الناصر في التأميمات الشاملة التي حدثت .

وكانت القيادة تتمثل في مجلس قيادة الثورة الذي كان يضم أعضاء من أقصى اليسار ، ومن ذوي المبادئ التي لا تعرف كيف اجتمعت فيما بينها لو رفضت التقاءهم على التحرر من الاحتلال الإنجليزي .

في ذلك الوقت - أيضا – كان يحكم الدولة دستور 1956 ، الذي كان يحصن الملكية الخاصة من المصادرة والتأميم .

لذلك لم يكن من الممكن أن تستمر ثورة 1952 ، بعد أن استنفذت كل امكانياتها من حيث إنجازها التحرر من الاحتلال .

ثورة على الثورة

ثم كانت المرحلة الثانية ؟ وأقول نعم .. لقد أسميتُ هذه المرحلة بمرحلة التصحيح ، التي بدأت بالتأميمات ، فهي كانت تصحيحا لثورة 1952 في مجال التنمية الاقتصادية ، التي ستنعكس بعد ذلك على الرؤية الاشتراكية . فهي على أي حال ، مرحلة جديدة ، لأنه – حتى – مع بقاء بعض التفاصيل وبعض القيادات من المرحلة السابقة الذين استمروا حتى 1963 ، وان كان اعتبارا من عام 1961 ، فان بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة بدأوا يخرجون ، ان باسم الديمقراطية أو تعدد الأحزاب ، وان كنا نعرف الان بعض الأسباب الحقيقية ومنها أنهم كانوا ضد المساس بالملكية الخاصة ، وأنهم كانوا بشكل ما ضد الاتجاه الاشتراكي ، وان كان قد بقي بعضهم مشاركا حتى 1964 .

هذه المرحلة كلها هي مرحلة عبد الناصر ، صاغ مبادئها وأفكارها كلها كما جاءت في الميثاق في 1962 ، والذي بدأ به يحكم كل أجهزة الدولة ، ثم بدأ تنفيذ الخطة من تمويل الأموال المؤممة ، وبدأ الحديث عن التحول الاشتراكي .

لقد تغير الاتجاه العام في المجتمع من محاولة السير نحو التنمية على الطريق الليبرالي سياسيا ، الرأسمالي اقتصاديا ، الى الاتجاه الى التنمية على طريق الاشتراكية اقتصاديا ، والاشتراكية ديمقراطيا .

من قائد هذه المرحلة ؟ عبد الناصر .. من مفكر هذه المرحلة ؟ عبد الناصر .. من الذي بادر الى هذه المرحلة التي جاءت – كأنها مفاجأة – وكما لو كانت ثورة ، وهي في نظري ثورة . وقد أسماها أحمد حمروش ثورة ، اذ ليس هناك مانع تاريخي من أن تقوم الثورة من القمة ، لأن الرجل الذي أحس بفشل التنمية عن طريق الرأسمالية ، وأراد أن يتخطاها ثوريا .. هو عبد الناصر ..

وتستغرب أنه في هذه الفترة فقط بدأ الاهتمام بالعمال ، اعتبارا من 1961 ، بدأت الثورة تضع قوانين منصفة للعمال ، اذ كانت القرارات والقوانين منذ 1952 للفلاحين ، الى أن بُدئ في صياغة القوانين الخاصة بالعمال ، وبتشكيل اتحاد لهم ، ودخولهم مجالس الإدارات ، وتقرير نصيب لهم في الأرباح .

ثم كانت الهجمة المضادة التي أخذت شكل حرب 1967 ضد مصر ، والتي أصبح معروفا الان أنها كانت محاولة لإسقاط عبد الناصر ، لأنه كان محور الاتجاه نحو التحول الاشتراكي .

كل هذا تم في فترة عبد الناصر .

الاشتراكية والاشتراكيون

- لقد تحدثت عن التحول الاشتراكي الذي تعتبره ثورة على الثورة ، ثورة عبد الناصر على ثورة يوليو :

1 – صدفة أم مصادفة أم مقصودة أن يبدأ التحول الاشتراكي في مصر والاشتراكيون والماركسيون في السجن ؟

2 – في الاهتمام بالطبقة العاملة مع بداية التحول الاشتراكي ، حيث التصنيع الذي وصل الى ألف مصنع في تلك المرحلة ، ظهر هناك تناقض رئيسي ما بين الطبقة العاملة ، وطبقة التكنوقراط التي كانت موجودة ، والتي تجني الان ثمار فساد في القطاع العام .

ما هو تعليقك على هاتين المسألتين تحديدا ؟

- بالنسبة للنقطة الأولى .. لقد تبلور الموقف كله في أزمة مارس 1954 ، اذ أن أغلب القوى المثقفة ، وأنشطتهم في ذلك الوقت .. كانت القوى الماركسية التي قيمت ثورة 1952 بما يوحي به ظاهرها ، على انها انقلاب .

كما أن بعض الضباط من مجلس قيادة الثورة مثل خالد محيي الدين وأحمد حمروش وقعوا في خطأ تاريخي ، اذ أنهم كانوا أكثر من غيرهم معرفة بالفرق بين جمال عبد الناصر وكمال الدين حسين مثلا !

وكذلك فان القوى التي ساهمت في اعداد مصر للثورة الاخوان المسلمون ، الحزب الوطني ، مصر الفتاة ، الشيوعيون ، صدموا صدمة داخلية هائلة بالرغم من أنهم كانوا يحضرون للثورة ، ولعبوا دورا كبيرا في التمهيد لها ، ثم اذ بمجموعة من الضباط هم الذين يقومون بالثورة .

لقد مروا جميعا باختبار ، ففي قلب الثورة كان هناك ممثلون للرجعية ممثلة في محمد نجيب ، والثورة (لا أقول التقدمية حتى ذاك الوقت) ممثلة في عبد الناصر .

وعيب جدا على أي مثقف عاصر هذه المرحلة ألا يعترف بالخطأ الفاحش والمدمّر الذي وقفه المثقفون في مارس 1954 ، يوم أن رفعوا الرّاية الوفدية في عودة الجيش الى الثكنات .

لقد استهانوا بالحدث ، وتصوروه انقلابا ... تصوروا وقد قضى لهم الجيش على أعدائهم ، أن ينسحبوا ويتركوا لهم الأمر ، الى ذات الطبقة وذات الاتجاه الذي كان قبل 1952 . وفي الحقيقة ، الذين كان لهم العذر هم الماركسيون .

لماذا ؟

لأن الماركسيين يرتبون الثورات طبقا لنمط وارد في أديباتهم ، وهم منذ 1952 وحتى الان ، فيما عدا الفترة التي تحالفوا فيها مع عبد الناصر ، يعتقدون أننا في مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية ، حيث البورجوازية تقيم القاعدة الاقتصادية لتخليق الطبقة العاملة ، وبعد أن تنضج هذه الأمور ، تأتي المسألة الاشتراكية .

لقد اخطأ الاشتراكيون في التحليل في ذلك الوقت ، طبقا لظواهر ظاهرة ، والدليل أنه بعد عشر سنوات ، سوف يكتشفون أن هذه المجموعة (الضباط الأحرار) غير منسقة فكريا ، وأن فيها أجنحة رجعية ، وأجنحة تقدمية ، وفيها واحد اسمه "جمال عبد الناصر" يتقدم فكريا من منطلق وطني .

واذا كنتُ وطنيا ، سوف أكون اذن في النهاية اشتراكيا ، وعبد الناصر من باب الوطنية المصرية ، وجد في الاشتراكية حتمية ، وهي ليست حتمية فكرية وانما حتمية تاريخية طبقا للواقع المصري .

لقد كان موقف الاشتراكيين الإيجابي عام 1962 ، هو الدليل على خطأ الموقف عام 1954.

- اذن : ما الثمن الفادح الذي دفعته التجربة الناصرية ، ودفعه عبد الناصر ، ودفعه الاشتراكيون نتيجة لهذا الخطأ ؟

- لقد تُرك عبد الناصر منذ 1954 لأعداء الاشتراكية ، وللبيروقراطية المصرية ، عندما كان يبني دولته .. اذ أن الاشتراكيين كانوا في الصف المعادي ، لأنهم كانوا يقولون : عد للثكنات .. فظهر التكنوقراط وأساتذة الجامعات والمهندسون وغيرهم فكوّن الدولة ، لكنه لم يستطع ان يغير كثيرا ..

ففي عام 1956 عندما وضع أموال الأنجليز تحت الحراسة ، ثم لم يجد اشتراكيا ولا تقدميا واحدا لديه استعداد للتعاون ، فأوكل مهمّة الحراسة كلها لنادي اسمه "نادي التجارة" الذي كان يضم خريجي التجاريين ، وكان رئيسه حينذاك "عثمان أباضة" .

هنا اذن في ثورة يوليو وعبد الناصر خطأ تاريخي ، وفي جانب الاشتراكيين والمثقفين خطأ سياسي .

أما الخطأ التاريخي لعبد الناصر ، فهو متصل بتشكيل مولد الضباط الاحرار ، صحيح أن عبد الناصر لم يكن اشتراكيا ولم تكن له نظرية عام 1952 ، لكنه كان قائدا تحرريا من العالم الثالث ، الذي يسعى لتحرير بلده من الاستعمار ، ولم يزعم أبدا أنه كانت لديه نظرية عام 1952 . لكن الاشتراكيين افترضوا أن عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة لديهم نظرية ، وعندما اكتشفوا عدم وجودها – أي النظرية – حاكموهم ، في حين وهم أصحاب نظرية التأثير المتبادل والتطوّر المستمر والتغير ، كانوا يستطيعون أن يدركوا أن الثورة حدث تاريخي لن يتكرر ، وعليهم ألا يتركوهم للتكنوقراط والبيروقراطية المصرية والانتهازية .

الاشتراكيون في السجن

- مازال التساؤل قائما يا دكتور : في التحول الاشتراكي ، كان الاشتراكيون في السجن ؟ !

- ابتداء من 1956 ، وعلى وجه التحديد خلال حرب السويس ، ودخول الأمة العربية بجماهيرها وحكوماتها وبعض ضباطها المعركة ، دفاعا عن مصر بدون طلب من عبد الناصر ، ابتدأ عبد الناصر المتجه عربيا ، يدرك الارتباط الموضوعي بين تحرر الأمة العربية ، والامكانات الموضوعية لتحقيق الوحدة ، والمكاسب الهائلة التي سوف يحققها كل قطر بما فيها مصر من الوحدة .. ثم اقدامه على الوحدة مع سوريا عام 1958 ، حيث في الوحدة استطاع أن يدرك أنها كانت لمصر وسوريا في نفس الوقت ، بالرغم من الانفصال نظرا للثقل الهائل الذي كسبته مصر بعد 1958 ، عندما كانت سوريا في الجمهورية العربية المتحدة . لذلك بدأ عبد الناصر يهتم اهتماما شديدا بفكرة الوحدة العربية واتجه قوميا كما قال في ذلك الوقت عام 1963 : "ان ثورة يوليو 1952 بدأت إقليمية ثم أصبحت ثورة قومية" .

وفي عام 1959 قام الصراع بين القوميين والشيوعيين في العراق ، وانحاز الاتحاد السوفياتي الى جانب الشيوعيين حيث تم سحل كل قومي هناك بواسطة عبد الكريم قاسم وشلته .

ما موقف الشيوعيين المصريين في ذلك الوقت ، ليس من عبد الناصر ، وانما من الصراع القائم في العراق ؟ عبد الناصر يؤيد القوميين والسوفييت يؤيدون الشيوعيين .

ما الموقف الذي اتخذوه هنا ؟ انحازوا للشيوعيين في العراق ، فوضعهم عبد الناصر في المعتقلات ، ولم يحاكموا ، كما أن الشيوعيين في العراق وضعوا كل القوميين هناك (ومنهم الأردنيون والسوريون المتواجدون في العراق) في المعتقلات ، بل وذبحوهم .

لقد حاول الشيوعيون أن يصوّروا معركة 1959 على أنها محلية ، والحقيقة غير ذلك ، فقد كانت أول معركة ذات طابع قومي .

والذي لا اغفره للشيوعيين ، ولأنهم متفوقون علميا ، ومسلحون بالنظرية ، أنهم التقطوا تقييم الاتحاد السوفييتي ، وردّدوه ، الامر الذي جعل عبد الناصر في الفترة من 54 الى 1962 يستعين برجال على مستوى جيد ، لكن جاء بجوارهم الانتهازيون ، لدرجة أن الهجوم على اليسار والتقدميين كان بابه مفتوحا عن اليمين في مجلس قيادة الثورة .

وعلى أي حال ونتيجة هذا الخطأ ظل المثقفون والتقدميون والاشتراكيون – على وجه التحديد – بعيدين عن مراكز الاشتراك الفكري أو التخطيطي الى أن جاءت مرحلة التحول الاشتراكي ، وعندما أبدوا استعدادهم للقيام بدور ، لا أحد يستطيع أن ينكر أنه أتيحت لهم أكبر الفرص في المشاركة والمساهمة ، وفي نشر الفكر الاشتراكي ، حيث اصدر – على سبيل المثال – لطفي الخولي مجلة الطليعة .

وعندما مات جمال عبد الناصر ، وجاء السادات ، تحالف معه الماركسيون ، وعادوا مرة أخرى للقول : "نحن في مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية" .

لم تحل المسألة للان ؟

- ماذا بالنسبة للنقطة الثانية ، وهي اصطدام العمال مع طبقة التكنوقراط ؟

- هذه المشكلة لم تُحل للآن في معسكر الاشتراكيين ، سواء كانت دولا اشتراكية ، أو أحزابا اشتراكية . فالاشتراكية من حيث النظام ، إدارة للاقتصاد ، وخطة مركزية شاملة ، تدار مركزيا ، يضعها تكنوقراط ، وينفذها بيروقراطيون ، هذا ما يشكوا منه الاتحاد السوفييتي نفسه . في حين أنها تعبير عن مصالح العمال ، أو استجابة لمصالحهم ، وأن يشعر العمال في نطاقها بمزيد من الحرية ، وكثير من العمال يحاول ممارسة هذه الحرية ، فيصطدم ببيروقراطية التخطيط الاشتراكي .

