القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 12 مايو 2012

معارك ثورة يوليو..



 معارك ثورة يوليو ..

 لقد خاضت ثورة يوليو منذ السنوات الاولى معارك جدية وعلى اعلى مستوى مع قوى متعدّة في الداخل والخارج كان ابرزها على المستوى المحلي الصراع مع الاقطاعيين ، الذين واجهتهم الثورة دون خوف او تردد بتحديد الملكية وتطبيق قوانين الاصلاح الزراعي الذي اصدرته الثورة بعد شهر فقط من قيامها .. كما واجهت  الراسماليين وكل قوى الثورة المضادة من احزاب رجعية وبقايا النظام الملكي .. أما على المستوى الخارجي فقد  اصطدمت الثورة بالدول الاستعمارية الكبرى والصهيونية والانظمة العربية الفاسدة  .. عندما تصدّت للاحلاف وافشلتها واولها حلف بغداد العميل لبريطانيا ، كما انّها بادرت بتقديم حل عملي يمكّن الدول الصغيرة من اتباع سياسة مستقلّة ، حيث اسهمت في انشاء منظمة عدم الانحياز التي استقطبت عددا كبيرا من الدول المتحرّرة حديثا كما اتّخذت خطوات جريئة منذ السنوات الاولى للثورة في اتجاه بناء اقتصاد وطني حر وقوي ، عندما خاضت الثورة معارك التاميم والتمصير للمنشئات العامة كالمصارف والبنوك ، ثم اتبعت طريق التصنيع الثقيل ببناء المصانع الضخمة للحديد والصلب ، وانشاء المشاريع الحيوية التي تساهم في النهوض بالزراعة كمشروع السد العالي .. الى جانب استرجاع الحقوق الوطنية في اكبر مأسسة سيطر عليها وتحكّم من خلالها المستعمر في امن المنطقة ،  واستغل مداخيلها لصالحه وهي قناة السويس التي تمكنت مصر بعد استرجاعها من تمويل مشروع السد العالي العملاق الذي رفض الامريكان والغرب عموما تمويله ...                
وقد ظلت الثورة تقاوم المؤامرات طوال ثمانية عشر سنة لم تخل فترة من خوض صراع بينها وبين قوى في الداخل او في الخارج ..  وأوّل تلك الصراعات بدأتها قوى الداخل بقيادة الاحزاب الليبرالية التي لم تحرّك ساكنا تجاه الملك حين كان يعبث بمقدّرات الشعب ،  أو تجاه الاستعمار البريطاني الذي كان يدير شؤون البلاد من السفارة البريطانية على مرأى ومسمع منها .. ثم انظم اليهم الاخوان المسلمون الذين أرادوا صراحة احتواء الثورة ، ولما فشلوا  تآمروا عليها بكل الوسائل ، بداية  بمحاولة الاغتيال الفاشلة التي نفذها الجناح العسكري للاخوان المسلمين في ميدان المنشية عندما كان جمال عبد الناصر يلقي خطابا  جماهيريا سنة 1954 .. وصولا الى التخطيط   للانقلاب والفوضى سنة 1965 ..
وفي سنة 1956 تعرضت مصر الى العدوان الثلاثي الذي اشتركت فيه فرنسا وبريطانيا واسرائيل بعد الاعلان عن تأميم قناة السويس التي كانت تمثـّـل دولة داخل الدولة طوال فترة السيطرة الاستعمارية ..
ورغم شراسة الهجوم العسكري ، فان مصر قد حققت نصارا سياسيا منقطع النظير بعد ان تم افشال كل مخططات الاعداء الذين  ارادوا اسقاط جمال عبد الناصر ، واستعادة السيطرة على القناة  من جديد .. 
وهكذا استطاعت مصر  توظيف مداخيل قناة السويس في تمويل ذلك المشروع الذي رفض الغرب تمويله  ، محققة بذلك تحديا تاريخيا بانجازها لاكبر مشروع تنموي دام بناؤه ما لا يقل عن  عشر سنوات كاملة .. وهو ذلك الانجاز الذي حمى مصر من الفيضانات ومدّها بنظام الري العصري والدّائم  بدل نظام الري الحوضي القديم  حيث النقص في كمية الماء وعدم توفّـُرها كامل السنة ..
