القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 8 يناير 2017

عصمت سيف الدولة يتحدث عن : ما بعد منظمة التحرير ..



الموقف العربي العدد 61 ـ ماي 1985 .

عصمت سيف الدولة يتحدث عن :


ـ اتفاق حكومة الأردن لا ينسب الى الشعب الاردني ، واتفاق بعض قادة "فتح" لا ينسب الى الشعب العربي الفلسطيني ..

ـ لقد استطاعت الصهيونية أن تتسلل الى عقول بعض العرب فأصبحوا عربا صهاينة ..

ـ ما هو قائم في لبنان أرى فيه الثورة العربية في مراحل انتقالها من الصيغة الفلسطينية الى الصيغة القومية ..

أجرى الحوار : عبد الحليم قنديل .

ربما تختلف مع بعض ما يقوله الرجل ، لكنك لا تملك أن تنكر عليه جدية إسهامه في تطوير فكر الثورة العربية ، ولا تستطيع أن تنكر عليه نفاذ بصيرته وسلامة مواقفه في حدودها الإجمالية ..
.. ومبكرا ، حذر المفكر القومي الكبير د.عصمت سيف الدولة من المأزق الراهن للنضال الفلسطيني وأكد أن منظمة التحرير تتقدم على الطريق المسدود في وقت لم ير فيه الكثيرون غير علامات الصعود السياسي والعسكري للمنظمة .. !!
.. سألت الدكتور عصمت سيف الدولة :
* الاتفاق الأردني ـ الفلسطيني حلقة جديدة في سلسلة التسوية السياسية للصراع العربي الصهيوني ، من منظورك كيف ترى الاتفاق وتقيمه ؟
* أريد أن أصحح أولا بعض التعبيرات التي جاءت بالسؤال أو بالأحرى أن أحدد فهمي له ، فأولا الاتفاق الأردني ـ الفلسطيني ليس اتفاقا أردنيا ـ فلسطينيا ، ولكنه اتفاق بين حاكم الأردن وبعض الفلسطينيين .
إني أعتبر هذا التحديد على أكبر قدر من الأهمية ، ذلك لأنه قد آن الأوان في رأيي بأن تفرز القوى وأن تتحمل كل قوة مسؤولية مواقفها ، وان ترغم ـ إذ لزم الأمر ـ على أن تتحمل هذه المسؤولية وذلك بعدم السماح لها بالاختفاء وراء تعبيرات قد تصدق عليها وعلى غيرها من القوى المختلفة معها .
فاتفاق حكومة الأردن لا ينسب للشعب الأردني ، واتفاق بعض قادة "فتح" لا ينسب الى الشعب العربي الفلسطيني .
وفي هذا السياق لم تعد كلمة ( العربي ) تعني شيئا محددا خاصة في معركة تحرير فلسطين من الغزو الصهيوني ، ولكن هناك هويات أكثر تحديدا وأوضح دلالة على المواقف المتناقضة للقوى ( العربية ) ، ولا يجب أن نستمر في السماح بخلط الأوراق بعد أن سمحنا لها بأن تختلط زمنا طويلا . نعم كلنا عرب ولكن لا يجب أن ننسى قط أنه حتى الخونة عرب ، والمستغلون عرب ، والعملاء عرب ، وأبطال التحرر عرب أيضا .. !!
إن التجربة التاريخية المرة على مدى نصف قرن قد أثبتت لكثيرين ، ثم أسفرت للكافة عن الفارق النوعي بين الصراع ضد الصهيونية والخلاف مع إسرائيل . إنهما معركتان متميزتان ، بل أصبح واضحا أنهما متناقضتان في المنطلقات والغايات والأساليب والقوى .. باختصار إن معركة الصراع ضد الصهيونية تنطلق من وحدة الأمة وتستهدف دولة الوحدة .. أسلوبها الثورة العربية الشاملة التي يقع في نطاقها استرداد أرض فلسطين لحساب مشروع الوحدة ، هذا الصراع قوته الأساسية هم القوميون في الوطن العربي وليس مجرد العرب ، وفي هذه المعركة لا محل لما يسمى التسوية السياسية أصلا ، وفيها أيضا تسخر السياسة وفنونها وتكتيكاتها لخدمة الثورة ..
أما المعركة الأخرى معركة الخلاف مع إسرائيل فهي تنطلق أساسا من قبول الوجود الصهيوني في فلسطين ، وتختلف فقط حول الحدود وتستهدف اقامة دولة فلسطينية وليس أبعد من ذلك ، وتساوم سياسيا من أجل توسيع رقعتها .. هذه المساومة التي أخذت أشكالا متعددة فكرية وسياسية وقتالية في بعض الأوقات هي التي تسميها في سؤالك " سلسلة التسويات السياسية " ، اذ في نطاق الخلاف والمعركة الخلافية توضع البندقية في خدمة الهدف السياسي ..
هذا ما أعتقده وأراه وهي رؤية قديمة ما تزال الأحداث تثبت صحتها . المهم أن يختار كل واحد منا معركته ، وألا يترك للقوى الإقليمية المشتبكة في معركة الخلاف مع إسرائيل أن تختلط بالقوى القومية المشتبكة في معركة الصراع ضد الصهيونية .. ولست في حاجة للقول أنني أنتمي للقوى المشتبكة في معركة الصراع ضد الصهيونية . وبالتالي لست في حاجة للقول بأن الأمة العربية بكل جماهيرها وفي كل أقطارها لم تكن في أي يوم طرفا في التسوية السياسية وليست طرفا في الاتفاق الذي نسميه " الأردني ـ الفلسطيني " . إن هذا الاتفاق لكونه يجئ من أجل تحقيق مكاسب في تسوية الخلاف مع إسرائيل يقع في معسكر القوى الإقليمية في الوطن العربي ..
من هذه الناحية ـ وقد تندهش ـ فأنا سعيد بالاتفاق ، فقد كشفت فيه بعض القوى التي طالما حسبت نفسها على الأمة العربية عن أنها أكثر إقليمية من الإقليميين . وبالتالي ساهمت حتى بدون أن تدري في تنقية الحركة القومية من الشوائب الإقليمية ..
* لوحظت حالة من التمايز في مواقف قوى المعارضة المصرية بصدد الاتفاق الأردني ـ الفلسطيني ، " فقيادة العمل " و " قيادة التجمع " أيدتا الاتفاق ، فيما عارضه " الناصريون " وأقسام من " الشيوعيين " ، هذا التمايز الحادث في المواقف .. هل هو محض التباس تكتيكي أم أنه تعبير عن خلاف جوهري في الاتجاهات والرؤى الإستراتيجية بشأن المسألة الفلسطينية ؟
* لست أريد وما ينبغي لي أن أحاكم من أختلف معهم من المعارضين أو غير المعارضين ، ولست أريد أن أسلم بدون تحفظ على ما تنسبه الى "حزب العمل" أو "حزب التجمع" أو "الناصريين" ، فعلى قدر علمي ليست المواقف موحدة في أي من هذه الأحزاب أو الجماعات .. إنما بالقطع هناك تمايز في المواقف وهذا هو الايجابي . أعني أنه من المفيد لمجمل الحركة السياسية في مصر أن تعلن المواقف وتتمايز تمهيدا لإكمال أروع ظاهرة في الوطن العربي وفي مصر خاصة بدأت منذ عشر سنوات ، أعني بها ظاهرة فرز القوى ..