والملاحظ الان في الدول الاشتراكية ، ان التكنوقراط ضد العمال ، كما أن المثقفين الماركسيين هم قيادة الطبقة العاملة . لذلك فقد انفجر الوضع كما في بولندا .

لذلك فان الصراع بين التكنوقراط والشعب عموما ، سوف يحل تاريخيا ، بعد أن ينضج الشعب ويصل الى الدرجة التي تجعل رجل الشارع العادي يتعامل مع ضباط البوليس في حرية بوصفه هو الذي يدفع له راتبه من الضرائب !

وهذه المرحلة لم يصل لها أحد  في العالم الثالث .

من هنا فان الصراع بين العمال والتكنوقراط في مصر ، قائم على انفصال بين المثقفين والشعب . فالمثقف يخرج من قريته ويتحوّل للمدينة ، ويقرأ بالانجليزية ، مما أحدث فجوة وشرخا حضاريا بين الريف والمدينة ، أو قل بين المثقفين والشعب .

وفي معركة التحرر الوطني ، تبرز قضية المثقفين وأحقيتهم في الحلول بدلا من المحتل الأجنبي في حكم الشعب ، ولم يعبر عن هذه الفكرة بوضوح سوى جمال عبد الناصر .

وقضية العمال والتكنوقراط هي معركة القرن الواحد والعشرين ، لذا يجب أن تحل .

نتائج المرحلة الوسطى

- ما سبق وذكرته يقودنا الى سؤال تحصيلي ، وهو ما نتاج المرحلة الوسطى – في تقسيمكم التاريخي – أي مرحلة عبد الناصر ؟

- الحصاد يتبلور في : محاولة تحول اشتراكي ومحاولة تصنيع ، نمو بيروقراطي ، اتجاه قوي يجعل التجربة مرتبطة بما يدور في الوطن العربي ، عدم انحياز بين القوتين ، وان كان هناك تعامل واسع مع الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي ، يقابله عداء شديد من المعسكر الرأسمالي وإسرائيل .

والمحصلة النهائية لجملة التأثيرات : هي أنها موضوعيا ، مصريا وعربيا ودوليا واقتصاديا واجتماعيا ، بلغت من الوعد بالنجاح في العالم الثالث ، للدرجة التي كانت تشيد بها هيئة الأمم المتحدة والتي اقتضت من الولايات المتحدة وإسرائيل ايقافها بقوة السلاح في 1967.

لقد حققت الخطة الخمسية الأولى والتي انتهت في عام 1966 معدلات عالية اذ بلغت نحو 7,5 % وفقا لمعايير الأمم المتحدة ، في حين لم تستطع أي دولة في العالم الثالث تحقيق أكثر من 4 % ، وذلك لوجود الفنيين والكفاءة علاوة على الحكم النظيف في مصر .

وفي حين كان مقررا بدء الخطة الخمسية الثانية ، جاءت حرب 1967 لإيقاف التجربة ، بل وتحطيمها واسقاط عبد الناصر .

لقد كانت القوى المعادية لحركة التقدم تعلم أن ما تم إنجازه في الخطة الخمسية الأولى ، وما تبشر به الخطة الثانية ، والكفاءة والخبرة التي تم اكتسابها ، كان يجب ألا تتكرر في مصر أو في العالم العربي مرة أخرى ، وكانت الحرب .

ثم جاءت التجربة في الحرب وأثبتت القدرة على المقاومة ، اذ أن الفلاحين والعمال والناس والقيادة خسرت قواتها المسلحة – وذلك شيء نادر في تاريخ الشعوب – واذا بالشعب يسانده ، والشعب لم يكن ساذجا في هذا الوقت .

بعد قليل يدخل عبد الناصر حرب الاستنزاف ، ويعد لحرب 1973 .

ومع ذلك ، فالفترة اللاحقة علمتنا ما العيوب الكبرى التي كانت موجودة ؟

لقد انتبه البعض ومنهم الماركسيون وانتقدوها .. ان عبد الناصر لم يحسم موقفه من الرأسمالية ، وان كان قد حسم موقفه من الرأسماليين ، فقد ابقى على مجموعة من الناس هم – أيضا – رأسماليون ، متصورا أن الرأسمالي من الممكن أن يسهم في عملية التحول الاشتراكي .

وهنا لم يكن لعبد الناصر عذر . لأن أغلب الاشتراكيين كانوا تحت تصرفه في أجهزة الاعلام وفي كل مكان ، فلم يكلف أحدا منهم حتى بحراسة انحراف الرأسماليين فيما يسمى "بالرأسمالية الوطنية" .

وقد برر عبد الناصر ذلك بأن الرأسمالية الوطنية مذبذبة ، وكان أمامه واحدة من اثنين : اما أن يحتضنها ، أو أن تذهب الى الأعداء .

وأنا في نظري – وكانت هذه احدى نقاط خلافي – انه كان أفضل لمصر أن من يسمون بالرأسمالية الوطنية أن يذهبوا للأعداء بشكل ظاهر ، لأنهم موضوعيا من القوى المعادية للاشتراكية ، بدلا من أن تحاول الاشتراكية تدليلهم . وهؤلاء هم الذين انقضوا على التجربة فيما بعد . أيضا ، لم يحسم عبد الناصر موقفه من أساليب التعامل الاقتصادي ما بين مرحلة ما قبل التحول الاشتراكي ، ولمدة ثلاث سنوات بعد التحول الاشتراكي ، ودلالة هذا النظام المبني أساسا على تقديس الملكية الفردية وهو نظام الحراسات .

فالحراسة هي التعبير الكهنوتي عن احترام الملكية الخاصة . أن تأخذ ملكيته وتديرها لحسابه ، وتأخذ أجرك ، وتعطيه العائد ، أي أن تضع نفسك في خدمة الرأسمالي .

وكانت هذه المسالة من الممكن أن تتم قبل مرحلة التحول الاشتراكي . فهذه الأموال التي وضعت تحت الحراسة سلمت بدلا من أصحابها الرأسماليين ، الى أبنائهم الموظفين الرأسماليين . وبدلا من أن يسرقها أو يتلفها أو يهربها الرأسماليون ، أخذها موظف وسرقها ونهبها .

ويمكن أن يقال هنا ، ان الانتقال من مرحلة الى مرحلة ، يحدث فترة تداخل ، تبقى بعض الأنظمة السابقة ممتدة ، وفعلا انتهت الحراسات عام 1964 ، عندما صدر قانون المصادرة ، واضافة الأموال الى أملاك الدولة .

وتأسيسا على ذلك ، ففي نظري أن قانون الإصلاح الزراعي لم يطبق فعلا الا في 1964 ، بعد تشكيل لجنة تصفية الاقطاع ، والتي قررت ابعاد الاقطاعيين من قراهم ومحافظاتهم ، الى مناطق أخرى ، وتحرر الفلاحون من الهيبة التاريخية للبيه والباشا .

وقد برز من أخطاء التجربة ما يسمى بأهل الثقة ، اذ أنها جاءت من حكاية الرأسماليين ، اذ يكفي أن يعرفني فلان من أعضاء مجلس قيادة الثورة ، وأتولى مسؤولية ، وهذا ما حدث عندما كان جمال سالم يثق قي سيد مرعي فأولاه مهمة الإصلاح الزراعي .

وهذا الموقف في الحقيقة لم يكن محسوما فكريا ، لأن التحول الاشتراكي جاء نتيجة ضغط ضرورات التنمية الوطنية التي كانت ثابتة في خط عبد الناصر .

هذان عيبان ، وأغلب النتائج التي حدثت أيام السادات ، كانت نتيجة أحد هذين العيبين .

الناصرية المستحيلة

- تظهر هنا المرحلة التالية ، التي هي وفقا لتقسيماتك – والتي هي أساسا اطار البحث الرئيسي – أنه اذا كانت هناك ناصرية أعقبت وفاة عبد الناصر ، فهناك رأي قائل : يوجد ناصريون ولا توجد ناصرية ، واذا كانت المسألة من وجهة نظرك في وجود ناصرية ، فهل ترتقي الى النظرية ، وذلك يستتبع بطبيعة الحال أن تكون لها قواعدها وقوانينها . وان كان بعض المفكرين يذهب الى القول أن عصر النظريات انتهى ، واننا لم نعد في عصر الفلسفة ، بقدر ما نحن في عصر التقنية وفي عصر السرعة والفضاء .

وذلك يوصلنا الى مقولة تتبناها أنت شخصيا وهي : "ثمة ناصرية ممكنة وثمة ناصرية مستحيلة " فما هي الناصرية المستحيلة ؟

- أرجو ألا تحملني أكثر مما أحتمل . صحيح أنا كتبت ما لم ينشر بعد عما أسميه "الناصرية المستحيلة" وهي الفترة التي أعقبت وفاة عبد الناصر . وتولى الحكم فيها أنور السادات .

لقد ارتد السادات الى ما قبل مرحلة التحول الاشتراكي ، ووجد نفسه مستمرا في اتجاه الردة الى ما قبل 1956 . وعند وفاته ، كان النظام قد ارتد الى ما قبل 1952 .

لقد كانت الردة على مرحلة عبد الناصر ارادية عند السادات ، لكنه – أي السادات – بعد 1974 وجد نفسه الى ما قبل 1952 حيث احتواء دولة كبرى له وهي الولايات المتحدة ، تمارس على مصر الهيمنة ، مثلما كان يفعل الأنجليز . كما أنه قبل أن يلعب دور الملك فاروق . لذلك سمى نفسه "فرعون" حيث لا يشاور أحدا . وهو رب الأسرة ، هذا هو "فاروق السادات" اخر ملك حكم مصر . تحت اسم "فرعون" .

ومع وقوع السادات في فخ الهيمنة الامريكية منذ 1974 ، بدأ يعمل على القضاء على عبد الناصر . ليس فقط في إنجازاته ، ولكن قي ذكراه ، ولو أن هذه "الردة" كانت قد حققت تقدما للناس فيما يتعلق بالمسائل الاقتصادية أو التحررية أو العدالة أو المساواة أو سيادة القانون أو الديمقراطية ، لقال الناس حينذاك : أنه قد حدث تطور في ثورة 1952 ، كما كان يحلو للسادات أن يقول ذلك .

وفي مواجهة هذا الواقع الساداتي ، كان لا بد أن يجتمع الناس دفاعا عن ماضيهم الذي تحقق فيه مكاسب لهم ، ويختاروا في محاور التقائهم "النقيض" للسادات ، أو الذي خلق منه السادات "نقيضا" .. فتكاثر "الناصريون" ، وبقي أن أكون "ناصريا" هو في الواقع ، التعبير عن رفض اتجاه السادات وسياساته ، لأن السادات عندما طرح هذه السياسات ، طرحها من قبيل أنها تصحيح لأخطاء عبد الناصر .

وهنا : جاء ما كتبته عن "الناصرية المستحيلة" لأن هناك من وقف ضد السادات وسياسته ، لأنه ضد عبد الناصر . أولئك الذين كانوا يستمدون هويتهم الناصرية من علاقتهم بالقائد والزعيم التاريخي عبد الناصر .

كانوا معه في التحضير لثورة يوليو ، وفي مجلس قيادة الثورة ، شاركوا في تفجير الثورة ليلة 23 يوليو ، كانوا معه في الحكم ، كانوا حوله مفكرين ، كانوا الجهاز الكبير الذي يقوده عبد الناصر ، وكانوا أيضا على علاقة شخصية به . حتى عبد الحكيم عامر بهذا المعنى ناصري .

بالإضافة الى ذلك فان نشاط عبد الناصر المكثف للدفاع عن الامة العربية ، حوله الى قائد قومي ، بصرف النظر على حكام هذه الأقطار ، فأصبح كل الذين يجدون انفسهم في موقع قيادة الجماهير العربية ، أو لكي يكسبوا هذه الجماهير ، عليهم أن ينتموا الى قائد هذه الجماهير . وهو عبد الناصر . فاصبح كثير من القادة في الأقطار العربية ناصريين بمعنى أنهم رجال عبد الناصر . أو الذين يمثلون اتجاهاته ، أو ممثلوا الثورة العربية التي يقودها عبد الناصر .

وبعضهم كان عبد الناصر يأتمنه على أدوار معينة ، فأصبح "فتحي الديب" وكيل المخابرات ، وصاحب المهمة البطولية في التعامل مع "ثورة الجزائر" ناصري .

و"محمد حسنين هيكل" صاحب الكفاءة الصحفية الهائلة ، الذي اتخذه عبد الناصر متحدثا باسمه ، أو صحفيه الأول كما يقال ، وهو يستحق هذا الدور ، لأن عبد الناصر لم يكن ساذجا ، ما كان يمكن أن يضع هيكل في هذا المكان ، الا اذا كان هيكل فنيا كصحافي ، يستحق هذا الموقع . لذلك فهو ناصري .

كل هؤلاء الناصريون هبوا للدفاع على عبد الناصر في مواجهة اتجاه السادات وأصبح من حق كل منهم أن يقول أنا "ناصري" .

من هنا ، فان هذه الناصرية مصدر الانتماء فيها العلاقة بالقائد ، بمعنى أن الذين نفذوا أو قاموا بمهمات في عهد عبد الناصر ، هم منفذوها فقط ، فهي اذن مواقف ناصرية . وقد قلت عن هذه الناصرية : أنها ناصرية مستحيلة .

- لماذا هي مستحيلة ؟

- مستحيلة .. للدلالة على الانتماء الناصري بالنسبة للمستقبل – أكرر بالنسبة للمستقبل – في غياب القائد ، ذلك أن القائد الذي كان يحدد الدور ، ويقود النضال ، مصدر الثقة ، مصدر الانتماء للناصرية قد انقطع لأن عبد الناصر توفاه الله .

