بوصلة لا تشير الى القدس مشبوهة

بوصلة لا تشير الى القدس مشبوهة
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 31 مارس 2025

د.عصمت سيف الدولة : الانتحار أفضل من لقاء صهيوني .

 د.عصمت سيف الدولة : الانتحار أفضل من لقاء صهيوني .

جريدة المجد – الاثنين 4 تموز 1994 .

بعد أن فتحت المجد ملف التطبيع واراء المثقفين في سوريا الرافضة ، ننتقل في هذا العدد الى مصر التي عاشت وما تزال أكثر من 14 عاما من العلاقات الطبيعية مع إسرائيل لم تنجح رغم كل هذه السنوات في استقطاب قطاعات عريضة من رموز الثقافة والفكر في مصر ، وفشلت كذلك على الصعيد الشعبي دون أن تؤتي ثمارها ...

د.عصمت سيف الدولة :

لا أحد يملك أن يفرط في أرض الوطن العربي ، ويكفينا أن نرفض الان تاركين للأجيال القادمة فرصة الحسم .

هذه كلمات المفكر القومي عصمت سيف الدولة الذي يقول : انه لا تعايش على الاطلاق مع "إسرائيل" لأن المقصود بالتطبيع وبالشرق أوسطية هو تطويع العقول العربية لكي تتخلى عن ثوابتها القومية والوطنية الرافضة للتعامل مع العدو أيا كانت صور هذا التعامل .

ويضيف : ان الغرب والولايات المتحدة يحاولا اقناعنا بأنه لا بديل عن التعايش مع "إسرائيل" وأنها أي "إسرائيل" جزء من المنطقة ، لكن هذا الوهم ، والخداع فقط يريد ان يجعل منا أدوات في المخطط الإسرائيلي يتم تحريكنا كيف يشاء . ولعلني هنا أفضل الانتحار على التعايش مع إسرائيل ، كما افضل ألا أحصل على اية مكاسب محدودة وهزيلة تحت شعارات خاوية لتسوية ظالمة .

وفي نفس الموضوع نقلت جريدة "اخر خبر" بتاريخ 2 / 2 / 1994 ما قاله الدكتور عصمت سيف الدولة في ندوة معرض القاهرة للكتاب في دورته السادسة والعشرين تحت عنوان : "الاثار السياسية من التجمع القومي الى التجمع الإقليمي" .. حيث تحدث د. مصطفى الفقيه بصفته مديرا للندوة في البداية قائلا : بأن ما نطرقه الان حول الشرق أوسطية ومستقبله والاثار السياسية المتوقعة فيه ينبع من التحدث وأهمية هذا الموضوع الذي يدور حول الصراع بين العرب وإسرائيل في العقود الخمس الأخيرة وذروة المواجهة الدامية بأربعة حروب بين العرب وإسرائيل ونحن اليوم نمر بمنعطف تاريخي مختلف حول مستقبل المنطقة والتي بدأت في الواقع بزيارة الرئيس السادات الى إسرائيل عام 1977 . ولكن قضية السلام تختلف بالضرورة عن قضية الحرب . فما هي الدائرة التي تدور حول ذلك الموضوع الشامل ، ولكن الأمر في نظري لا يتوقف حول التنبيه السياسي فقط للمستقبل ولكنه يتجاوز ذلك ، فعلينا الان القبول بفكرة التعايش الاسمي مع الاخر .

وكان أول المتحدثين د. عصمت سيف الدولة قال : ان د. الفقي تكرم ووضعني لأتحدث في البداية بعد أن صادر الندوة عندما اختتم حديثه بقوله انه لا طريق لنا الا التعايش ، وأنا أقول له اذا كان لا بد من هذا التعايش مع الصهيونية فأنا أفضل الانتحار .

وأضاف عصمت سيف الدولة قائلا بأنه يفرض علينا التعايش كما لو كان الصراع بيننا وبينهم حالة نفسية ونترك الأرض والشرف والتاريخ والموضوع كله يدور حول السوق شرق أوسطية وتقسيمها لمناطق .. والمقصود في النهاية قضية واضحة تطويع العقول العربية وخاصة الشعب المصري على أن يقبل كل ما هو إسرائيل ، ولكننا نتعامل مع إسرائيل لأسباب ليس لنا يد فيها ، والتجمع القومي يعني التجمع العربي ، ولكن التجمع الإقليمي يعني وجود دولة إسرائيل وقد غيرنا العنوان من تجمع قومي الى تجمع إقليمي بوصفه جزءا من إسرائيل . وأنا هنا أقول ان قضيتنا لن تتغير ، ولو كنا الان لا نتملك الاسترداد فيكفينا الرفض وترك الاسترداد للأجيال القادمة .