ولعلك تذكر أنني في عام 1980 نشرت في نشرة "التقدم" التي كان يصدرها "حزب التجمع" مقالا بعنوان (الخروج من المستنقع أولا) ، كان ذلك أيام حكم السادات ، وكانت الدعوة الى تكوين جبهة للمعارضة نشيطة وكان لي نصيب في نشاطها .. وكان من ناتج خبرتي بقوى المعارضة ذلك الوقت ما لاحظته من أن الكثيرين من المعارضين لا يريدون أن يفصحوا عن أهدافهم الإستراتيجية من بعض القضايا القومية والوطنية مكتفين باللقاء على المستوى التكتيكي أو المرحلي . وكان هذا الإخفاء هو العقبة الأساسية التي حالت دون تكوين الجبهة في ذلك الوقت ، فكانت مقالتي حديثا الى قوى المعارضة بأن تفصح كل قوة منها عن أهدافها الإستراتيجية حتى يمكن لها أن تلتقي في جبهة على المستوى التكتيكي أو المرحلي  لقاء ( على نور ) .. أي يعلم أصحابه أنه لقاء مؤقت الى أن يحققوا غايتهم المرحلية المشتركة ، واستعملت تعبير ( الخروج من المستنقع ) استعارة من تاريخ الثورة الفرنسية حيث كانت تطلق كلمة "المستنقع" على الموقف الوسطي غير الملتزم استراتيجيا ، فالتمايز الحادث الآن والذي أتمنى أن يزداد وضوحا هو ظاهرة صحية لا يقلل من قيمتها ما كشفت عنه من أن بعض الأشخاص قد خرجوا من مستنقع الموقف الوسطي الى مستنقع الاعتراف بإسرائيل ..
لقد استطاعت الصهيونية أن تتسلل الى عقول بعض العرب فأصبحوا عربا صهاينة .. إذ الفيصل المميز للصهيونية هو الاعتراف بأن لها حقا تاريخيا في أرض فلسطين وترجمته السياسية هي الاعتراف بإسرائيل ..
* حذرتم مبكرا من تقدم منظمة التحرير على الطريق المسدود ، والآن كيف ترى خريطة النضال الفلسطيني في ظل الانقسام الراهن ؟
* في رأيي أن مرحلة النضال الفلسطيني قد انتهت . أعني أن النضال من أجل تحرير فلسطين في صيغته الفلسطينية قد بلغ السد الذي حذرنا منه منذ 1968 ، وأن الثورة تتجاوز الآن إطارها الفلسطيني لتدخل مرحلة جديدة في طريقها لتكون ثورة عربية ، وتتجسد هذه المرحلة الانتقالية فيما هو مشتعل الآن في جنوب لبنان والذي لا اشك لحظة واحدة في أنه سيمتد الى أقطار أخرى ..
أما ما تسميه الانقسام ، فان قسما ما يزال متمسكا بالفلسطينية .. ولما كان قد أدرك السد دون الثورة ، فقد تحول الى مسلسل التسوية السياسية .. أما القسم الآخر فان مصيره ما يزال غامضا ويتوقف على إدراكه أن الثورة الفلسطينية من عمر الثورة العربية قد أعطت كل إمكانياتها ، وأن المسألة ليست مجرد أخطاء شخصية بحيث تصحح بأن يحل أشخاص محل أشخاص ، ولكنه واقع موضوعي ذو أصول تاريخية يحتم ألا تتحرر فلسطين إلا في نطاق ثورة عربية شاملة تستهدف الوحدة العربية بعد التحرير ، فان أدرك هذا القسم (المناوئ لعرفات) متطلبات المرحلة التاريخية القادمة فان مصير حركته سيرتبط عضويا بالمرحلة القادمة من الثورة العربية ، أما إذا لم يدرك هذا فان مصيره ومصير حركته لن يكون أكثر جدوى من مصير القسم الأول ..
إن هذا كلام وجهناه الى "منظمة فتح" عام 1968 وما يزال صحيحا لأنه ما يزال صحيحا فشل القوى الإقليمية في معركة تحرير فلسطين ، وأن أية قوة ما دامت إقليمية فهي تسير شاءت أم أبت على طريق مسدود ..  
* ما بعد منظمة التحرير أو ما تسميه المرحلة القادمة في النضال من أجل تحرير فلسطين ، ما أساليبها وأدواتها ؟
* منذ ربع قرن وأنا أدعو الى أن التنظيم القومي هو آداة قيادة الجماهير العربية من منطلق وحدة الأمة الى هدف دولة الوحدة . ولكن التنظيم القومي ليس استجابة ذاتية لدعوة ما ، بل إن له مضامين موضوعية لا تنشئها إحدى الدعوات إذا لم تكن متحققة في الواقع .
المضمون الموضوعي اللازم لقيام التنظيم القومي غير قابل للاكتشاف  إلا إذا قام التنظيم القومي فعلا ، أعني على وجه التحديد أنه مهما تكن الرغبة في إنقاذ الأمة العربية ومهما يكن فهم مشكل إنقاذها صحيحا ، ومهما يكن التنظيم القومي هو الحل العلمي الصحيح ، فان عدم قيام تنظيم قومي حتى الآن يعني أن طلائع الشعب العربي لم يصلوا بعد الى درجة من نضج الوعي والمقدرة على الحركة المنظمة تؤهلهم موضوعيا لتحمل مسؤولية بناء التنظيم القومي .. ربما لأن البدائل الإقليمية وما تثيره من أوهام الانتصار ما تزال معروضة بكثافة تختلط بأمل النصر المعقود للتنظيم القومي ، بالرغم من أن الشعب العربي يلمس كل يوم تساقط هذه البدائل في ميادين التحرر أو التقدم أو التنمية أو حتى الأخلاق ، كأنه يبدو أن ثمة بدائل ما تزال عالقة بوعي الشعب العربي تزاحم الحل القومي .. من هنا أعتقد أن ما يسمونه الانهيار العربي أو المأزق العربي وكل المآسي الدائرة على الأرض العربية الآن تساهم في إسقاط المزيد من البدائل الإقليمية . وعندما تقتنع طلائع الشعب العربي بالا بديل عن التنظيم القومي ، سيقوم التنظيم القومي .. أما قبل ذلك فانه لن يقوم إلا مصطنعا ، وعندما يكون التنظيم مصطنعا لا يكون قوميا ، فلنصبر مع الصابرين ، ولندعو مع الدعاة ثم لنترك الشعب العربي يختار آداته ..
* الحوار لغة مطروحة على الساحة ، ألا تعتقد بجدوى هذه اللغة في بناء التنظيم القومي (آداة المرحلة القادمة في النضال من أجل تحرير فلسطين) انطلاقا من التعددية القائمة في صفوف القوى القومية التقدمية ؟