على كل واحد منهم – الان – أن يثبت أنه كان بجوار القائد لأنه كان يشاركه في معتقداته ، أنه نفذ المهام لأنه كان يؤمن بها ، أن مواقفه كانت مطابقة لمواقف عبد الناصر ، لأنها هي مواقفه – أيضا – حتى وان لم يكن عبد الناصر موجودا ..

هذه الناصرية المستحيلة متناثرة ، هناك ناصريون كثيرون بهذا المعنى ، عندما نقول له أنت ناصري بأي معنى ؟ يقول لك : أنا عملت كيت وكيت ، مثلا : سيد مرعي يقول أنا الذي نفذت الإصلاح الزراعي ، لذلك عليك بسؤاله : ما رأيك في الملكية الزراعية في المستقبل ؟ 

السيد علي صبري يقول لك أنا الذي نفذت التحول الاشتراكي . اذن يجب أن يُطرح عليه السؤال : وما رأيك في التحول الاشتراكي في المستقبل ، ما رايك في كمب دافيد ... في دور الرأسمالية الوطنية ؟ فيقول لك مثلا عن دور الرأسمالية الوطنية : أن عبد الناصر قال أنها جزء من تحالف قوى الشعب العاملة . لا ... أنا في حاجة لرأيك أنت ، وليس رأي عبد الناصر ؟ !

المبادئ المستحيلة

والناصرية - كما أرى – هي مجموعة المبادئ المستخلصة من التجربة التاريخية التي قادها عبد الناصر في مرحلة نضجها ، وهي تحتاج لمجهود هائل لاستخلاصها ، حيث نأخذ اخر ما وصلت اليه من تطور لمواجهة مشكلات التطور المقبلة .

ثم وعلينا أن نفرق بين عبد الناصر رئيس الدولة ، وعبد الناصر القائد القومي ، ثم نضيف اليها تجربة السادات لأنها مصدر هائل وغني لإثراء الناصرية ، لأنه الضد ! ، ولأن المستقبل بالنسبة للناصريين يبدأ بعد مرحلة السادات ، وليس بعد مرحلة عبد الناصر .

واذا كانت الناصرية هي المبادئ المستخلصة لتوجيه العمل الناصري في المستقبل .. اذن يجب أن تبدأ من الان ، كما أن الحزب الناصري اذا كان يضع برامجه الان ، فهو مطالب بالإجابة على ما لم يخطر على بال عبد الناصر ولا في المنام ! مثل : كمب دافيد ، القطيعة مع العرب ، وهذان نموذجان للدور الإسهامي للسادات ، واللذان لم يحدثا في عهد عبد الناصر .

لذلك فالناصرية مطالبة بالإجابة على الأسئلة التي يطرحها الحاضر والمستقبل من واقع التجربة التي طرحها السادات ، وبالتالي تُطرح على الناصرية تلك المضامين غير المسبوقة . وهذه المسائل يجب أن تصاغ – وباعتباري صاحب خبرة في الكتابة – فان ذلك لا يصاغ في برنامج ، ولا يستطيع أحد أن يكتبه ، لأن ذلك سوف ينمو من خلال الالتقاء على مبادئ أساسية . وأعني أن الناصرية لن تكون صياغة فردية ولا مجردة .

أول من دعا الناصريين للالتحام

بعد وفاة عبد الناصر ، كنت من أول الذين عرفوا الى أي مدى سوف يذهب بنا السادات ، لأني أعرفه منذ عام 1946 .. لذلك فقد دعوت في محاضرة عقب ذكرى الأربعين لوفاة عبد الناصر ، الناصريين الى الالتحام في تنظيم لملء الفراغ الذي تركه القائد ، والتحرر من أوهام أنه يوجد عبد الناصر ثان ! ..

بعدها تلقيت دعوة من مجلس قيادة الثورة في ليبيا ، وفوجئت بهم يقولون لي : أنت قلت كيت وكيت ، اذن كيف تعمل التنظيم الذي يملأ فراغ القائد ؟ كان ذلك الكلام في حضور القذافي ، واندهشت ، لأن الدعوة كانت لإلقاء محاضرات وليس لمناقشة ما طرحته في القاهرة حول هذا الموضوع .

وبعد حوار ومناقشات استمرت ثلاث ساعات ، اقترحت عمل وثيقة فكرية غير ذات مؤلف ، على أن تطرح للمناقشة على الجماهير العربية لمدة عام أو اثنين ، وعلى أن توزع – أيضا – على أعداء الأمة العربية لنعرف كل الآراء .

ووافقوا على الاقتراح ، وقالوا من يقوم بذلك ؟ قلت : ما دمت أنا الذي اقترحت حرمان صاحب الوثيقة من أن تنسب اليه ، لا استطيع أن أرشح أحدا ، لكني على استعداد للقيام بها . واتفقنا على أن أصيغ "وثيقة فكرية" تصلح لأن تكون موضوع حوار بين القوى تنتهي بتشكيل الحزب الناصري ، باسمه القومي الذي كان عبد الناصر قد أسماه "الحركة العربية الواحدة" .

وعدت من ليبيا ، لأدخل لأول مرة في حياتي وزارة الداخلية مستدعيا من وزيرها حينذاك السيد شعراوي جمعة ، واذا به يعرض علي ما ذكرته في المحاضرة من ضرورة التحامن الناصريين في حزب يملأ فراغ القائد ، وقال : لقد تدارسنا ذلك في التنظيم الطليعي ووافقنا عليه ، لكن كيف يتم ذلك ؟

هنا أدركت أن السيد شعراوي جمعة على علم بما تم في ليبيا ، وقلت له انذاك ، لقد دعيت لليبيا لعمل محاضرات ، قلت لهم كيت وكيت ، فقال : على بركة الله ، أنت تعمل هذه الدراسة من اربع نسخ ، منها نسخة لي شخصيا ، وواحدة لك ، وواحدة للتنظيم الطليعي ، والرابعة للأخ معمر القذافي ، ثم تُعقد اجتماعات لمناقشتها ، وتتّسع هذه الاجتماعات حتى نصل الى بلورة نهائية لها ، وانشاء الله يتحقق هذا الحلم .

ملاحظة هامشية : كان ذلك أول اتصال لي يحدث مع واحد من السلطة منذ عام 1952 ، وطوال هذه الفترة كان موقفنا سلبيا (سواء من جانبي أو جانب القيادة) .

نظرية الثورة العربية

- وماذا حدث بعد ذلك ؟

- كعادتي ، اخذت المسالة جدا ، وكان ذلك في يناير 1971 ، وانكببت على الدراسة اعتبارا من فبراير وحتى يوليو ، حيث كنت أعمل بمعدل عشر ساعات يوميا ، على اعتبار أن الموعد الذي حدد لبدء المناقشة كان يتوافق مع عيد الثورة في يوليو .

ومع حلول يوليو كان من اتفقت معهم قد دخلوا السجن ، عقب انقلاب مايو ، واستكثرت ان اقدم الدراسة التي حملت اسم "نظرية الثورة العربية" للإخوان في ليبيا ، و قد حاولت نشرها في كتاب ، روجع في مصر خمس مرات ، لكن منع نشره ، فسافرت الى لبنان لنشره هناك . وقد صدر الكتاب فعلا وأنا في السجن ! وفي الواقع ، فان هذا المجهود هو نوعية من الجهود التي يجب على الناصريين أن يتعاملوا معها ، وأنا اعتقد أن الناصرية "صياغة" هي ما جاء في "نظرية الثورة العربية" .. ولكن علينا أن نتجنب ذلك ، فليس ما أعتقد حجة على صحته ونقول : ان المادة الخام سواء الفكرية أو التطبيقية لصياغة مبادئ يمكن أن ترقى الى مستوى النظرية موجودة في تجربة عبد الناصر إضافة الى تجربة السادات ، وذلك بالبحث عن الأسئلة التي طرحتها تجربة عبد الناصر إيجابيا ، والتي طرحتها تجربة السادات سلبيا .

كما أن النظرية موجودة في عشرات الخطب والكتب سواء العربية أو الأجنبية ، وكذلك الاسرار التي تتكشف الان ، مثلا كتاب هيكل الأخير جعلت الأفكار التي نحملها عن حرب السويس تحتاج لإعادة النظر . وبالتالي فان الناصريين الذين يستمدون وظيفتهم من احتياجات المستقبل لنظرية ناصرية هم ناصريون حقيقيون .

وأستطيع القول : ان وجود نظرية ناصرية نشأت كضرورة بعد وفاة عبد الناصر وليست قبله . لأن وظيفة النظرية أن يلتقي الناصريون حولها ، وأن يحتكموا اليها ، وهذا الدور كان يقوم به عبد الناصر شخصيا . وبالتالي لم تظهر ضرورة صياغة نظرية لدى عبد الناصر وان كان قد قدم الميثاق تمهيدا لمستقبل ناصري أطول من حياته .

كيف بناء النظرية الناصرية

- كيف يتم بناء النظرية ؟

- الواقع أن التسرع في انشائها ، افتعال غير علمي . كل انسان من حقه أن يعبر عن الناصرية كما يراها وان كنت أعتقد أنها ستكون من خلق الجيل الناصري القائم .

وبما ان النظرية جزء من ضابط لعلاقات الناس لتحقيق هدف في المستقبل ، فلن توجد نظرية ناصرية بدون حزب ناصري ، هذه استحالة . والماركسية ذاتها لم توجد الا بوجود الأحزاب الشيوعية السابقة على ماركس . فالماينغستو الذي أعده ماركس وأنجلز في لندن ، لم يتم الا بناء على طلب الحزب الشيوعي في فرنسا ، حيث كان البذرة التي بنيت عليها النظرية الماركسية على مدى قرن من الزمان والتي أسهم فيها مئات الألوف من الماركسيين في جميع الأحزاب .

لذلك فان الخضوع لإغراء النظريات السابقة ، في محاولة لصياغة نظرية ناصرية ، صعب ، بل وأقول مستحيل . لذلك كانت دعوتي للناصريين أن يبدأوا من الميثاق في الأبواب العامة ، وهو طبقا لوجهة نظري متفوق فكريا .

ويوجه الدكتور عصمت سيف الدولة كلامه للناصريين قائلا : أذا كنتم بصدد تكوين حزبكم ، ضعوا أيديكم على الميثاق ، وتعاهدوا أن تلتزموه ، وتطوّعوه ، وتغنوه ، كما كان يريد عبد الناصر أن يغنيه من خلال التجربة .

الناصرية والنظرية المتكاملة

- هل تشكل الناصرية نظرية متكاملة ؟

- أنا أعترض عن السؤال ، اذ لا يوجد في تاريخ البشرية نظرية متكاملة ، بمعنى أنها بلغت منتهاها ، وغير قابلة للنمو والتطوّر ، والدليل : الليبرالية والماركسية ، وظهور الكثير من النظريات كل يوم .

واذا قلنا أن النظرية الناصرية في بداية نشأتها ، باعتبار أن بذرتها الجنينية هي الميثاق ، وتربتها هي التجربة التاريخية لعبد الناصر ، فسوف تنمو من خلال حركة نضالية تضيف كل يوم جديد ، ولن تكتمل في جيل أو جيلين ، لأن النظريات غير قابلة للاكتمال النهائي .

- اذا كانت النظرية موجودة ، لكنها غير مكتملة ، ما هي مواصفاتها ؟

- في الواقع ، ان كل الخصائص اللازمة لصياغة نظرية بمعناها السياسي موجودة ، من خلال التجربة التاريخية ، وان كانت لم تُصنع بعد بشكل يمكّن كل واحد من أن يضع هذه الصياغة في جيبه أو مكتبه ، بحيث لا تكون كتابا من تأليف فلان ، انما مثلا كالميثاق ، أو للإضافة التي سوف تأتي نتيجة التفاعل الإنساني للتجربة ، ولحركة الحزب الناصري .

القواعد

- ما هي قواعد النظرية من وجهة نظرك ؟

- القواعد : ضبط حركة . وأين الحركة : في المجتمع . ولكل مرحلة في المجتمع ضوابط حركة . نحن الان في مرحلة تصفية الرّدّة الساداتية ، والحركة هنا يجب أن تتجه لإيقاف الرّدةّ . فضوابط مواجهة مثل هذا الوجود الساداتي موجودة في الميثاق ، وان كنت غير محتاج الان للضوابط الاشتراكية . مثال اخر ، ضوابط مواجهة الهيمنة الامريكية موجودة في الميثاق ، كما هي موجودة في تجربة عبد الناصر .

وبطبيعة الحال ، لا توجد كل الضوابط في النظرية الناصرية ، لأن ما سوف تسفر عنه الحركة الاجتماعية في المستقبل لا يمكن التنبؤ بها الان .

واذا لم يستنبط الناصريون قواعد عموم التجربة ، فسوف يظلون بدون منهج ، لأن الذي ينقص التجربة الناصرية : هو المنهج ، لأنه السلاح الموحّد لحركة الجماهير المنظمة .

فالمنهج نعمل على أساسه النظرية ، والنظرية نعمل على أساسها استراتيجية ، والاستراتيجية نعمل على أساسها التكتيك . ويوم أن يتوه منا التكتيك نعود للمنهج .

والمشكلة الجوهرية في نظريات المنهج كلها هي في حركة التطوّر ، في التأثير المتبادل بين الأشياء وبين الناس ، ما هو العنصر الذي يلعب الدور الأساسي ويقود العملية كلها . في الليبرالية : الفكر . وفي الماركسية : المادة . وعبد الناصر قال : "الانسان هو الأول والأخير" . وقد اختار هنا العنصر الثالث ، في أن الانسان يقود الأشياء وليست الأشياء هي التي تقود الانسان ، وأنا أعتقد أن عبد الناصر ترجم في هذا انتماءه الإسلامي .

هناك نقطة موضوعية أخرى وهي : اذا نظرنا الى الجزء من خلال الكل ، باعتبار أن قائد الحركة ، حركة التطوّر في مصر هو الشعب العربي في كل مكان ، ولم تطبق هذه المسالة للان . وقد حاولت طرحها للمناقشة الان بين الناصريين .