الأربعاء، 26 مارس 2025

ثلاث نقاط على حروف الثورة .

 PDF

ثلاث نقاط على حروف الثورة .

د. عصمت سيف الدولة .

نقطة أولى 1946

بعد سبع ساعات طويلة وقف القطار . من المحطة الى الشركة "مقار" مقار كان "قنصلاتو" . كان أعيان الريف يلتحقون بخدمة الدول الأجنبية ليحتموا بالامتيازات . كان الأجانب لا يخضعون للقانون المصري في مصر . "القنصلاتو" مقار صاحب امتياز المياه والنور والمواصلات في محافظة أسيوط . من شركة مقار تتسكع "الحلزونة" (الباص) على قنطرة أسيوط متجهة الى شرقي النيل . تترك وراءها كل ما يمت الى القرن التاسع عشر بصلة حضارية ، لا سكك حديدية ، لا طرقات ، لا مياه ، لا انارة . لا شيء أضيف منذ عهد المماليك . ليس الأمر سيئا الى هذا الحد . الطرق ممهدة . أسلاك الكهرباء ممتدّة فوق القرى حتى قرية "الساحل" . أربعون كيلومترا جنوب أسيوط . حدائق وقصور وسيارات وكهرباء ومياه "الساحل" قرية عائلة محمد باشا ، كان والده مرشحا للملك . رشحه الانجليز .. ابتداء من "الساحل" تغيب المدنيّة . الحلزونة ، ومن فيها غارقة في سحابة التراب التي تثيرها ، تلائم السيارة العتيقة بين حركتها وحفر الطريق وتكاد تتمزق أوصالها . أنفاس الناس المكدسة حامية . جدار السيارة ملتهب . التراب الساخن يهري الصدور . شمس يوليو/ تموز المحرقة تمد كل شيء بقبس من لهيبها . الناس لا يتكلمون "يكحون" فقط . وامرأة تتقيأ وطفلتها تبكي . تقيء من داخل حجابها . النساء محجبات في الصعيد . يتجمع الناس في جانب السيارة فتميل ويلعنهم السائق . يولون المرأة ظهورهم ويفسحون لها حتى تقيء خارج حجابها . من جوفها الى جوف السيارة . لا تزال الشهامة فضيلة في صعيد مصر .

الأفندي القادم من القاهرة تحت كومة من البشر . رائحة عرقهم نفاذة . يكاد يقيء .. عيب هل يقيء هو وامرأة في وقت واحد ؟ وماذا يقول الناس عندما ينتشر الخبر ؟ لم تفلح سنوات الدراسة في الجامعة . لا يزال يعيش قيمة القبيلة . "الحلزونة" الركيكة الخليعة ، تتأرجح على الطريق وتشق غبارها بصعوبة لمدة خمس ساعات ، ثم تكح وتبطئ وترتعش حتى تقف . قطعت ستين كيلومترا . هنا المركز . السلطة الدولة . هنا القضاة الذين يحكمون ورجال النيابة الذين يحققون في الجرائم . ورجال الشرطة الذين يطاردون المجرمين . والمدرسة الابتدائية بتلاميذها الأربعين . هنا المركز وليس في المركز كهرباء ولا مياه ولا مطاعم ولا فنادق ولا طرق مأمونة .

هنا منفى الموظفين . كل شيء توقف عند "الساحل" . لان "الساحل" قرية "بيت السيادة" لماذا – اذن – لا ينقل المركز الى القرية ؟ . "بيت السيادة" لا يريد أن تجاور سيادته في قريته ، سيادة القانون .

من المركز جنوبا ، على ظهر حمار ، منذ أن كان "الافندي" طفلا ، كان يتصايح مع قريته . كل افراد قريته حتى المحجبات من النساء ، يتسابقون الى الطريق ينتظرون وصول سحابة من التراب الكثيف بانت فيما يلي شجر السنط من ناحية الشمال . الرجال يعجبون ، والنساء يتهامسن معجبات . والأطفال يصخبون ويعبّرون عن اعجابهم بكلمات منكرة . وعندما تمر سحابة التراب يزفها الجميع مصفقين . يرددون "الكمبيل أهه ... الكمبيل أهه" . منذ أن كان طفلا كان مرور السيارة في ردائها الترابي الكثيف عرسا تزفه القرية على قارعة الطريق . يقولون ان الزفة لا تتكرر الا كل شهرين . من قبل كانت تتكرر كل عام أو نصف عام . لا يزال الحمار مطية للذين يملكون الحمير "على أي حال" .