* الحوار مفيد دائما من حيث هو البديل عن الهجر والعزلة . والحوار هو الجدل الاجتماعي .. والجدل الاجتماعي هو القانون العلمي لاكتشاف حقيقة المشكلات وحلولها الصحيحة ، ولا ينال من فاعلية هذا القانون إلا أن بعض ما يسمى (حوارا) لا يكون لا بحثا عن الحقيقة ولا بحثا عن حل ، ولكن محاولة تجنيد أو استقطاب أو تخريب أو حتى اكتشاف لحساب قوى يهمها أن تعرف مواقف الآخرين تحت ستار الحوار .. أما باقي السؤال فيوجه الى أصحابه أو من تسميهم بالقوى القومية التقدمية المتعددة ، فهو تعبير لم أفهمه قط .. فأنا لا أفهم القوى القومية التقدمية إلا مصوغة في تنظيم قومي ، بمعنى أنه قبل ذلك قد يوجد قوميون تقدميون ، أما أن يتحولوا الى قوى قومية تقدمية ويبقوا متعددين فهو تناقض واقع على مستوى مفهوم القومية التي هي وحدة في جوهرها ، هذا بالإضافة الى أنني في الواقع قد اكتفيت وما أزال مكتفيا بدور الداعية وبالتالي فاني أكاد أكون معدوم الخبرة بجدوى أو عدم جدوى الحوار بين القوى المتعددة على إنشاء تنظيم واحد ..
وأكاد أقول أن الخبرة العالمية لا تؤيد الآمال المعقودة على الوحدة بين القوى المتعددة من خلال الحوار ، فخلاصة التجربة الإنسانية كما أعيها هي أن الحوار بين القوى المتعددة يؤدي بنجاح الى تكوين جبهة أما الوحدة فلست أرى في التاريخ كله مثلا واحدا لها ..
* في الواقع العيني الملموس هل ثمة مؤشرات ومفردات ترسم اتجاها عاما يؤشر التحول نحو المرحلة القادمة في النضال من أجل تحرير فلسطين ( مرحلة الثورة العربية الشاملة ) ؟
* الإجابة متوقفة على خلفية الرأي في الوصول الى مرحلة الثورة العربية الشاملة .
وأنا مقتنع بأنه إذا تعاملنا مع الواقع العربي كما هو بدون مثالية من حيث هو واقع مجزأ تجزئة طال بها الزمن وتعلقت بها مصالح الإقليميين ، وتحرسها قوى دولية ، فان الثورة العربية ستكون المرحلة الأخيرة من سلسلة ارهاصات ثورية ، وثورات تنفجر في مواقع الضعف الإقليمي وما تنفك تتسع وتتنامى الى أن تصبح على قدر من الشمول في المنطلقات وفي القوى مع الاحتفاظ بوحدة الغاية والآداة .. وهذا يعني أن نحرر أوهامنا من توقع ثورة شعبية تجتاح الأقطار العربية مرة واحدة أو ثورة شعبية تستولي على قطر منها وتستعمله لاجتياح بقية الأقطار على الطريقة الباسماركية ..
بناء على هذا رأيت أنه ما إن تحولت ثورة يوليو من ثورة مصرية الى ثورة قومية حتى امتدت الثورة للأقطار الأخرى ولا أقول قامت ثورات أخرى في تلك الأقطار ، وكانت فلسطين المغتصبة هي المفجر ولم يكن مصادفة أنه كلما امتدت الثورة الى أحد الأقطار اتخذت من فلسطين ذات الموقف الثوري ، ثم بدأ الانحسار بعد سنة 1987 عندما هزمت ثورة يوليو في معركتها ضد الصهيونية ، وانكمشت الثورة العربية واحتمت بالإطار الذي لم يكن أحد يجرؤ على إنكاره عليها أعني به ( الاطار الفلسطيني ) ، وقد بارك أعداء الأمة هذا الإطار في بدايته لأنه لم يروا فيه إلا ثورة فلسطينية ولكن كنت أرى غير ذلك .. كنت أرى أن التصميم على استمرار الثورة حتى النصر لن يلبث أن يحولها الى مسارها الصحيح نحو ثورة عربية ، أي أن تسترد من خلال النضال هويتها القومية .. من تلك الرؤية حذرت من المراهنة على النصر في المرحلة الفلسطينية تحذيرات نشرت تحت عنوان (التقدم على الطريق المسدود). والآن نحن في مرحلة ما بعد السد ، وبالرغم من خروج أغلب القوى الفلسطينية من ساحة الثورة استمرت الثورة في الإطار المسمى بالوطن المتجسد الآن في لبنان والمميز له أن ليس كل الثوار في لبنان لبنانيين وليست صفوف الثوار في لبنان مغلقة دون الشباب العربي .. الشباب القومي . وغدا أو بعد غد ستستمر الثورة في أقطار أخرى حائمة دائما حول موقع تفجيرها في فلسطين ، عاملة دائما على أن تكسب في ميدان فلسطين في جميع الاتجاهات مزيدا من العمق الاستراتيجي ، ومن يعش غدا أو بعد غد سيرى أنه سيعيش مرحلة الثورة بدون أن يعرف حتى متى اشتعلت وكيف أصبحت ثورة قومية .. هو تراكمات الفعل الثوري على الساحة العربية ووحدته بالرغم من العزلة الإقليمية .. إن هذه رؤية لا يستطيع أن يراها واضحة إلا من يرى الأمة العربية واحدة .. ومادة الثورة واحدة وليست التجزئة إلا عقبات ، وهكذا أنا أرى ..
* ولكن هذه الرؤية فيما يبدو تقفز فوق طبيعة الفعل البطولي القائم في جنوب لبنان ، فالفعل اللبناني كما تؤكد الظواهر حالة مقاومة وليست حالة ثورة بمعنى عدم امتلاكه وانضباطه على المبدأ الصحيح والإستراتيجية الصحيحة والتكتيك الصحيح من منظور الثورة العربية الشاملة .    
* هذا رأيك ، وهو رأي يقفز فوق البعد الزماني لتطور الثورة العربية ، فأنت تقيس ما هو قائم في لبنان حاليا على خصائص الثورة العربية في مرحلة اكتمالها فتراه قاصرا ، أما أنا فأرى فيه مرحلة الثورة العربية في مرحلة انتقالها من الصيغة الفلسطينية الى الصيغة القومية فأراه أكثر اكتمالا من الصيغة الفلسطينية وأقل اكتمالا بالضرورة من الصيغة القومية لأنها مرحلة من ثورة لها خصائصها التي لا تكتمل إلا من خلال حركة تطور على مدى زماني معين ..
الدليل على ذلك أن ما تملكه الثورة في مرحلتها الحالية من العناصر التي تنسب إليها القصور فيها هي أكثر تطورا مما كانت تملكه الثورة في المرحلة السابقة .. أما أن الثورة في مرحلتها الحالية في لبنان هي مقاومة وليست ثورة فأرجو أن يكون واضحا أن كل ثورة هي مقاومة .. والثورة العربية في مراحلها جميعا ستكون مقاومة للاستعمار من أجل التحرر وللتجزئة من أجل الوحدة وللاستغلال من أجل الاشتراكية .. إنها مقاومة للقهر في جميع أشكاله ، ولهذا فهي ثورة ..       
                        