 كما خاضت ثورة يوليو معارك سياسية وديبلوماسية حققت فيها نجاحات باهرة عندما تمكنت من افشال حلف بغداد (1955 ) الذي كان يسعى الى جمع كل الانظمة العميلة في المنطقة ،  لمواجهة المدّ الثوري الذي اجتاح الوطن العربي والعالم خلال الخمسينات ،  و بدأ يهدد وجود ومصالح القوى الاستعمارية المتكالبية على ثروات العرب ، وخاصة عندما نجحت ثورة يوليو في تاجيج الثورات ضد تلك الانظمة والاستعمار معا ، في كلّ من العراق وسوريا واليمن والجزائر وتونس ، وساندتها بالمال والسلاح ، وقاتلت معها بجيوشها كما فعلت مع ثورة اليمن ..  
كما حققت نجاحات لا تقل اهمية ايضا عندما تمكنت مصر والهند ويوغسلافيا - في نفس تلك الفترة من منتصف الخمسينات  - من تأسيس منظمة عدم الانحياز التي استقطبت اليها كل الدول المستقلة حديثا على غرار الدول الافريقية والآسيوية ، ودول امريكا اللاتنية  .. فكانت المنظمة الجديدة قطبا ثالثا في مواجهة التبعـية  والخضوع للقوى العظمى التي تريد الهيمنة والسيطرة على تلك الدول الناشئة  .. وقد انعـقـد اول مؤتمر لها سنة 1955 بحضور 29 دولة من مختلف انحاء العالم  ..
وقد تواصلت نجاحات ثورة يوليو في نهاية الخمسينات وتحديدا  سنة  1958 ، حين تمكنت الثورة من استقطاب اوسع قاعدة جماهيرية بين المحيط و الخليج ، و قع تـتويجها بقيام اول وحدة  في التاريخ العربي الحديث بين مصر و سوريا وقيام الجمهورية العربية المتحدة .. الا ان تلك الوحدة كانت  هدفا للقوى المضادة التي عملت جاهدة على افشالها ، الى ان تم لها ذلك سنة 1961 بايادي مجموعة انقلابية في سوريا ثبت تورّطها  مع دول عربية معادية للوحدة مثل السعودية و الاردن و دول اخرى خارجية ..
كما كانت فترة نهاية الخمسينات و بداية الستينات ، فترة تغيير جذري على جميع الاصعدة حيث واجهت الثورة القوى الراسمالية التي جرّبتها طوال العشر سنوات الاولى ، و وقفت على فشلها الذريع في حل مشاكل التنمية  الى جانب علاقاتها المشبوهة و تحالفها مع الرسمالية العالمية التي تريد ربط الاقتصاد الوطني بنظام القروض و مشاريع صندوق النقد الدولي والخوصصة  و السياسات الاقتصادية الاستهلاكية  التي تحصر الاستثمار الرأسمالي في المجالات المُـربحة للمستثمرين على حساب الفلاحة والتصنيع ... وبعد ان بدات الثورة مبكرا بالاقطاع  عندما اصدرت قوانين الاصلاح الزراعي الاولى في 9 سبتمبر سنة 1952 و توزيع الاراضي على الفلاحين ، جاء الدور على الراسماليين المستغلين حيث بدأت الثورة ساعية لتحقيق العديد من المكاسب للعمال كتحديد الاجر الادنى ومنع الطرد التعسفي وتحديد ساعات العمل وتحسين ظروف العمال بتوفير الصيانة والعلاج  ، و اجبار المؤجرين على الاعتراف بحقوق العمال أثناء العطل و الحوادث والتعويض عند الضرر ،والتقاعد ... وصولا الى تتويج هذه المكاسب بصدور القوانين الاشتراكية سنة 1962 التي اخضعت اقتصاد مصر للتخطيط الشامل تحت سيطرة الدولة ، بعد ان قامت بتاميم العديد من المنشآت الضخمة التي كانت بيد كبار الملاك او بيد المالكين الاجانب على غرار كبار الشركات والمصانع و البنوك و المصارف .. فتمكنت مصر بذلك من تحقيق اعلى درجات النمو الاقتصادي في تاريخها ، و تحقيق الضروريات لكل فئات الشعب من تعليم وصحة وشغـل وعيش كريم ..