الحمار ثقيل ، والتراب ثقيل ، وكل شيء باهت في وهج الشمس . هو على ظهر الحمار ، وبضعة من أبناء عمومته يحيطون به مرحبين كثيرا ثم دون الكثير ، ثم قليلا بعد عشرة كيلومترات انقطعت الأصوات ، اذ انقطعت الأنفاس وأصبح الموكب جنائزيا حقا .

قي الجنائز يحدث الناس أنفسهم أحاديث حلوة . وراء قناع التجهم الجنائزي تعربد ذكريات مرحة . كم مرة قطع هذا الطريق ذهابا وعودة .. ربما الاف المرات على ظهر ذات الحمار . لا . على ظهر أم الحمار ذاته . في الفجر من صباح كل يوم تحمله الى المدرسة ، وتعود فتحمله الى قريته . في أيام الشتاء "يصرونه" في قطعة من القماش السميك ، ويضعونه على ظهرها كما توضع "الخضروات" المرسلة الى سوق المركز . ووراءه على ظهر ذات الحمارة ، ابن عمه الكبير يضمه اليه حتى لا يتدحرج من فوقها . نام ابن عمه مرة فتدحرج في شرنقته السميكة الى أن أدركوه قبل أن يغوص الى قاع الترعة . هذه هي القرية .. حمدا لله على سلامتك .. الله يسلمكم .

قال له عمه ألف مرة أسبابا لم يعد يذكرها . كانت قد ألجأت جده القديم الى هذا المكان من وادي النيل . على امتداد النيل العتيد اختار جده تلك البقعة التي يجري فيها النيل تحت سفح الجبل الشرقي . البقعة التي لا وادي فيها الا اشهر معدودات من كل عام . تسخر القرى الأخرى من أن جده القديم كان يحب أن يجلس على حجر ويدلدل قدميه الحافيتين في المياه . كان لا يحب الطين . تكاثر النسل فنثروا منازلهم على سفح الجبل ذاته . كأننا في لبنان . أربعة الاف شخص يعيشون كالماعز في منازل منثورة بين الصخور . اين هذا من لبنان . صخور الجبل الشرقي جرداء إلا من الأفاعي والثعابين والبشر ، وأسراب الخفافيش التي تسكن الكهوف . ولكل شيء وجهه الآخر . يحاصر النيل القرية ثلاثة أشهر ابان الفيضان . وتصبح القرية مستقلة حقا . حتى الصراف لا يستطيع أن يصل إليها ليجبي الضرائب . حتى رجال الشرطة لا يستطيعون الوصول إليها ليقبضوا على المجرمين . أما البريد ، أما الأطباء ، أما المعلمون ، أما الصحف ، فلا تأتى إليها في أشهر الفيضان . لا، ولا في غير أشهر الفيضان . تلك من عناصر الحياة التي لا تغادر المركز جنوبا في أي حال . الفرصة إذن مناسبة . حفلات الطهور وحفلات الزواج كلها في أشهر الفيضان . ما دامت أقدام جباة الضرائب والشرطة قد انقطعت فليفرح الناس . وتنقضي الأشهر الثلاثة في عرس متصل . وأصبح ذلك تقليدا لم ينقطع إلا في صيف 1967 . كان ذلك تعبير الفلاحين الصامت عن مرارة الهزيمة .

تلك قفزة طويلة  ...

نحن في صيف 1946 . القرية محاصرة بالمياه . حمل "الأفندي" على طوف من البوص الى منزل أهله ، وشارك في أعراس العام . ورأى نفسه مرة أخرى في مئات الأطفال العرايا الذين يعبثون ويتعابثون في لجة المياه العكرة ويصطادون صغار الضفادع . لم يغرق إلا واحد . عندما كان طفلا صغيرا كان يغرق الكثيرون . ويموت الكثيرون من لدغات العقارب . يدفن الأطفال في السفح ولا تنقطع الأفراح . لا يحزن الناس في الصعيد على من يموت قبل السن المفيد . قبل أن يرعى الماعز أو يحمل الفأس أو يسرق من القرى المجاورة أو يجيد إطلاق الرصاص  .