الجمعة، 6 يناير 2017

حوار مع الدكتور عصمت سيف الدولة / لقاء مع جريدة الانوار .


الأنوار ـ 8 / 3 / 1987 .

حوار مع الدكتور عصمت سيف الدولة .

القاهرة ـ رؤوف المقدمي .

الجزء الأول :

( مقدمة طويلة .............. يأتي بعدها الحوار ) :

* قلت للأستاذ : بعد الهزائم والنكسات العربية المتعدّدة ، ووسط هذا الظلام القاتم الذي تعيش فيه أمة مهددة حتى في أسباب وجودها ، وبعد أن اتضح أن لا فرق في هذا الوطن بين الخائن والوطني ، واليميني واليساري . انحسرت حركة التحرر ، وأصبح الناس يتندرون بتلك الشعارات السياسية الكبيرة ، ويصبون كل الاهتمام في مجابهة الواقع اليومي العسير . فما هو تقييمك كمفكر وكرجل عاصر عدة فترات وعاش عن قرب عديد التجارب التي كانت فلم تفلح ؟..
* أجابني بسرعة : أولا أنا لا أوافقك في هذا الجزم الخطير . الأمة العربية تعيش إحدى الفترات المنطقية لواقع التجزئة ، والتفرقة والإقليمية ، ونحن اليوم نواجه إقليميا عديد الأخطار ، وهناك أخطار أخرى قادمة ، وهذا الوضع سوف يذكيها أكثر وهو ما يعد طبيعيا .. حتى التجارب التحررية القطرية فشلت لأسباب عديدة سوف أشرحها لك ، ولم تحقق أهدافها . وكل قومي عربي في اعتقادي يجب عليه أن يؤمن بأننا ننتمي الى أمة مكتملة التكوين ، وأن يؤمن بأن من حق كل أمة أن تكون لها دولة واحدة . وبهذين الموقفين تتحدد منطلقاته وغايته . أما المقياس الحقيقي لإيمانه فهو أن يسلك في حياته الشخصية وفي حياته العامة وفي نشاطه الفكري والسياسي أيا كان مركزه الاجتماعي أو السياسي طريقا لغايته الكبيرة . القومي يعتبر أن الدول العربية تمثل جناية تقسيم للأمة العربية الواحدة ، وبالتالي لا تعتبر أية دولة عربية مشروعة قوميا ، وهو يتعامل معها على  أنها غير مشروعة . ثم هو يتعامل معها باعتبارها أمرا واقعا ، ليست مشروعة لكنها واقع .. فيعمل على جميع مستويات النشاط الإنساني في محاولة التغلب على ما تجسده الدول العربية من تجزئة إقليمية ، وصولا في مرحلة تاريخية ـ قد تطول ـ الى دولة الوحدة ..
أريد أن أركز على العنصر الثالث ما بين المنطلق القومي والهدف القومي هناك الأسلوب الذي يجب أن يكون قوميا ، وهو ما لم ينتبه إليه بعض من ذهبوا الى السلطة ، أو هم انتبهوا إليه لكنهم لم يكونوا في الأصل قوميين .. هم كانوا يغالطون شعوبهم باسم القومية ، ويقتلونهم باسم القومية ، ويذبحونهم باسم القومية .. أعني بالأسلوب مثلا الأحزاب .. كل الأحزاب التي لم تكن ( في أسلوبها ) قومية عاجزة عن تحقيق أي نجاح على الطريق القومي ، لأن أي حزب إقليمي عندما يتولى السلطة يتحول الى دولة إقليمية عربية فينطبق عليه تقييم القوميين لشرعية الدولة الإقليمية .. فالقومي لا بد أن يعمل ويجسد انتماءه الى الأسلوب القومي بأن يكون لبنة في التنظيم القومي .. ما هو التنظيم القومي ؟ كثير من التنظيمات تدعي ذلك لأنها تنطلق من أمة واحدة الى دولة واحدة .. هذان العنصران لازمان ، لكنها هي تمارس أسلوبا إقليميا .. تستولي على السلطة في أحد الأقاليم ، تحرص الحدود ، وتدخل في الصراعات مع الإقليم الآخر .. تنمي الإقليمية ، تفاضل شعبها عن بقية الشعب العربي ، تفخر بالفلكلور الآشوري أو الفرعوني .. تكرس التجزئة ، وتبدّد الثروة لتثري هي إقليميا ..
الطريق لا بد أن يكون قوميا والأحزاب أدوات تتحدد نوعيتها بنوع الهدف الذي تريد أن تحققه منها ..
 * وقاطعته : هل تقصد أن الآداة الصالحة لتحقيق الوحدة يجب ان يكون حزبا ؟
* وأجاب : نعم حزب وحدوي يجسد في ذاته داخليا الوحدة .. مؤسسة صغيرة هي دولة الوحدة في المستقبل فيما لو نمت ، أعضاء مجردون تماما من الولاء للدول الإقليمية ، معادون تماما للتجزئة ، يسعون للوحدة من خلال الواقع المجسد حتى لا نكون مثاليين .. وبما أن الخط العرضي الذي يفصل بين العرب هو الخط الفاصل بين الحكام .. حكاما وطبقات ومؤسسات ، وبين الشعب العادي المحكوم في كل الأقطار ، فالقومي هو من يكون مع الشعب العربي ..
