القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 29 ديسمبر 2017

شرح جدل الانسان . د.صفوت حاتم .




شرح جدل الانسان .

د.صفوت حاتم .

"لست أشك لحظة واحدة في اننا حين نحصد حاضرنا ذات يوم نلتمس بين سنابله وأعواده " فلسفة عربية " سيكون الدكتور عصمت سيف الدولة في كتابه "أسس الاشتراكية العربية" بين الطلاع القومية التي أسهمت في تكوين الفلسفة العربية المعاصرة .." ، بهذه الكلمات المعبرة القوية تناول شيخ الفلاسفة العرب الدكتور زكي نجيب محمود ، أفكار الدكتور عصمت سيف الدولة بالعرض والتحليل . وحقيقة الأمر أن الاعجاب بكتابات عصمت سيف الدولة لا يتوقف عند حدود الدكتور زكي نجيب محمود ، بل يتعداه الى عديد من المفكرين العرب ، والى مئات التلاميذ من الشباب العربي على امتداد الساحة العربية بأكملها . فهو المفكر الوحيد تقريبا الذي استطاع من خلال كتاباته العديدة ان يكوّن مدرسة فكرية تتلمذ عليها عدد كبير من الشباب العربي العامل في الساحة السياسية ، ويتربع هو منفردا على راسها استاذا لجيل كامل من الشباب ، ومفكرا لامعا بالغ الثراء والغنى ، ومناضلا قوميا يجعل من الالتزام بقضايا أمته موقفا أصيلا لم يتخل عنه للحظة واحدة .
ومنذ أن صدر الكتاب الأول للدكتور عصمت سيف الدولة وهو كتاب : "أسس الاشتراكية العربية" عام 1965 ، فلقد شهد الفكر القومي العربي كتابات لعصمت سيف الدولة أثرت تأثيرا كبيرا في تأصيل فكر الثورة العربية ، مناقشة او تحليلا ، تأصيلا أو اجتهادا ، وابداعا ضافيا بالغ العمق والدلالة .
أما الفكرة الرئيسية للدكتور عصمت سيف الدولة فهي حكم يستخلصه من التضاد القائم بين فلسفتين جدليتين هما : الفلسفة الهيجلية ، والفلسفة الماركسية . الأولى مثالية جدلية والثانية مادية جدلية . الأولى تقصر التطور على مسار الفكر المجرد الخالص وحده ، والثانية تقصر نفسها على مسار المادة . اذن فلماذا لا ينظر الى هاتين الفلسفتين "الجدليتين" بنظرة "جدلية" تجعلهما بمثابة "الشيء ونقيضه" ؟ لتؤلف بين النقيضين السابقين في كيان يجمعهما ولكنه يتجاوزهما في مركب جديد يسميه الدكتور عصمت سيف الدولة : " جدل الانسان " . فالانسان هو الكائن الذي اجتمع فيه الفكر والمادة معا يحيث نقول : ان الجدل ـ أو التطور ـ لا هو مقصور على الفكر النظري وحده ، ولا على المادة المجسدة ، بل هو "جدل الانسان" ، فالانسان وبحسب تعريفه هو "وحدة نوعية من الوعي والمادة" ، ومن ثم فلا يجوز فهم أحدهما منفصلا عن الآخر ، ولا يجوز في الوقت ذاته التطابق بينهما ، بل يجب فهم الانسان كوحدة نوعية ـ لا كمركب حسابي ـ من المادة والوعي .
وعلى هذا فان الدكتور عصمت سيف الدولة يعتبر أن كلا من الفلسفة المثالية والفلسفة المادية  قد بدأتا من فريتين متافيزيقيتين مختلفتين ، وان كانتا موحدتي النتائج ، فالفلسفة المثالية تأخذ بأولوية أو أسبقية الفكر في الوجود على المادة ، والفلسفة المادية تأخذ بأسبقية المادة في الوجود على الفكر ، أما عصمت سيف الدولة ، فيشارك الوضعيين اعتقادهم أن حسم تلك القضية لا يخضع للاثبات العلمي والتجربة العلمية ، ومن ذلك فتقدير أسبقية أحدهما على الآخر في الوجود "ميتافيزيقية" لا يمكن أن تستند على وسائل العلم وطرقه في البحث ، بل ان هذا التقدير لا يعدو أن يكون مجرد استنتاجات عقلية مهما ادعت أي منهما من استنادها على العلم .
ويبين لنا الدكتور عصمت سيف الدولة بعد ذلك عن مفهومه للديالكتيك أو الجدل ، وهو يعني بالجدل أن يتقابل نقيضان أي يجتمع نقيضان في شيء واحد أو في محتوى واحد والتناقض يؤدي الى صراعهما ، الى أن يحل هذا الصراع ويخرج منهما أي من باطن الشيء الذي اجتمعا فيه ، شيء ثالث مختلف عنهما ويتجاوزهما في التطور ، فهو بالنسبة اليهما خطوة للامام أو تقدما ، انه يفرق بين التناقض وبين الجدل ، فالاخير يعني التناقض مضافا اليه التطور الجديد أو الثالث المركب يتجاوز النقيين ، ومن هنا فانه يفهم الجدل كتطور خلاق داخل جوهر الشيء .

"جدل الانسان" بين المثالية والمادية . 

 على أساس من هذا الفهم للديالكتيك ، يرفض مفهوم الجدل في كل من الفلسفتين المثالية الهيجلية ، والفلسفة الماركسية . فالجدل الهيجلي جدل خارج عالم الوقائع المعيشة المحسوسة ، جدل في اطار ما يطلق عليه هيجل "الفكر المطلق" أو "العقل الكلي" ، فحيثما يتطور "المطلق" يتطور "تجسيده المادي" . فالتناقض القائم داخل "العقل الكلي" يتم تجاوزه عن طريق "التجسيد" في شيء "مادي" يتمثل في الملكية .. الاسرة .. العشيرة .. القبيلة .. وأخيرا الدولة .. أي أن الدولة هي أسمى تجسيد للعقل الكلي ، وبالتالي تعتبر سلطة الإمبراطور أو الحاكم سلطة مطلقة باعتبارها تجسيدا للذات العليا . من هنا يأتي رفضه للمثالية التي تتحرك بعيدا عما هو محسوس ومعيش ، والتي بررت في نفس الوقت الاستبداد والخضوع لما هو قائم تحت وهم تقديس الدولة أو الامبراطورباعتبارهما تجسيدا للذات العليا ، أو "الكلي" "المطلق" . وهو يرف في نفس الوقت جدل المادة . فرفض عصمت سيف الدولة للجدل المادي الماركسي يستند على أساس متين من مكتشفات العلم الحديث ، كما يستند في الوقت ذاته على التطورات التي تبناها كثير من الماركسيين المعاصرين خصوصا في الفترة التالية على ادانة الستالينية وانغلاقها العقائدي والعلمي . فالماركسية ـ وعلى خلاف الهيجلية - قد حصرت الجدل في اطار التناقض الكامن في "المادة" سواء الأجسام المرئية او أصغر الدقائق غير المرئية  كالذرة ومكوناتها . أما عصمت سيف الدولة فيرى أن العلم على أيام ماركس وانجلز كان يسمح بالقول : ان التناقض كامن في باطن الذرة وذلك طبقا لقانون "كولومب" ، فأي جمع بين أي شحنتين كهربيتين ، اما ان يتنافرا ان كانتا من نوع واحد واما أن يتجاذبا ان كانتا مختلفتين ، وعلى هذا الأساس فسر وجود الشحنات السالبة والموجبة من باطن الذرة على أنه تأكيد على صحة قانون التناقض والجدل في باطن الذرة ، أما الآن فلقد أثبت العلم الحديث أن قانون "كولومب" ليس مطلق الصحة ، فلقد ثبت أن هناك مسافة يبطل عندها قانون "كولومب" ، وهذه المسافة هي جزء من ثلاثين مليون من السنتيمتر ، أي ما يعادل الثمن من قطر أكبر ذرة ، وبذلك ثبت أن الذرة خالية من التناقض أو الصراع .
ويدعم الدكتور سيف الدولة رفه لفكرة الجدل في الطبيعة على أساس العديد من المكتشفات العلمية الحديثة الأخرى ، فهو يقرر مثلا أن العلم الحديث لم يعد في حاجة لقانون "الجدل" ليفسر "تحولات المادة" ، اذ أن هذه التحولات تتم عن طريق ادماج الذرات ببعضها البعض وليس عن طريق تصارعها ، فاذا علمنا أن المعنى الدقيق "للجدلية" هو التناقض "الداخلي" في باطن الشيء ، فان تحولات المادة لا تتم عن طريق "التناقض الداخلي" ، بل من ضرورة أن يتواجد مؤثر "خارجي" ، ويتم ذلك عن طريق اشتراك ذرتين أو أكثر في المدارات الخارجية ، وعن طريق تعديل عدد وترتيب عناصر الذرات من الكترونات ونوترونات .
ويضيف الدكتور عصمت سيف الدولة الى ذلك أن الماركسية في اطار من محاولتها تطبيق قانون التناقض على عالم المادة قد أقامت تعارضا "وهميا" بين المادة والطاقة ، فاعتبرت الطبيعة قائمة على هذين العنصرين ، وبينما اعتبرت المادة شيئا ملموسا له كتلة او يمكن تمييزه بالكتلة ، واعتبرت الطاقة شيئا نشيطا بدون كتلة ، وعلى أساس ذلك فلقد اصبح السكون نقيض الحركة ، والمادة نقيض الكتلة ، الى أن ثبت عن طريق " اينشتاين " أن المادة طاقة مركزة ، والطاقة مادة لا تحتاج لكي نقول عنها أنها طاقة الا ان تسير بسرعة الضوء . فلقد أزال "اينشتاين" عن طريق قانونه القائل : ان الطاقة تساوي الكتلة مضروبة في مربع سرعة الضوء ، محاولة اظهار التناقض بين الطاقة والمادة وأزال في الوقت نفسه التناقض الذي كان يفترض بين الجاذبية والقصور الذاتي .  
ان الدكتور عصمت سيف الدولة لا يكتفي فقط بدحض الجدل في الطبيعة او المادة من خلال مكتشفات العلم ، بل انه يثبت أيضا ما كتبه الماركسيون المعاصرون في ذلك المضمار خصوصا الفترة التالية لادانة الستالينية ، فهو يثبت لنا مثلا ما قاله علماء السوفيات وفلاسفتهم في كتاب "أسس الماركسية اللينينية" في طبعته الأولى من انه يمكن وعلى اساس من ميكانيكا نيوتن معرفة حركة الاجسام المرئية ( الماكروكوزم ) ، وانه عن طريق معرفة حالة الجسم في أي وقت فانه يمكن أن تحدد مقدما حالته في أي وقت في المستقبل مستخدمين في هذا الميكانيكا الكلاسيكية ، أي ميكانيكا نيوتن ، أما في عالم غير المرئيات ( الميكروكوزم ) أي عالم الدقائق الذرية ، فانه يمكن عن طريق قوانين الميكانيكا الكوانطية ( أي قواعد الميكانيكا الخاصة بغير المرئيات ) تحديد وضع وسرعة هذا الجسم في المستقبل عن طريق الاحتمال ، مستخدمين في هذا الميكانيكا الكوانطية . ( راجع عصمت سيف الدولة / أسس الاشتراكية العربية ) .
وعلى أساس من هذه المناقشة الخصبة التي يجريها الدكتور عصمت سيف الدولة مع كل من الفلسفتين المثالية الهيجلية والمادية المركسية ، اذ يوح لنا ان العنصر المشترك في الفلسفتين هو ما يسمى على سبيل الشيوع قوانين الجدل ن التي صاها هيجل واستعملها ماركس ، الأول طبقها على الفكر والثاني طبقها على المادة ن وهذه القوانين في صياغتها العلمية :
قانون التأثير والتأثر .
قانون الحركة والصيرورة .
قانون التغير المستمر ( من تراكمات كمية لا دلالة فيها الى تغيرات كيفية ذات دلالة ) .
قانون الجدل ( أو التناقض ) .
وهو يفرق بين القوانين الثلاثة الأولى باعتبار أن تلك القوانين هي قوانين الحركة كما صاغها "نيوتن" ، وبين القانون الرابع قانون الجدل الذي يعني وحدة وصراع المتناقضات ن اذ ان هذا الأخير هو قانون "التطور" وهو يقصر هذا الأخير على الانسان وحده ، ويعتبر القوانين الثلاثة الأولى قوانين كلية تشمل الطبيعة كما تشمل الانسان معها ، أما الجدل فليس في الطبيعة بل في الانسان ... اذن كيف تتطور الطبيعة ؟
يقرر الدكتور عصمت سيف الدولة أن الطبيعة بدون الانسان ليست متطورة ، بل هي "متحولة" من شكل الى آخر ، اذ انه يفرق في هذا الصدد بين معنيين : "التطور" ، و "التحول" ، فالتطور هو حركة ذات إضافة كيفية ، أما التحول فهو حركة بدون إضافة جديدة . فالجدل عنده هو قانون التطور ، والجدل ـ كما يقول ـ هو عملية خلق وتجاوز واضافة ، أما التحول فذلك شيء آخر لهذا نراه يقول : "سنفرق في حديثنا بين التحول والتطور حاصرين تعبير التحول على تعبير الحركة دون إضافة ، وتعبير التطور على الإضافة خلال الحركة الجدلية ، والتحول هو مفهوم القانون الأساسي للمادة" . وهو يضرب مثلا على ذلك تحول الماء الى بخار او ثلج ، اذ ان ذلك تحول في الشكل مع بقاء في التركيب الداخلي ، كما ان اندماج الذرات لا يعطي الا شكلا جديدا قائما على خصائص التركيب الجديد للذرات المندمجة وتراتيب الالكترونات بداخلها . ( أسس الاشتراكية العربية ص92 ) .
اذن هل يمكن اعتبار الطبيعة غير متطورة ؟
الواقع ان الدكتور عصمت سيف الدولة لا يقرر ذلك ، بل يعتبر ان تطور الطبيعة مرتبط بتدخل الانسان لتطويرها ، اذ أنه الكائن الوحيد الذي يتدخل في الطبيعة ليعيد تشكيلها وفق ارادته ، فهو يقرر أن المادة لا يمكن أن تكون متطورة لو لم يوجد الانسان ووعيه ، انها في حقيقتها "متحولة" وفق قوانينها النوعية الى اللحظة التي يتدخل فيها الانسان ليطور فيها ، اذ أن التطور ما هو الا تشكيل ذكي للمادة لا يتم بدون الانسان ، فتطور أدوات الإنتاج مثلا هو تشكيل ذكي للمادة حدث بفاعلية الانسان ووعيه .
وبعد ان يثبت الدكتور عصمت سيف الدولة رايه في أن المادة غير جدلية ، وبعد أن يرفض الجدل المثالي ، يمضي للتحدث عن منهجه الذي يسميه "جدل الانسان" قائلا : ان جدل الانسان يقوم على ذات القاعدة التي قامت عليها مناهج كثيرة في التطور ، وهي أن كل الأشياء والظواهر منضبطة في حركتها من الماضي الى المستقبل بقوانين حتمية معروفة أو يمكن معرفتها ، وهذا هو الشرط الأول لامكان تغيير الواقع ، يضاف الى هذا أن كل الأشياء والظواهر التي هي منضبطة بقوانين حتمية يؤثر بعضها في بعض من خلال حركتها التي لا تتوقف فتلحقها تغيرات مستمرة .
وبهذا يتفق منهج "جدل الانسان" أيضا مع مناهج كثيرة من أن هناك قوانين ثلاثة كلية هي التي تضبط حركة الأشياء والظواهر بما فيها الانسان : وهي قوانين التاثر والتاثير ... الحركة المستمرة ... والتغير المستمر . 
الا انه يقرر نتيجة خطيرة ينبغي الالتفات اليها ، أنه وان كانت هذه القوانين يمكن تطبيقها على أي شيء ، فانه لا ينبغي التغافل عن ان العلوم المختلفة تخضع لقوانين نوعية تختلف من وضع الى آخر ، فالقوانين التي تصلح للكيمياء ، لا تصلح للفيزياء ، وتلك تختلف عن قوانين النبات ، والأخيرة تختلف عن قوانين الحيوان ، وهي كلها تختلف عن القوانين النوعية للإنسان ن على الرغم من انها جميعا تخضع للقوانين الكلية المذكورة . أي انه لا ينبغي التغافل عن القوانين النوعية لكل مستوى موضوع للبحث .
من هذه الحقيقة يرتب الدكتور عصمت سيف الدولة عناصر منهجه على أساس من القوانين الكلية المذكورة : التاثر والتاثير ، التغير المستمر ، الحركة المستمرة ، الا ان القانون النوعي للإنسان هو قانون الجدل ، أي أن الجدل قانون نوعي خاص بالإنسان ، لا هو موجود في الفكر المطلق ن ولا هو موجود في المادة ، ويأتي السؤال بعد هذا : كيف يتواجد الجدل في الانسان ؟
الواقع انه من الإجابة على هذا التساؤل يبدأ الدكتور عصمت سيف الدولة في إقامة بناءه الفكري ديد الجدة والابتكار مستندا على ما تقدمه احدث نظريات "علم النفس" و "علم الاجتماع" خصوصا احدث فروعه كالمنهج البنائي الوظيفي ، الا أنه وعلى الرغم من ذلك لا يفقد طابع البساطة الذي يميز كتاباته عموما .
ولتويح الكيفية التي تتم بها عملية الجدل في الانسان ، فهو يبدأ بذلك السؤال الاولي : ما الذي يحدد للإنسان بواعثه وغاياته ؟
وفي الإجابة على هذا التساؤل يقرر عصمت سيف الدولة : ان الانسان مدفوع دائما الى اشباع "حاجاته" المادية والمعنوية ن وان هذا هو الباعث لحركة الانسان وتطوره ، اذ أن اباع حاجات معينة ـ سواء كانت مادية أو معنوية ـ يعني انبثاق حاجات جديدة وهكذا الى ما لا نهاية .. والحقيقة ان عصمت سيف الدولة يبدو قريبا في هذا المفهوم من المدرسة " البناية الوظيفية " في علم الاجتماع التي تأسست على يد عدد كبير من علماء الاجتماع من أمثال هربرت سبنسر ، وبرونسلوف مالينوفسكي ، وكليف راد براون ، وروبرت ميرتون . والفكرة المبسطة لهذه المدرسة ودون الدخول في الاختلافات بين هؤلاء المفكرين هي ان أي وحدة بنائية ( انسان ن او مجتمع ، مؤسسة ... الخ ) تتشكل من مجموعة من الأنساق ذات آداء وظيفي معين يهدف أساسا الى اشباع المتطلبات التي يفرضها البناء ككل ، فالانسان أو المجتمع ـ مثلا ـ يطرح حاجات لا بد من اشباع لها والا توقف البناء عن الاستمرار والتطور ، وعلى هذا الأساس سنجد مثلا ان "البنية اللغوية" أو "البنية الأخلاقية" الخ .. تحتوي هي الأخرى على مجموعة من الانساق الداخلية ن وتؤدي كلها دورا وظيفيا في اشباع الحاجات التي تطرحها الوحدة البنائية أو يطرحها البناء ككل . ( علي محمود ليلة ـ الأسس النظرية والمنهجية للمدرسة الوظيفية ) .