"الأفندي" في هذا العام رجل من رجال القانون . أضيف الى تقاليد القرية تقليد التحكيم ؛  ما بين عرس وعرس تكاد تقوم أسباب جنازة . كل الخصوم يطرحون على "ابنهم" ما يختلفون فيه ، انه ابن الطرفين "الخصمين" وعليه أن يكون عادلا . كل أب يرى عدالة ابنه في طاعته . عليه أن يقضى لصالح الطرفين ، الخصمين . مستحيل . وتكاد تنقسم القرية على مدة صحة نسبته إليها . لو كان يملك مائة جنيه  لا أكثر لأثبت لهم أنه ابن مطيع لكل منهم . وفيم يتخاصم الجوعى العرايا الذين اختار جدهم تلك البقعة الجرداء حيث يتصل الماء بالجبل ؟ ثمار موسم زراعة الشتاء . ولا يختصمون جميعا فيما يزيد عن مائة جنيه . وهم في هذا يقتتلون حتى الموت في كثير من الأوقات . يقتل في القرية رجل من أجل جحشه الذى قضم بصلة . ويموت قاتله ثأرا . إنهم يتعاملون مع الحياة على أساس قيمتها الحقيقية . وقيمة الحياة في القرية لا تساوى جحشا أو بصلة . قبل أربعة أعوام كان هنا ورأى أهله يتساقطون موتى في أماكنهم ويحملونهم بالعشرات الى سفح الجبل . بلا جنائز . كثر الموتى فاستهلكت جنائز الأولين منهما في البيوت من بُن وخبز وجبن فأصبح الحزن حقيقة . أصبح حزنا صامتا بدون طقوس . أصبح حزنا على الموتى وعلى الأحياء ، وتساوت المقبرة والبيت الفارغ مما يملأ البطون . كان ذلك عام الملاريا . المرض الذى يعالج بالشبع . امتد الى قرية الجوعى فرأى أهله يحملون الى المقابر بالعشرات . ولم ير أبدا ، أبدا ، أبدا ، طبيبا أو ممرضا أو حتى دواء . حتى "مأذون" القرية المكلف بقيد المتوفين مات فلم يكتب أحد أسماء الذين ماتوا . فلما أفتى أهله أن كلوا أي شيء تجدونه ذلك هو الدواء لم يأكلوا أبقارهم ولا أغنامهم ولا دجاجهم . وهل يأكل الناس أنفسهم . فى غيبة الأرض يستوى الإنسان والماشية غلاء في سوق النفوس . فانطلق الشباب يصيدون الثعالب من شعاب الجبل . وأكل بعضهم ثعلبا مشويا ثم حمد الله على أن " الضرورات تبيح المحظورات " .

الهمامية . تلك القرية .. منحها السد العالي واديها . ألجم النيل وحكم طوفانه فانحسر عن الأرض من أجل البشر .

فنزل أهل القرية من شعاب الجبل يزرعون الأرض الخصيبة ويبعثون بأولادهم الى المدارس الثانوية لأن في الهمامية مدرسة ابتدائية ومساكن للمعلمين والمعلمات . وشباب الهمامية يلعبون النرد في ناديهم الرياضي وهم يتابعون برامج التليفزيون بعد أن ترك كل واحد منهم مذياعه (الترانزستور) في منزله . في الموقع الذى سبق أن وقف فيه الركب الجنائزي عام 1946 مستشفى صغير(وحدة صحية) فيه طبيب مقيم وصيدلية تمنح العلاج والدواء بدون مقابل . بجوارها صرح من الأسمنت المسلح يحمل على رأسه مخزنا من المياه النقية ليشرب أهل القرية ماء بعد أن كانوا يشربون طينا . أما في مدخل القرية فمجمع استهلاكي يمد أهلها بما يريدون من بضائع فلم يعد أحد يذهب الى السوق على ظهر الحمار . أما المقهى المجاور فلينتظر فيه أولئك الذين يريدون أن يركبوا "الباصات" الى المركز أو الى مشاهد السينما في مدينة أسيوط ثم يعودون . وفى منزلنا القديم تتكدس المخصبات والبذور المنتقاة توزعها "الجمعية الزراعية التعاونية" على أهل القرية الذين أصبحوا زارعين . في القرية مكتب للبريد . وفى القرية هاتف "تليفون" غير هاتف العمدة . وفى القرية مئات من الفتيان والفتيات الذين يغادرونها فجر كل يوم بسيارات تنتظر الى حيث يعملون أو يتعلمون  .