هذه فواصل عوامل تطبقها على كل من يدعي أنه قومي .. أنا أضيف عنصرا آخر غير موجود في العلوم السياسية التي تعلمناها في الغرب ، التكوين الحضاري للأمة العربية .. الأمة عندي هي شعب محدد وأرض محددة وحضارة محددة وهي نتيجة تفاعل بين الشعب والأرض في حقبة تاريخية طويلة .. وبالنسبة للشعب العربي عموما .... الحضارة هذه من صنع الثورة الإسلامية .. فقبل الإسلام كان فيه أعراب لا أمة بالمعنى الحديث للأمة ، وبالإسلام تكونت المدينة التي كانت أول مدنية جسدت الوطن .. المهم أننا نتميز بحضارتنا ذات المنابع الإسلامية  بالنسبة للمسلمين وغير المسلمين .. في طريقة أكلهم وشربهم وأنواع السلوك واللغة والشعر .. العربي يتصرف على السجية فإذا هو عربي .. ومن ضمن الأسس الحضارية لأمتنا قيمة لا وجود لها في أي دولة غربية وأنا أقول هذا عن يقين وهو تحريم الكذب .. الكذب في الإسلام وفي الحضارة العربية جريمة أخلاقية وقبل هذا كانت جريمة جنائية .. في كل المذاهب التي أنجبتها الثورة الليبرالية ، بمثلها في أوروبا ، وكل الفلسفات ، الكذب مباح ، وفي كل العقود الأوروبية لا تبطل العقود إذا قامت على الكذب ، والقانون عندهم لا يحمي المغفلين .. عندنا الكذب ما يزال يستفز الناس ، أقول ما يزال لأن التأثير الغربي ابتدأ يزعزع من صلابة هذه القيمة خاصة في الشرائح المتلقية الثقافة الأجنبية الموجهة أو غير الموجهة للغرب .. أنا أعول كثيرا على هذه القيمة .. أنا لا استطيع أن أصدق من يقول أنا قومي وهو يكذب في كل المجالات الأخرى .. هو إذن شخص لا يعبر عن حضارة أمته ، وهذا يعني أن انتماءه الداخلي لهذه الأمة منقوص ، وعندما يدعي القومية نطالبه ببراهين لكي لا يكذب كذبة كبيرة أخرى قد توصله الى الحكم ..
زمان ، بعد قرون طويلة من الدعوة الإسلامية ، راح أحدهم يجمع الأحاديث عن الرسول ، فوجد أعرابيا يوهم الناقة بان في يديه شيئا ليستدرجها .. فرفض أن يتلقى عنه الأحاديث لأنه من يكذب على الحيوان يكذب على الإنسان ..
الحديث عن القومية اذن سهل . لكن يجب أن نلاحظ السلوك الذاتي لمن يدعي القومية ، ومن يكذب ليس قوميا ، أو على الأقل مشكوك في قوميته حتى يأتي ما يخالف ذلك ... وفي كل الأدبيات القومية يجب أن تعرف صدق مدعي القومية .. وهذه المقاييس لو طبقتها فلن تجد قوميا واحدا في أي سلطة وفي أي دولة عربية ، لأن كل سلطة في الوطن الكبير تبشر وتدعو وتحاول إقناع الناس بشرعية دولتها .. لا يوجد حاكم عربي قال أن دولتي غير شرعية .. ويبدأ بتطبيق الدستور ، ويحلف على احترامه وهو الذي يقول في بابه الأول أن القطر كذا ... وحدوده كيت ... ويعامل كل العرب الداخلين معاملة الأجانب وقد يفضل عليهم الأجانب ..
محك كل ما قلت هو الممارسة .. وأستطيع أن أضرب مثلا في كيف تختلط الأمور بتخطيط ، بوعي أو بدون وعي ، لا يهم ، وهو الوحدات الإقليمية .. وهذه أخطر المواقف المعادية للقومية ولكنها ترتكب كل يوم باسم القومية ..
* وقاطعته بسرعة : العقيد معمر القذافي مثلا ، قومي عربي ، ووصل الى السلطة وأقام وحدات ثنائية وتصرف تصرفات يراها البعض منطقية ويراها البعض الآخر هرجا ..   
* وقاطعني بدوره : دعك من هذا السؤال وسؤالك أعرفه مسبقا ، وقد ألقوه علي عديد المرات ، وأنا أعرف الغاية منه ، وأنا لا أجيب عليه لكي لا يستعمل ضد الأمة العربية ، وكي لا يركبه البعض ويجعلونه مطية لتحقيق أهداف خسيسة ..
* ووجدتني مضطرا أن أدافع عن موقفي وألح في ذلك . قلت للأستاذ أنه شخصيا ، لا تهمني الإجابة عن مثل هذا السؤال وأنني طرحته لأنه يشغل بال الناس .. فالعقيد يقول أنه ناصري ، والناصريون يقولون أن أبيهم هو عصمت سيف الدولة وأن كل ما يقوله عصمت سيف الدولة هو المسلّم النهائي .                
* وقاطعني مرة أخرى : طيب أنا لا أشك في نقاوة العقيد القومية ، ولا في صوفيته الوحدوية غير أنني لم أره منذ سنة 1975 .. أقول خسارة أنه يحكم ليبيا الصغيرة وخسارة أنه يحكمها بهذا الشكل ، مع التأكيد أنني لا اشك لا في قوميته ولا في وحدويته .. وموقفي هذا لا يجب أن يستغل في غير مكانه وهو يعنيني أنا ، وأنا أحاول أن افهم كل هذه التناقضات وحدي بعيدا عن ليبيا .
ثم واصل بقية حديثه : القومي يرى أنه مما يسهّل الطريق الى الوحدة وعي الشعب في جميع الأقطار، على أن طريقه الى التقدم مسدود وأنه لا يستطيع أن يعيش مواطنا سويا في هذا العالم إلا في دولة الوحدة .. هذا يعني أنه يجب أن يستثمر كل إمكانيات القطر من أجل التقدم ، لكن سيظل دائما يعرف أن حقه منقوص ، وأن الإمكانيات المتاحة خارج قطره أيضا من حقه .. هذا الصراع بين الطموح القومي المشروع الى أن تكون منتميا الى دولة كبيرة غنية تحميك ، وبين الضيق الإقليمي أو الحصر الإقليمي .. تعميق هذا التناقض بإبراز الحياة الرحبة التي تمنحها لك الوحدة بالمقارنة مع الضيق الإقليمي المفروض عليك ، عامل مهم جدا في تنمية الوعي الشعبي بالانحياز الى الوحدة وتوعية الشعب على هذا الهدف هي رسالة القوميين ..  
        