ولم تكتف الثورة بقوانين الاصلاح الزراعي الاولى بل اصدرت القوانين الثانية سنة 1961 حيث جعلت الحد الاقصى للملكية الزراعية 100 فدان بعد ان كانت 200 فدان حسب قوانين 1952 كما وقع تخفيض الملكية مرة ثالثة في قوانين 1969 حيث اصبح الحد الاقصى للملكية 50 فدان فقط  . علما وان الاقطاعيين الذين أُخذت منهم الاراضي ، تلقوا تعويضا ماديا عنها من الدولة ، كما  وُزّعت تلك الاراضي على الفلاحين بتسهيلات ميسّـرة على المنتفعـين ...
والغريب ان القوى التي تتآمر على الثورة لم تكتف بما قامت به في السابق بل ظلت تخطط  منذ بداية الستينات حيث كانت الثورة تقوم بمعارك حقيقية ضد القوى الخارجية من ناحية و ضد اعداء الثورة  من الاقطاعيين و الراسماليين في الداخل ، في حين كانت قوى اخرى متمثلة في الاخوان المسلمين تحضّر وتهيّئ للفوضى بجمع الاسلحة والتخطيط للتفجيرات التي يخطط لها تنظيمها المسلح باعتراف قادة الاخوان انفسهم ( علي عشماوي / التاريخ السري للاخوان المسلمين  . عن مركز بن خلدون للدراسات الانمائية ) والذي اعترف فيه بكل تفاصيل التنظيم السرّي المسلّح الذي وقع انشاؤه ، كما اعترف باهدافه ونوع المساعدات التي كانوا يتلقونها من دول معادية للثورة على راسها السعودية والاردن بايوائهم  ومدهم بالمال والسلاح ...
لم تهدا اذن معارك ثورة يوليو طوال  عقدين من الزمن كانت تتلقى فيهما المؤامرات تلو المؤامرات ، من قوى متعدّدة داخلية وخارجية تعمل كلها متحالفة ، او ملتقية على نفس الاهداف ، وهي السّـعي لانهاء الثورة واسقاط النظام .. ظهر ذلك في كل تلك المحطات ، التي كان ابرزها معركة 1967 التي ارادت من خلالها اسرائيل والولايات المتحدة انهاء الثورة بضربة واحدة ودون مقاومة حيث قامت اسرائيل بضرب القوات المسلحة المصرية  وخاصة الطائرات وهي جاثمة حتى لا تقدر بعدها على الرّد ، فتكون تلك الهزيمة سببا في اسقاط النظام ، ومقدمة لفرض الاستسلام والاعتراف بالعدو ..  غير ان ما كانت تخطط  له اسرائيل والولايات المتحدة حصل عـكسه تماما .. اذ ان عبد الناصر الذي توجّه بخطاب للجماهير العربية معلنا فيه مسؤوليته ، ثم تـنحّـيه عن منصبه واعلانه عن استعداده لتحمّل  المسؤولية ، فوجئ كما فوجئ كل العالم بخروج ملايين البشر في مصر وفي الوطن العربي يطالبون بالعدول عن الاستقالة ..  وقد تواصلت  تلك المضاهرات العارمة يومي 9 و 10 جوان لتفرض على عبد الناصر التخلي عن قراره ..  وبالفعل فقد تراجع عن ذلك ،  وعاد للسلطة ، فبدأ اولا بتطهير مؤسسة الجيش ، وشرع في اعادة بناء القوات المسلحة ، ثم دخل  في حرب مفتوحة عُـرفت بحرب الاستنزاف طوال نهاية الستينات .. الى جانب وضع الخطط المدروسة للحرب القادمة التي كانت الثورة تنوي القيام بها سنة 1971 لولا وفاة قائدها في 28 سبتمبر 1970 .. وبذلك دخلت مصر حرب 1973 التي حققت فيها نصرا ليس لمصر وحدها بل كان نصرا عربيا على اسرائيل وقد بذل فيها عبد الناصر كل ما يملك من طاقات قبل وفاته ، باعتراف اغلب القادة العسكريين ، كما أعاد ذلك النصر الاعتبار لكل مواطن عربي ، وللجنود والقادة العسكريين ، مؤكدا  صحّة تلك المقولات التي كان عبد الناصر يردّدها دائما  : ان كنا قد خسرنا معركة فاننا لم نخسر الحرب ..
 ( نشرية القدس العدد 19 ) .                                                                              