كل شيء قد تغير وانتقلت قريتي من عهد المماليك الى القرن العشرين  .

نقطة ثانية 1947

... دق الباب ،

- علي ، ولد يا علي . اصح .

- أبي ، لا يزال الليل ليلا .

- أي ليل يا كلب يا ابن الكلب . قلت لك اصح . قم من جوارها لتدرك السوق . أمامك مشوار طويل . لا بد من أن تأخذ أول "معدّية" قم يا ولد .

- طيب . طيب . دعني لحظة فقط .

- قم يا ولد أنا عارف . لا فائدة فيك ولا في جيلك الخرع ما دمتم تعلمتم قي اخر الزمان النوم في أحضان النساء . اتركيه يا امرأة .

وخرج علي الى أبيه . وعلي شاب كالرجال طولا وعرضا وبناء متينا . ثم انه قد زفت اليه زوجته منذ ثلاثة أيام .

- أبي حرام عليك لا يزال الليل ليلا .

- نحن في الصبح يا اعمى .

وابتسم علي ابتسامة لم يرها والده الشيخ الضرير ، وصحب اباه الى المسجد ليصلي بضع عشرات من الركعات تعويضا لما فاته أيام الشباب قبل ان يصلي الفجر . وعاد به الى المنزل . طار النوم وعليه ان يدرك السوق . أمس خاطت له عروسه عشرين جنيها داخل جيبه حتى لا يسرق منه ثمن البقرة . أولاد الحرام كثير في سوق المركز . والبقرة هي الركن المكمل لبناء الاسرة ... لا يكمل الزواج الا اذا دخلت مع العروس بقرة . وها هو نصف المهر يا علي و"النقطة" التي اهداها لك الناس يوم عرسك لتشتري بقرة فتصبح رجلا ورب بيت . هذا ما كان والدك يستعجله .. أن يراك رجلا ورب بيت قبل ان تشرق شمس اليوم الرابع من زواجك . ولقد استعجل في الحديث عن بقرتك أمس فعرف الذين صاحبوه في صلاة العشاء أن عليا سيشتري بقرة .

ارتجف علي . ان على الطريق من يتربصون به لا شك في هذا . كثر في هذه السنين الكفرة قطاع الطريق . استعن بابن عمك أحمد ليؤمن طريقك الى السوق . وأحمد "خفير نظامي" يحمل بندقية حكومية ويهابه الناس فلا يسرقون الا بقدر ما يرشونه . ثم ان احمد لا يقضي الليل في أحضان امراته . ان ابنه الابله أمين يشغل موقعه منذ بضع سنين ، ولو أراد أن يشغله لما استطاع الا تحايلا . ولقد علمه أحمد قبل زواجه كيف يحتال في الوصول الى زوجته عبر اجسام البنات والارامل اللاتي يملأن صحن الدار . ثماني نسوة ورجلان وشيخ ضرير وغلام أبله هو أمين . تلك هي الاسرة التي اضيف اليها بالأمس عروس وتضاف اليها اليوم بقرة .

لا حول ولا قوة الا بالله .

بيت وخرب .

قال قائل : كان الجدعان يعبران القنطرة فوق الترعة الصغيرة عندما انطلقت الأعيرة النارية . سقطا في مياه الترعة . سقط علي بثروته ، وسقط أحمد ببندقيته . وعندما تجمع أهل القرية وانتشلوا الجثتين كان علي وأحمد ينقصان الحياة والثروة والبندقية . اختلس الجوعى الملتاعون بقايا قتلاهم . الجوع كافر . نسوة القرية كلهن يولولن في منازلهم فتُجمع أصواتهن في صدى واحد يرده الى القرية الجبل الذي تقوم على سفحه . أما النسوة اللاتي يغرفن من الطين ويضعن على رؤوسهن ثم يدرن حلقة ينشدون أغاني تقطر حزنا على إيقاع ضرب خدودهن فهن القريبات من علي وأحمد . عروس علي غير مدربة . انها تقع كثيرا قبل أن تتم الدورة وتحت ظلال أشجار السنط يجلس الرجال وقد دفنوا رؤوسهم بين ارجلهم ولا تسمع الا همسا .

لا حول ولا قوة الا بالله .

بيت وخرب .