الأنوار ـ 15 / 3 / 1987 .

الجزء الثاني  :

... وفي الغد صباحا ذهبت الى الدكتور ..... وبعد أن ترشفنا أكوابا من الشاي ... طلب مني مواصلة أسئلتي ..
* قلت له : ما هو رأيك في الوحدات الإقليمية ، وهلاّ يمكن اعتبارها لبنة لوحدة شاملة ؟
* أجابني : في مقالات كثيرة يقال انه كلما توحد قطران فهي خطوة نحو الوحدة .. أبدا هذا اختلاق وحدات لتكون عقبات أمام الوحدة الشاملة .. لأنك إذا انطلقت من احتياجات الناس سوف تلاقي أنه لو توحدت مثلا ليبيا ومصر والسودان لحلت أزمتهم على مدى 50 سنة قبل أن يشعروا بأزمة أخرى .. عندئذ سيكون من العبث الفكري والحركي أن تحاول أن تقنع هؤلاء الناس ـ أي الشعب العربي ـ بأنه توجد حاجة الى دولة عربية أخرى ، وهو ما يؤجل قضية الوحدة لمدة أخرى .. ونحن عندما نوحد قطرا أو قطرين أو ثلاثة إنما نلغي ثلاثة دول لإقامة دولة الوحدة .. ولو نرجع الى وحدة 58 الإقليمية ، فبمجرد أن عرضت بين مصر وسوريا والعراق ، توقفت دولة الوحدة عن النمو ، فأصبحت دولة إقليمية .. ثم ضربت حتى لم تستطع أن تحافظ على نفسها .. وهذه الوحدات قد تكون لبنة لوحدة شاملة بضمان أن يكون التنظيم القومي هو قائد مسيرتها .. وهو الذي يستطيع أن يحاسب قادته إذا خانوا الهدف ، واكتفوا بالوحدة الإقليمية .. وكل من يتولى حكم هذه الأقطار يجب تجميد نشاطه القومي ، فهو لا يستطيع أن يكون قائد الدولة وفي نفس الوقت قومي ضد دولته الإقليمية غير المشروعة ..
والأفضل من كل هذا أن تقوم دولة نواة تحقق الوعي بضرورة الالتصاق بها التصاقا إراديا بالطبع .. وأنا أرشح مصر لتقوم بهذا الدور ، وليكون امتدادها لبقية الأقطار جماهيريا وديمقراطيا ..
هذا تصوري الخاص لبداية الوحدة ..
 * قلت للدكتور : قضية فلسطين يوجد شبه اعتقاد أننا لن نحررها وأنها ضاعت الى الأبد والخطير أن الشعوب العربية أصبحت تعتقد في هذا ..
* ورد بسرعة : ليس من حقك أن تنسب ما يقوله الإعلام الى الشعوب .. أن تتحدث عن الشعوب فأنت تتحدث عن شخص غائب .. أنت تعرف ما يدور في أوساط الإعلام ، وتعرف أنه بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد هناك إعلام ، لقد عوّض بالدعاية ، وظهرت وكالات الأنباء العالمية لتحتكر الأخبار ،  وسيطرت الولايات المتحدة على هذه الوكالات حتى ظهر نظام إعلامي عالمي جديد يخدم معارك خاصة ، ويوجه الشعوب لأهداف محددة .. والإعلام العربي زيادة على أنه موجه ، فقد تداخل فيه إعلام آخر خارجي ، يشكل شخصية العربي منذ صغره ويجعله يشعر بالدونية تجاه كل من حوله ، أي تجاه محيطه ..
نصل الآن الى قضية فلسطين ، نحن لا نقيم وزنا الى نوعية المعتدين يهود أو غير يهود ، ونحدد أهدافنا في أن لا مساومة على الأرض .. أما الإقليمي فيعتبر أن فلسطين جارة له وكفى .. الأقطار العربية الآن التي ليست لها حدود مع فلسطين لا تفهم من الصراع ضد الصهيونية إلا نزوع هذه الأخيرة نحو التوسع .. وهكذا تأخذ قضية فلسطين أهمية لا تتعدى عندهم كون هذه الأقطار ليست مهدّدة مباشرة بالعدوان الصهيوني .. ومجمل القول أن الدول العربية التي لها مصالح في الوطن الكبير تنطلق من الآتي :
ـ الكيان الصهيوني جار .
ـ خطر محتمل في المستقبل للتوسع .
ـ إضرار بالتضامن العربي المفيد اقتصاديا واجتماعيا .
ويتوزع الإعلام العربي في الرؤى انطلاقا من هذه المواقف الثلاثة .. نأخذ مصر .. رؤيتها لفلسطين قبل كامب ديفد وبعد .. من بعد ، كانت سيناء محتلة فكانت المسألة الوطنية مطروحة .. وعند أول فرصة بمقايضة فلسطين بسيناء ، قايضوا فلسطين بسيناء .. وانتقلوا بذلك الى مرحلة التعاطف العربي ، أي يتكلمون عن فلسطين مثل أي بلد آخر ..
المهم أنه لن يحدث أبدا أن تحرر الدول العربية منفردة أو مجتمعة فلسطين . لأنها لن تحارب أو تناهض الصهيونية إلا فيما يمس سلامتها وأمنها هي ، يستثنى من هذا طبعا أصحاب الإقليم ، أي الفلسطينيين لأن فلسطين هي أرضهم .. ومنظمة التحرير بدأت من هذا المنطلق ، وهم يعلمون تماما أن الدول العربية لن تحرر فلسطين .. على الأقل أبو عمار يعرف هذا ، فبدأ الأسلوب المكرس الآن في المنظمة ، أي محاولة الحصول من أي حاكم عربي عما يستطيع أن يحصل منه ..  من هذا المال .. ومن ذاك التأييد .. وهذا الوضع ظل أبو عمار يديره بمنتهى الذكاء . الى أن وقعت هزيمة 67 وموت جمال عبد الناصر وانحياز مصر لإسرائيل ، وبقي السلام .. ! "سلام مين ، مقابل أرض مين ؟ " .. طبعا سلام الدول العربية مقابل أرض فلسطين أو جزء منها .. ووقع أبو عمار في المحظور وخانه ذكاؤه الشديد ، وكرس هذا المبدأ بمؤتمر الدار البيضاء الذي أكد أن أبو عمار والمنظمة هم الممثلين الشرعيين الوحيدين للشعب الفلسطيني . وقام شعار " ما تقبله المنظمة نحن نقبله " .. الله انت مالك ، ملكي أكثر من الملك .. أبو عمار عايز كدة ..
طبعا أبو عمار يقول بالتكتيك ، أنا أقول له ناور نعم .. لكن لا تعترف بإسرائيل ، أي لا تقبل بنظرية الصهاينة .. وقد نصحته ، وأذكر أنني سنة 76 وكنت في السجن طلبت منه أن يدخل طرفا رابعا في الوحدة الليبية السودانية المصرية ..
* وقاطعته : أنت لم تجبني الى حد الآن ، كيف نحرر فلسطين ؟
* ورد مازحا : الله انت مالك عايز نحررها دلوقت .. ومضى يقول : نحن عندما نقول كل هذا نبقى مثل كاسترو وأكوادور .. بينما المطلوب هو أن نبقى شركاء لأرضنا .. لكل هذا أنا في قطيعة عدائية مع حزب التجمع ، أهاجمه وأهاجم رئيسه خالد محي الدين ، لأن مواقف التجمع غير مقبولة من حزب يساري .. وعندما دخلنا معارك ضد السادات قام فيها التجمع بدور بطولي ، كانت لنا مواقف قومية غيّرها التجمع منذ سنتين ..