الجمعة، 11 مايو 2012

قافلة من شهداء تونس في فلسطين .. سطروا بدمائهم قومية المعركة ..



قافلة من شهداء تونس في فلسطين .. سطروا بدمائهم قومية المعركة ..

1 - الشهيد البطل عمران بن الكيلاني المقدمي : من مواليد المظيلة ، مدينة قفصة 1962 و هو فنّي في التركيب الميكانيكي ، استشهد في 26 / 04 / 1988 في عملية بطولية باصبع الجليل شمال فلسطين المحتلة ردّا على اغتيال القائد الفلسطيني أبو جهاد .
2 - الشهيد البطل ميلود بن ناجح : أصيل منطقة سيدي مخلوف و لاية مدنين ، استشهد هو ورفيقه السوري خالد الاكر في عمليات الطائرات الشراعية المشهورة ضد معسكر قوات الكموندوس الصيونية شمال فلسطين في 17 / 11 / 1987
3 - الشهيد البطل فيصل الحناشي : من مواليد ولاية قابس وهو طالب بكلية  العلوم بتونس ، استشهد اثر مشاركته في عملية فدائية جريئة ضد دورية صهيونية جنوب لبنان على مشارف فلسطين في 08 / 07 / 1993 .
4 - الشهيد البطل خالد بن صالح الجلاصي : عامل نجارة من مواليد قرية نصر الله ولاية القيروان ، استشهد في عملية بطولية بمنطقة المنارة بالجليل الاعلى شمال فلسطين في 25 / 12 / 1988 .
5 -  الشهيد البطل سامي بالطاهر الحاج علي : من مواليد ميدون جربة في 28 / 05 / 1967 ، استشهد حينما نصب كمين لقافلة صهيونية على الطريق الواقعة بين الطيبة اللبنانية  و مستوطنة مكاف بفلسطين في 19 / 1 / 1995 .
6 - الشهيد البطل رياض بن الهاشمي بن جماعة : طالب من مواليد صفاقس في 02 / 03 / 1968 ، استشهد في عملية فدائية صحبة الشهيد سامي الحاج علي في 19 01 / 1995 .
7 - الشهيد البطل كمال البدري : تلميذ من مدينة المتلوي ولد في 27 / 01 / 1975 ، استشهد في عملية فدائية بجزين جنوب لبنان في 27 / 01 / 1996
8 - الشهيد البطل بليغ بن محمد انور اللجمي : تلميذ من مواليد مدينة صفاقس ، استشهد صحبة الشهيد كمال البدري في 27 / 01 / 1996 .
9 - الشهيد البطل محمد نذير أحمد الدويري : ( يوسف التونسي ) تاريخ الولاية 1952 / تونس العاصمة . تاريخ العملية و الاستشهاد 30 / 11 / 1980 .
10 - الشهيد البطل صلاح الماجري : (ابو جهاد) تاريخ الولادة 1961 / تونيس ن تاريخ الاستشهاد 5 / 3 / 1999 .
11 - الشهيد البطل بن المسعودي بدري : طالب ، استشهد بتاريخ 19/5/ 1995 ، في عملي بمنطقة السريرة فضاء جزين  .....  و غيرهم كثيرون .. عليهم رحمة الله ..