أنت ناصري

- دكتور عصمت ، من خلال طرحك ، يتّضح أنك ناصري .. فما قولك ؟

- معك حق ، فكثير من الأصدقاء الناصريين يقولون لي : أنت ناصري ، وأقول لا ! أنا لست ناصريا ، لأنني لست شريكا لهم في انشاء الحزب ،  وحجتي في هذا أني بلغت من السن ما لا يسمح بأن انتمي بتسرّع . وعندما أجد الإجابة على السؤال عن الناصرية ، سوف أحدّد موقفي !

والاجابة ليست في أن فلان ناصري ، انما السؤال : أن يقوم حزب ناصري يبلور المبادئ على الطريقة التي ذكرتها ، ويتبناها ، ساعتها انظر : أنا ناصري ام لا ؟ !

ثم هل هذه المبادئ ناصرية ، وهل الذي يقف ضدها يصبح غير ناصري ؟ !

وفي الحقيقة : هذه هي المهمة التاريخية التي يجب على الناصريين أن يقوموا بها ، واذا لم ينجزوها ، سوف تصبح الناصرية مثل الفابية ، والفابية الان انقضت تاريخيا .

أيضا : الدنيا لن تتوقف الى أن يصوغ الناصريون أفكارهم ، ستظهر أفكار أخرى ، ومنسوبة لعبد الناصر . واليوم على سبيل المثال مطروح في مصر عن طريق "الأخ كمال أحمد" حزب ناصري ، أفكاره هي بالضبط أفكار السادات ، ويسمى حزب ناصري . وأنت ليست لديك السلطة لان تحرم الناس من أن تقول ، أو أن تفكر . والناصريون اذا أقاموا حزبهم ، فهم مرشحون لتصحيح المسيرة ، وما دامت مشكلة مصر ، فهي بالضرورة مشكلة الأمة العربية ، لأن مصر لها ثقل قومي ، وتؤثر في الوطن العربي كله .

ولأني قومي ، فاني أعتبر أن انقاذ مصر مما هي فيه مهمة قومية وليست مصرية . واذا أُنقضت مصر سوف تتوقف الحرب في العراق ، وستتوقف المذابح في لبنان ، وستتغير الخريطة كلها ، لأن الخريطة العربية تمزقت يوم أن حوصرت مصر ، أو حاصرت نفسها .

ويقيني ، أن القوة المتاحة لإنقاذ مصر هم الناصريون ، بشرط أن يكون لهم حزب ، ويتحوّلوا من ناصريين الى قوة ناصرية . لذلك منذ أدركت هذا الأمر من أيام السادات وأنا اظاهر وأؤيد النشاط الناصري في سبيل الالتحام في حزب .

هل التربة صالحة ؟

- قلت : اذا كان هكذا الحال ، وهكذا الرؤية ، وأن هناك ناصرية ، وأن بطبيعة الحال هناك ناصريين ، اذن هل التربة المصرية ، ونسحب ذلك على التربة العربية ، مهيّأة لهذه الرؤى ، اذا ما تبلورت على النهج الذي طرحته بشكل علمي ؟

- هذه ضمن الخلافات الصامتة بيني وبين الناصريين ، اذ أنني أعتبر الناصرية التطبيق المعاصر عربيا ، الناشئ في التربة المصرية على وجه التحديد للنظرية القومية ، وان كان بعض الناصريين يعتقد أن القومية هي تفريعات نظرية من الناصرية . ووجهة نظري : أن الناصرية بنت هذا التراب ، ومن تجربته المرة . بمعنى أن عبد الناصر لم يكن لديه أي تصور نظري يفرضه من خلال المعاناة الشديدة .

- هل الناصرية ملائمة للمستقبل العربي ؟

- خطأ كبير أن تفرض نظرية تفصيلية متكاملة على المستقبل ، كما هو خطأ جسيم أن يلتقي الناس على برنامج براغماتي .

فالخطأ الأول مغامرة او أحلام . والخطأ الثاني لا يعصم الناس من أن ينشقوا ، ومن هنا الحاحي على المشروع الناصري (الحزب) أن ينطلق من الميثاق تحديدا .

وعبد الناصر كان النموذج البطل ، المتواجد في أذهان العرب والمصريين شبابا وغير شباب ، بحيث أصبح صعبا على أي انسان أن يكون معه أو ضده ، وهذه قد تخلق متاعب لا أول لها ولا اخر ، خاصة في صفوف الناصريين . بمعنى أن المثل الأعلى للناصري أن يكون "عبد الناصر" . وبما ان جميعهم مثلهم الأعلى "عبد الناصر" .. فمن المحتمل أن تحدث (لخبطة) شديدة في العلاقات الداخلية فيما بينهم ، بما يقتضي أن يضاف للناصرية ما لم يكن موجودا من قبل ، نظام حديدي للتنظيم يحترم الطموحات لتكرار عبد الناصر ، ويحول في الوقت ذاته دون هذا التكرار .

- معنى هذا : أن الشارع المصري والعربي مهيأ لهذه النظرية ، ومثل هذه القوة الكامنة في اعماقه ، والتي تمثلها الطليعة : وهم الناصريون .

- ذلك سؤال مهم . في الشارع العربي والمصري ، المقارنة قائمة بين عام 1970 وعام 1980 على مستوى الأسعار .. الكرامة الوطنية .. والحقيقة أن الشارع لا يختار فلسفيا ، انما يقول (يا ريت أيام زمان تعود) .. لذلك تأتي المقارنة بين عهدي عبد الناصر والسادات . وهي في مصلحة عبد الناصر . وتتوقف المسالة هنا عما اذا كان الناصريون سوف يوفوا بالوعد الذي يدور في اذهان الشارع أم لا ، هل تعود أسعار كيلو اللحم الى 65 قرشا مثل أيام عبد الناصر ؟ هل يختفي المليونيرية والسماسرة ؟ هل تستأنف حركة التصنيع ؟ ذلك يتوقف على الناصريين .

والشارع المصري في حاجة الى انقاذ من الوضع المتردي ، والذي سينقذهم هو الذي سيحقق لقب الناصري ، والذي سوف ينقذهم ستعطيه الجماهير تفس الثقة والولاء والمحبة التي أعطيت لعبد الناصر حتى بعد وفاته .

الان : الشارع العربي ممزق ، محتل ، الذي يمكن أن ينقذه هي الحركة الناصرية ، لان الشارع العربي مازال يحتفظ في وجدانه ببطله عبد الناصر . وعبد الناصر عنده هو محرر العراق والجزائر واليمن ، والمدافع عن الأرض العربية ضد مبدأ ايزنهاور ومحقق أول مرحلة وحدة ..

والحزب الناصري لن يكون له كل هذا الحب ، لان الحزب لن يكون بطلا ، فستقاس إنجازات الحزب في الشارع العربي على مقياس البطل الحي في ذاكرة الشعب العربي ، اذن الحزب لا بد وأن يكون قوميا ، في مضامين ومنجزات ونضالات توازي بطولة عبد الناصر ، من أجل أن يبقى له هذا البعد في الشارع العربي .

- وسألت الدكتور عصمت سيف الدولة المفكر القومي الكبير سؤالا تقليديا هو : هل لك إضافة تود أن تطرحها ؟

- واضح من حديثي معك ، أن كلامي يمكن تأجيله للمستقبل ، انما النقطة المهمة المطروحة حاليا : هي تجسيد الناصريين انفسهم في حزب ، يأتي بعد ذلك اختيار الفكر ، ليثبتوا أن التربة العربية تحتاجهم ، أو لا يثبتوا ! .. لكن اخشى أن تكون الأفكار ضارة بمشروع الحزب ، لأنه دخل مرحلة التأسيس . حيث تجمع أفراد لتكوين جسم ، لا يجوز أن تطرح أفكارا تثير الخلاف أكثر مما تثير الاتفاق .

في هذين القوسين الأول والأخير ، أترك لك حرية التصرف .

- اسمح لي يا دكتور في التحفظ الأخير ، أن أقول اذا كان الناصريون لديهم قدرة الجدل والمعاناة والابداع لصياغة فكر لرجل عاش بيننا وما زال ، يصبح لهم حق انشاء حزبهم ، الذي أتفق معك في أنه انقاذ للشارع المصري والعربي ، وانا كلي ثقة في قدرتهم على ذلك.

- تعقيبك فيه مصادرة على المطلوب ، اعطهم الفرصة ، واحكم عليهم بعد ذلك ، ولا تصادر تجربة لأن يتحولوا من ناصريين الى قوة ناصرية .





الأحد، 16 فبراير 2025

حوار طريف مع الدكتور عصمت سيف الدولة .

 حوار طريف مع الدكتور عصمت سيف الدولة .

جريدة الأهالي بتاريخ 15 – 5 – 1985 .

انقطع هذا الحوار عدة مرات لأن الدكتور عصمت سيف الدولة كان مستفزا للغاية .. وكان هذا هو المطلوب للحديث الذي يتكشف عن طريقه الوجه الآخر للمناضل السياسي والمفكر القومي والمحامي والكاتب السياسي البارز صاحب عشرات من الكتب من بينها "الاشتراكية العربية" من أبرز المؤلفات النظرية في الوطن العربي .

حين اعتقله السادات في سبتمبر 1981 مع عشرات السياسيين كانت المرة الثانية التي يتهم فيها خلال أقل من عشر سنوات بقلب نظام الحكم ويسجن بسبب هذه "المحاولة" ، وهناك في سجن مزرعة طرة اكتشف المسجونون السياسيون بلاغته وقدراته الفنية كصانع تماثيل ورسام وخطيب وكاتب مسرحي ..

فمن هو يا ترى عصمت سيف الدولة ؟

- اسمك الثلاثي ، ومحل ميلادك ، ومهنتك ، ومؤهلاتك العلمية وحالتك الاجتماعية ؟

- عصمت سيف الدولة عباس محمد سن 61 ، مولود في قرية الهمامية مركز البداري محافظة أسيوط ، مهنتي محام ، ومؤهلاتي العلمية ليسانس حقوق ، وثلاثة دبلومات دراسات عليا في القانون العام وفي الاقتصاد السياسي وفي القانون الخاص ، ودكتوراه في القانون ، متزوج  ولي بنت طبيبة وابن مهندس وابن طالب .

- صف لنا الهمامية كما وعيت عليها في طفولتك وشبابك ، باختصار .

- ولماذا باختصار ؟

- لأنك لا تترك مناسبة إلا وتتحدث عنها طويلا .

- صحيح ، كما يتحدث العشاق عما يعشقون . على أي حال كانت الهمامية حتى الخمسينات قرية صغيرة فقيرة قائمة على سفح الجبل الشرقي حيث يلتقي النيل بالجبل في أشهر الفيضان  . تتكون من بضعة عائلات تنتمي كل منها إلى أخ يجمعها جد كبير واحد كان يرعى الغنم اسمه فرج فداح . فكل أهلها متساوون في الحمية والنسب والظروف الاجتماعية والفقر الاقتصادي . اكتُشفت فيها آثار العصر الحجري ونسبت إليها حضارته وعرف تاريخها الحديث العنف مرتين ..

مرة كانت فيها طليعة ثورية شعبية اشتركت فيها عدة قرى مجاورة ضد استبداد حكم عباس باشا الأول وانهزمت ، وأعدم كثير من أجدادنا على "الخوازيق" . ومرة حديثة عام 1928 انحسر النيل عن جزيرة من الأرض الخصبة . فظن أهل الهمامية أن من حقهم زراعتها . كان للحكومة رأي آخر فأجّرتها الى عبد الرحمان بك محمود أخ محمد باشا محمود رئيس الوزراء في ذلك الوقت . فثارت قرية الفقراء وهاجموا أعوان المستأجر واستولوا على الأرض ، وقاوموا تدخل السلطة ، واقتسموها وما تزال بين أيديهم حتى عام 1952 . كان التعليم مقصورا على "الكتّاب" وقد كان من حظي أن أكون أول من دخل المدارس الابتدائية من أبناء الهمامية ونحو تسع قرى حولها ..

- كيف حصلت على هذا الاسم الغريب المركب وأنت من قرية في الصعيد ؟  

- حصلت عليه بدون مقابل . ربما لأنه بدون مقابل ، كان الوالد عليه رحمة الله معجبا بشجاعة سيف الدولة الحمداني كما سمع عنها من المتنبي ، فحين رزق بولده عام 1923 كان إعجابه بالشجاعة قد شمل عصمت اينونو القائد المنتصر في موقعة أزمير ضد اليونان فأضاف هذا إلى ذاك ، وأسماني اسما يعجبه .

- وهل يعجبك أنت ؟

- في المراحل الأولى من العمر كان يسبب لي مضايقات جمّة حتى كنت أخفيه ، فقد كانت غرابته ملفتة للمدرسين والتلاميذ في المدرسة الابتدائية فكان مادة تندرهم وسخريتهم ، فقد كان التناقض بين إيحاءاته "الارستقراطية" وبين المظهر الاجتماعي والاقتصادي لحامله تناقضا صارخا يستحق التندر فعلا .

- هل أثر هذا في حياتك ؟

- أثر تأثيرا كبيرا ومازال باقيا ، قبل أن أنتقل إلى المركز حيث المدرسة الابتدائية كنت أعيش في مجتمع المساواة في الهمامية . كنا فقراء جميعا ، وأقرباء ، وغير متعلمين ، فلم نعاني الشعور بالدونية ، وفي المدرسة الابتدائية وعن طريق السخرية من الاسم الارستقراطي يحمله تلميذ وافد من القاع وعيت الفروق الطبقية مصحوبة بآلام الشعور بعدم المساواة بين الناس ، ودرّبتني "الخناقات" على التمرد ضد السّيطرة والاستعلاء والقهر .