الانسان بين الماضي والمستقبل :

ان الاضافة المبتكرة التي يقدمها لنا عصمت سيف الدولة هي الكيفية التي يتم بها هذا الآداء الوظيفي في الانسان الفرد والانسان في المجتمع ، فهو يقرر ان الانسان مدفوع باشباع حاجاته "المادية والمعنوية" ، الا ان وعي الانسان بهذه الحاجات لا يعني تحققها واشباعها على الفور ، اذ تنشا ظروف مادية أو معنوية تقف أمام تحقق هذه الحاجات . وعلى أساس من هذا "التناقض" القائم بين "الحاجات" و"الظروف" يسعى الانسان من خلال خبراته المتراكمة محاولا إزالة هذه الظروف أو بمعنى ىخر "حل" "المشكلة" فيصمم لها حلا "عقليا" مستندا على فهمه لطبيعة المشكلة ( حاجات متناقضة مع الظروف ) ، الا ان التصميم العقلي "للحل" لا يعني اشباع الحاجات وإزالة الظروف فورا ، اذ لا بد ان ينفذ الانسان هذا الحل فيشبع حاجاته ، لتنشأ حاجات جديدة تعوقها ظروف جديدة لتثور مشكلة جديدة ، يحلها الانسان وينفذ حله عمليا ، وهكذا ، من المشكلة .. الى الحل .. الى العمل .. الذي هو إضافة جديدة لم تكن متحققة قبل ان تثور المشكلة ..
ويحاول الدكتور عصمت سيف الدولة اسناد منهجه على أساس من علم النفس الحديث في تقسيمه للعمليات العقلية في الانسان ، فنراه يقول :  ان علم النفس - وان كان حديثا لم يكتمل بعد ـ فثمة حقائق أولية ثابتة به ، وحتى بدونه من الملاحظة العادية وهي أن للانسان قدرة على التذكر والادراك والتصور والعمل ، والتذكر هو استرجاع "الماضي" . فالماضي الذي لا تدركه سائرالكائنات لا ينقضي بالنسبة الى الانسان ، بل يحتفظ به ويسترجعه في ذاكرته ، ويستطيع أن يدرك الروابط التي حكمته وعلل وقوعه ، ثم يستطيع أن يتصور "المستقبل" مستخدما ذات العناصر التي استرجعها من الماضي ، وأن يعيد تركيبها على أساس القوانين التي أدركها ، وبتلك القدرة على "ادراك" الماضي وتصور المستقبل يتحدد أي نمط من سلوك الانسان .
والى هنا تحدث المزاوجة المروعة بين علم النفس البنائي الوظيفي اذ يعبر عصمت سيف الدولة عن "الحاجات" بـ "المستقبل" ، فالحاجات هي المستقبل الذي يريده الانسان ولم يتحقق بعد ، ويعبر عن "الظروف" بـ "الماضي" ، فالظروف هي تعبير عن امتداد الماضي . وكما كانت المشكلة هي عبارة عن التناقض بين الحاجات والظروف ، فهي بلغة أخرى التناقض بين المستقبل والماضي . يقول الدكتور عصمت سيف الدولة : النقيضان في جدل الانسان هما الماضي والمستقبل اللذان يتبع أحدهما الآخر ويلغيه ولا يلتقي به . وفي الانسان يجتمع النقيضان وتثور عن تناقضهما مشكلة بين ماض يريد أن يمتد فيلغي المستقبل الذي يريده الانسان ، وبين ما يريده الانسان ويريد ان يتحقق فيلغي امتداد الماضي . وتكون المشكلة ـ التي تعبر عن الصراع ـ هي ذلك الفرق بين الواقع المسترجع من الماضي ، والمستقبل الذي يريده الانسان ، ويعبر عن ذلك سلبيا بالحاجة أي شعور الذات بعدم الاكتفاء ( من تجربة الماضي ) ونزوعها الى الاكتفاء ( في المستقبل ) ومقاومة الظروف ( الماضي الممتد تلقائيا في المستقبل ) لاشباع تلك الحاجة ( في المستقبل ) .
وبقدر ما يكون الفرق كبيرا يكون التناقض عميقا ، فيكون الصراع قويا ، فتكون المشكلة حادة ، وبقدر ما يسترجع الانسان من "خبرات الماضي" فانه يستطيع ان يتصور ( المستقبل ) ، وهنا لا بد من  "الحل" الذي لا بد أن يتحقق بالعمل فتحدث إضافة جديدة لم تكن موجودة قبل أن تثور المشكلة .
وهكذا تستمر حلقات الجدل ، ويستفيد الانسان من قدرته على معرفة الماضي وقوانين وقوعه ليعدل تلك الشروط التي تحقق هذه القوانين ، وكذلك يستفيد الانسان من معرفته "العلمية" للظروف لتعديل المستقبل الذي يتصوره ، فالمستقبل المقصود عنده هو المستقبل "الممكن علميا" أي المستقبل الذي تسمح بتحقيقه القوانين التي يكتشفها ويفهمها الانسان .
ومن هنا يسارع الدكتور عصمت سيف الدولة الى توضيح الاختلاف بين " جدل الانسان " والجدل المثالي عند هيجل بقوله : يختلف جدل الانسان عن الجدلية المثالية ، لان التناقض لا يقوم بين أفكار بعيدا عن المادة ، ولكنه تناقض بين ماض "مادي" ـ  فالماضي بالنسبة الى الانسان مادي جامد لا يتوقف عليه وغير قابل للتغيير ، وبمجرد وقوعه يفلت من إمكانية الألغاء ـ وبين المستقبل أو التصور المستقبلي للمادة ، وهذا التناقض يحل بتشكيل جديد للمادة .
من هنا نرى انه يفهم الطبيعة حول الانسان فهما " وظيفيا " ، فالوظيفة الأساسية للطبيعة هي اشباع حاجات الانسان ، كما أننا نفهم عملية التذكر والادراك والتصور وهي مجموع العمليات التي تحدد سلوك الانسان ، أيضا نفس الفهم "الوظيفي" هدفه اشباع حاجات الانسان كما يعيها ويتصورها ، وهذا ينسحب بنفس الطريقة على فهمه للماضي والمستقبل .

مفهوم الحرية لدى عصمت سيف الدولة :

لا يفهم عصمت سيف الدولة "الحرية" في الانسان مفهوما وجوديا قاما على أساس من المنطق القال "بحرية الفعل الإنساني" بل نراه يفهم الحرية على أساس أنها "تحرر من .." أي انه بالقدر الذي يتحرر فيه الانسان من حاجاته ـ باشباعها وليس بتجاهلها ـ بقدر ما يحقق من حريته ، فقانون التطور في الانسان هو الجدل ، غاياته اشباع حاجات الانسان  وبالقدر الذي "يتحرر" فيه الانسان من الحاجات باشباعها ، مستخدما قانون الجدل يحدث التطور ويكتسب الانسان " حرية " جديدة لم تكن متوافرة له من قبل وهكذا . وهنا يثور سؤال : كيف يوفق عصمت سيف الدولة اذن بين الحتمية والحرية ؟
ان الحتمية أو الضرورة وهي انضباط كل شيء على قوانين حتمية لا يمكن الفكاك منها ، لا بد ان تنصرف الى الانسان نفسه . فكيف يمكن التوفيق بين هذه الحتمية وبين حرية الانسان ؟
ان حرية الانسان عنده مقصورة في ان يلتزم الانسان ـ او لا يلتزم ـ بالقوانين الكلية التي تحكمه وتحكم الطبيعة معه ، وأيضا "القوانين" النوعية للطبيعة ، من خلال التزامه هو بقوانينه النوعية . أي التزامه بجدل الانسان كقانون نوعي خاص به . ان حرية الانسان قائمة على أساس الالتزام بالقوانين الكلية والنوعية ، وبقدر ما يلتزمها يحقق حريته ، وبالقدر الذي يحقق به حريته يتطور .
لهذا فهو يرى أن الحرية هي المقدرة على التطور ، وأن هذه الحرية مشروطة بمعرفة القوانين "الحتمية" والالتزام بها .
انطلاقا من هذا الفهم يختلف عصمت سيف الدولة ـ أو يخالف ـ مفهوم مفهوم الحرية في الماركسية التي تعتقد أن الإنتاج المادي هو الذي يحدد للناس بواعثهم وغاياتهم وبالتالي أعمالهم . فالحرية في المادية الجدلية تعني ان الانسان قادر على أن يفعل ما تريده له الطبيعة المادية وحريته محصورة في أن يتبعها . "فليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم ، بل أن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم" كما يقول ماركس .
وانطلاقا من هذا الفهم ذاته فهو يختلف أو يخالف المفهوم الهيجلي للحرية الذي تأسس على أن حرية الإرادة تبدأ بأن تحقق نفسها في الواقع حتى لا تظل مجردة ، ثم تحاول أن تصبح أكثر شمولا ، بأن تتحد مع حريات الآخرين لتصبح حرية جماعية في صورة العائلة الى مزيد من الشمول لتصل الى الدولة التي هي تجسيد للذات العليا وممثلة في القوانين التي هي "إرادة الروح الكلية" .
انه يرفض ـ أيضا ـ هذا المفهوم الذي يلامس الانسان في مواجهة "المطلق" الذي يتجسد في أرقى صورة في استبداد الدولة بشؤون الأفراد .