المهم أن فلسطين سوف تتحرر بطريقة لم يعرف التاريخ لها مثيلا . وهي الثورة العربية الوحدوية .. وفي التمهيد لهذه الثورة وكجزء أساسي منها عدم فض الاشتباك والقتال مع المؤسسة الصهيونية ولو لساعة واحدة .. وأنا أعني المؤسسة الصهيونية التي ليست إسرائيل إلا مشروع دولتها الكبرى .. لا بد من القتال يوميا فرد ضد فرد ، وجماعة ضد جماعة ، على الأرض المغتصبة وعلى كل أرض عربية وغير عربية .. وأذكر أنني كنت أعرض هذا الرأي أمام أحد قادة فتح فسألني كيف يتم هذا في الأرض المحتلة ، إن الصهاينة سوف يطردون شعبنا ويذبحونه ..؟
قلت له ، نطالبه أن يقوموا بثورة عندما تتوفر فرصة الانتصار غير المتوفرة الآن ، قلت هذا في بيروت في ديسمبر 1971 .. قال لي متحديا "اضرب لي مثلا " ... أجبته ، تخطر على بالي مسائل صغيرة ولكنها ان تتراكم تخرب أي دولة .. عدم انجاز العمل في المعامل كما يجب ، إنتاج بضائع فاسدة ، وضع كيمياويات في البضائع ، ترك الحنفيات تشح ماء ، عدم دفع الضرائب ، افتعال مشاجرات مع الصهاينة ... ومئات الألوف من هذه المسائل من الداخل .. الأطفال الفلسطينيين بإمكانهم إتلاف كل محصول البرتقال وهو في أشجاره ... ثم يقوم الدكتور من مكانه فجأة وهو في قمة الغضب ليقول : فلسطين دي مش عاوزة سياسيين .. دي عاوزة ثوار ، ثوار .. ثم يهدأ ، ويواصل الحديث بعد أن دخن سيجارتين ..
أقول ، إن معركة تحرير فلسطين قد بدأت ، والنصر أصبح معلقا بدرجة كبيرة على مقدرة الشعب العربي على تحمل أعباء الاستمرار فيها .. وان أي دعوة للسلام المتفق عليه المتضمن الاعتراف بإسرائيل هو خيانة .. وأحب أن أنبه الى كلمة سلام متفق عليه ، لأن النشاط القتالي الذي هو ضد السلام لا يعني بالضرورة الحرب بمعناها الدولي أي تصادم الجيوش ، هنا اضرب مثل الجيش الايرلندي الجمهوري وهو لا يكف عن المعارك اليومية في شوارع لندن ذاتها .. هذا ما أقوله عن فلسطين ..
يقوم الدكتور من مكتبه .. ويدخل حاملا "وابورا" وعلبة قهوة .. يسألني هل عندي أسئلة أخرى .. قلت له إنها كثيرة ، ومنها أسئلة محددة تريد إجابة واضحة .. وطمأنني أنه سوف يجيب عليها كلها .. بس لما نخلص من القضايا العامة .. قلت طيب انني سوف اسأله ، لكنني ألح على الأسئلة الصحفية الواضحة .. وعاد يعدني مرة أخرى ..
* قلت : أريد أن توضح أكثر مسألة دولة الوحدة النواة ..
* ضحك ثم أجاب .. كتبت منذ 20 سنة كيف تنظم دولة الوحدة النواة ليكون امتدادها كما ذكرت الى بقية الأقطار جماهيريا ديمقراطيا وبدون هزات في تغيّر وضعها ، دستورها ، جنسيتها ، الضرائب فيها ، التزاوج العمل .. يعني لا بد أن تكون الدولة النواة قابلة أن يلتصق بها أفراد أو دول .. وأنا أريد أن أضرب لك تجربة أعدائنا .. الحركة الصهيونية تعتبر أن كل يهودي هو من رعايا إسرائيل أراد أو لم يرد .. كل يهودي إذن هو أحد رعاياها يقيم خارجها  وتتعامل معه على هذا الأساس بصرف النظر إن كان يريد مثل هذا التصرف أو هو ضده .. لو أن هذه الممارسة طبقت في دولة العرب .. أي أن كل من فيها هو من رعاياها ، وكل من خارجها هو أيضا من رعاياها مقيم تحت سلطة حكام آخرين ، لتغير الحال .. تبدأ المسيرة بهذا الطريق ، وهذا تصوري الخاص لبداية الوحدة .. أقول الخاص وقد كتب هذا من زمان لكنني لم أنشره ، لأن الدعوة الوحدوية غير واردة الآن نظرا لوقوع مصر تحت الهيمنة الأمريكية ..
وانتقلنا الى الأسئلة الممدّدة .. !
* قلت أنت تعرف جمال عبد الناصر ، فمن هو جمال ؟   
 * قال .. ناصر هو الوحدوي والقومي الوحيد من بين كل أعضاء مجلس ثورة يوليو 1952 ، لقد كان يحميني من رجالاته أنفسهم ، كنت أقول لهم ما هكذا يجب أن تحكموا هذه البلاد ، وما بهذه التصرفات سوف تحققون غايات وأهداف شعبنا ، وكانوا يقولون لجمال ان عصمت سيف الدولة ضدك ، وأنه يتخذ مواقف غير مواقفك .. لكنه كان يرى العكس ، وهو حتى عندما رفض الوحدة مع العراق في الأول كان لغاية حماية العراق ووحدته ، كان ينتظر اللحظة المنسبة لوحدة دائمة ..
* وسألته عن موقفه من الحرب العراقية الإيرانية ما هي هذه الحرب وكيف ينظر إليها ؟
 * ورد ، أنا مع العراق الأرض والشعب طبعا ... وقد كنت قبل اندلاع الحرب بأسبوعين في العراق ، ولاحظت تخوف قيادة البعث من جارهم الجديد .. أما موقفي من الثورة الإيرانية ، فأنا أعتبرها ثورة أطاحت بالشاه فقط ، وفكر الخميني في كل الحالات لا يستهويني ..
ان الشعوب العربية لا تفرق ـ عند حدوث عدوان خارجي مهما كان نوعه ـ بين السلطة والشعب .. فهي تمزج بين السلطة وذاتها .. وشعار إطاحة صدام يستفز العراقيين لأنه يعد تدخلا في شؤون العراق الداخلية ..
* وسألته عن موقفه من الانقلابات العسكرية والثورات ؟
* أجاب : أنا مع الثورة الشعبية ، الانقلابات لا تغير الأنظمة ، هي تغيّر السلطة فقط ، أما الثورة فتغير السلطة والنظام معا .. الانقلابات العسكرية قد تساعد على تحقيق بعض الأهداف .. لكنها لا تحقق كل المطلوب والمرجوّ ..
وعن العمل النقابي أجاب : لم أقل يوما أنني ضد النقابات أو العمل النقابي .. ولعلمك أنا أرى أن المواطن العربي في كل إقليم يحصل على 30 % من حقوقه ، وعليه أن يسعى يوميا في سبيل تحقيق حقوق أخرى ..
عندما قمت مودعا الدكتور ، لم ينس أن يسلم طبعا على التونسيين ..