أما الشيخ الضرير فقد شُلّ حين بلغه النبأ . أما أمين الغلام فلا يعلم أحد اين ذهب . عشرون ساعة مضت قبل أن تنتهي النيابة العامة من التحقيق وتأذن بدفن الجثتين . كانت النيابة العامة قد وصلت بعد أن مضت خمس عشرة ساعة . كانت قد علمت بعد أن مضت ساعتان . كان هاتف (تلفون) العمدة قد أبى أن يبلغ رسالة قبل ان تمضي ساعة .

ودفن علي ودفن أحمد . من يموت مقتولا لا تقام له جنازة ولا يقبل فيه عزاء الا يوم الثأر

ومن الذي يثأر ؟ أذلك الغلام الابله ؟

لا حول ولا قوة الا بالله .

بيت وخرب .

مات الشيخ وتزوجت من تزوجت ، والتحقت الصغيرات بخدمة موظفي الحكومة وانتقلن معهم الى حيث لا يعرف احد كما فعلت من قبل مئات الفتيات الصغيرات . وغادر أمين القرية الى حيث لا يعرف أحد كما فعل مم قبل مئات الغلمان . من حين الى حين تتردد الشائعات أن بنت فلان أصبحت داعرا . وان ابن فلان اصبح مجرما . ولا أحد يهتم ، فقد كان الموت جوعا أو غدرا هو البديل على أي حال .

وفي ذات اصيل ... بعد سنين .

كان "الأفندي" جالسا على مقعده المريح يتأمل البحر ويراقب الشمس وهي تكاد تغيب فيه . ويتذكر . اين الامس من اليوم . انقضت سنون طويلة منذ أن كان يتسابق هو ورفاقه ، عرايا كما ولدتهم أمهاتهم . في الانزلاق على مجاري الطين التي يصطنعونها . انه الان يتأمل البحر على شاطئ "المنتزه" .

المنتزه ؟ ..

نعم المنتزه يا ابن الهمامية ، يا صبار الطين . يا برص الجبل الاجرد . في المنتزه حيث كان يعيش فاروق الملك وأهله يا ابن الفلاحين . يا لها من دورة رائعة . لم تذق في العشرين سنة الأولى من حياتك ماء صافيا من الطين أو الجراثيم . وكان أهلك يعرفون أوصاف البحر من حجاج القرى الأخرى ولكنك اليوم مزروع في المنتزه منذ الصباح الباكر كأنك ورثته عن أهلك . ترى من الذي ورثك إياه ..؟

وعندما يغيب الضوء تحتضن الظلمة أحلام الغرور .

من رحبة الحمار على الطريق المترب الى ملاهي قصر المنتزه طريق طويل . قطعته بعقلك . بسهرك . بجدك . باجتهادك . تعلمت فتفوقت فتخرجت فأنتجت فأصبحت من رواد المنتزه . لم يورثك أحد شيئا . كسبت كل شيء فلا فضل لأحد عليك .

ويحجب ما بقي من أشعة الشمس عملاق من البشر يلبس ملابس العوم وتدس فتاة رشيقة يدها تحت ابطه . انه لا يراهما الا كجسمين عابرين على صفحة أرجوانية . ولكن الشاب يراه يتوقف . يلتفت يترك فتاته . يحبو على ركبتيه ليحتضن الجالس ويقبله قبلات حارة .

- من ؟

- أمين .

- أمين من ؟

- ألا تعرفني ؟

عرفه الان واحتضنه . ونهض من مقعده فصافح زوجته .

أصبح كل شيء واضح بالرغم من غياب الشمس .

فهناك بعيدا عن القرية ، جنوب القاهرة ، أنشئت قرية أخرى اسمها "عزبة الصعايدة" فيها اكثر من ألف شاب من أبناء قريته يلبسون ملابس الافندية . ويقرأون الصحف ، ويتجادلون في السياسة لانهم قد اصبحوا عمالا في مصانع حلوان . وتحملهم سيارات المصانع دفعات دفعات كل صيف الى الإسكندرية . وتنثرهم كالورد على شواطئ قصر المنتزه . ومنهم أمين .

يا أحلام الغرور .