الجدل الاجتماعي :

من الانسان الفرد الى المجتمع ، ينتقل الدكتور عصمت سيف الدولة ، اذ أن الانسان الفرد غير موجود في الواقع ، فالانسان عضو في المجتمع ، وابتداء من هذه الحقيقة نصبح في قلب المشكلة الحقيقية أي حرية الانسان في المجتمع . هنا أيضا تبدو أسس الفهم "الوظيفي" لدى عصمت سيف الدولة ، اذ يبدو المجتمع بناء عديد الانساق مهمتها اشباع حاجات البناء ككل . ويحاول عصمت سيف الدولة التغلب على ازمة العلاقة بين الانسان الفرد وبين المجتمع ككلية فوق الفرد باعطاء الاثنين مفهوما وظيفيا . فالفرد يساهم بدور وظيفي في عملية اشباع "حاجات" "البناء الاجتماعي" ككل بينما يحقق الوجود الاجتماعي في الوقت ذاته اشباعا لحاجات الفرد ... ولعل هذا المفهوم أقرب للمفهوم "الوظيفي" لروبرت ميرتون منه لمفاهيم الرواد الآخرين لعلم الاجتماع الوظيفي .
فالمستوى الذي يتجه اليه الآداء الوظيفي بالاشباع عند روبرت ميرتون يختلف عن الخطوط التي سار عليها "دوركايم" والذي يتجه الاشباع عنده نحو البناء الاجتماعي والذي لا يتيح أي مكان للوجود الفردي وحاجاته . وهو يختلف أيضا عن الخطوط التي سار عليها "برونسلوف مالينوفسكي" الذي رأى ان الاشباع الوظيفي موجه أساسا لخدمة الحاجات البيولوجية والفردية .
"فميرتون يعامل الوجود الإنساني على انه منقسم الى أجنحة ثلاثة : نسق الثقافة ، النسق الفردي ، النسق الاجتماعي ، وأن كل نسق تتطلب حاجاته اشباعا وظيفيا يقع على كاهل الانسان الأخرى ، وآداء وظيفيا يشبع حاجات الانسان الأخرى ، ومن هنا كان الاشباع الوظيفي عند "ميرتون" يخدم المستوى الاجتماعي البنائي ، وايضا المستوى الفردي.
على اساس من هذا الفهم "الوظيفي" يقدم عصمت سيف الدولة لنا طريقته في فهم العملية الاجتماعية وديناميتها بتطبيق قانون الجدل على المجتمع ، فكما كان قانون الجدل في الانسان "الفرد" يقوم على أساس ثلاث حركات : المشكلة ( التناقض بين الحاجات والظروف ) ـ الحل ، والعمل .
تقوم نظرية "الجدل الاجتماعي" عنده على نفس الحركات الثلاث : المشكلات المشتركة وهي عبارة عن التناقض بين حاجات المجتمع وظروفه ، ثم تأتي الحركة الثانية وهي الاشتراك في حل المشكلات المشتركة ، لتنتهي بالحركة الثالثة وهي الاشتراك في تنفيذ الحل المشترك في الواقع .
ان الجدل الاجتماعي هو جدل الانسان لكن في الحياة الاجتماعية ، أو هو الصيغة الاجتماعية "لجدل الانسان" .

قانون تطور المجتمعات :

كما كان جدل الانسان هو قانون تطور الانسان الفرد ، فان الجدل الاجتماعي هو قانون تطور المجتمعات . فعن طريق الجدل الاجتماعي أي المعرفة المشتركة "بالمشكلات" الاجتماعية ، والرأي المشترك في "حلها" ، وتنفيذ هذا الحل "بالعمل" المشترك ، يشبع الانسان الفرد احتياجات أكثر لم يكن ليستطيع أن يشبعها أو يحققها لو بقي منفردا .
ان الجدل الاجتماعي هو قانون التطور ، ولأنه قانون فهو يكتسب صفة الحتمية ، وبالتزام البشر في مجتمعاتهم بهذا القانون ، فهم يكتسبون مزيدا من الحرية بالقدر الذي يتحررون فيه من حاجاتهم باشباعها . اذن فغاية قانون الجدل الاجتماعي هو اشباع الحاجات المتزايدة لأفراد المجتمع ماديا ومعنويا. ولأن لكل قانون شروط لتحقيق فعاليته ، فان قانون الجدل الاجتماعي لا يتحقق الا بتوافر شروطه وهي المعرفة المشتركة "بالمشكلات" والمعرفة المشتركة "بالحلول" والاسهام المشترك في "العمل" على تنفيذ تلك الحلول . ويرتب الدكتور عصمت سيف الدولة على ذلك أن أي حائل يمنع الناس من معرفة مشكلاتهم أو حلولها أو تنفيذ تلك الحلول في الواقع ، فهو بذلك يعطل قانون "الجدل الاجتماعي" ، هنا ينشأ ما يسميه "الصراع الاجتماعي" . "فالصراع الاجتماعي" يبدأ في الظهور في الوقت الذي يقف فيه "الجدل الاجتماعي" ، ومن ثمة تكون "غاية" هذا الصراع الاجتماعي هو إزالة كل "العوائق" أو "القوى" الاجتماعية التي تمنع الناس من "الجدل الاجتماعي" ، ذلك أن هؤلاء بدلا من أن يتفرغوا لحل مشكلات التطور عن طريق الجدل الاجتماعي ، فانهم يركزون ـ في هذه الفترة ـ على إزالة العقبات أو القوى التي تمنع قانون التطور الاجتماعي من تحقيق شروط فعاليته .
حاولنا في الفقرات السابقة القاء بعض الضوء على قضية منهج التطور الاجتماعي لدى عصمت سيف الدولة ن فعلى ضوء هذه القوانين حاول عصمت سيف الدولة تطبيق منهجه على عديد من الظواهر الاجتماعية التي فشلت الماركسية في تفسيرها .
والحقيقة اننا لا يسعنا في هذا المجال الا أن نبدي اعجابا خالصا بالطريقة التي حاول بها تفسير عديد من هذه الظواهر الاجتماعية . فاذا كان ماركس قد استطاع أن يفسر جميع الظواهر الاجتماعية التي عرضت له على أساس من المادية الجدلية ، فان عصمت سيف الدولة قد استطاع تفسير عديد من الظواهر الاجتماعية على أساس من جدل الانسان ن والجدل الاجتماعي .
واذا كان المجال لا يتسع هنا لايراد كل هذه الظواهر فسنختار هنا أربع ظواهر اجتماعية لنرى كيف تصدى لها عصمت سيف الدولة على أساس من منهجه الجدلي الإنساني ، آملين أن يتمكن القارئ من الرجوع الى كتابات هذا المفكر .
أما الظواهر الأربع التي سنعرض لها فهي : ظاهرة الصراع الطبقي ، ظاهرة الأمة ، ظاهرة الدولة ، والظاهرة الأخلاقية .

1 ـ ظاهرة الصراع الطبقي :


على أساس من الفهم "الوظيفي" لقانون الجدل الاجتماعي ، كقانون للتطور الاجتماعي ، فانه يرفض اعتبار "الصراع الطبقي" قانونا لتطور المجتمعات كما قررت الماركسية ، وعلى أساس من فهم الصراع الاجتماعي وعلاقته بالجدل الاجتماعي يحدد عصمت سيف الدولة الفروق القائمة بين "الصراع الاجتماعي" و "الصراع الطبقي" . فهو يفهم الصراع كحركة تصادمية بين طرفين متصارعين يحاول احدهما ملاشاة الآخر على أساس من التناقض القائم ، فالصراع أعلى من التناقض ، فالأول هو عبارة عن تناقض وصل الى حد التصادم ، اما الثاني فقد لا يحتمل مثل هذه الملاشاة أو الصدامية بين طرفيه المتناقضين ، كالتناقض بين العمال والرأسماليين مثلا .
أما الصراع فهو حركة هدفها الملاشاة أو افناء أحد طرفي الصراع .
فتعبير "الصراع الطبقي" ينصرف الى تحديد القوى المتصارعة ، أي انه تعريف للصراع من حيث نوع قواه ، فالقوى المتصارعة هنا هي طبقات ، فلا يمكن فهم الصراع الطبقي من حيث مضمونه وأهدافه الا حينما يصبح لكلمة "الطبقة" مفهوما اجتماعيا ، يحدد قواها وغاية صراعها ، والماركسية تحدد الصراع الطبقي على أساس من المصلحة الطبقية . وهنا نرى ان عصمت سيف الدولة يقرر أن قوى الصراع ـ أي  صراع ـ سواء كان طبقيا ، أو عسكريا ، أو اجتماعيا تتحدد على أساس من ثلاثة شروط هي :
أ ـ المصلحة : حالية أو مستقبلية ، وسواء كانت مصلحة طبقية أو عسكرية أو اجتماعية .
ب ـ الوعي بهذه المصلحة : اذ أن المصلحة وحدها غير كافية لبدأ الصراع .
ج ـ الموقف النضالي القائم على هذا الوعي بالمصلحة : اذ أن المصلحة والوعي بها لا يكفيان لبدء الصراع ، انما تكتمل عناصر الصراع ويبدأ الصراع بالشروط الثلاثة معا :
ـ مصلحة ..
ـ وعي ..
ـ عمل ونضال على أساس من الوعي والمصلحة ..
وينتقل عصمت سيف الدولة ليوضح الفروق بين "الصراع الطبقي" كما قالته الماركسية و "الصراع الاجتماعي" كما أوضحه هو ، على اساس عدة فروق يرى منها أن الصراع الاجتماعي مفهوم أشمل وأعم من مفهوم الصراع الطبقي ، فهو يرى :
أولا : أن الموقف من الصراع لا يتحدد على أساس من الانتماء الطبقي ، أو بموقع صاحبه من ملكية أدوات الإنتاج كما تقرر الماركسية ، بل أن الموقف يتحدد على أساس الشروط الثلاثة التي ذكرناها . فالصراع من أجل الاشتراكية لا يتحدد على أساس من الطبقتين المتصارعتين طبقيا : ( العمال والرأسماليين ) ، بل تدخل فيه قوى عديدة لا علاقة لها بعلاقات الإنتاج الرأسمالية وأدواته ، فيدخل الطلبة والمثقفون والثوريون  والفلاحون .
ان الذي يحدد لهؤلاء موقفهم في الصراع من أجل الاشتراكية ليست مصلحتهم الطبقية فقط بل وعيهم بهذه المصلحة "حالية أو مستقبلية" ، ثم نضالهم من اجلها ، وان هذا يفسر لماذا كانت قيادة الثورات الاجتماعية من طليعة واعية بمصالح المجتمع ككل ومناضلة من أجل تحقيق هذه المصلحة .
ثانيا : يفرق الصراع الاجتماعي عن الصراع الطبقي في كون الأول غير لازم موضوعيا لعملية "التطور الاجتماعي" ، بل معوقا لها ، وأن مصدر لزومه هو حتمية إزالة كل عقبة تقوم في سبيل التطور وتعوقه .
أما نظرية الصراع الطبقي فترد حتميته كما تقرر الماركسية في كونه قانونا لتطور المجتمعات .. وبينما يستطيع قانون الصراع الطبقي تفسير المجتمعات الطبقية ، الا أنه يعجز عن تفسير تطور المجتمعات غير الطبقية "كالشيوعية البدائية" والمجتمع اللاطبقي بعد الثورة الاشتراكية . فهو ـ وان كان يستطيع تفسير المجتمع الطبقي ـ لا يمكنه تفسير المجتمع اللاطبقي او الاشتراكي أو الشيوعي .
ثالثا : ان جعل الصراع الطبقي قانونا وحيدا لتطور المجتمعات الإنسانية ، يجعله عاجزا عن تفسير ألوان أخرى من الصراعات لا تقوم على أساس "طبقي" . فهو لا يفسر مثلا الصراعات القومية بين الشعوب ، خصوصا تلك القائمة داخل المعسكر الاشتراكي ، كما أنه لا يفسر الصراع بين وحدات اجتماعية أدنى من المستوى القومي ، مثل الصراع العشائري أو القبلي . فالصراع الاجتماعي يفسر أمثال تلك الصراعات بين أي كيانات اجتماعية تبدأ من الأصغر الى الأكبر اجتماعيا ، بينما قانون الصراع الطبقي تبدأ فعاليته من نشوء الطبقات ، وداخل المجتمع الطبقي ذاته ن ومن هنا فهو يعجز عن تفسير الصراعات بين الأمم أو الصراعات القبلية والعشائرية في الفترة السابقة على نشوء الطبقات .
رابعا : الفارق الرابع هو ما يحدده عصمت سيف الدولة بوحدة المصير القومي . فالطبقة ماركسيا تناضل من أجل مصالحها الطبقية الخاصة ، وهنا يفترق الصراع الاجتماعي عن الصراع الطبقي ، فالعمال ـ مثلا ـ لا يستهدفون بنضالهم ضد الراسماليين الغاء الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج لتصبح بعد هذا ملكية خاصة للعمال ، بل انهم يناضلون من أجل ان تصبح ملكية اجتماعية للشعب كله .
وعلى أساس من هذا الفهم يرى عصمت سيف الدولة أن الماركسية وهي تقرر عالمية ووحدة الطبقة العاملة لا تفسر سكوت الطبقات العاملة في البلدان الراسمالية على نهب الطبقات العاملة في بلدان المستعمرات والبلدان المتخلفة ، اذ ان الطبقات العاملة الأوروبية والأمريكية تشارك بورجوازياتها القومية في نهب شعوب المستعمرات وطبقاتها العاملة . ( عصمت سيف الدولة / نظرية الثورة العربية ) .