- هل كانت تلك حالة خاصة بك أم وضعا عاما ؟

- عرفت فيما بعد أن ذلك كان وضعا عاما ، فقد كنا – نحن الفلاحين – اقرب اجتماعيا واقتصاديا إلى فلاحي القرون الوسطى في أوروبا ، كانت تسيطر على مركز البداري كله عائلة واحدة هي عائلة محمد محمود باشا . وكان جهاز الحكومة كله يأتمر بأمرها وينفذ إرادتهم ، وكان الفلاحون يعرفون هذه الحقيقة ويقبلونها أيضا إلا القليل من المنافسين أو المتمردين . ولقد كان والدي بحكم دراسته في الأزهر من المتمردين . وأعتقد الآن أنه لم يختر لي اسما أرستقراطي الدلالة إلا تعبيرا عن تحدي احتكار الأرستقراطية الإقطاعية التي كانت تحتكر كل رموز الامتياز من ثروة ومناصب وأسماء وألقاب ولم يكن إصراره على تعليمي إلا تحديا آخر فأنشأني متمرّدا ..

- كيف عبّرت عن تمرّدك الذي تقول عنه ؟

- في البداية بالتفوّق الكاسح على أبنائهم في المدرسة الابتدائية ، وفي مرحلة ثانية باختياري الانتماء إلى الحزب الوطني (حزب مصطفى كامل) تمرّدا على أن انتماء الناس كان قسمة بين حزب الوفد والأحرار الدستوريين .. ثم بممارسة الاستعلاء نفسه في علاقتي مع أبنائهم من الطلبة ، وهو استعلاء مصطنع وعدائي أيضا كان يرضيني كثيرا ..

- كيف كان أثر القاهرة عليك . أعرف أنك لم تر القاهرة إلا بمناسبة التحاقك بالجامعة ؟

- لقد التحقت بالجامعة عام 1942 . وحين قدمت إلى القاهرة أول مرة لم أستطع أن أنبذها ، فقد وجدت المدينة العاصمة ، مليئة حتى التخمة بحثالة البشر من الجنود والأغراب ، الشواذ السكارى المعتدين الذين يطاردون الرجال والنساء في الشوارع ، وينتهكون الأعراض علنا .. فانخرطت مباشرة بقدر ما استطعت فيما يمكن تسميته حركة المقاومة الوطنية التي كان يقودها الطلاب بشكل عام ، ويمارسها شباب الحزب الوطني كواجب يومي ..

- وماذا عن الشعر والمسرح هل هو نتاج السجن أم الموهبة ؟

- انه أيضا نتاج السجن . انها ألوان من المقاومة ، ما عدى مسرحية "محاكمة نيرون" التي بدأتها في السجن وأنهيتها بعد خروجي عام 1973 فهي مصنوعة .

- هل كان عبد الناصر هو النموذج الأصلي لنورون في المسرحية ؟

- المسرح ليس تعبيرا مباشرا ولا ينبغي أن يكون . الظروف الاجتماعية توحي بفكرة يريد المؤلف أن ينقلها إلى الآخرين ، فينقلها بما يسمى "المعادل الموضوعي" الذي لا يكون كذلك إذا كان سردا للواقع كما تسرده محاضر الشرطة . المسرحية ليست إثبات حالة ، وقد كتبت مسرحية محاكمة نيرون في مرحلة كان الكتّاب فيها قد انقسموا إلى مهاجمين لعبد الناصر أو مدافعين عنه . ولقد لاحظت أن الهجوم والدفاع كليهما يتناولان عبد الناصر خارج إطار الظروف التاريخية التي عاش فيها . هذه الملحوظة هي الفكرة التي أردت أن أنبه إلى خطئها . فأخذت نيرون الإمبراطور الروماني المتهم البريء . أعظم أباطرة الرومان على وجه الإطلاق ، في حقيقته التاريخية . وأكثرهم تعرّضا للإدانة في الدارج من الشائعات التاريخية . فأعدت طرحه في ظروفه التاريخية . خمس سنوات أولى كان فيها أداة لتحقيق مصالح مجلس الشيوخ الروماني ، أو سادة روما ، فجعلوا منه إلها وهو حي ، فلما اختلط بالفلاحين والعبيد وألغى المجندات ووزع الأرض وهجر روما وانحاز إلى العامة انقلب عليه مجلس الشيوخ وتآمر ضده . وأهم من هذا كُتب تاريخه وأُسند إليه أنه حرق روما وقد اتضح فيما تحقق من تاريخه بعد ذلك أن كل ذلك كان من اختلاق سادة الرومان ، هذا في الوقت الذي أنكر الشعب من العامة أن يكون نيرون قد قتل أصلا ، وبقي قرونا يردّد أغاني بأن نيرون اختفى وأنه سيعود لينقذ الشعب ..

- فهل كان نيرون طاغية ؟

- نعم في رأي الذين أضر بمصالحهم . وهل كان نيرون مصلحا .. نعم في رأي الذين حرّرهم من الاستعباد . وهكذا يكون الحكم العادل على المواقف القيادية أو السياسية إذا حوكمت في إطار ظروفها التاريخية الواقعية ..

أما الدفاع عن عبد الناصر الشخص أو الهجوم على عبد الناصر الشخص فتلك من ممارسات غيري ولم تكن في أي يوم مما أهتم به . فأنا لست مؤرخا ، ولكني إنسان حي منحاز إلى أغلبية الشعب وقضاياه ومصالحه .. وبالتالي أتجه إلى المواقف العينية فأهاجمها أو أدافع عنها ..

- يقول فولتير أن الناشرين يشربون الويسكي في جماجم المؤلفين فهل توافق على هذا ؟

- لا .. لا أوافق . التعميم خطأ . ثم إن استعمال الجماجم أوعية للشراب يقتضي تفريغها أولا من الأمخاخ . ويا ليت الناشرين قد أفرغوا جمجمة فولتير من مخها ، فلم ينشأ في تاريخ الفكر الإنساني مدرسة المنافقين الذي هو أستاذهم وشيخهم .

- أنت معروف في العالم العربي كمفكر قومي وفي مصر كمحامي فقط لماذا ؟

هذا ما تعرفينه أنت عما هو معروف عني . والواقع أن كل واحد يعرف من كل واحد ما تهمّه معرفته .. فدعينا من تحويل المعرفة النسبية إلى معرفة مطلقة خاصة وأنه ليس في أن يكون الإنسان معروفا أو غير معروف ما يستحق الاهتمام ، العبرة بما هو معروف به وكيف عرف به ، وقيمته الاجتماعية والإنسانية . وأسألك هل سجنت في مصر مرتين لأنني محام فقط ، وهل تحاورينني الآن لأنني محام فقط ؟

- أنت معجب بنفسك جدا . هل لهذا سبب خاص ؟

- إن كل إنسان معجب بنفسه جدا وإلا ما كان إنسانا . راجعي أسرار النفس في علم النفس . المهم ألا ينكر على الآخرين حقهم في الإعجاب بأنفسهم .أي المهم ألا يعتدي على هذا الحق بأن يفرض عليهم عن طريق القهر أو النفاق أن يعجبوا به هو . وكثيرون هم الذين لا يكفيهم الإعجاب بأنفسهم بل يحاولون تعميمه على الآخرين . هؤلاء بالذات يستفزونني جدا . فلا أتردّد في إشعارهم بأنني أيضا معجب بنفسي كأسلوب "لردعهم" عن ممارسة لعبتهم العدوانية فترينهم يضيقون بهذا الردع ويتهمونه بما يتجاوز الإعجاب بالنفس إلى حد الغرور . أرجو ألا تكوني من هؤلاء .

ثم أليس من حق أي إنسان عاش المرحلة التاريخية التي عشناها لا يكذب على نفسه ولا على الآخرين ، ولا يخشى أحدا ، ولا يرجو أحدا ، فلا ينافق أحدا ويدفع في سبيل هذا أثمانا فادحة وهو راض عن نفسه .. أن يعجب بنفسه ؟  


   

                  

 

الجمعة، 14 فبراير 2025

مصر والأمة العربية .

 

مصر والأمة العربية .

أميرة أحمد عبد العزيز .


الحوار المتمدن – العدد : 6883 - 2021 / 4 / 29  .


كثير من أبناء الشعب العربي في مصر اليوم يسعون سعي غير مجدى لإحياء موتى الزمن السحيق وارتداء أسمائهم وقد تعالت نبرة (فرعونية فرعونية) ، مما أوجب سعيا مقابل ذو جدوي ، وهو تذكرة بحقيقة مصر العربية ، وبالرجوع لمبحث هام للفيلسوف العربي الدكتور عصمت سيف الدولة والذي حلت ذكرى وفاته الخامسة والعشرون في نهاية الشهر الماضي المتزامنة مع ذكرى يوم الأرض الفلسطيني . هذا المبحث هو (المحدّدات الموضوعية لدور مصر في الوطن العربي) والذي أعاد نشره المهندس محمد سيف الدولة تحت عنوان (مصر والأمة العربية) .

ووجدت أن نشر هذا المبحث والحث على قراءته والتنويه بما فيه من معلومات ثمينة تخص حقيقة مصر الموضوعية هو من الفروض الوطنية لهذه الأيام .

وحديثي هنا هو للحث بالكلمات على قراءة المبحث وليس عملا يمثل تلخيصا له ، حيث أن مبحثنا هذا كتبه الدكتور في حوالى أربعون صفحة، اختار فيها كلماته بعناية لا يبدو فيها زيادة أو انتقاصا عن الضرورة .

وفيه عمل الدكتور على اكتشاف وتحديد المحددات الموضوعية الثابتة نسبيا لدور مصر في العالم العربي ، وقسم المبحث لمحددان : الأول : المحدد الجغرافي (عن الماضي الإقليمي) ، والثاني : المحدد التاريخي (التكوين القومي) .

المحدد الأول : المحدد الجغرافي ( عن الماضي الإقليمي) :

يتحدث فيه عن مصر كموقع جغرافي قبل وجود دولة مصر أو أي دولة في العالم العربي أو العالم أجمع، حين كانت تمثل مصر بموقعها الجغرافي قوة جذب للقبائل الغازية فيما يليها شرقا وغربا وجنوبا ، وقد سرد في هذا الجزء نماذج لتلك للجماعات القبلية الوافدة . وذلك حتى وصول العرب سنة 640 م ليستقروا بها وحيث تعربت جملة .

وفي هذا الشق يوضح المؤلف ما فرضته الجغرافية على مفهوم أمن الإقليم المصري ويقول : "بما أن مصر ـ جغرافيا ـ ذات قوة جذب للغزاة من ناحية ، وبما أنها توفر لمن يغزوها أسباب الاستقرار فيها ، من ناحية ثانية ، فإن المواقع المناسبة للدفاع عن مصر تقع خارج حدودها الجغرافية في جميع الاتجاهات شرقا وغربا وجنوبا وشمالا ..

ويكاد تاريخ مصر الفرعونية أن يكون تأريخا لهذا الدور " ..

وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر من الأمثلة التي أعطاها الدكتور عصمت سيف الدولة ، فما قام به أحمس (1570- 1546 ق.م) حين طرد الهكسوس من مصر فتراه يتعلم من الجغرافيا انهم لن يكونوا قد خرجوا من مصر إلا بخروجهم من فلسطين فيتعقبهم ليخرجهم منها . كما تعلم الجغرافيا فراعنة مصر أن هذا البعد لا يكفي فيتعلموا أن أى اعتداء على الشام هو اعتداء على حدود مصر، وعلي سبيل المثال لا الحصر ما قام به تحوتمس (1490-1436 ق.م) حين اعتبر أن الاعتداء على سوريا اعتداء على حدود مصر فيتحرك على هذا الأساس. ومنه ما قام به رمسيس الثاني من عناية أكبر بهذا البعد الأمني بإقامة تحالفات وتعهدات بين مصر وجيرانها باعتبار أن أية اعتداء على احدهم يمثل اعتداء على الآخر فيما يعرف باتفاقية الدفاع المشترك .
وحين لم يستوعب الحاكم هذا البعد كانت تقع مصر تحت يدا الغزاة، وذلك ما حل منذ دخول اليونان والبطالمة والرومان . ويوضح المؤلف أن الفتح العربي لمصر تم بسهولة حين لم يتعلم البيزنطيون ما تعلمه ملوك الفراعنة فاعتقدوا خطأ أن بإمكانهم الدفاع عن مصر من داخلها فكانت هزيمتهم .

المحدد الثاني : المحدد التاريخي ( التكوين القومي) :

يوضح الدكتور عصمت في هذا المحدد تطور دور مصر منذ الفتح العربي الإسلامي فيقول : "بعد ستين سنة فقط تصبح اللغة العربية لغة مصر، ابتداء من عام 706 على وجه التحديد. ويدخل الناس في دين الله أفواجا. ويعفي التاريخ ما فرضته الجغرافيا فلن تدافع عن ذاتها بعد ذلك. لقد أصبحت جزءا في موقع القلب من الامبراطورية العربية الاسلامية. تحيط بها أقطار بعدها أقطار تباعد بينها وبين مسارح المعارك الضارية التي لم تنقطع على حدود الامبراطورية شرقا وشمالا وغربا" ..
ويبين بالقول : "طالما كانت القيادة المركزية في دمشق أو في بغداد قادرة على الدفاع عن حدود الامبراطورية التي انتقلت اليها حدود مصر . كانت مصر تؤدي دور الشريك في الدفاع عن الدولة المشتركة ... أما حين تضعف السلطة المركزية فقد كانت مصر تعود الى دورها الدفاعي ولكن بصيغة صنعتها الجغرافيا والتاريخ معا . فهي لم تقم بالدفاع منفردة عن ذاتها ، منفردة أبدا ، بل موحدة القوة مع أكثر من قطر عربي آخر ومع سورية على الدوام" .

ومثال على ما تقدم موقعة حطين 1187 ومعركة عين جالوت 1261.

كيف تشكلت الأمة العربية :

كانت البداية بالهجرة من مكة للمدينة ونشأة مجتمع المدينة والبذرة الأولي للأمة العربية .