وكيف ورث أمين بعد خراب بيتهم موقعا في قصر فاروق ؟

نقطة ثالثة 1948

مقهى "الشمس" يطل على شارع فؤاد . فيما يلى الشارع دار القضاء المختلط . قضاء الأجانب . يملك المقهى ويديره "يونانيان" عتيقان . ليس هذا غريبا . لا يملك المصريون شيئا في شارع فؤاد من أول دار القضاء المختلط إلي دار الأوبرا . ولا يتحدث أحد ، غير الخدم والعاطلين من الشيوخ ، اللغة العربية في شارع فؤاد . شارع فؤاد مقسم فيما بين شملا ، وشيكوريل ، وأوريكو ، وبنزايون ، وصيدناوى ، ومزراحى ، وعدس .. بنايات ومتاجر .. ولا تزال الأنوف المعقوفة تطل منذ شهر من وراء النوافذ الزجاجية على مظاهرات صاخبة في شارع فؤاد . مظاهرات تقول تسقط الصهيونية ، ويعلقون عليها بلغة لا يفهمها المتظاهرون . فما بال مقهى "الشمس" عامرا بالعمائم والملابس الداكنة والوجوه التي تعلمت الصبر من طول المذلة . كأنه قطعة من أسيوط . منذ الصباح الباكر ، كل صباح ، يرد إليه لابسو الجلاليب السوداء الفضفاضة ورقابهم العارية الهزيلة يخبون في مشيتهم خشية السيارات كأنهم سرب خائف من النعام الأسود . وهناك يجتمعون . وهناك ينتظرون . صاحب المقهى يعرف من الذى ينتظرون فينظرهم الى حين . فلا يشربون شيئا ولا يدفعون .

عندما ينتصف النهار ينهضون فجأة ، فتصفق أطراف جلابيبهم ويتزاحمون على يد القادم . يصافحونها ويقبلونها . حتى إذا ما جلس " البك " تحلقوا حوله . يبث كل منهم شكواه . 

كان ذلك في حزيران ..

كان الأفندي من بين المنتظرين ، صحب "فتحي" وأباه . أبوه طاغية وفتحي صديق مرحلة الدراسة الثانوية ، فذهبوا جميعا الى حيث ينتظر الجميع "البك".. سيد بلادهم وابن سيدها ..

ـ الم أقل لك يا فتحي دعك من الوظيفة .

ـ اسكت حتى لا يسمعك هذا الرجل . ألا ترى أنه يجرني كالعجل الصغير . لقد رباني كما يربى أبقاره . ولا يعرف الآن أنه قد جاء وقت الحليب . وعليّ أن أدر عليه وفاء .

ـ   فتحي . لماذا ترضخ  .

ـ   أنت تتعابط . إنه طاغية . إنه مخيف . قد يقتلني  .

ـ   أنت الآن تبالغ  .

ـ   أبالغ . إنه أبى . كيف اذن استولى على نصف أرض القرية وهو لا يملك منها إلا القليل . كيف يقتسم المحاصيل جزية على الفلاحين . كيف بعث الى السجون بعشرات من الشباب جزاء جرائم ملفقة هو فاعلها وشاهدها وهم ضحاياها . كيف يلحق الصبايا بخدمته في بيتنا عنوة ويهجر إليهن فراش زوجاته الأربع . أسكت . لم يقتل أحد في بلدنا إلا كان هو قاتله . وفى الدوار يجتمع كل مساء عتاة المجرمين . دوار العمدة  .

ـ   أولى بك إذن أن تهرب  .

ـ   يا أخي ، لقد ظل عشرين عاما يبيع أصوات الناخبين في القرية صفقة واحدة لهذا "البك" بدون أن يقبض الثمن . الثمن وعد بأن أصبح موظفا بإدارة المركز . مركزنا . وها هو يقودني الى هنا ليقبض ثمن ما باعه من بشر طوال عشرين عاما . فهل تراني أفسد الصفقة . يقتلني والله يقتلني . إنه أبى وأعرفه . وله غيري ثمانية ذكور .

وجاء دور الطاغية  ..

خدامك وابن خدامك فتحي ابني أخذ الشهادة ، كلنا خدامينك . وقد شخت وأصبحت قدمي على حافة القبر . أريد أن أمتع عيني بأن أراه موظفا في المركز . قبل أن أموت . ووالله ، والله والله وأنت تعرف انا ما أتمنى الصحة إلا من لأجل خدمتك . ولد يا فتحي . سلم على سيدك وقبل يده  .

ـ   لا. لا . لا سمح الله  .

ـ   لا والله . عليّ "الطلاق" ليسلمن عليك ويقبل يدك . هذه بركة . أنتم الأسياد . خلقكم الله لتنفعوا عباده . جلت حكمة الله  .

عندما انحنى " الاستاذ " فتحي يقبل يد "البك" تساقطت من جبهته نقط من العرق  ..

قبَّل ثم جلس ثم صمت  .