                              ذهاب الى صفحة عصمت سيف الدولة




  

الأحد، 1 يناير 2017

الدكتور عصمت سيف الدولة / لقاء مع الموقف العربي .


PDF

رؤى ومواقف :  استطلاع حول الجامعة العربية وكام ديفيد والمستقبل ..

الدكتور عصمت سيف الدولة للموقف العربي :  

الرافضون لتجزئة الوطن العربي أصحاب حق في ادانة كامب ديفد.

إن أماني الشعب العربي في الوحدة لا تتجسد إلا في دولة عربية واحدة ، وهذا بديهي ، أما الدول العربية فتجسد التجزئة . والجامعة العربية تجسيد جماعي للتجزئة .. فهي المؤسسة النقيض لدولة الوحدة  وبالتالي لأماني الشعب العربي في الوحدة .
الجامعة العربية لم تتفكك وان كانت ضعفت بغياب مصر . وكامب ديفد لم تكن سببا في هذا الضعف ، بل إن الجامعة العربية هي التي كانت سببا رئيسيا لكامب ديفيد . ذلك لأن الجامعة العربية هي التي أرست قاعدة التعامل فيما بين الدول أعضاءها بالتزام كل دولة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى للأعضاء . من هذه الثغرة نفذ السادات وأبرم اتفاقية كامب ديفيد وتمسك في مواجهة الدول العربية التي عارضته بقرارات مجلس الجامعة وبميثاقها الذي يلزم الدول الأعضاء بعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سيادتها . إن الشعب العربي في مصر صاحب حق في إدانة كامب ديفيد لأنها تمس سيادة مصر ، والذين يرفضون تجزئة الوطن العربي من أبناء الأمة العربية أصحاب حق في إدانة كامب ديفيد لانهم يتعاملون مع مصر على أنها أرضهم وجزء من وطنهم الواحد .
أما الدول العربية الفخورة باستقلالها الإقليمي وسيادتها على أرضها ، الملتزمة باحترام سيادة الدول الأخرى ، فلا حق لها في إدانة كامب ديفيد لأن الاستقلال علاقة ذات طرفين .. وبالتالي فان هذا الاستقلال الذي تجسده الدول العربية في جامعتها ، هو الذي أضعف مصر فلم تستطع أن تنتصر على المؤامرات التي فرضت عليها كامب ديفيد .. وأضعفت الدول العربية فلم تستطع أن تمنع السادات من إبرام كامب ديفيد .. ولما حاولت أن تعاقبه عزلت مصر عنها أو انعزلت عن مصر محققة بهذا وحدة الهدف الجوهري من كامب ديفيد ، ولم يكن في استطاعتها أن تفعل غير هذا ..
هذا يعني تماما إنهاء وجود الجامعة العربية كمنظمة ، إذ ليست العبرة باتخاذ القرارات ولكن العبرة بقوتها الملزمة .. والإجماع يعني أن كل دولة على حدة قد ألزمت نفسها بتنفيذ القرار الذي وافقت عليه . أما حين يكون التصويت بالأغلبية بدلا من الإجماع فهذا يعني أحد أمرين .. إما أن الأغلبية ستجبر بطريقة أو بأخرى الأقلية على تنفيذ قراراتها ، وهذا مناقض لميثاق الجامعة العربية لأنه اعتداء على سيادة دول الأقلية سيؤدي الى ان تنسحب من الجامعة العربية بمناسبة كل قرار لا توافق عليه حفاظا على سيادتها الإقليمية .. وإما ألا تنسحب فحينئذ ستصدر باسم الجامعة ، وستصدر قرارات مضادة من الأقلية باسم الجامعة أيضا ، ومن توالي القرارات وتغير المواقف ستصبح الجامعة العربية مثل " الإذاعة الأهلية " التي تذيع الآراء المتناقضة ..
إن صاحب الاقتراع هو الملك حسين . والملك حسين من أذكى وأشجع رؤساء الدول العربية . وهو يريد أن يغير نظام التصويت للحصول على  قرار ينسب الى الجامعة العربية مؤيدا لموقف معروف من القضية الفلسطينية .. ولقد خانه الذكاء هذه المرة ، اذ لو استقر هذا النظام فسيأتي وقت قريب ، أقرب ما يظن الملك ، تصوت فيه الأغلبية بانهاء الوجود المستقل لدولة الأردن وإعادة إلحاقها بالدولة التي اقتطعت منها دولة الشام . ولكن يبدو أن الملك حسين لا يهمه إذا ما حصل على قرار بالأغلبية بالموافقة على مفاوضة إسرائيل والصلح معها والاعتراف بها إذا استمرت الجامعة في الوجود بعد ذلك أم انفرط عقدها ..

مصر ـ الموقف العربي  العدد 59 / مارس 1985 .   

ملاحظة : بعد هذا التاريخ بتسع سنوات ـ كما هو معلوم ـ وقع الملك حسين اتفاق واشنطن مع إسحاق رابين الذي كان حجر الأساس لاتفاقية واد عربة في 26 أكتوبر 1994 بين الأردن والكيان الصهيوني ، مؤكدا توجس عصمت سيف الدولة من مواقفه وتصرفاته المريبة منذ تلك الفترة .. (مدونة القدس) .

                       ذهاب الى صفحة عصمت سيف الدولة .