2 ـ ظاهرة الأمة :

يعتبر تفسير عصمت سيف الدولة لظاهرة الأمة من أروع اسهاماته النظرية وأكثرها جدة وابتكارا ، فعلى ضوء حصيلة واسعة من النقاش مع النظريات العديدة من الامة ، يضع الدكتور سيف الدولة تفسيره لعملية (process ) تكوّن الامة ، وعلى أساس من هذا المنهج "الوظيفي" الذي يقترب منه ، فهو يؤسس نظريته على أن اية تشكيلة اجتماعية أو أية "وحدة بنائية" يتحدد آداؤها الوظيفي على أساس من الاشباع الوظيفي للحاجات المختلفة التي يتطلبها البناء . ففي الانتقال من الاسرة الى العشيرة ، الى القبيلة ، الى الأمة ، سنرى أن أية وحدة "بنائية" من تلك الوحدات كانت دوافع نشأتها هي توفير "حاجات" لم يكن ليستطيع البناء السابق عليها اشباعها على هذا القدر والعمق .
فالعشيرة تشبع قدرا أكبر من الحاجات عن تلك التي تشبعها الاسرة ، والقبيلة تشبع هي الأخرى قدرا اكبر من تلك التي تشبعها العشائر ، وهكذا حتى نصل الى الأمة كوحدة بنائية تشبع قدرا اكبر من الحاجات التي تشبعها القبائل ، وهكذا تمضي صيرورة تطور الوحدات الاجتماعية مدفوعة باشباع أكثر ومتزايد للحاجات الا أنه ـ وهذا مهم جدا ـ لا يتوقف بالتطور الاجتماعي عند حدود الامة بل يسير مع هذا القانون ذاته ليقرر أن التطور الإنساني مفتوح في المستقبل البعيد لظهور تشكيلات اجتماعية أكثر رقيا وتطورا من الأمة ، تساهم في تحقيق اشباع حاجات أكثر تطورا وهي الظاهرة التي بدأت تتشكل ملامحها الآن متمثلة في ظاهرة التعاون الدولي سواء داخل الكتلة الراسمالية : "السوق الأوروبية المشتركة" أو داخل الكتلة الاشتراكية ممثلة في "الكوميكون" : ( مجلس المساعدة الاقتصادية المتركة ) .. الخ .
ويقرر الدكتور عصمت سيف الدولة أن المميز الحاسم للأمة عن الطور السابق عليها هو عامل الأرض ، فالذي يميز الطور القبلي عن طور الأمة هو عدم الاستقرار على الأرض ، بل هي دائمة الحركة بحثا عن مصادر للرزق ، وهي حين تستقر على الأرض تبدأ في مواجهة "المشاكل" الجديدة التي تطرحها "الظروف" الجديدة فيبتكر على الأرض التي استقر عليها ما يحل مشكلات جمع نتاجها وتخزينه وتوزيعه وحراسته ، من فؤوس ومنازل وحراب ونبال .. الخ . إذ يكون هذا هو الطريق الوحيد لحفظ الحياة واشباع الحاجات المتجددة .. فالجماعات القبلية التي استقرت على ارض معينة خاصة بها ، دخلت مرحلة تكوين جديدة هي مرحلة تكوين الأمم ( التكوين القومي ) لتتميز بهذا الاستقرار على الأرض  عن الطور الذي سبقها وهو الطور القبلي .
لهذا فهو يعتقد أن أي نظرية في الأمة لا تسلم بأن "الأرض المشتركة" عنصر لازم لاية جماعة بشرية لتكون أمة ، هي نظرية فاشلة في التعريف بالأمة ، وذلك لأن كافة العناصر الأخرى مثل وحدة اللغة التي ترتكز عليها النظرية الألمانية ، أو وحدة الحياة الاقتصادية التي يرتكز عليها الفكر الماركسي ، أو وحدة الثقافة التي تشيد بها الكتابات العربية ، أو حتى وحدة الإرادة التي ترتكز عليها النظرية الفرنسية ... الخ ، كل هذه العناصر يمكن ان تتوافر ، وأن تجتمع لجماعات بشرية لا ترتقي الى مستوى الأمة كالمجتمعات القبلية مثلا .
على اية حال فان تركيز عصمت سيف الدولة على عامل الأرض المشتركة ، أو المنهج الذي اتبعه في تفسير تكوّن الأمة هي كلها قضايا جديدة على الفكر القومي ، لم يعالجها من قبل ..

3 ـ ظاهرة الدولة :

الواقع اننا وقبل الحديث عن تفسير الدكتور عصمت سيف الدولة ، يهمنا أن نقرر أن الفكر القومي يفتقر الى فقه متكامل في ظاهرة الدولة اللهم الا مفكرنا القومي عصمت سيف الدولة .
فهو ـ وعلى وضوء دراسة قانونية ، وفلسفية ، واجتماعية ـ يحاول تطبيق منهجه "الجدل الاجتماعي" لتفسير تلك الظاهرة اجتماعيا الا ان كتاباته لم تقتصر فقط على هذا الجانب الاجتماعي التجريدي ، بل انه استطاع أن يضع فقها خاصة عن دولة التجزئة ، ودولة الوحدة ، وعلاقة هذا الفهم بفهمه التجريدي العام عن الدولة .
والحقيقة أننا نستطيع ان نلاحظ ملامح الفهم "الوظيفي" للدولة لدى عصمت سيف الدولة ، فهو على ضوء قانون الجدل الاجتماعي الذي يفسر تطور المجتمعات على أساس المعرفة المشتركة والراي المشترك والعمل المشترك ، وباعتبار أن ذلك قانون حتمي لتطور المجتمعات ، فان هذا الاشتراك الحتمي بين افراد متعددين في مجتمع واحد فرض تنظيم نشاط الافراد وإدارة جهودهم على وجه تتكامل فيه جهودهم فتصبح جهدا واحدا في مواجهة الظروف الواحدة .
وكان لا بد لهذا التنظيم من جهاز يتولى إدارته فابتكر الانسان حلا لتلك المشكلة وهو ما سمي أخيرا "الدولة" ، أي أن الدولة ـ وبحسب تعريف عصمت سيف الدولة ـ هي جهاز إدارة المصالح المشتركة بين الناس في المجتمع . ذلك أن المجتمع قد يخلق الصراع الاجتماعي على مستوى امتداده الافقي ، وبين الفئات والجماعات على مستوى امتداده الرأسي ، وبين المتخلفين والمتقدمين على مستوى تطوره الى المستقبل . وكما عرفنا من قبل فان الصراع الاجتماعي ينشأ حين يتوقف او يتعطل قانون الجدل الاجتماعي ، لهذا فلقد خول جهاز الدولة آداء وظيفيا معينا هو سلطة الردع ليفرض حل الأغلبية على الأقلية  المتمردة افرادا أو جماعات .
ويرتب عصمت سيف الدولة على ذلك مفهوما مأداه : أن الدولة ستظل قائمة كسلطة إدارة للمصالح المشتركة ما بقيت المجتمعات البشرية ، فهي مبرر وجودها الوظيفي أيا كان شكل المجتمع ، وستظل قائمة كسلطة ردع ما بقي الصراع الاجتماعي ، على هذا الأساس يرفض عصمت سيف الدولة مفهوم الدولة في الماركسية على أساس انها جهاز ردع طبقي ، تستخدمه الطبقة السائدة د الطبقة المسودة ، وانها ستزول وتتلاشى بزوال صراع الطبقات وهو الأساس الذي عبر عنه انجلز واستشهد به وعمق له لينين في "الدولة والثورة" . ويستند عصمت سيف الدولة في رفضه للمفهوم الماركسي عن الدولة من تجربة البناء الاشتراكي ذاته اذ لم تؤد هذه التجربة الى زوال الدولة وتلاشيها ، بل الى تضخمها وتركزها في سلطة أوسع واكثر ردعا ، ويدعم هذا الفهم بما أكده المؤتمر الثاني والعشرون للحزب الشيوعي السوفياتي من إحلال "دولة الشعب كله" محل دولة البروليتاريا .
وينسحب هذا الفهم الوظيفي لعصمت يف الدولة على فهمه لظاهرة "دولة التجزئة" و "ودولة الوحدة" ، فدولة التجزئة ( او مؤسسات التجزئة ) نشأت لآداء دور وظيفي معين يتلاءم مع الغاية من نشأتها ، ومن هنا فآلية حركتها تتلاءم مع هذه الغاية الوظيفية ومع هذه الآلية من العمل ، ومن هنا يرفض الوحدة عن طريق ادماج دول التجزئة ، اذ أن هذه المؤسسات كوحدات بنائية وظيفية تتحدد غاياتها وفعالياتها بالاهداف التي نشأت من أجلها ، ومن ثم فهي تتناقض مع الغايات والآليات والفعاليات التي تقتضيها مؤسسات الوحدة .
فدولة الوحدة كجهاز لادارة المصالح المشتركة للمجتمع العربي ككل تتناقض في غاياتها وآلياتها مع دول التجزئة كأجهزة لادارة المصالح المشتركة لاقاليم التجزئة وللشعب العربي المجزأ داخل كل إقليم .

4 ـ الظاهرة الأخلاقية :

هنا أيضا وعلى أساس من "الجدل الاجتماعي" ، كقانون لتطور المجتمعات ، يضع عصمت سيف الدولة مفهومه للظاهرة الأخلاقية ، فهو لا يعتقد بوجود مفهوم "مطلق" عن الاخلاق ، ويرفض ـ في نفس الوقت ـ أي فهم ميتافيزيقي للأخلاق .. فقواعد الاخلاق والعادات والتقاليد تمثل بناء اجتماعيا طرحته مشاكل التطور في المجتمع . فليست الاخلاق ـ طبقا لجدل الانسان ـ تزيّدا غير ذي قيمة ، بل هي تراث حضاري يكوّن الأساس الأول الذي يجب أن تستقيم عليه علاقات الناس في المجتمع حتى يكونوا قادرين على التفرغ لحل ما تطرحه ظروفهم من مشكلات أخرى .. فالأخلاق هي تجسيد للحلول التي توصلوا اليها على مدى تاريخهم لتلك المشكلات الدقيقة التي تطرحها علاقاتهم كبشر . ( عصمت سيف الدولة / أسس الاشتراكية العربية ) .
انه يبدأ بالتساؤل عن المنطق الذي يجعل قواعد الأخلاق على هذا النحو دون غيره ؟ وفي الإجابة على هذا التساؤل سنجد ان القواعد الأخلاقية تتحدد وفقا لما تقتضيه قوانين التطور .
فالاخلاق التي يجب اتباعها هي تلك التي تساهم في عملية التطور ، وقيم الصدق ، والايجابية ، والمساواة ، والجماعية في العمل ... الخ ، هي جميعا القواعد الأخلاقية للسلوك والتي تستمد قيمتها من مساهمتها في تحقيق فعالية الجدل الاجتماعي ، فهي جميعا قواعد للسلوك تضمن ان تكون المعرفة بالمشكلات الاجتماعية هي معرفة حقيقية وغير زائفة ، وتضمن ـ أيضا ـ أن يكون الاشتراك في معرفة المشكلات والحلول والعمل المشترك قاعدة عامة يلتزم بها جميع افراد المجتمع ، و ان تكون سلبية البعض في المساهمة هي القاعدة للتطور ... الخ . ان تكتسب هذه القواعد الأخلاقية مصدرها في مدى ما تكسبه لقوانين التطور من فعالية ، فهي لا تكتسب قيمتها في وجودها ذاته .
واذا كنا في نهاية هذا التحليل لافكار المفكر القومي الدكتور عصمت سيف الدولة ، فانه لا يسعنا الا ان نقرر ان تلك الاجتهادات ، تحتاج لمناقشات عميقة بين الشباب العربي أولا ، وهو الشباب الباحث عن اطار منهجي ونظري يساعده في حركته من اجل تغيير الواقع العربي ، فتعميق هذه الأطر النظرية والنهجية هي واجب الشباب العربي الذي عليه ان يعمقها بدراسات واسعة مستفيضة لاثر تلك البذور النقية ، وتاصيلها من خلال اجتهادات  فكرية في جميع المجالات النظرية و العملية ، فالممارسة هي محك صحة النظريات والأفكار ..


الأربعاء، 27 ديسمبر 2017

من الحد الادنى الممكن ... الى الحد الادنى المطلوب ...!!


من الحد الادنى الممكن ... الى الحد الادنى المطلوب ... !!