 ( نشرية القدس العدد 19 ) .                                                                               

الأحد، 6 مايو 2012

لماذا الحل القومي ..؟



 لماذا الحل القومي ..؟

الجواب سهل وبسيط  ..وهو قائم بالاساس على الملاحظة لما يجري في الواقع .. او كما يسمّى في ميدان البحث العلمي برصد الظاهرة ... وليس واقعنا بمعـزل عما جرى و يجري في التاريخ البشري في جميع انحاء العالم ، حيث أصبحت الظاهـرة القومية ظاهـرة عامة لم يفلت منها اي مجتمع .   ولعلّ المعـروف علميا ان الظاهرة الطبيعية اذا تكرّرت بانتظام ،  تصبح قانونا .. كذلك الظواهـر في المجتمعات البشرية  ، فانها لا تتكرر اعتباطا او صدفة ، و انما هي تحدث كذلك بقدرة قادر .. يقول تعالى  : " انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم " ..
وقد وقع ذكر الطور القبلي والشعوبي  في القرآن الكريم ،  وصفا للواقع القائم زمن نزول الوحي ، دون انكار لهما .. بل  تكررت الاشارة الى تعدد الاقوام و الامم في عشرات الآيات القرآنية تاكيدا على ان ما تمر به البشرية أثناء تطوّرها من طور الى طور ، ومن تنوّع و تعدّد ، هو من سنن الخلق التي ارادها الله ،  وترشيدا للاختلاف بين الناس الذي يجب ان يكون قائما على اساس الاعتراف بالآخر ، لان الاصل كما تشير الآية  هو التعارف والتعاون وذلك جزءا من تقوى الله و التقرّب اليه .. 
لم تكن الظاهرة القومية ظاهرة عربية لنقول انها فكرة شاذة او زائفة كما يدّعي الجاهلون ..  
 كما انها لم تكن مجرّد فكرة غير ذات صلة بالواقع اذ اننا حيث ما شيّعنا بصرنا على وجه البسيطة فاننا لا نرى الا الامم والقوميات التي تملا الارض . والواقع ان ذلك مدعاة للنظر والاهتمام والتأمل بدل التجاهل والانكار : هل وُجد كل ذلك صدفة ام هو بتدبير محكم من لدُن عزيز حكيم ؟ وهل هو مجرّد تنوّع ام هي آية من آيات الله يجب الوقوف عندها واحترامها واعطاءها المكانة التي تستحقها  ؟                                                                                           
انّ الذين يدّعون بان القومية بدعة اوروبية روّجها الاربيون لضرب دولة الخلافة ، هم لا ينكرون فقط ظاهرة واقعية تجري تحت انوفهم ، بل يجهلون قوانين تطوّر المجتمعات ، ويزيّفون كل الوقائع التاريخية  .. اذ هم عندما ينفون وجودها او يجعلونها فكرة وافدة ، لا يقولون مثلا كيف جاء المستعمرون الينا ليسقطوا دولة الخلافة ، وهم مُفرزين قوميا فرنسيين وبريطانيين وايطاليين والمان واسبان ... يتكلمون لغات مختلفة ولهم عادات مختلفة وتاريخ مختلف .. تماما كما نختلف نحن عنهم في تلك المقوّمات التي تبرز شخصيتنا القومية ؟                                                                    
ان هؤلاء  يقولون ما يقولون لانّهم يجهلون ان دولة الخلافة هي دولة امبراطورية قامت في حقبة زمنية سادت فيها الامبراطوريات .. فكانت حينها دولة عصرية لانها تحمل كل خصائص الدول في عصرها .. ثم انتهت عندما اصبحت خارج العصر ، شأنها شأن غيرها من الامبراطوريات وانتفت الى الابد خصائصها التي كانت تقوم عليها لتحلّ محلّها الدولة القومية بخصائصها الجديدة .. ودولة الخلافة لن تعود اطلاقا الا اذا عادت الامبراطورية الرومانية والبيزنطية والفارسية او اي نوع من الامبراطوريات الجديدة !!! وهي لن تعود كذلك الا اذا عاد الاباطرة من أمثال الاسكندر الاكبر وهرقل وهولاكو .. !!!  وهي لن تعود ايضا الا اذا عاد حق الفتح الذي كان سائدا زمن الامبراطوريات  ليكون العالم باكمله مفتوحا على الغـزو والغـزو المضاد ، واوّل شروطه ان لا تكون لاي دولة ارض خاصة بها  كما كان  سائدا في تلك العصور  ..                                 !!!                                                                          