كما يذكر دكتور عصمت سيف الدولة في مبحثه عن تشكيل الأمة العربية ووجودها الموضوعي فيقول : "انطلق العرب بالإسلام الى ما يجاورهم فالتقوا واختلطوا بمجتمعات كانت قد تجاوزت الطور القبلي. واستقرت شعوبا متجاورة ولكن السيطرة الفارسية والرومانية عليها جميعا قرون عدة كانت قد أوقفت نموها فلم تتحول الى أمم متجاورة ... فجاء الفتح العربي الاسلامي ليحررهم جميعا ويرفع عنهم قيود العبودية أولا ثم يلغي الحدود فيما بينهم ثانيا . ثم يقدم لهم لغة مشتركة ثالثا . ثم يعرض عليهم عقيدة أرقى من عقائدهم رابعا . ثم ينظم حياتهم طبق لقواعد عامة واحدة (الشريعة الاسلامية) خامسا . ثم يتركهم قرونا في حماية دولته ضد أي تهديد خارجي فيتفاعلون تفاعلا حرا فيما بينهم ، ومع الأرض المشتركة قرونا متصلون بدون حدود أو سدود أو قيود على حرية الانتقال والمتاجرة والعمل والتعليم والتعلم سادسا . ثم يشركهم معا في الدفاع عن حدود الدولة المشتركة وفي الجهاد من أجل العقيدة المشتركة حتى اذا ما اشتركت أربعة أجيال متعاقبة منهم في الدفاع ضد الغزو الصليبي الذي استمر قرنا بعد خمسة قرون من الحياة المشتركة . كان الشعب قد أصبح واحدا واصبح الوطن واحدا ، وارتفع بناء الحضارة الواحدة ، وتاهت الانساب ، واندثرت المواطن الاولى وانتشر البشر على اتساع الوطن الواحد فأصبحوا جميعا أمة عربية واحدة . ولم تعد مصر جارة للعالم العربي ، ولا حليفة في الدفاع ضد الخطر المشترك ، ولا شريكا في مصلحة عابرة ، بل أصبحت جزءا من الأمة العربية التي صنعها التاريخ ولم يصنعها أحد على عينه" .. "الأمة العربية وجود موضوعي غير متوقف وجودا أو عدما على إرادة أحد ، فمصر جزء من الامة العربية بدون توقف على ارادة أحد من مصر أو من غير مصر . كما أن العربي عربي ولو كره ذلك . هكذا تعلمنا من اساتذتنا الرواد . ثم أضفنا أن مجرد هذا الوجود القومي دليل موضوعي غير قابل للنقض على أن ثمة روابط وأسبابا موضوعية ، قد نعرفها وقد لا نعرفها، توحد مصير الامة بحيث يكون من العبث الفاشل أن يحاول أي عربي أو جماعة عربية أو قطر عربي أن يفلت بمصيره الخاص من مصير امته سيفشل حتما ولو في المدى الطويل . روابط وأسباب موضوعية قد نعرفها اذا درسنا تاريخنا وواقعنا لنكشفها لا لنختلقها . فاذا لم ندرس فإننا نكتشفها ـ بسهولة ـ في خلاصتها الحضارية" .

يوضح الدكتور بعرضه وجود محددان ثابتان نسبيا لدور مصر في العالم العربي ويبين أنهما متناقضان على أن كلاهما توقف بالاحتلال البريطاني حين أصبحت مصر تؤدى الدور التي تريده بريطانيا ، كما تم تقسيم الأمة العربية بنهاية الحرب الأوربية الأولي إلى دول بفعل الاستعمار الأوربي وذلك بعد تمهيد ومراحل متتابعة سابقة .
دولة مصر ومشكلة الازدواج :

يوضح لنا الدكتور عصمت في هذا الجزء كبداية أن ما ينطبق على مصر الدولة في الوطن العربي ينطبق على كل دول الوطن العربي من حيث الازدواج بين دور الدولة والواقع الموضوعي لكون كل هذه الدول هي أجزاء مقتطعة أو مقسمة لكيان واحد هو الأمة العربية .

والدولة في القانون الدولي مؤسسة لها عناصر ثلاثة هي ( الشعب والإقليم ، والسيادة بمعنى سيادة الشعب على إقليمه) ..

وبناء عليه يكون عمل مؤسسات الدولة حفظ سيادة الشعب على إقليمه وسلامة أرضه ، ولا يستطيع أي حاكم لدولة أو مؤسسة بها أن تخرج خارج هذا النطاق حيث يمثل هذا الخروج عملا غير مشروع . وعليه فإن دولة مصر لن تقوم في الوطن العربي بأي دور إن لم يكن يحقق مصلحتها ولا يشكل ما يمس بعنصر السيادة فيها . كما أن دولة مصر محكومة بالقواعد والقانون الدولي . ويبين الدكتور عصمت كيف أن هذا هو المحدد الجغرافي الإقليمي الذي عمل في ضوئه حكام مصر وقيادتها ، لنجد ذلك في ثورة 1919 وزعيمها سعد زغلول، وفي حركة حزب الاغلبية الوفد ، الذي لم يجد غضاضة خلال مفاوضات الجلاء مع الانجليز عام 1950 - 1951 أن يطرح فكرة إجلاء القوات البريطانية من مصر إلى غزة . كما عمل في ضوئه السادات واضعا مصر الدولة اولا واخيرا، حتى تجاوز الحد حين اعترف ب (اسرائيل) دولة منحازا الى الصهيونية ضد العرب .

مصر الشعب العربي وليست مصر الدولة الإقليمية وهنا يبين الدكتور العقبة أمام دور مصر العربية فيوضح أن في مواجهة المحدد الجغرافي الإقليمي يوجد المحدد التاريخي الذي يشير إلى أن مصر جزء من الأمة العربية فيحدد انتمائها الموضوعي القومي ، وعليه تكون مصر العربية وليس الدولة ضد ما يشكله المحدد الإقليمي الجغرافي من حبس إمكانيات مصر وطاقاتها عن أمتها العربية وضد الانحياز للصهيونية ليس كموقف اخلاقي ولكن كموقف وطني باعتبار مصر جزء من الأمة العربية التي تمثل الصهيونية و(اسرائيل) فيها اعتداء على مصلحة الأمة العربية كلها بما فيها مصر ويصبح دور كل الوطن العربي هو تحرير الأمة العربية من كل احتلال او اغتصاب او ما يمثل اعتداء على سيادة الشعب العربي على كافة وطنه العربي، وأن المشكلة تكمن في الازدواج والوقوع بين قوتي جذب أحدهما إقليمي والآخر قومي . مما أدى بمصر القيام بأدوار متناقضة في الظروف المختلفة، وحيث أن تأثير المحدد التاريخي القومي أقوي من المحدد الجغرافي الإقليمي نظرا لأن مصلحة مصر في المدى الطويل تتشكل ضمن المصلحة المشتركة بينها وبين العالم العربي والتي تمثل في حقيقتها الموضوعية مصلحة واحدة . مما يثبت من خلال الممارسة للإقليميين أن الوحدة إضافة وليس انتقاصا. كما أن التناقض والازدواج بين المحددين الموضوعيين (مصر الدولة ومصر جزء من الأمة العربية) يحول بين مصر وقيامها بدور استراتيجي في العالم العربي .

وعليه ، فنظرا بأن المشكلة تكمن في التناقض بين المحدد الجغرافي الإقليمي الممثل في دولة مصر وبين الحقيقة الموضوعية لكون مصر جزء من الامة العربية . فيكون الحل في عودة الجزء للكل وهدم العائق والحائط . وينطبق هذا على مصر الدولة وعلى كل الدول العربية فتكون الوحدة العربية هي الحل .

أما كيف فهذا حديثا يفضل للقارئ أن يعود لمبحث الدكتور عصمت سيف الدولة ليقرأه فلا مجال لاختصار أي كلمة فيه .

 


الثلاثاء، 11 فبراير 2025

الوحدة والاشتراكية في الوطن العربي .

  PDF

الوحدة والاشتراكية في الوطن العربي .

د.عصمت سيف الدولة .

مجلة الطليعة – السنة الثانية – العدد الثاني – 1966 .

يفوت بعض الذين يقرأون ما يكتب عن الوحدة والاشتراكية أن وضع الكلمات بعضها فوق بعض يطمس معالمها فلا تُقرأ ولا تُفهم ، وأن الكتابة الواضحة تقتضي أن تتبع كلمة أخرى ، وأن يُترك بينهما فاصلا فلا تختلطان .

ولا حيلة للكاتب اذا كتب في أن يختار كلمة تأتي أولا ثم تليها الكلمة الأخرى ، متكلا على أن اللغة تسعفه بأدوات من الالفاظ تربط بين الكلمتين وتلغي الترتيب الزمني بينهما ، فيصل بذلك الى ما يريده من أن يقدّم الى القارئ معنى واحد عن طريق كلمتين أو أكثر .

ويفوت يعض أولئك الذين يقرأون ما يكتب عن الاشتراكية والوحدة أن "الواو" في اللغة العربية تفيد المعية ولا تفيد الترتيب الزمني وأن للترتيب حرفا اخر أو أكثر . ومثال هذا أننا اذا قلنا : الوحدة والاشتراكية ، أو قلنا الاشتراكية والوحدة ، لما اختلف المعنى الذي نريد أن نؤدّيه ، وهو الجمع بين الوحدة والاشتراكية على وجه يشير الى علاقتهما المتبادلة ، والى أنهما عنصران متفاعلان ، لا ينفي أحدهما الاخر في المضمون ولا يسبقه حتما في الزمان .

هذا الذي يفوت البعض – أو يجهلونه – دفع بعضهم الى العسف في تفسير ما يكتب عن الوحدة والاشتراكية ، مع أن تلك بعض قضايانا المصيرية التي يجب أن يستعد من يخوض فيها – بالإضافة الى حسن النية – بقدر أدنى من ادراك البديهيات ومعرفة اللغة . وفي دراسة منشورة عن "أسس الاشتراكية العربية" استعملنا تعبير "الحرية والوحدة والاشتراكية" ، وخفنا من ذلك الخلط فأضفنا – في أكثر من موضع – كلمة "معا" بعد الكلمات الثلاثة ليكمل بهذا المعنى الذي أردنا أن نؤدّيه ، ومع ذلك لم يغن هذا عند الذين رأوا في ذلك الترتيب تسلسلا ميكانيكيا ، أو ترتيبا زمنيا ، وأخذوا عليه أنه "إصرار" على أن لا نبدأ في انجاز الوحدة العربية الا بعد أن نكون قد انتهينا من مشكلة الحرية ، ولا نبدأ في البناء الاشتراكي الا اذا كنا قد انتهينا من انجاز الوحدة ، وأنه ترتيب زمني لازم ، كما لو كانت الحرية أو الوحدة أو الاشتراكية معطيات جامدة منفصلة بعضها عن بعض كالحجارة يرص الواحد منها اثر الاخر . وليست الحرية أو الوحدة أو الاشتراكية كالحجارة ولكنها أبعاد لحياة موضوعية واحدة نحاول من خلال تحديدها معرفة مضمون تلك الحياة.

كل هذا لا يمنع أن الكاتب مسؤول عن أن يوضّح ما يريد أن يقول الى القدر الذي يقطع الطريق على المتعسفين في تفسير ما يقرأون ، ويقطع الشك عند الذين لا يتوافر لديهم الحد الأدنى من أدراك البديهيات والمعرفة اللغوية .

لهذا نختار الحديث عن علاقة الوحدة بالاشتراكية ، وهو اختيار مردّه أن الحوار حول تلك العلاقة لا يزال متّصلا بين الوحدويين والاشتراكيين ، وكل اسهام فيه قد يؤدي الى أن نصل معا الى ذلك الأمل الذي يتطلع اليه هذا الجيل العربي : وحدة الاشتراكيين في سبيل انجاز الوحدة العربية ، أو وحدة الوحدويين في انجاز الاشتراكية ، فلنبدأ بالوحدة .

هذا أيضا ليس ترتيبا زمنيا ، ولكن لأن الوحدة أكثر وضوحا وأسهل فهما . والبدء باليسير يشجع على التصدي لما هو أصعب . فالوحدة الغاء للتجزئة التي فرضها الاستعمار على الوطن العربي منذ نصف قرن تقريبا ، لتعود الى الأمة الواحدة دولتها الواحدة . والذين يعرفون المعنى الدستوري والدولي للدولة يعلمون تماما أنها لا تختلط بالنظم الإدارية التي قد تأخذ أشكالا متنوعة داخل الدولة الواحدة . كما يعلمون تماما أن قيام الدولة الواحدة لا يعني اطلاقا اخضاع كافة الأقاليم أو الولايات أو الأقطار ... أيا كانت تسمية الوحدات الإدارية الداخلية ، لنمط موحد من القوانين أو النظم في الإدارة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو المال أو حتى القضاء . وأكثر من هذا ، يعرفون تماما أن وحدة الدولة لا تتأثر كثيرا بما اذ كانت دولة بسيطة تديرها حكومة مركزية واحدة ، أم دولة اتحادية (فيدرالية) تقوم بجوار الحكومة المركزية فيها أجهزة إدارية تختص ببعض السلطات تمارسها في الولايات أو الأقاليم .. الخ ، التي تقوم فيها . فالأردن مثلا دولة بسيطة ، وليبيا دولة فيدرالية ، وفرنسا دولة بسيطة ، والبرازيل دولة فيدرالية ، ومع ذلك فكل من هذه دولة واحدة . اذ تكون الدولة واحدة في مواجهة الدول الأخرى ، تمارس وحدها تمثيل الشعب كله والحديث باسمه والدفاع عنه . أما كيف تصاغ الحياة داخل الدولة الواحدة ، فتلك مهمتها تلتمس اليها الأسلوب الإداري والاقتصادي والقانوني الذي تراه كفيلا بحل المشكلات التي تطرحها أجزاؤها ، بشرط وحيد هو أن تكون الدولة الواحدة دولة الجميع لتضع بهذا إمكانيات الكل في خدمة الكل والأجزاء معا .