ان الحديث عن مستقبل الحركة القومية حديث جاد يستند الى مبررات واقعية اثبتتها كل التجارب القومية في الوطن العربي ، وهو حديث مرتبط مباشرة بالمشاكل المطروحة التي تعاني منها الامة باعتبارها الآداة الموضوعية القادرة ـ وحدها ـ على التصدي للعدوان المفروض عليها من داخلها ومن خارجها على حد السواء .. ومثل هذا العدوان ـ مثلما هو معروف ـ مسلط على كل فرد من ابنائها قهرا واذلالا وحرمانا واحتلالا .. فهو حديث عام يهم كل مواطن من مواطنيها سواء بالرفض أو بالقبول على قاعدة الحق في المشاركة العامة من ناحية ، ومن ناحية اخرى فهو حديث خاص يهم كل من توصل فهما وادراكا وقناعة وايمانا الى ضرورة ملاءمة الآداة القومية للواقع القومي .. ومن هذه النواحي تحديدا يمكن ان يكون الاجتهاد مفتوحا على العام والخاص ليكون التعاطي معه من طرف المعنيين بالمشروع القومي على درجة كبيرة من الموضوعية والحكمة لتحويل هذا المشروع الى مشروع جماهيري يحضى بالقبول والمساندة والتاييد لكسب قاعدة شعبية تحتضنه وتحميه حتى يحقق التغيير المطلوب مما هو كائن الى ما يجب ان يكون .. وهذا من حيث الاطار العام الذي يتنزل فيه المشروع .. اما من ناحية خصوصيته النضالية فهو موضوع خاص لا يهم الحديث في تفاصيله الا المؤمنين به من القوميين المستعدين فعلا لتحمل تبعات اعبائه وتضحياته على المدى القريب والبعيد .. ولذلك  ايضا ومن ناحية حاجة المشروع للفعل والبذل الجماعي لعموم القوميين يستمد كل واحد منهم حقه في الاجتهاد بالقدر الذي يراه مناسبا للتعبير عن مشاركته في تجسيد هذا الاختيار .. 
طرح المشكل على هذا الوجه يحمّل القوميين اصحاب الحق في المشروع منذ اللحظة الاولى مسؤولية التواصل مع الناس اصحاب الحق في الاختيار والانخراط في ما يرونه صالحا لمستقبلهم .. فهي علاقة بين طرفين يحتاج كل منهما الى الآخر لتحقيق الاهداف المطلوبة لاحداث تغيير جذري في الواقع العربي بكل ما يلزمه من اعداد وتاطير والتزام اخلاقي وممارسة نضالية قد تستمر على مدى عقود متتالية تتقاسم فيها الاجيال المهام المطروحة في كل مرحلة .. وهذا يعني قبل كل شيئ ان أسلوب التشنج والصراعات المجانية والاتهامات والتخوين ليس من الممارسة النضالية أو من المبدأ في شيء ..
قد تكون هذه المقدمة من البدهيات التي لا تحتاج الى توضيح ، لو ان مثل هذه المقدمات مقطوعة الصلة بالواقع .. فعلى مدى عشرين عاما من التجربة القومية لثورة 23 يوليو شاهدنا زخما شعبيا داخل مصر وخارجها  ملتفا حول قائدها ، استطاع عبد الناصر ان يجمعها من خلال تصديه لمشاكل الامة : الاستعمار والتجزئة والتخلف حتى صارت الحركة القومية الجماهيرية حقيقة موضوعية لا تحتاج الا لاعلان رسمي ولو من القاهرة وحدها عن مؤسسة القيادة للحركة العربية الواحدة لتتحول بعد ذلك الى واقع ملموس يمكن ان تتبعه ولادة الهياكل الشعبية التي تدين بالولاء والارتباط والحركة المتماهية مع المركز لو لم تكن ظروف القيادة في قمة السلطة تحول دون تحقيق تلك الغاية .. وهذا الواقع لم يكن في الحقيقة سوى تجسيدا للحالتين المذكورتين في المقدمة .. حالة عامة تنطبق على عامة الشعب داخل مصر وخارجها ، لم تكن تربطها سوى العواطف القومية الجياشة وثقتها اللامتناهية في قائدها بعيدا عن النظريات والصراعات الفكرية وهي ترى الدور الريادي الذي لعبته ثورة يوليو في خوض معارك التحرر القومي بكل اشكالها سواء ضد الرجعية والاستبداد أو ضد الهيمنة الاستعمارية والاحتلال أو ضد قوى الاقطاع والراسمالية والاستغلال ، لم تستطع القوى القومية – بعد غياب القائد - المحافظة عليها بما ارتكبته من أخطاء ... وحالة خاصة من النخب والقيادات متفاوتة الفهم والادراك والمصلحة والولاء للمشروع القومي تتحرك وسط الزخم الثوري لثورة 23 يوليو بحسب المصلحة احيانا أو حسب المواقع والمصالح والعلاقات داخل السلطة ومؤسسات الدولة ، تبدي الولاء للقيادة وتؤيد سياساتها وقراراتها ولا احد يعرف الخلفيات التي تحركها ، ولا مدى الاختلاف أو الاتفاق حول جملة المفاهيم التي كانت تتطور بتطور التجربة ، فلم تستطع ان تحافظ على وحدتها بعد رحيل عبد الناصر .. 
فالجماهير التي اصطدمت بتغير الواقع بعد انقلاب السادات الذي داس على كل المبادئ والشعارات ونسف كل احلامها وتطلعاتها تاهت وسط الزحام الذي فرضته سياسة الانفتاح والمنافسة الراسمالية المبنية على الجشع والتشهير بثورة يوليو ، وبقيت عاجزة عن حماية المكتسبات والانجازات الثورية التي طالتها يد التصفية ، ولم يبقى لها سوى الذكريات الجميلة وهي تعيش النقيض من احلام المشروع الذي تحول ـ في ظرف سنوات قليلة ـ من واقع حي يلامس همومها ومشاكلها الى سراب .. 
والقيادات على اختلاف مواقعها ومصالحها تحولت الى شلل ومجموعات تؤوّل المشروع بحسب فهمها وظروفها ومواقعها الجديدة سواء في منظومة الردة عن الثورة ، او على الهامش بعد ضرب اقطاب وقيادات النظام الناصري ، الذين وقفوا ـ في البداية ـ عاجزين عن مقاومة الهجمة الشرسة على منجزات ثورة يوليو وتحويلها الى ركام خرجت من تحته تصورات واجتهادات متعددة بتعدد المفاهيم والتاويلات المتاثرة بالتجربة أو بالقيادة ومرجعياتها الظرفية كالميثاق والخطابات والبيانات ، دون الوصول الى حسم خلافاتها حول مشروع المستقبل ، وانتهت بعد فترة طويلة من الجدل والصراعات الى الانقسامات التي افرزت ازمة متواصلة وقفت بمسيرتهم في طريق مسدود الى حد الآن .. وهي ازمة بكل ما في الكلمة من معني لما لها من تاثير سلبي على الجماهير المتعلقة بالمشروع ، فلا يجدون السبيل للالتحاق به وهم يعيشون بمرارة حالة الانفصام في صفوف النخبة بين الغاية الوحدوية وواقع التشرذم ..
فلا القيادات والتنظيمات الناشئة استطاعت ان تلملم صفوفها لتجمع الجماهير المتعلقة بمشروع عبد الناصر ، ولا الجماهير الوفية  لثورة يوليو ومنجزاتها وقيادتها كانت قادرة على احياء مشروعها كما تقتضيه الضرورة داخل مصر وخارجها .. فكانت الحصيلة سنين من الردة والمعاناة والضياع المتواصل على مدى خمسة عقود دون انقطاع .. ولا يزال الجدل حول الازمة متواصلا .. !! 
هذا داخل مصر بشكل تفصيلي ، أما بشكل اجمالي وعلى المستوى القومي  عموما ، فالامر لا يختلف كثيرا في المحصلة النهائية التي تعيشها الحركة القومية وهي تعاني من التشتت والانقسامات والصراعات رغم كل المراجعات الجدية والقراءات الجديدة والاجتهادات والاضافت التي اكسبت الفكر القومي صلابة فكرية وحركية نضالية في حجم التحديات من جهة .. ورغم المواقع المتقدمة للاحزاب القومية في السلطة سواء في ليبيا او في سوريا او في العراق من جهة أخرى ، لكنها ظلت متخبطة في الاخطاء حتى اتت الهجمة الشرسة عليها جميعا بانهاكها وتحطيم معاقلها بالرغم مما ابدته من صمود ومقاومة باسلة في كل المواقع التي طالتها أيادي التحالف الصهيوني الاستعماري الرجعي بكل مكوناته وتفرعاته المعروفة بداية بالانظمة وصولا الى الجماعات المتسترة بالدين ..
قد يكون كل هذا الحديث عن الماضي معروفا ولا ياتي بجديد ، غير أن الاسلوب الانفعالي لا يزال يقود الحركة نحو المزيد من التوتر فيزيد من تنامي الفجوة بين الحركة القومية والجماهير من ناحية ، وبين القوميين انفسهم في مختلف المواقع سواء داخل الفصائل القومية أو خارجها .. وبعض مظاهر هذا السلوك تظهر مع كل تغيرات على الساحة السياسية بشقيها القطري والقومي ، مما يجعل العلاقة بين الاحداث والمتغيرات من جهة وردود الفعل من جهة أخرى اشبه بعلاقة المثير بالاستجابة في جسم الكائن الحي .. وهي حركات غير واعية في طبيعتها الفيزيولوجية ، قد تكون لازمة بالنسبة للجسم لدفع الاخطار ، لكنها في السياسة غالبا ما تكون مسببة للازمات ..  
هذا جزء مهم من الازمة وليس كلها يحتاج الى وقفة طويلة ودراسة ومراجعة للتخفيف من حدة الازمة والانتقال الى المستوى العملي في ما هو أكثر اهمية ، وهو توجيه المسار العام داخل الحركة القومية نحو هدفها الرئيسي : بناء الحركة العربية الواحدة ..
وقد يتساءل البعض : وهل هذا ممكن في مثل هذا الوضع بالنسبة للحركة القومية وهي على هذه الصورة القاتمة كما يبدو ؟ لذلك نحتاج الى صياغة اخرى حتى تكون ملائمة للواقع : 
اذا كان الهدف هو بناء الحركة القومية الواحدة ، فكيف السبيل الى ذلك في الوقت الراهن ..؟ 
 طرح السؤال على هذا الوجه يعني اولا ان الدعوة الى بناء التنظيم القومي ستظل مطروحة في كل الظروف ، كما يعني ثانيا اننا بطرح الاسئلة المناسبة نعبر عن فهمنا لخصوصيات كل مرحلة حتى لا يكون الجهد المبذول اهدارا للطاقات ومضيعة للوقت ، حيث من غير الممكن أن تبدأ عملية الاعداد من الصفر فتتجاهل ما هو موجود في الواقع ، كما لا يمكن لمثل هذا المولود ان يرى النور دفعة واحدة ، أو أن ينجح في تاسيسه جيل واحد من المؤنين به .. لذلك يبدو أن أي حديث جاد في هذا الموضوع لا بد ان يبدأ من البحث عن صيغة ملائمة لاحداث تغيير ذاتي يتعلق بارضية التواصل التي تعيق الى حد كبير عملية التغيير الهيكلي المطلوب .. وهو ما يعني ان استمرار العجز الذاتي في اتجاه المزيد من الضعف الناتج عن تنافر القوى القومية يخدم الى حد بعيد العوامل الموضوعية التي تتعاظم باتجاه المزيد من القوة الناتجة عن تظافر جهود القوى المعادية للمشروع القومي .. 
اليس هذا ما نراه في الواقع ..؟ 
الا يزداد الواقع العربي تعقيدا خلال كل فترة بتزايد الهجمات على الوجود القومي ..؟ 
وفي المقابل الا يزداد القوميون تقهقرا وتراجعا عن الاهداف ..؟
الم يعد القوميون اليوم يدافعون عن وجود الدول القطرية بعد ان كانوا ـ قبل ثلاث عقود ـ يلعنون الانظمة الاقليمية والدول القطرية ..؟ 
الم تكسب قوى الاسلام السياسي قاعدة شعبية واسعة باسلوب التعامل مع بعضهم البعض ثم مع الناس ..؟ 
المشكل أن البعض يعتقد ان مسالة الدعوة للتنظيم القومي تتعلق فقط بالجانب المبدئي ، وهذا خطأ فادح .. لان التنظيم القومي لن يقوم على اسس متينة بمجرد ان نجمع الالاف من الوطن العربي مهما كانت صلابتهم الفكرية والنظالية ونعلن عن التاسيس .. بل على اساس ما يتهيا له من ظروف النجاح والاستمرارية وعلى راسها الحاضنة الشعبية من ملايين الناس المؤمنين به من جميع الفئات الشعبية حتى دون ان يقرؤوا الكتب والنظريات وهذا يعتمد الى حد بعيد على الخطاب الموجه للناس في كل مرحلة من مراحل البناء .. فاذا نظرنا الى الواقع العربي كما هو في الوقت الحالي سنجد ان كل المعارك التي تدور على الساحة معارك تحررية بامتياز .. تحرر من الاستبداد ، وتحرر من الهيمنة الاستعمارية ، وتحرر من الاحتلال .. فلا شك ان الحركة القومية تحتاج خلال هذه المرحلة الى كل من يساندها في انجاز هذه المهمة على الوجه الاكمل .. وبصفة أدق واشمل ، ان المشروع القومي يمكن ان يستوعب اي مشروع حزبي ذي افق تحرري او اشتركي او وحدوي في اي مرحلة سواء كان ممثلا في حركة واحدة او قبلها ..  فكيف لا يستوعب ـ من باب أولى ـ التجارب النضالية للاحزاب القومية القطرية في هذه المرحلة ..؟؟ 
وكيف لا يستوعب المنتمين الى هذا المشروع الذين يختلفون فيما بينهم في بعض التاويلات الثانوية المتعلقة بالتحالفات أو ببعض الأحداث الظرفية المتغيرة .. ؟ 
ثم – وهذا اهم - كيف لا يستوعب اسلوب التمهيد المرحلي في كل قطر لتجاوز الفرقة والشللية القطرية ..؟
قد يكون من اسباب التشنج الذي يعيشه القوميون في علاقة بالداخل او بالخارج هو غياب التصور عندهم ـ وهم يدعون لقيام الحركة العربية الواحدة ـ لما ستكون عليه الامور بعد تاسيسها .. حيث ستكون مرحلة التاسيس غير هذه المرحلة من حيث الاهوال التي سيواجهها هذا التنظيم .. فلا شك أنها ستكون في امس الحاجة لحاضنة شعبية واسعة ودولة داعمة ، وقد تكون مصر هي الدولة المرشحة موضوعيا بحكم دورها التاريخي وموقعها وحضور الحاضنة الشعبية فيها .. 
لذلك يمكن ان نقول جازمين ان الحركة العربية الواحدة : 