ولذلك فان هذه الافكار زيادة على كونها افكار مضحكة في هذا العصر،  فانّها أيضا  أحلام و أوهام  وقع حسمها نهائيا منذ قيام عصبة الامم في نهاية الحرب العالمية الاولى ، وصولا الى ما تلاها من تطوّرات بعد الحرب العالمية الثانية بتاسيس منظمة الامم المتحدة ،  كمؤشر على تطوّر الوعي السياسي  على النطاق العالمي الذي يتجسّد في الاحتكام الى القانون الدولي  لاحلال السلم العالمي وحل النزاعات بين الدول ، رغم الحيف والهيمنة وسياسة الكيل بمكيالين التي تتبعها  القوى العظمى .. وقد كانت مثل هذه النقلة النوعية ضرورية للايذان يقيام الدولة الحديثة على اسس قومية بالدرجة الاولى ، وهي ظاهــرة انسانية عامة اردها الله في خلقه  ، وميّـز بها الشعوب ، بعضها  عن بعض ،  ليبقى دائما أكرمهم عند الله اتقاهم  .. وقد كان من سمات هذه المرحلة ان تقوم تلك الدولة القومية على اساس الاختصاص بالارض بعد ان كانت هذه الخاصية غير متوفّــرة في ما سبقها من أطوار .. ففي زمن القبائل كان الترحال هو السائد ، فلا  تهتم القبائل كثيرا بعنصر الأرض بقدر ما تهتم بمورد الرزق المتمثل في الكلا و الماء .. اما في عصر الإمبراطوريات فقد كانت الارض تمتد وتتقلص تحت اقدام الفاتحين في نطاق ما يعرف بحق الفتح الذي يرضى بنتائجه  الغالب والمغلوب ... لكنّ الامر يختلف تماما  في العصر الحديث .. حيث أن الدولة القومية تقوم بالأساس على الاختصاص بالأرض أولا لتكون  لكل امة أرض  محدّدة ومحدودة خاصة بها وحدها وبشعبها .. فتحرس حدودها  للحفاض على امنها و سيادتها ...
كما تقوم الدولة الحديثة ثانيا على أساس حقوق الشعوب في تقرير مصيرها و اعترافها المتبادل واحترام بعضها البعض على اساس ما وقع الاتفاق عليه في القانون الدولي الذي اصبح يجرّم اي اعتداء على الغير ..  تلك نصف الاجابة عن السؤال : لماذا الحل القومي ؟ اما النصف الثاني فان الحل القومي في واقعنا العربي زيادة على كونه يمثل عودة للامر الطبيعي لامة مزّقها أعداؤها كما قال الزعيم الراحل جمال عبد الناصر ، فانّه يمثل الحل الجذري لكل مشاكل التنمية والتخلّف معا بما فيها من مشاكل البطالة والفقر والامية والامن الغذائي والصحّة .. وصولا الى تحرير الارض وبناء ديمقراطية سليمة .. الخ  . وهي كلها مشكلات واقعية وصعـبة على النطاق الاقليمي ، التي لن تجد حلّها الصحيح الا  بقدر ما يتحقق لها من مكاسب تعـزّز وحدة الامة  .
 لذلك فان الوحدة ستكون حتما هي الملاذ النهائي للجماهير العربية في العقود القادمة بعد ان تستنفذ كل الامكانيات القطرية التي ستكون جميعا فاشلة .. ولا شك وقتها انها ستختار بارادتها الحـرة ذلك الحل الذي سيخلصها نهائيا من ندرة الامكانيات  لتتمكن بعدها من حل مشاكلها نهائيا نظرا لما تملكه امتها من امكانيات قومية هائلة  منها الثروات الطبيعية والطاقات البشرية اللتان بهما تكون قادرة على صنع التقدم والرخاء والنهوض  بالانسان  ..  
 ( نشرية القدس العدد 18 ) .