بهذا المعنى الدستوري والدولي للوحدة يسهل على الذين يعرفون تاريخ أمتهم ادراك ما نعنيه بأن الوحدة العربية الغاء للتجزئة . اذ لم يحدث قط منذ أن تم تكوين الأمة العربية في ظل الإسلام ودولته ، الى أن تمزق الوطن العربي دولا بعد الحرب العالمية الأولى ، أن قامت في أي مكان من الوطن العربي "دولة" مستقلة . بل كانت مجموعة من الولايات تكبر حجما حتى تبلغ قدر مصر ، وتصغر حجما حتى تكون مثل عكا ، ولكن أيا منها لم تكن دولة . كانت أقاليم إدارية لها بعض الاستقلال الإداري المحلي ، ولكنها أجزاء من دولة واحدة . وقد انتقلت عاصمة الدولة الواحدة من المدينة الى دمشق الى بغداد الى القاهرة .. غير أن كل عاصمة من تلك كانت تعصم العرب جميعا أو تدّعي هذا وتحاول الوصول اليه ، ولكنها لا ترضى بأي حال أن تكون دولة إقليمية . وكل ما نقرأه في تاريخنا العربي عن دولة الأمويين أو العباسيين أو الفاطميين .. الخ ، لم يكن دولا داخل الدولة ، بل كانت أحزابا من العرب تتمرّد على السلطة المركزية كخطوة في سبيل الاستيلاء على السلطة في الدولة الواحدة ، وعندما تحولت الدولة الواحدة على أيدي الأتراك الى دولة تركيا ، بقيت الأقاليم العربية أقاليم محتلة ولكن لم تكن لها دولة ، ولم تقم أية دولة في الوطن العربي الا بعد أن خطط لها الاستعمار الغربي حدودها واختار لها حكامها وكان ذلك بعد الحرب العالمية الأولى.

اذن ، فالوحدة العربية عودة الى الدولة الواحدة ، وليست انشاء جديدا لدولة واحدة ، كما انها – على سبيل القطع – ليست مانعا من أن تعالج القضايا الاجتماعية والاقتصادية في كل جزء بالأسلوب الاداري الذي يناسبه ، وبالأسلوب العلمي الذي يتفق مع درجة نموه وطبيعة مشكلاته الخاصة .

ولا شك في أن من أعمق المشكلات التي تواجهها دولة الوحدة العربية هي آثار التجزئة . اذ لا يمكن ان ينكر أحد أو يتجاهل ان التجزئة التي طال أمدها قد تركت في الأقاليم العربية رواسب اجتماعية واقتصادية يهمنا منها في هذا الحديث ذلك التفاوت في درجة النمو الاقتصادي بين الأجزاء مع اتفاقها جميعا في سمة التخلف . هذا التفاوت ذاته هو الذي يثير الجدل حول علاقة الوحدة بالاشتراكية . فما الاشتراكية ؟ .

لعل كلمة لم تستعمل للدلالة على مضامين متباينة بقدر ما استعملت كلمة "الاشتراكية" . وقد اصبحت من فرط استعمالها في مجالات مختلفة تكاد تكون غير ذات دلالات محددة . العلة وراء هذا أن تحديد المضمون الاشتراكي قد يكون تجسيدا لرغبات أشخاص وأهوائهم على وجه لا يمكن فهمه بمقاييس موضوعية علمية ، وقد عُرفت تلك الاشتراكيات باسم الخيالية أو غير العلمية ، ولسنا قادرين على تتبعها في ضمائر أصحابها فلا محيص من أن نسقطها قاصرين الحديث على الاشتراكية التي كان مضمونها محصلة منهج علمي في البحث قابل للمعرفة والتحديد . ومن ناحية أخرى فان الاشتراكية نظام حديث نسبيا وقد ظلت الاشتراكية مضمونا فكريا أكثر من نصف قرن ولم تصبح حياة مطبقة الا منذ أقل من نصف قرن . وخلال فترة التطبيق لم يكف مضمون الاشتراكية عن النمو ، طارحا عنه ما جففته الممارسة وجرّدته من قيمته ، مكتسبا عناصر بديلة يستمدّها من خصب التجارب الحية .

ولا شك في ان من المفيد – والحالة هذه – أن نتناول العلاقة بين الوحدة والاشتراكية مبتدئين بالمفهوم التقليدي للاشتراكية العلمية ، متتبعين نمو تلك العلاقة تبعا لنمو المفهوم الاشتراكي ذاته.

وأول اشتراكية علمية في التاريخ هي الاشتراكية الماركسية .

لقد كان منهج ماركس الذي استخدمه في تحديد المضمون الاشتراكي ، مجموعة من القوانين العلمية هي ما يعرف باسم "المادية الجدلية" والسمة الأساسية لهذا المنهج أنه : أولا : مادي بمعنى أنه يمنح المادة أولوية الوجود على الفكر ، ليصل من هذا الى أنها المؤثر الأساسي في حركة التطور . ثانيا : جدلي ، بمعنى أن حركة التطور لا تتم بالانتقال الميكانيكي من العلة الى المعلول ، ولكن خلال صراع الأضداد ، اذ يجتمع نقيضان في محتوى واحد فيتصارعان لينتهي الصراع بمولود جديد أكثر من النقيضين تقدما . والجمع بين السمتين : المادية و الجدلية ، يحتم البحث عن محرك التطور وقائده في العناصر المادية للحياة . ويقصر دور الفكر على أن يكشف هذا ويتبعه . ولما طبق ماركس هذا المنهج على تاريخ البشرية انتهى الى أنه يسير متفقا مع تطور أدوات الإنتاج . ولما طبقه على النظام الرأسمالي الذي عاصره انتهى الى أن التناقض قائم بين الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج من ناحية وبين العمل من ناحية أخرى وأبدع نظريته في فائض القيمة ليحدد بها الطبيعة الاستغلالية الكامنة في النظام الرأسمالي ذاته . فبعيدا عن أي تقييم خلقي ، وبدون توقف على إرادة أي انسان ، لا يتقاضى العامل على أدوات الإنتاج مقابل عمله كله ، بل يبقى فائض يحصل عليه الرأسمالي بدون جهد لأنه مالك لأدوات الإنتاج ملكية خاصة . واذا كان ذلك هو التناقض في النظام الرأسمالي فان حله يكون بإلغاء الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج ، عندئذ يدخل المجتمع مرحلة الاشتراكية . وعلى هذا تحدد مضمون الاشتراكية الماركسية أو التقليدية بأنه الغاء الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج . وقد كان ذلك المضمون السلبي متفقا الى حد كبير مع حاجة الجماهير العاملة في العصر الذي عاشه ماركس . ففي البلاد الرأسمالية النامية لا يحتاج المقهورون اقتصاديا الى كثير من الغاء الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج ، ليبقى الرخاء المتاح للعاملين أنفسهم بعد أن كان المالكون يستأثرون به لأنفسهم .

هذا المضمون الاشتراكي كان يضع – طبقا لأسسه العلمية – شرطا أوليا للاشتراكية . كان لا بد من أن يبلغ المجتمع درجة من النمو الاقتصادي في ظل الرأسمالية تكفي لكشف المتناقضات فيها . وكان على المقهورين وطليعتهم (الحزب الشيوعي) أن يترصدوا هذا النمو الرأسمالي ولا يسبقوه ، بل يدفعونه من الخلف الى غايته ليقطع أجله في أقل وقت من الزمان . أما تخطي الرأسمالية والانطلاق من مجتمع متخلف عن الطور الرأسمالي الى الاشتراكية رأسا ، فكان معتبرا محاولة مثالية مضللة لا تتفق مع الأصول العلمية للاشتراكية ، وبهذا المعنى قال لينين قبل أن يخرج هو نفسه عن تلك الأصول : "ان الماركسية تعلمنا أن أية محاولة لتحرير الطبقة العاملة عن غير طريق تطوير الرأسمالية محاولة رجعية" .

وبهذا المفهوم السلبي للاشتراكية تكون علاقة الاشتراكية بالوحدة ذات وجهين أولهما : أن الوحدة غير لازمة للاشتراكية . فلا شك في ان أي مجتمع موحد أو مجزأ أو حتى في قرية يستطيع أن يكون مجتمعا اشتراكيا بدون حاجة الى أن يتحد مع غيره أو يتوحد . فما على الاشتراكيين القادرين فيه الا أن يبطشوا بمالكي أدوات الإنتاج ويلغوا ملكيتها الخاصة فتكون لهم الاشتراكية . وثاني الوجهين : أن الوحدة تقتضي أن تبلغ الشعوب التي تسعى اليها درجة متساوية من النمو الاقتصادي بحيث لا تعرقل أجزاؤها المتخلفة انطلاق الأجزاء الأكثر تقدما نحو الاشتراكية . فان تمت الوحدة بين جزئين غير متساويين في النمو الاقتصادي فمعنى هذا أن الجزء الأكثر نموا يضم اليه – بحجة الوحدة القومية – الجزء المتخلف ليكون له فيه مرتع جديد للاستغلال يضاف الى الاستغلال المحلي . ولن تصبح الوحدة مطهرة من شبهة الاستغلال الا اذا كانت بين مجتمعات اشتراكية فعلا . أما قبل هذا فهي محاولة "بورجوازية" تسعى تحت شعار الوحدة الى الاستيلاء على السوق في الأجزاء المتخلفة .

وأظن أننا سمعنا كلاما مثل هذا ردده بعضهم في سوريا وفي العراق وردده الانفصاليون من بعدهم . كما أظن أن ذلك المفهوم الاشتراكي كامن في أذهان الذين يشترطون لإتمام الوحدة العربية أن ينجز كل جزء على حدة مشكلاته الخاصة ومنها مشكلة التحول الاشتراكي .

وبينما وقف هؤلاء عند المفهوم السلبي للاشتراكية تقدمت التجربة خلال نصف قرن فأسقطت أغلب تلك الأصول التقليدية الماركسية ، وقد بدأ سقوطها على يد لينين نفسه في الاتحاد السوفييتي . فهناك قامت أول ثورة اشتراكية في دولة لم تكن مرشحة علميا للاشتراكية . وقد حاول لينين ومن جاء بعده أن يسدوا تلك الثغرة النظرية فقدموا التجربة السوفييتية على أنها استثناء مرده أن روسيا كانت أضعف حلقة في سلسلة الامبريالية فكانت بذلك مرشحة لكي تتحطم فتحطمت . وعرف مجموع التبريرات النظرية في هذا المجال باسم "اللينينية" التي هي – كما يقولون – الماركسية في عصر الامبريالية . غير أن الاستثناء لم يلبث أن أصبح قاعدة بدون استثناء تقريبا بعد الحرب العالمية الثانية . فبينما تعثرت أو فشلت الأحزاب الاشتراكية في الدول الرأسمالية النامية – المرشحة ماركسيا للاشتراكية – في تحقيق الثورة الاشتراكية أو التحول الاشتراكي سلميا ، انطلق كثير من الدول المتحررة حديثا ، المتخلفة اقتصاديا ، الى تحقيق الثورة الاشتراكية بعد التحرر مباشرة متخطية الطريق الرأسمالي ، متجهة رأسا الى الاشتراكية . ولم يلبث قدر كبير من الاشتراكيين ، وبوجه خاص في الاتحاد السوفييتي المتفتح على تجربة العالم الثالث ، أن تبنوا حصيلة التجربة . وأصبح من المتفق عليه امكان بناء الاشتراكية في أي مجتمع مهما كانت درجة تطوره الاقتصادي بدون حاجة الى المرور بالطريق الرأسمالي .

عندئذ سقط – أو يجب أن يسقط – احتجاج بعض الاشتراكيين ضد الوحدة باختلاف درجة النمو الاقتصادي في الأقاليم ، اذ أصبح مسلما أنه من واقع أي إقليم ، ومهما تكون درجة نموه الاقتصادي يمكن الاتجاه رأسا الى الاشتراكية . بل ان هذا يتضمن امكان البناء الاشتراكي في الأقاليم المتخلفة عن الطور الرأسمالي ذاته . فاذا أخذنا في الاعتبار ما ذكرناه من أن الوحدة لا تعني اخضاع كافة الأقاليم لنمط واحد من النظم الاقتصادية ، وأنها تسمح بتنوع المعالجات الاقتصادية والاجتماعية في داخلها طبقا لتنوع المشكلات ، نكون قد انتهينا الى أن اختلاف درجة النمو الاقتصادي في أجزاء الوطن العربي ليست مانعا من الوحدة ذات المضمون الاشتراكي .

ثم جاءت إضافة جديدة :

اذ لما كانت كل دول العالم الثالث دولا متخلفة اقتصاديا أو نامية ، فان المفهوم التقليدي للاشتراكية لم يكن كافيا كإجابة عن الأسئلة التي يطرحها البناء الاشتراكي في المجتمعات المتخلفة . فكثير من تلك المجتمعات جردها الاستعمار من اية أدوات انتاج صناعي وابقاها مجرد مصادر للمواد الخام التي تشحن على رؤوس أبنائها الى مصانع أوروبا وأدوات انتاجها وكثير منها لم تكن تملك من أدوات الإنتاج ما يكون مشكلة بالنسبة اليها . فاتسع مفهوم الاشتراكية ليتجاوز الغاء الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج فيصبح الغاء الاستغلال أيا كانت صورته . وبهذا المفهوم الجديد أصبحت الزراعة والثروات الطبيعية والتجارة ميادين للبناء الاشتراكي . بل اننا نلاحظ أن أول اجراء اشتراكي اتجهت اليه الدول النامية كان موضوعه ملكية الأرض واستغلالها أو ما عرف بالإصلاح الزراعي . كما اتخذ الغاء الاستغلال في بعض الأحوال صورة تفتيت واضعاف السيطرة الاجتماعية الموروثة من العهد القبلي والتي لا تستند بصفة أساسية الى مقدرة اقتصادية . وضُربت الرجعية القبلية والعشائر والتكتلات العائلية والطائفية التي كانت تستغل الناس مستندة الى تبريرات عنصرية أو دينية .. واعتبرت كل تلك الإجراءات من صميم عملية الغاء الاستغلال في الدول المتخلفة . ثم كشفت تجربة العالم الثالث عن موضوع اخر للاستغلال لم يكن محل انتباه خاص في الاشتراكية التقليدية ، ذلك هو استغلال الرأسمالية العالمية للمجتمعات المتخلفة الذي يأخذ صورا عديدة ومنوعة ليس منها في كثير من الأحيان الصورة التقليدية : صورة رب العمل والعامل . فالقواعد العسكرية ، واحتكارات المواد الخام ، والقروض المشروطة ، والأحلاف ، بل وتخطيط الدول وتعيين حكوماتها واسقاطها .. الخ ، كل هذا الذي عرفه العالم الثالث باسم الاستعمار الجديد كان أوجها من الاستغلال وان كان خاليا من علاقة انتاج بالمعنى القديم . وترتب على هذا أن مفهوم الاشتراكية بمعنى الغاء الاستغلال أصبح يشمل التحرر من الاستعمار الجديد واسترداد الثروات الطبيعية من أيدي الاحتكارات العالمية . واتسع ميدان المعارك الاشتراكية أمام الاشتراكيين ولم يعد أكثرها ضراوة تلك المعركة القائمة بينهم وبين الاستغلال الرأسمالي المحلي حول ملكية أدوات الإنتاج وعلاقاته .