وأخرج الأفندي من جيبه سيجارة وأشعلها . فاتجهت إليه عيون صغيرة لامعة . واهتز أكثر من شارب . وسرت همهمة . وتخلى الطاغية عن مكانه لتنعقد صفقة أخرى . بشر باعوا أنفسهم سنين طويلة وجاءوا يقبضون الثمن . وبشر جاءوا يبيعون أنفسهم بثمن آجل  .

ونهض البك وانصرف فصفقت أطراف الجلابيب السوداء وهى تغادر مقهى "الشمس " .

بعد شهرين .. في آب 1948 ..

ذهب الأفندي الى قريته ، كعادته ، قابله أبوه بترحاب كبير . واحتضنه حتى دمعت عيناه . أبوه قدوة لأسرته أما الباقون ، أما أهل القرية ، أما أهل القرى المجاورة فقد كانوا لا يزالون يتجادلون في أمره . لم يستقر بهم الأمر على وجه واحد . فلم يرحب به أحد الى أن يستقر الأمر .

قال فريق : لقد فسدت أخلاقه في المدينة فلم يعد يعرف الأدب  .

وقال فريق : ان التعليم هو المفسدة لأنه يصيب صاحبه بجهل الحدود  .

وأفتى  إمام المسجد بأنه كفر إذ خالف قوله تعالى " وأطيعوا الله ورسوله وأولى الأمر منكم ". والأدب جزء من الطاعة . وأولى الأمر منا لا يجهلهم إلا كافر  .

وقال العاطفون لكل عالم هفوة . يغفر له هفوته شبابه  .

قال : ما شأن الناس يا أبى ؟.

قال أبوه : إنهم يخوضون في هذا الحديث منذ شهرين . ولقد كاد الأمر يؤدى الى مخاطر الاقتتال . فقد انبرى بعض أبناء عمومتك يدفعون عنك الألسنة . ولكنك لم تفعل شيئا غير لائق بك  .

قال : ولكن ما الأمر ؟..

قال أبوه : لقد اتصل بعلمهم ثم شاع ، أنك قد أشعلت سيجارة أمام "البك" في مقهى "الشمس" فمنهم من حسبها هفوة . ومنهم من حسبها كفرا . ومنهم من حسبها جهلا ، ومنهم من حسبها تجاوزا لحدود أقامها الله بين الناس ورفع بها طبقات فوق طبقات . وفى هذا يختلفون حتى اليوم . إنها ـ يا بني ـ نواميس العبودية الموروثة . ألم تر الى الواحد منهم يقتل أخاه ردا للإهانة بالكلمة . ثم يفخر بعدد ما تلقى على قفاه من صفعات الشرطي . إنهم لا يزالون يقارنون بينك وبين الاستاذ فتحي ويحسدون والده إذ أحسن تربيته فعرف الحد الفاصل بينه وبين سيده حين قبل يده .  

   كل الأجنة في بطون الامهات خرجت الى الدنيا ذكورا وإناثا . منذ عام 1952، وضعت الأمهات ملايين الذكور والإناث . في كل شهر تبنى مدرسة. في كل قرية تبنى مدرسة .  والجامعات تنتقل الى حيث أولاد الفلاحين . يحتضن العلم الأطفال ذكورا وإناثا . يرعاهم بدون مقابل ، تكتظ الجامعات بأولاد الفلاحين بدون مقابل . وينتظر العمل الطالب على باب خروجه . لا يتشرد أولاد الفلاحين . لا يُقَّبِل أولاد الفلاحين أيدى السادة من أجل ما يستحقون . أما الآباء فلا يبيعون أصواتهم من أجل مستقبل أولادهم . لا ينتظرون أحد على المقاهي . إنهم مشغولون بملء نصف مقاعد كل الهيئات الشعبية ، موزعون بجلابيبهم الدّاكنة على مقاعد مجلس الشعب .

ويفلسف أولاد الفلاحين نقد الثورة فيقولون أن بعض حروف الثورة تفتقد نقاطا . ماذا تعنى حروف الثورة غير المنقوطة ؟ ويتمردون من أجل مزيد من المساواة . تفلسفوا تفلسفوا … فالعلم غزير . وتمرّدوا تمرّدوا … فالطريق طويل .. ثم أجيبوا  :

ـ من علم هذا الجيل المتمرد أن الناس سواء ؟

من علمهم أن الثورة حق ؟ ..

من علمهم حق الثورة ؟..

 ـ الثـــــــورة  ..

 

القاهرة عام 1977