الأحد، 29 أبريل 2012

في ذكرى عيد العمّال ..



 في ذكرى عيد العمّال ..

عيد العمال هو بالاساس مناسبة  للاحتفال بكل المكاسب التي تحققت بفضل تضحيات العمال في العديد من الدول رفضا  للقهرو الاستغلال ، و كان ذلك منذ القرن التاسع عشر حيث بدأت الاحتجاجات في كندا سنة 1870 للمطالبة بحقوق العمال و التخقيض في ساعات العمل .. ثم انتقلت الى الولايات المتحدة  ليبدأ اول احتفال بعيد العمال في نيورك سنة  1872  و شيكاقو التي شهدت سنة  1986 اضرابات عامة و اعتصامات انتهت بتدخل وحشي لقوات الامن راح ضحيتها العديد من العمال ثم تبعتها موجة من المحاكمات و الاعدامات ..  وقد كان لتلك التضحيات العمالية الاثر الكبير في تحقيق كل المكاسب التي عرفها العمال في جميع انحاء العالم ، حيث وقع اقرار يوم غرة ماي كيوم عطلة رسمية ... كما وقع الاقرار بالعديد من الحقوق على راسها تحديد ساعات العمل ..       
عيد العمال في تونس  لهذا العام ليس ككل الاعياد . ففي السابق لم يكن متاحا للشغالين ان يعبّروا عن شواغلهم وآرائهم بكل حرية في شوارع المدن ، بالشعارات و اللافتات و الغناء الملتزم و غيرها من مظاهر الاحتفال ..
عيد الشغل مناسبة ارادها الشغالون و النقابيون ان تكون احتفالية و تبليغية في نفس الوقت ..
 احتفالية بمعنى ان تكون مشاركتهم و مساهمتهم في الاحتفالات بنفس الطريقة التي تحدث في جميع انحاء العالم ، دون قيود ، ودون وصاية على العمال او تزييف لمشاعرهم ، فهم اولى بالتعبير عن همومهم .. وهو ما يحدث فعلا في جميع انحاء العالم  ، حيث ياخذ الاحتفال بعدا جماهيريا يعبـّـر عن تضامن العمال على النطاق العالمي و المحلّي معبّرين عن وحدتهم و وعيهم التام بوحد مصالحهم  في اطار منظماتهم  النقابية في جميع انحاء العالم ..
وهي مناسبة تبليغية اراد من خلالها العمال بمختلف شرائحهم ، التعبير عن قوّتهم واستعدادهم دائما للدفاع عن مصالحهم  و حقوقهم المشروعة دون ان يكون ذلك محل شك او مزايدة عليهم في الوطنية و حب الوطن ، فهم من يعمل و يبذل دون كلل للنهوض  بوطنهم ، وليس السياسيين مهما كان لونهم السياسي ..
وهي مناسبة ارادها العمال و النقابيون ان تكون تعبيرا على عراقة منظمتهم الشغيلة التي ساهمت منذ وقت مبكّـر في الدفاع عن حرية الوطن خلال حرب الاستقلال و هي المنظمة العتيدة التي قدّمت الشهداء في العديد من المحطات النضالية التي خاضتها و على راس هؤلاء الشهيد فرحات حشاد زعيم الاتحاد العام التونسي للشغل ،و شهيد الحركة  الوطنية الذي استشهد في 5 ديسمبر 1952 فاهتز لموته المغرب و المشرق و ليس تونس فحسب  ...
عام ليس ككل الاعوام ، كان الاحتفال فيه بعيد الشغل قد اضاف عنصرا  لم يكن موجودا من قبل و هو الحرّية ، لكنه احتفال يحمل في طياته الاحساس بالمرارة لان هناك ما لا يقل عن ثمان مائة ألف من فاقدي الشغل الذين شاركوا في الاحتفال بطرقهم الخاصة للتذكير بوضعهم المأساوي في ظل البطالة مذكرين بان من ابرز شعارات الثورة هي شعارات التشغيل ، فهل من مجيب او من مستجيب ؟  

( نشرية القدس العدد 17 ) .