ـ لن ترى النور عن طريق العمل الاستراتيجي وحده باعتبار حاجة هذا المشروع الى الحاضنة الشعبية الكبرى وليس الى النخبة وحدها ..
ـ ولن تقوم عن طريق الأحزاب القطرية وحدها وهي على شكلها الحالي الذي يجعلها موضوعيا تتنافس كغيرها من الاحزاب على السلطة وهي ملتزمة بقوانين الدولة الاقليمية التي سمحت لها بالنشاط الحزبي ، الا في حالة واحدة وهي وصولها الى قمة السلطة عن طريق الاغلبية الشعبية مع توفر الارادة العامة في تغيير دستور الدولة القطرية او عن طريق الاستفتاء الشعبي بما يسمح لها باحتضان تنظيم يستهدف الغاء وجودها وتحمل تبعات امتداده خارج حدودها وهي الوضعية التي ترشح مصر لهذا الدور القومي ..
ـ ولن تقوم أبدا دون تظافر العمل الاستراتيجي والعمل الحزبي باتجاه استرجاع قاعدة النضال العربي : مصر العربية ، لاسباب تتعلق اساسا بالجوانب اللوجستية وتامين الحركة والتمويل وتوفير السند الاعلامي وجاهزية الحاضنة الشعبية الخ .. وذلك لان مرحلة التنظيم القومي – كما ذكرنا - هي مرحلة مختلفة جذريا عن المراحل الحالية بالقدر الذي يمكن ان يتجاوز تصور العديد من مناضلي الحركة القومية لمدى ضخامتها على مستوى المواجهة متعدة الواجهات بما يكفي لاستهداف المشروع والتصدي له قصد تصفيته ـ ممثلا في مناضليه وفي الاقليم الذي يحتضنه ـ بوسائل قد تتجاوز في خطورتها اضعاف واضعاف ما استُهدفت به الانظمة القومية في الدول القطرية سابقا سواء في مصر أو في العراق وليبيا وسوريا ، فضلا عن حركات المقاومة المحاصرة والمتهمة بالارهاب .. وهو ما يعني ـ بكل بساطة وجدية ـ ان مهمة الحركة القومية التي تعاني من التشتت والتشرذم والصراعات الداخلية والعجز الذاتي والموضوعي حاليا ، لا تتمثل في تاسيس صرح الحركة العربية الواحدة ، بل في وضع الاسس المتينة لبناء هذا المشروع المستقبلي ، الذي يستحيل ان يتحقق دون تخطيط ودون تمهيد ودون اولويات ودون حد ادنى من الوحدة النضالية الفعالة في الممارسة القطرية كخطوة اولى على الاقل .. وهو ما يقودنا الى موضوع الحديث المتصل بتلك المقدمات كما سياتي لاحقا .. ولنبدأه بتحديد منهجي للاطار العام .. 
من المعلوم ان الفكر القومي اليوم وفي الوطن العربي تحديدا مثلما انتهت اليه الاضافات والاجتهادات المميزة لرواده من المفكرين العرب ، هو فكر انساني تحرري بكل ما في العبارة من مضامين عميقة ملامسة لجوهر الانسان .. وكلمة انساني تعني - قبل كل شيء وزيادة على معناها الشمولي - ان هذا الفكر نابع من خصوصية الانسان نفسه ، ككائن تدفعه الضرورة بشكل دائم للعمل على حل التناقض بين احتياجاته المتجددة والقيود التي يفرضها الواقع .. لتكون دائما جوهر مشكلته الحرية ... وهكذا اذا نظرنا الى المشكلات المطروحة في الوطن العربي سنجد ان كل مضامينها تحررية بالدرجة الاولى .. مشكلة الاسبداد ، مشكلة الاحتلال والهيمنة الاستعمارية ، مشكلة الصهيونية ، مشكلة التخلف الحضاري ، مشكلة الحصار الاقليمي والتجزئة .. كل هذه المشكلات سواء كانت في شكل انتقاص من الوجود القومي والثروات القومية كالاحتلال والتجزئة والنهب الاستعماري ، او في شكل قيود مادية وثقافية كالفقر والبطالة والمرض والجهل ... تساهم جميعا في الابقاء على تخلف الانسان العربي وتعيق تطوره وتقدمه ، فيكون الموقف المساند لتحريره من قبضة الحلف المتربص به من الداخل  او من الخارج ، وتخليصه من اي قيد يتصل بتلك المشكلات موقفا تقدميا .. بينما يكون اي فعل مساهم في تحقيق هذه الغاية عملا ثوريا بقطع النظر عن الاساليب المتبعة ، حيث لا تعني الثورة - دائما - العنف بالضرورة .. وفي المقابل فان اي موقف مساند او مساعد للقوى المعادية على تحقيق غاياتها هو موقف رجعي ، كما يكون عملها في هذا الاتجاه عملا تخريبيا مهما كانت الشعارات واللافتات المرفوعة .. وهكذا يمكن القياس على جميع القوى النشيطة في الوطن العربي على اختالاف  خلفياتها ومرجعياتها وهوياتها وعناوينها .. وما علينا سوى ان نحدد متطلبات المرحلة ونضبط اهدافها على ضوء مصالحنا القومية وولائنا القومي لنعرف من هم في صفنا ومن هم اعداؤنا ثم نبني تحالفاتنا .. 
والقوى القومية كقوى معنية دائما بالشان القومي من المفروض ان تتعامل باستمرار مع الواقع كما هو من منطلق مبدئي اولا ، ولكن حسب ظروفها وحسب امكانياتها ، فاذا كانت قواها الذاتية عاجزة عن اداء دورها كما يحتمه الواجب القومي في هذه المرحلة ، فهي بالضرورة ستواجه اكراهات قد يرى فيها البعض حيادا عن المبدا بينما يفترض ان تكون مجرد تقاطعات ضرفية مييدانية وسياسية قد تجعلها تغير تكتيكاتها وتحالفاتها دون ان تغير مبادئها الخ ... 
اذا كانت هذه المقاربة صحيحة ، يمكن ان نبني عليها جملة من الترتيبات لعلاج بعض مظاهر الازمة على الوجه الذي طرحت به في سياق الحديث : 
ـ حالة " التنافر" او حالة التوتر بسبب التناقض داخل الحركة القومية بين هويتها القومية ووجهها الاقليمي بكل ما فيه من امراض انفصامية .
ـ حالة " النفور" أو حالة التوتر في العلاقة بين الحركة القومية الممثل الوحيد للوجود القومي  بمعناه الدلالي الذي يتطابق فيه كليا الاسم بالمسمى ، وبين الاحتياطي البشري الذي يتكامل فيه ـ بالمعنى المجازي ـ العضو بالجسد ..
بالنسبة للحالة الاولى لحركة نشيطة على جميع المستويات وفي علاقة بكل مكونات المجتمع وبكل المتغيرات التي تحدث فيه لا يمكن حل مثل هذا التناقض المقيد للحركة في الوقت الراهن الا بالاعتراف بهامش الاختلاف داخل مكوناتها على قاعدة الفصل بين الثابت والمتغير او بالمعنى الديني : بين " المحكم والمتشابه " ..
أما بالنسبة للحالة الثانية في علاقة بحركة ضعيفة تدافع عن أمة مستهدفة باعتى ادوات العدوان ، تتحرك في ساحة ممتدة على طول الوطن العربي وعرضه ، مجبرة على أن تستقطب من ابنائه ما يكفيها من المؤمنين والملتزمين والمجندين في صفوفها لتحقيق تلك الغايات والأهداف العظيمة ، وهم ينحدرون  من مستويات متفاوتة معيشيا ومعرفيا ، ومن أوساط مختلفة جغرافيا وثقافيا ، ولهم معتقدات متباينة دينيا ومذهبيا الخ  ..فلا يمكن الوصول اليهم الا بالنزول الى مواقعهم والتوجه اليهم بخطاب متوازن يتجاوز حالة التشرذم اولا ، وياخذ بعين الاعتبار تلك الجوانب المؤثرة في طبيعة العلاقات بين الناس ثانيا .. وبالالتحام بمشاكلهم والتفاعل معها بحسب الاولويات التي يقتضيها اسلوب المعالجة  للمشكلات التي يطرحها واقعهم ثالثا .. دون مواقف متشنجة لا تؤدي في النهاية الا الى التنافر الداخلي الذي يفضي بدوره الى تنفير العامة .. حتى ان المتابع  يتساءل أحيانا : ماذا يريد القوميون من الناس ..؟؟
لماذا يطلبون من الجميع ومن بعضهم البعض الافضل في كل شيء وفي وقت واحد الى تلك  الحدود التي تحول كل شيء الى محاسبة قاسية تصل في بعض الاحيان الى الغاء الاختلاف وتجريم الاجتهاد الخاطئ ..؟ 
" سفودهم " جاهز دائما على نار حامية لكل السياسيين والاعلاميين والاحزاب القريبة منهم وحتى حركات المقاومة ، واخوة الدرب لمجرد الاختلاف ولو في موقف هامشي ، او في تصريح لوسائل الاعلام ، أو في تبادل زيارات ومحادثات بين شخصيات سياسية محسوبة على هذا الطرف او ذاك .. 
صحيح ان تسجيل المواقف هو جزء من لعبة الحسابات السياسية والمنافسة وكشف الخفايا أمام الراي العام وتوضيح الارتباط الوثيق بين القضايا التي يعمل البعض من الاقليميين على تجزئتها الخ .. لكن حينما تنتقل المحاسبة الى الداخل على صفحات التواصل ، فتصل الى الاتهامات والتخوين فهذا غير ذاك ... 
ثم لا يجب ان ننسى ان الحركة القومية في الوقت الراهن تعد خارج المشهد ، لانها عاطلة عن الفعل الذي يمكنها من التفوق على بعض الاطراف وهم في الواجهات المفتوحة في جبهات القتال .. والاصح في حالة الاختلاف فيما يتصل بهذه الاطراف من جوانب تتعلق بالتحالفات او بالتاييد ان تعالج الامور عن طريق الجدل والاقناع .. ولكن التعاطي معها ومع كل من يقترب من هذه المناطق المحرمة عند البعض بمنطق السفود الذي يؤدي الى التجريح ، لا يعتبر من الحكمة ولا من المبدا في شيء ، سواء من ناحية الخطاب المنفر للعامة أو المحدث للتنافر بين الخاصة ... وحتى مقولة الفرز هي مقولة مغلوطة من اساسها حينما تطرح بهذا الشكل ، لان الفرز الحقيقي هو الذي يتم من خلال الممارسة ، والغرض منه ـ بين القوميين ـ هو تبين الصدق والاخلاص للمشروع القومي وليس التفوق في فهم الظواهر والتشهير بالمواقف الخاطئة التي يمكن ان يصححها الجدل الاجتماعي بدل ان تدينها المواقف الفردية .. ثم لا ننسى ونحن نقتدي بالدكتور عصمت سيف الدولة وهو يستعمل السفود مع القوميين ، انه يعطيهم حقهم ، فيثني عليهم ، ويسرد مواقفهم الصائبة في جوانب الموضوع ويثمنها ، ثم ينتقد مواقفهم قصد تصويبها وهو يخاطبهم – في اغلب الاحيان - باعتبارهم قدوة الناس وقادة الراي العام ورواد الحركة القومية ، فلنسر على نهجه ومنهجه اذا اردنا الاقتداء به للوصول الى المطلوب .. 
ولعل اول الخطوات في هذا الاتجاه ان نحدد الاخطار التي تهدد الامة في كل مرحلة ، ثم نتعامل مع الاخرين بحسب مواقفهم الحالية وليس الماضية ... وبحسب ما تسمح به المصلحة القومية من تقاطعات ظرفية وليس على اساس التطابق الكلي في المواقف والافكار دفعة واحدة .. ولنا في هذا امثلة كثيرة منها المواقف من المقاومة التي تصنف احيانا على اساس مرجعيتها الطائفية ، واحيانا اخرى على اساس مرجعيتها الفكرية  .. ومنها ايضا الموقف من ايران ، او من روسيا او من الانظمة العربية الخ .. 
فحزب الله الذي التزم بالمقاومة ضد الكيان الصهيوني وقدم مئات الشهداء ولم يثبت انه استعمل سلاحه في غير ذلك ، بل انخرط في المعارك الضارية التي تدور في سوريا وساهم في تغيير موازين القوى ، ووقف في وجه الحلف الامريكي الرجعي ، لا يكون من الحكمة ان نفتعل معه تناقضات ثانوية بعضها مرفوضة من وجهة نظر قومية ـ كالطائفية ـ وبعضها الآخر ـ لا تقبلها متطلبات المرحلة ـ كالتحالف مع ايران او مواقفه السابقة من بعض القادة القوميين ـ وكل هذه المعارك المجانية لا يستفيد منها الا الاعداء .. 
اما في ما يخص المصالح الايرانية ومحاولات امتدادها وكسب مواقع في الوطن العربي من خلال علاقتها بالاحزاب الشيعية في العراق او بحزب الله والحوثيين وغيرهم على اساس خلفيتهم الطائفية ، فان ايران قبل كل شيء هي دولة محتلة لقطر عربي مساحته اكبر من مساحة فلسطين منذ عام 1925 .. وهي التي ساهمت في تقسيم العراق وحرضت مليشياتها على الانتقام من قادة الجيش العراقي وعلمائه ، وزرعت الطائفية والفتنة داخل العراق وخارجه .. الخ .. وكل هذا وغيره معروف .. الا ان التضييق علي تلك الجماعات بمنطق التصنيف الطائفي ـ بالاضافة الى كونه منطق رجعي متخلف ـ فهو لا يؤدي ـ بالنسبة لها ـ الا الى المزيد من الارتماء في احضان الحليف الطائفي وليس العكس .. في الوقت الذي نجد ان تلك الجماعات تمثل جزءا من النسيج الاجتماعي للامة العربية لا يمكن باي حال من الاحوال التعامل معه بنفس المعايير التي تحكم نهج التعامل مع القوى الخارجية المعادية .. فضلا عن كونها واقفة في بعض الثغور مدافعة عن الامة ، رافضة للاستسلام ، داعمة للمقاومة بكل اشكالها والوانها  ومرجعياتها ، وهوالمطلوب في هذه المرحلة لا اكثر ..
ماذا يعني هذا ؟
انه يعني ـ من ناحية اولى - ان العدو هو المحور الصهيوني الامريكي الرجعي الذي تلتقي اهدافه وحساباته على استهداف الوجود القومي العربي وتفتيته وضرب اي نفس مقاوم فيه للمحافظة على الوجود الصهيوني في فلسطين كشرط اساسي لمنع اي خطوة نحو تحقيق الوحدة القومية القادرة وحدها على تسفيه احلام هذا الحلف المقيت ...
ويعني ـ من ناحية ثانية - ان القوى المناهضة لهذا الحلف يمكن ان تكون بعض حساباتها في الوطن العربي مفيدة لنا اذا عرفنا كيف نحوّل تلك الاطماع الى مصالح متبادلة .. 