وأضيفت الى المفهوم القديم للاشتراكية أي الغاء الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج إضافة جديدة : التحرر من الاستعمار .

عندئذ بدأت علاقة الوحدة بالاشتراكية تأخذ طابعا إيجابيا . فبعد أن وصلنا الى أن الوحدة حتى بين الأجزاء المختلفة في درجة النمو الاقتصادي "ليست مانعا" من بناء الاشتراكية ، أصبحت وحدة تلك الأجزاء عنصرا يساعد إيجابيا على الغاء الاستغلال . وتقدم الدول العربية من واقعها القائم أدلة حية على أن جماهير الشعب المعزولة في دول مستقلة ، يمنعها ذلك الاستقلال من أن تكون قوة واحدة ، وبذلك يضعف مقدرتها على أن تواجه الرجعية والاستعمار معا . واصبح مجرد ادراك أن الاستعمار ذاته "وحدة" ضاربة في مواجهة الأمم المتخلفة ، وأن الرجعية المحلية اداته الى الاستغلال يقتضي "وحدة" الجماهير المناضلة ضد هذا التكتل المستغل المعادي لمصالحها . ولإمكان تحقيق هذا ، أي لإمكان الغاء الاستغلال الممثل في الاستعمار الجديد ، يجب اسقاط الحاجز المصطنع الذي يحول دون التحام الجماهير لتكون لها قوة الوحدة وامكانياتها . وفي الوطن العربي دول لو استطاعت الجماهير فيها أن تسقط الرجعية وأن تتولى السلطة ، لوجدت الجماهير المنتصرة نفسها غير قادرة على الحياة – خارج الوحدة – الا اذا مدت أيديها الى الاستعمار تطلب معونته أو تصالحت معه لتأمن بطشه ، أي لدفعتها العزلة مرة أخرى الى ذات المواقع التي كان فيها أعداؤها .

وبهذا أصبح النضال الاشتراكي ضد الاستغلال المحلي والاستعمار يحتم أن بكون مستندا الى قوة جماهيرية موحدة في الوطن العربي كله ، وأن تكون الوحدة السياسية ثمرة الانتصار الاشتراكي ، اذ أصبحت الوحدة ضمانا وتأمينا للنصر ضد الاستغلال . وتاريخ السنوات القليلة الماضية يؤكد كيف كان التسويف في الوحدة مساعدا للثورات المضادة ، وكيف سقطت بعض الأقطار في قبضة الرجعية مرة أخرى بعد أن كان النصر قد تحقق للجماهير أو كاد .

غير أن أقوى إضافة قدمتها تجربة العالم الثالث الى مفهوم الاشتراكية كانت إضافة إيجابية . وهي إضافة أسقطت الأساس الفكري للاشتراكية التقليدية . فقد رأينا أن الاشتراكية التقليدية كانت قائمة على ان المادة تلعب الدور الأساسي في التطور يتبعها الفكر ولا يسبقها . وكان تطبيق تلك القاعدة على تطور المجتمعات يقتضي ألا تتطلع الجماهير في نضالها الى أكثر مما يحدده تطور أدوات الإنتاج فيها . عندئذ كان تطلع الانسان الى تحقيق ما يتجاوز درجة التطور المتحققة فعلا في أدوات الإنتاج المتاحة يعتبر خيالا مثاليا ، يحاول فيه الانسان أن يسبق المادة وأن يقودها ، فلما أن أصبح مقبولا أن يقود الانسان واقعه الذي لا يرشحه تطور أدوات الإنتاج الا للمرحلة الرأسمالية ، يقوده متجها مباشرة الى الاشتراكية تغيرت القاعدة . وأصبح مقبولا أن يتطلع الناس في أي مجتمع متخلف الى اقصى ما وصلت اليه المجتمعات المتقدمة ، وأن تسبق معرفتهم الفكرية تطور أدوات الإنتاج ، وتقود تطورها الى حيث الغاية التي يتطلعون اليها . أصبحت القيادة في عملية التطور للإنسان ، ويأتي التطور المادي تابعا لها . وإذ ظل التطور جدليا أصبح مأتى هذا أن الانسان هو الجدلي ، وأن المادة موضوع جدله والتطور من خلقه . عندئذ اصبح من المحتم أن نلجأ الى معرفة وعي الناس في أي مجتمع لنعرف الى أين يسير تطورهم . وان كان ما يحققونه فعلا ومعدل سرعة تحقيقه متوقف على إمكانياتهم المادية المتاحة . وقد اسهم التطور الحضاري وسهولة الاتصال ونقل المعرفة بين البشر في أن يعي الناس ما حققه غيرهم من رخاء . وأصبح الرخاء هو الغاية التي يسعى اليها الناس جميعا . ولم تعد الاشتراكية تعني مجرد الغاء الاستغلال مع إبقاء الفقر قسمة عادلة بين الناس في الدول المتخلفة ، بل أصبحت تعني حياة الرخاء المتحررة من الاستغلال . وأصبح الأمر سباقا بين الاشتراكية والرأسمالية أيهما يقدم للناس قدرا أكبر من الرخاء . ولم يلبث كثير من الاشتراكيين وبوجه خاص في الاتحاد السوفييتي المتفتح على تجربة العالم الثالث أن أقروا هذا السباق وجعلوا من الرخاء بدون استغلال مضمونا اشتراكيا . وقد كان خروتشوف داعية هذا المفهوم الاشتراكي الجديد ، الأكثر غنى وخصوبة .

بكل هذا ، ومن واقع تجربة العالم الثالث الذي لا يشهده جمود نظري ، اغتنى المفهوم الاشتراكي ، وأصبحت الاشتراكية تعني التحرر والرخاء بدون استغلال . لم تعد الاشتراكية تعني مجرد الغاء الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج ، ولا مجرد الغاء الاستغلال بين الفقراء ، ولا مجرد الغاء استغلال الرأسمالية للدول النامية ، بل أضيف الى كل هذا الرخاء الاقتصادي . لم تعد الاشتراكية الغاء ، بل الغاء وبناء . الغاء الاستغلال وبناء الرخاء .

وطبيعي بعد هذا ان حصيلة كل أمة من الاستغلال العالمي (الاستعمار الجديد) أو درجة النمو الاقتصادي ، جعلت مضمون الاشتراكية في كل أمة مختلفا عن غيره وبقدر ما يتضمن واقعها من أوجه الاستغلال وامكانيات البناء . أصبحت لكل أمة اشتراكيتها التي تنبع من واقعها وأصبحت لنا "الاشتراكية العربية" . غير أنه أيا كان مضمون الاشتراكية في أية أمة فان تحقيق الاشتراكية فيها أصبح مشروطا بحشد كل امكانياتها الطبيعية والبشرية لتتجاوز الجانب السلبي (الغاء الاستغلال) الى الجانب الإيجابي (تحقيق الرخاء) من مضمون الاشتراكية . وأدى هذا الى أن ينتبه الاشتراكيون الى دراسة مجتمعاتهم وظروفها وامكانياتها ليلغوا كافة السلبيات التي تحول دون حشد كافة الإمكانيات الإيجابية القادرة على تحقيق الاشتراكية .

عندئذ أصبحت الوحدة شرطا للاشتراكية :

فمع أن المضمون التقليدي السلبي للاشتراكية (الغاء الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج) ظل ممكنا في ظل التجزئة كما كان أولا ، الا أن ذلك لم يعد يعني الا أن البدء في البناء الاشتراكي لا يزال ممكنا وواجبا في ظل التجزئة دون انتظار للوحدة . غير أن الغاء الاستغلال ليس الا بداية يهيأ بها المجتمع لتحقيق الاشتراكية رخاء بدون استغلال . لهذا يبقى مفهوما تماما خلال مرحلة الإلغاء في ظل التجزئة أن الوحدة لازمة لإتمام البناء الاشتراكي لتحقيق الاشتراكية . ومعنى هذا أن النضال في سبيل الوحدة أصبح نضالا في سبيل الاشتراكية كاطار ومحتوى للحياة التي يناضل من أجلها الاشتراكيون .

وقد قدمت التجارب الاشتراكية في الوطن العربي أدلة محسوسة على ذلك الالتحام . ففي الأقطار العربية التي بدأت التحول الاشتراكي كان الجانب السهل هو الغاء الاستغلال المحلي وفرض سيطرة الشعب على أدوات الإنتاج . غير أن عملية البناء لا تزال بالغة الصعوبة . صحيح أن للتحول الاشتراكي في أي مجتمع ثمنه الغالي من التضحيات التي يجب أن يدفعه الشعب مقابلا لحريته ، ولكنا لا نستطيع أن نتجاهل أن التجارب الاشتراكية في الوطن العربي تدفع ثمنا باهضا وليس غاليا فقط . وفي اقطار من تلك التي بدأت كادت أن تحدث ردة اشتراكية . وفي اقطار غيرها اضطر الاشتراكيون الى قبول التعاون الاقتصادي مع الاحتكارات الرأسمالية يقصد تخطي حاجز الفقر . وكل هذا لأنه بينما تدفع تلك الأقطار حصتها كاملة في الأعباء القومية ، وتحمي بوجودها ومن دمها ، حتى أولئك الذين يستأثرون بمنابع الثروات ، تحاول أن تبني الاشتراكية رخاء وهي معزولة عن إمكانيات الكل الذي هي جزء منه . وسيظل ثمن البناء الاشتراكي باهضا الى أن تتحقق الوحدة فيصبح ثمنه غاليا فقط ، ثم يصبح رخاء وحرية بدون متاعب .

ان الاشتراكيين هم أكثر الناس التزاما للمنهج العلمي في بناء الحياة ، أو المفروض أن يكونوا كذلك . واذا كان المنهج العلمي لا يحتمل الخجل أو الحياء أو الوهم ، فان بناء الحياة الاشتراكية لا يحتمل أيا من هذه . وبناء الحياة الاشتراكية في الوطن العربي يقتضي ، طبقا للمنجزات العلمية أن تخضع كافة الإمكانيات الطبيعية والبشرية لخطة اقتصادية واحدة تستهدف الحصول على أقصى قدر من الإنتاج ، وتقسيم العمل بين القوة البشرية على وجه يحقق للتنمية أقصى طاقة في اقل وقت ممكن باقل قدر من تكلفة الإنتاج . ولم يعد من الممكن مجرد تصور امكان هذا في وطن تحكمه عشرات الحكومات ومئات الوزراء وما لا حصر له من الخطط الاقتصادية المتناقضة المتعارضة المعادية بعضها لبعض في كثير من الأوقات ، أو تبدد فيه الثروات التي لا تضبطها خطة على الاطلاق بل متروكة – وهي ملك الشعب العربي – لأهواء الحاكمين . ان التنسيق الاقتصادي خطوة ولكنه مصطدم في النهاية بتلك الاهواء . انه طريق مسدود . والوحدة هي الطريق المفتوح الى الاشتراكية ، وان كانت بداية النضال من أجل الوحدة الاشتراكية ، لا بد أن تكون – بحكم الواقع الممكن – في ظل التجزئة والتخلف .

تلك علاقة الوحدة بالاشتراكية . وهي علاقة ذات تأثير متبادل . ولعل أظهر اثر للاشتراكية في الوحدة أنها حددت نهائيا أسلوب تحقيق الوحدة والغاء التجزئة . اذ أصبح مفهوما أن الوحدة العربية التي تتم ستكون اطارا سياسيا للتحول الاشتراكي أو لمزيد من بناء الاشتراكية . وبهذا أصبحت مجرد الوحدة السياسية في ظل الاستعمار كما يحاولون في الجنوب العربي ، أو في ظل الرجعية كما يتمنى بعضهم ، مرفوضة . كما أصبحت الوحدة التي تتم بين حكومات رجعية بقصد صنع حاجز رجعي ضد المد الاشتراكي مرفوضة أيضا ، لأن الوحدة والاشتراكية ملتحمان .

ولما كانت الاشتراكية قضية الجماهير فقد أصبحت الوحدة أيضا قضية الجماهير . وأصبحت الجماهير العاملة في الشعب العربي هي صاحبة المستقبل الوحدوي الاشتراكي واداة تحقيقه . وكما انه لم يعد مقبولا – نتيجة لهذا الالتحام بين الوحدة والاشتراكية – أن يتستر بعض الناس بالاشتراكية لتدعيم التجزئة ، لم يعد مقبولا أيضا أن يتستر البعض الاخر بالوحدة لمحاربة الاشتراكية .

أما كيف تحقق الجماهير الاشتراكية وحدتها القومية فتلك مشكلة أخرى ، لا فائدة في التصدي لها ، الا بعد أن نتفق أولا على علاقة الوحدة بالاشتراكية .

فهل نحن متفقون ؟