ويعني - من ناحية ثالثة – ان المواقف الظرفية المتعلقة بالمستجدات يمكن ان تكون متباينة بحسب زاوية التركيز على الاحداث التي ينظر من خلالها كل متابع لتفاصيلها الدقيقة ، وطبقا لما يتوفر لكل محلل من معطيات ، او بحسب ما يراه من اهمية لهذا العنصر او ذاك في درجة الفاعلية والتاثير في الاحداث .. فيكون الاختلاف في التفاصيل تحصيل حاصل حتى داخل الفصيل الواحد ..
كما يعني - من ناحية اخرى ـ ان العلاقات والتحالفات ببن الدول والقوى الاقليمية والمحلية والاحزاب متغيرة حتما بتغير الظروف وتغير الانظمة السياسية وتغير موازين القوى وغيرها من العوامل .. فلا توجد تحالفات او عداوات دائمة الا بقدر استمرار المشكلات والحسابات المتعلقة بها .. ولعلنا نذكر من اهم هذه الحسابات جميعا :
- اولا ، الانظمة الرجعية تريد المحافظة على وضعها الحالي وامتيازاتها فتحسب حساباتها الخاصة لتضمن بقاءها  ..
- ثانيا ، ايران وتركيا تريد كل منهما خدمة مصالحها ولو على حساب الجار العربي فتحسب حساباتها الخاصة لاضعافه  .. 
- ثالثا ، المنافس الروسي للمصالح الغربية في الوطن العربي يريد الحصول على حصته من الكعكة العربية التي تحاول القوى الغربية ابتلاعها وحدها ، فيحسب حساباته ويبني تحالفاته للدفاع عن مصالحه ..
- رابعا ، الاسلام السياسي وكل القوى الرجعية النشيطة في الوطن العربي لها اهداف وطموحات مختلفة فيحسب كل طرف منها حساباته الخاصة لتحقيقها .. 
- خامسا ، الجماعات التي تعتبر نفسها اقليات قومية لها نزعات واهداف انفصالية فتحسب حساباتها الخاصة لتحقيق الانفصال .. 
- سادسا ، القوى الاستعمارية والعصابات الصهيونية لها مخططات واضحة في الهيمنة والاحتلال والتفتيت وضرب المقاومة وفرض الاستسلام .. فتحسب حساباتها الخاصة لتنفيذ تلك المخططات .. الخ ...
طبعا التصدي لكل هذه الحسابات يؤدي ـ بالضرورة - الى نشوب صراعات ومعارك على طول ساحات الصراع  وعرضها بينا وبين قوى هذا الحلف او ذاك  ، فتتداخل مصالحنا على طول مداها الزمني بمصالح قوى متعدة تعمل جميعا على تحقيق مصالحها القومية الخاصة  بطرق مختلفة ، متحالفة احيانا وانتهازية احيانا اخرى .. وهو ما يحتم على القوى القومية ـ سواء كانت في السلطة أو خارجها ـ ان تكون متنبهة لتلك الخلفيات بجميع انواعها وهي تتحرك على ارض الواقع في كل سياساتها وتكتيكاتها وتحالفاتها دون ان تقع تحت الهيمنة او في التبعية لتلك الجهة الحليفة او لغيرها .. وكل هذا ممكن ومشروع .. لكن كل هذا الحرص على المصلحة القومية لا يعني على الاطلاق بالنسبة للقوى القومية ان تدخل في حرب شاملة كلامية واعلامية مع كل القوى التي تختلف معها في تحقيق المصلحة الاستراتيجية  ، فتجمعها في سلة واحدة وتواجهها في وقت واحد الا بقدر خطورتها ... اولا لان هذا مستحيل حتى ولو كانت تمتلك القدرة على ذلك ، وثانيا لان اهدافها لا تتساوى في درجة الخطورة حتى وان كانت تجتمع في حلف واحد .. فضلا عن القوى القابلة للالتقاء معها خلال مراحل هذا الصراع على اهداف تحررية في مواجهة الصهيونية والاستعمار والرجعية العربية أوغيرها من الاهداف .. وهنا نخطو خطوة متقدمة تفضي بنا الى مسالة جوهرية هامة ، وهي مسالة التقاطعات والاولويات .. حيث يجب ان نحدد في كل مرحلة درجة الخطورة على الوجود القومي المستهدف في ظل عجزنا الحالي وحاجتنا الى التحالفات لرد العدوان من جهة ، وتحصين مجتمعنا من الارتداد الى فخ الهدم الذاتي الذي ينصبه اعداء المشروع القومي ، فنميز بين من يستهدفنا من الخارج لنرد عدوانه عنا باي شكل وباي ثمن في الوقت المناسب ، وقد يساعدنا هذا في الاستفادة من مساندة القوى الحليفة ، وكشف القوى الرجعية التي تعمل لصالح القوى المعتدية في الداخل .. وبين من يستهدفنا من القوى المحلية لنعمل على تعطيل عدوانه او ننهيه باقل الاثمان لنستعيد قاعدته ولو بتحييدها عن الانخراط معه في اي عمل معاد لامتنا .. 
قد يكون مثل هذا الاجتهاد مختلف عليه بين القوميين ، لكن هل ينهي امكانية العمل المشترك طويل المدى ـ بينهم ـ من أجل تحقيق المهمة الاستراتيجية لبناء الحركة العربية الواحدة ..؟ وهل يلغي السعي لتوحيد الممارسة ووحدة الصف من أجل المهام النضالية ضد الاقليمية وضد الاستغلال الرأسمالي وضد الاستبداد وضد الهيمنة الاستعمارية وضد الصهيونية وضد الفقر والبطالة وكل الثوابت المعروفة التي لا يختلفون حولها مهما تعددت الفصائل والجماعات .. ؟ الا يزيد تجاهل الثوابت والتركيز على المتغيرات في هذه المرحلة في اتساع الفجوة بين اخوة الدرب .. ؟ وهل تقف هذه الفجوة عند هذا الحد ، أم تتحول الى فجوات اكثر اتساعا بينهم وبين الجماهير حينما تعاملهم بنفس المنطق الذي يتعامل به البعض مع البعض الآخر ، فتحيلهم جميعا دون تمييز على امضى انواع السفود فتكا بالسياسيين : التجاهل واللامبالاة .. ؟ !! 
فالسفود ـ حين يكون مع القوميين ـ لا يعمل عند العامة الا بمعيار واحد : ملاءمة الآداة للغاية ، فلا يقبل مناقضة الدعاة لدعوتهم .. 
هكذا هي الجماهير ، فهي لا تقبل ان ترى التنافر بين القوميين في مواقع تنظيمية مختلفة ، وبين القواعد والقيادات في نفس التنظيم ، وبين الذوات خارج التنظيمات .. الخ .. وهم يدعون الى الوحدة القومية ولا يتوحدون .. وهو واقع اصبح ـ فضلا عن ذلك ـ يهدد اي امكانية مستقبلية بديلة لرص الصفوف وتوحيدها على اساس ارضية الثوابت القومية بسبب طغيان ظاهرة التركيز على المتحول ، وبسبب تجاهل مشروعية الاختلاف في المقدرة الجدلية على المستوى الفردي بكل ما يترب عنها من مواقف مختلفة ومتضاربة احيانا في ظل غياب الاليات الكفيلة بتوحيد الممارسة ، وفي ظل المبالغة في استعمال مقولة الفرز ، مما يفضي الى تنامي الصراعات داخل العائلة القومية ، بالرغم مما فيها احيانا من جوانب صحية حينما تكون في حدود النقد والاجتهاد ، لكنها غالبا ما تتحول الى ظاهرة مرضية هدامة حينما تتجاوز تلك الحدود الى الاتهامات والتخوين دون مبررات .. في حين ان الموقف من بعض القضايا يظل متغيرا بتغير الظروف وتداخل الاحداث بكل ما فيها من تعقيدات ، وقد تفضي بعض القراءات والاجتهادات فيها الى مثل هذا الوضع ، لكنها يفترض أن تبقى محل اختبار في الواقع حتى يتبين اصحابها درجة الصواب والخطا فيها ، دون الوقوع في فخ القوى المعادية التي تراهن على تضخيم التناقضات لاضعاف المقدرة على مقاومتها .. وفي هذه النواحي نجد امامنا امثلة عديدة لمواقفنا المتغيرة ، سواء من القادة القوميين ، او من الاحداث القومية بحسب تغير الظروف وتقلبها .. 
فمن منا لم يستاء من موقف الشهيد  معمر القذافي حينما طرح حل " دولة اسراطين " .. وحينما طرح مشروع الاتحاد الافريقي بديلا عن المشروع القومي ..؟؟ 
ومن منا لم يستاء من تعامل الانظمة القومية سواء في سوريا او في العراق حينما كانت تنكل بالقوى القومية المختلفة معها وتتنافس او تتصارع فيما بينها ليكون هذا الطرف او ذاك هو الممثل للحركة القومبة ..؟ 
ومن منا لم يستاء او ينفعل من النهج الذي اتبعه المرحوم ياسر عرفات باختيار التسوية مع العدو الصهيوني الخ ...؟ لكن الاحداث كانت كفيلة وحدها بتغيير المواقف والعواطف تجاه هؤلاء القادة حينما تغيرت الظروف ووقفوا وقفاتهم البطولية الشجاعة والمشرفة حينما ثبتوا في النهاية على المبدا ولم يفرّطوا في الحقوق او يستسلموا للاعداء .. 
الم تكن الحادثة العابرة الواقعة  في اليمن عينة اخرى مثيرة للجدل والاختلاف في وجهات النظر حيث وجدنا :
- موقف  شامت في موت علي عبد الله صالح بالنسبة لمن ينظر الى ماضيه في السلطة وتفرده بالحكم  واضطهاده للقوميين .. او بالنسبة لمن ينظر اليه من زاوية " المخلوع " الذي رجع الى اليمن معاندا بعد لجوئه الى السعودية ، متسببا في خلط الاوراق من جديد .. او بالنسبة لمن ينطلق من تقلبه في بناء التحالفات او غيرها .. فضلا عن هذا كله ..
- وموفف  متعاطف مع علي عبد الله صالح بالنسبة لمن ينظر اليه من زاوية مساندته لبعض القضايا القومية سواء في فلسطين ، او خلال العدوان على العراق ، او من خلال دوره في الوحدة اليمنية ، ونايه باليمن عن التحالفات المشبوهة الخ .. فضلا عن هذا كله ...
- وقول ثالث ياخذ من هذا وذاك ، فيبرر جوانب من هنا وجوانب من هناك .. الخ .. 
- اما اذا اضفنا الى هذا كله كلمات كبيرة " كالمقاومة "  و " الطائفية " والتدخل الايراني ، والحلف الشيعي والحلف السعودي والثورات وغيرها ... فبالتاكيد سيكون بناء المواقف والاحكام اكثر تعقيدا ..
وشيء من هذا يحدث في كل القضايا وفي كل المستجدات ، سواء في الموقف من روسيا ، او من حزب الله ، او من ايران وتركيا ، او من الانظمة وقضايا الحريات والديمقراطية .. وفي كل مناسبة يحتاج فيها القوميون الى اجتهادات وتكتيكات سياسية جديدة .... حتى المواقف من الحركة الطلابية في علاقة بالنشاط الحزبي والاستقلالية لم تشذ عن هذه القاعدة الخلافية المتصلة مباشرة بزوايا النظر ...
ألا يقال ان الضرورات تبيح المحضورات ..؟ والضروري اليوم هو التعاطي مع الواقع على قاعدة الحد الادنى الممكن داخل الحركة القومية " ثوابت المشروع القومي " ، لتحقيق الحد الادنى المطلوب من الواجب القومي في هذه المرحلة " وحدة الصف ووحدة الممارسة القومية دفاعا عن الوجود القومي " ، حيث يتجاوز الحد الاقصى الذي يريده البعض كل امكانيات وجهود القوى القومية والتقدمية بكل فصائلها وعناوينها وهي على هذا الحال في المرحلة الراهنة .. 
المسالة – على الاصح - ليس من منا اكثر وجاهة ، او اكثر موضوعية في صياغة المواقف ، ومن منا يكون المنتصر .. فنحن لسنا في منافسة تنتهي بتسجيل النقاط ، او بالضربة القاضية وهزيمة الاخرين .. نحن في حاجة الى تحديد المرحلة ، وهي مرحلة تحرر قومي  بلا اداة قومية .. وهذه المرحلة لا يتم فيها الفرز على اساس التفاصيل ( المتشابهات ) ، بل على قاعدة الثوابت ( المحكمات ) ، فقراءة الاحداث المتجددة  تنبثق عنها – بالضرورة - وجهات نظر متباينة مع كل جديد .. لهذا نحن بحاجة الى كل الاجتهادات ووجهات النظر المختلفة لتدطوير المقدرة الجدلية لعموم القوميين من اجل الارتقاء الى توحيد الممارسة الميدانية لمواجهة التحديات ، وتمهيد الارضية الملائمة  لوحدة الصف قبل الحديث عن اي شيء اخر .. ونحن نرى ما يؤدي اليه التنافر الداخلي - بالضرورة - من نفور خارجي للحاضنة الشعبية من حول المشروع القومي بسبب مناقضة الدعاة لدعوتهم .. 
فلو بحثنا في عمق المشكلة لوجدنا انها تتمثل – دائما – في البحث عن اطراف فاعلة تملا الفراغ الذي نعيشه ، فنؤيدها حتى  ولو كانت لا ترتقي في مواقفها الى مستوى طموحاتنا ، فلا يحصل الاجماع حولها  جميعا ويحل الخلاف .. والسبب اننا متواجدون خارج دائرة الفعل .. فلو كنا في موقع القيادة للاحداث وفق ارادتنا ، ما كنا ننشغل كل هذا الانشغال بالاخرين .. 
ان مسالة التحالفات الميدانية في جميع ساحات الصراع  ، التي يثور حولها كثير من الجدل ، لا تستطيع مواقفنا الحالية منها ان تغير من واقعها شيئا ، لاننا لسنا في المواقع الفاعلة التي تسمح لنا بالاختيار ، فلا يكون الجدل الافتراضي حولها سوى سلوك تعويضي عن العجز لا يفضي في كثير من الاحيان الا الى المزيد من التنافر المشحون .. والاجدى من هذا كله ان نطرح مبادرات تؤطر كل هذه الاجتهادات وتحتوي الاختلافات في وجهات النظر .. وهذا لن يحدث دون عمل يؤسس لبناء اطار تنظيمي ديمقراطي جامع يفتح المجال للحوار والجدل الاجتماعي ويلزم الجميع بممارسة الحل الاغلبي دون غالب او مغلوب ، ودون تخوين او هروب من المسؤولية ولو في كل ساحة قطرية كمرحلة اولى .. وغير ذلك صراخ وعويل في الصحراء ..
باختصار ، الاختلاف داخل الحركة القومية ظاهرة صحية في مراحل البحث عن الخلاص ، لكن الصراعات الناتجة عنها - حين تتجاوز تلك الغاية - تاخذها للتحليق بعيدا عن الواقع .. فيكون السكوت عنها افضل من الكلام .. 

( القدس ) في 25 / 11 / 2017 .


الثلاثاء، 26 ديسمبر 2017

لا كرامة في دول فاشلة ..


لا كرامة في دول فاشلة ..

احزاب كثيرة من المعارضة  في تونس تعد الناس بحياة كريمة في كل مناسبة يظهر فيها ممثلوها في وسائل الاعلام وفي المنابر الاعلامية ،  ومثلما يقول المثل العامي " حتى واحد ما  يقول خبزي بارد " .. 
طيب ، كيف تتحفق الحياة الكريمة في دولة صغيرة مثل تونس ..؟؟ 
لو طرحنا هذا السؤال على اي قيادي في هذه الاحزاب ، سيجيب : بمحاربة الفساد والعدالة الجبائية والتوزيع العادل للثروات وتوفير الشغل لمستحقيه ووو .. الى اخر هذه القائمة من الحلول الجاهزة لدى الجميع ... 
طبعا بعض الحلول المقترحة مثل محاربة التهرب الجبائي والتهريب والاحتكار .. ستساهم في تحسين الوضع الاقتصادي وتخفف العبء عن فئات الموظفين الذين يتحملون وحدهم منذ عقود  مسؤولية الضخ من رواتهم لملء الخزينة ، وعن الفئات الضعيغة المهمشة التي لم تعد قادرة على مواجهة غلاء المعيشة وتدهور المقدرة الشرائية .. ولكن هل تستطيع مثل هذه الحلول القضاء على البطالة التي يعاني منها اكثر من مليون عاطل عن العمل ..؟؟ وهل تقدر هذه الحلول على محاربة البؤس والفقر المتفشي في اكثر من ربع السكان في تونس .. ؟؟ 
هل يستطيع اي حزب او مجموعة احزاب من المعارضة فيما لو وصلوا الى السلطة  ان يخلصوا البلاد من المديونية البالغة اليوم اكثر من نصف الناتج القومي كما يسمونه ..؟ 
وهل يستطيعون ولو مجتمعين ان يوفروا مستلزمات الحياة الكريمة في المجالات الحيوية والحياتية التي تتوقف عليها كرامة المواطن في ظل الخراب الذي تعيشه المؤسات التعليمية والصحية دون الاعتماد على التداين الخارجي .. ؟؟ 
وهل تقدر القوى السياسية التي تعد الشعب بالحياة الكريمة ان تفي  بوعودها دون موارد ودون نهضة صناعية في جميع المجالات لاستيعاب هذه الجيوش من المتخرجين والعاطلين عن العمل منذ سنوات ..؟؟
وهل تستطيع كل الاحزاب مجتمعة ان تحقق الحياة الكريمة للمواطن دون تحرير البلاد من قبضة التبعية والهيمنة التي يفرضها البنك الدولي والدول المانحة وقد تحولت هذه المعونات – في عهد ترانب – الى ابتزاز معلن واهانة صريحة لجميع الدول الفقيرة في العالم ..؟ 
لماذا لا تقول هذه الاحزاب  للشعب ما يقوله الاوروبيون لشعوبهم وهم الاقوى والاكثر امكانيات بان العصر عصر تكتلات كبرى  قاعدتها  الصناعة الحديثة والتقدم العلمي والتكنولوجي الذي لا تقدر عليه  اي دولة صغرى تشهد باستمرار حالة نمو متزايد في السكان وانحسار في الامكانيات .. ؟
ان الحديث عن التنمبة الذي تردده احزاب المعارضة في الدول الاقليمية حديث بلا معنى حينما يتناول المشاكل العارضة الناتجة عن فساد الانظمة ولا يتطرق الى المشاكل الدائمة المتصلة بطبيعة الدولة الاقليمية ذاتها كمؤسسة عاجزة عن ايجاد الحلول مهما كانت الارادة السياسية للنخب الحاكمة في هذا العالم الذي تسيطر عليه الذئاب البشرية المتوحشة بسلطة راس المال المهيمن في الدول المتقدمة ، والذي يسعى جاهدا للحيلول دون اي مشروع نهضوي في الوطن العربي للابقاء على تخلف العرب وهم الاقدر بامكانياتهم المادية والبشرية على تحقيق نهضة علمية واقتصادية لو توفرت لهم شروطها المتمثلة في الوحدة القومية .. !!    
نعم للتنمية والحلول المستعجلة .. نعم للسعي الدائم للدفاع عن كرامة المواطن .. نعم لمحاربة الفساد وفضح الفاسدين .. نعم لكل الحلول اللازمة للتخفيف من معاناة الناس .. ولكن الخطاب الذي لا يلامس جوهر المشكلة في الدول الاقليمية سيبقى بعيدا كل البعد عن تحقيق الاهداف المطلوبة ..  فلا كرامة دون سيادة .. ولا سيادة مع التبعية .. ولا تحرر من الهيمنة دون تقدم صناعي وتكنولوجي وهو المستحيل في اي دولة اقليمية في الوطن العربي ، ليس لان الدول عاجزة عن تحقيق نهضة علمية وصناعية ، فقد تحقق ذلك في مصر والعراق حينما توفرت لها الارادة السياسية .. بل لان الدول الاقليمية – في الوطن العربي بالذات - حينما تختار هذا المسار تصطدم بمواجهة مسارها - في ظل الاستهداف الموجه لها – فتعجز عن حماية كيانها وتتعرض للحصار او للعدوان .. هكذا يراد لها لتبقى الحلقة الاضعف بجانب اسرائيل من ناحية ، وتحت هيمنة الدول الكبرى من ناحية ثانية .. 
فالدول الاقليمية قدرها ان تكون دولا فاشلة ..  ولا كرامة ولا هم يحزنون ..

( القدس ) .

السبت، 23 ديسمبر 2017

قف ... !! امامك قرارات مفخخة ..


قف ... !! ، امامك قرارات مفخخة .. 

يتواصل التضليل في الامم المتحدة منذ قرار التقسيم عام  1947 الى اليوم باصدار القرارات التي تثبت حق الكيان الصهيوني في ارض فلسطين .. وحتى المناسبة التي تنظمها الامم المتحدة سنويا للتضامن مع الشعب الفلسطيني تندرج في هذا الاطار للتذكير بنفس القرار المعروف برقم 181 .. ورغم ان مثل هذه المناسبات تضع الولايات المتحدة في حرج امام المجتمع الدولي ، وتتيح فرصة لفضح السياسة المعادية للحقوق العربية الا انها ترسخ جملة من الاهداف المرسومة لها سلفا متمثلة في تثبيت الاعتراف بالكيان الغاصب ، وتحول الصراع من صراع على الوجود المطلق للاحتلال على اي شبر من فلسطين الى مجرد عنتريات سياسية مع امريكا وخلافات حول حدود الدولتين .. وهو الاخطر قانونيا امام المجتمع الدولي من ناحية توريط الاطراف صاحبة الحق  في هذا المسار ، فضلا عن تضليل الراي العام العربي والعالمي حول طبيعة الصراع  .. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بعد التصويت في الامم المتحدة على القرار الامريكي : لماذا تصوت دولة مثل فرنسا ضد اهذا القرار مثلها مثل اي دولة عربية ..؟ وهذا يدفعنا لتفحص المضمون المقدم للتصويت .. فبالرجوع الى ما حدث خلال الاسبوع الفارط داخل كواليس منظمة الامم المتحدة نجد قراررين على الطاولة ، قرار تقدمت به مصر لمجلس الامن صوتت لفائدته  14 دولة وعارضته الولايات المدتحدة منفردة  باستعمال حق النقض ، رغم تدخلها في كل مراحل صياغة القرار الذي لم تقع الاشارة فيه الى الطرف الامريكي بشكل صريح ، مما جعل الاطراف المعنية الاسلامية والعربية تتدخل لتفويض تركيا واليمن بعرض القرار على التصويت امام الجمعية العامة للامم المتحدة  ، الاولى باعتبارها ممثلة للدول الاسلامية والثانية باعتبارها ممثلة للدول العربية .. وبالطبع يقع التدخل مرة اخرى من طرف الولايات المتحدة الى جانب بقية الدول المتنفذة في كل مراحل الصياغة ، ليتم التصويت ويستقر الوضع على النتائج التي شاهدها العالم ... فما الذي جعل الدول المؤيدة لاسرائيل تصوت ضد القرار الامريكي ؟
بالرجوع مرة اخرى الى محتوى القرارات ومضامينها يتضح  الجواب ..
 كل الدول صوتت بشكل غير مباشر على رفض نقل السفارة لان القرار لا يذكر الولايات المتحدة صراحة ، وفي نفس الوقت صوتت بصوت عالي  على حق الوجود الصهيوني في فلسطين  من خلال تاكيدها على التمسك بكل القرارات السابقة ... !!
هنا يكمن التضليل ... تصويت على قرار قديم جديد مسجل في الامم المتحدة تحت رقم 478 منذ شهر اوت 1980 ، رافض لاعلان دولة الكيان الصهيوني ضم القدس الشرقية واعتبارها جزءا من عاصمة اسرائيل  ... فما الجديد وما المطلوب ..؟؟
فضح السياسة الامريكية  .. ؟؟
 فليكن ... وهو حاصل فعلا لان  كل شباب العالم يتضاهر ضدها ويكفر بسياساتها .. !!
التقاط اللحظات وتحويلها الى محطات نضالية لدعم القضية واحيائها في قلوب الجماهير .. ؟؟
فليكن .. لكن الخطير في هذه اللحظة التاريخية هو تداخل الاصوات واختلاط الشعارات ... اصوات المطبعين مع اسواط الحكومات مع اصوات المتظاهرين  ... الكل يرفع شعار : القدس عاصمة فلسطين ...!!! فاي قدس واي فلسطين ... ؟؟؟
 الكثيرون يرفعون هذا الشعار ويقصدون به القدس الشرقية ، والقليلون يقصدون القدس بالكامل عاصمة فلسطين .. اي في النهاية وفي اقصى الحالات جميع الدول وجميع الاطراف ذاهبة للاعتراف والتسوية مع الكيان الغاصب ولا  احد يعبا بالاصوات الرافضة لوجود الاحتلال .. وهو ما يجعل من هذه الفرقعات السياسية الية لتحريك المياه الراكدة في عملية السلام عن طريق التعجيز والتضخيم في اهوال التضحيات للحصول على المزيد من التنازلات ، حيث ستبدا الهرولة للمطالبة بافتكاك القليل قبل ان يضيع الكثير .. !!!
امام هذه السيناريوهات يكون المطلوب ان نقول قف .. !! امامك قرارات مفخخة واستدراج للوقوع في نفس الفخ المنصوب منذ سبعة عقود ، وان اي قرار يصدر من ذلك المبنى في واشنطن  لا يمكن ان  يكون منصفا للحقوق العربية ..
علينا ان نفضح سياسة الانحياز والعداء التي تنتهجها الادارة الامريكية ضد القضايا العربية  وفي نفس الوقت يجب ان نميط اللثام عن سياسات  دس السم في  العسل  لتكون بوصلة الاجيال واضحة : فلسطين عربية من النهر الى البحر .. فلا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض ولا تسوية  ولا تهليل مفرط للتصويت على قرارات مفخخة  ...

( القدس ) .