القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 21 ديسمبر 2024

حوار مع جريدة السفير

 

عصمت سيف الدولة وحتمية الكفاح المسلح

حوار مع جريدة السفير بتاريخ : 6 / 8 / 1986 .

القاهرة – السفير .

الدكتور عصمت سيف الدولة واحد من هؤلاء المناضلين الذين قدموا لهذه الامة مدرسة فكرية متكاملة على المستوى الفلسفي والنظري صاغها في "نظرية الثورة العربية" التي زوّدت الشباب العربي بسلاح فكري مكنه من التقدم في مسيرة الثورة العربية ، وهو ليس مفكرا قوميا فحسب انما هو مناضل سياسي صلب واضح الرؤية متماسك المنطق ، ففي أعقاب العدوان الأمريكي على الجماهيرية الليبية في فبراير – شباط الماضي تحدث في أحد المؤتمرات الجماهيرية بشأن التنديد بالعدوان ، فطرح مشروعية الكفاح المسلح ضد العدو الأمريكي والصهيوني وطالب بضرورة ممارسة ذلك لأنه الرد الوحيد على الإرهاب الأمريكي والصهيوني وربما كانت تلك المرة الأولى التي تطرح فيها مسألة الكفاح المسلح في مؤتمر جماهيري مما أدى الى ارباك المتحدثين الذين تلوه في حديثه فقد وضع الجميع على مفرز واضح ، اما أن يكونوا معه ، واما أن يكونوا ضده . لكنهم مروا جميعا من البوابة التي رسم حدودها . وفي الندوة التي نظمتها دار المستقبل العربي ، كانت الجلسة التي ألقى فيها الدكتور عصمت سيف الدولة بحثه عن الديمقراطية من أكثر الجلسات سخونة وحيوية لما تميز به طرحه من الوضوح والصراحة .

السفير التقته في القاهرة وكان هذا الحديث :

- متى اختمرت فكرة الكفاح المسلح في ذهنكم ؟وهل ضد أمريكا وإسرائيل أم ضد عملاء أمريكا وإسرائيل أم ضد عملاء أمريكا ومؤيدي الاتفاقيات ؟

- لم تختمر فكرة الكفاح المسلح في ذهني قط . فأنا – ان كنت لا تعلمين – أكره العنف كراهية شديدة كما يكرهه كل الاسوياء من بني الانسان . بهذا شهد الله تعالى في كتابه الكريم حينما قال : "كتب عليكم القتال وهو كره لكم" . وبالتالي فاني كانسان ومؤمن لا أقبل أن يكون الكفاح المسلح من بنات أفكاري . انه قد "كتب" على العرب منذ سنين وأراه مكتوبا بوضوح حتى أكاد أقرأه على الجيل العربي الجديد ولقد قراته اخر مرة مكتوبا بلغة عربية ومنشورا في جريدة "الاهرام" يوم 30 مارس (اذار) 1979 على وجه التحديد . كان أنور السادات قد وقع على معاهدة سلام مع الصهاينة يوم 26 مارس (اذار) 1979 بعدما كانت الولايات المتحدة قد أبلغته في اليوم السابق على التوقيع أي يوم 25 مارس (اذار) 1979 وثيقة أصدرتها بعنوان "مذكرة تفاهم" ، طبقا لقواعد القانون الدولي المنظم للمعاهدات والاتفاقيات الدولية وتعتبر هذه الوثيقة ملحقا وجزءا مكملا للاتفاق مع الصهاينة ما دامت سابقة على التوقيع مثلها مثل الملاحق الأخرى والبروتوكولات والخرائط والخطابات المتبادلة ، وبقيت تلك الوثيقة سرية الى أن بادرت المؤسسة الصهيونية المسماة إسرائيل الى اذاعتها فاضطرت صحف القاهرة الى نشرها يوم 30 مارس (اذار) 1979 وفيها :

1 – حق الولايات المتحدة في اتخاذ ما تعتبره ملائما من إجراءات في حالة حدوث انتهاك لمعاهدة السلام أو تهديد الانتهاك بما في ذلك الإجراءات الدبلوماسية والعسكرية .

2 – تقدم الولايات المتحدة ما تراه لازما من مساندة لما تقوم به إسرائيل من أعمال لمواجهة هذه الانتهاكات خصوصا اذا ما رأت ان الانتهاك يهدد أمن إسرائيل بما في ذلك على سبيل المثال تعرض إسرائيل لحصار يمنعها من استخدام الممرات الدولية وانتهاك بنود معاهدة السلام بشأن الحد من القوات أو شن هجوم مسلح على إسرائيل . وفي هذه الحالة فان الولايات المتحدة الأمريكية على استعداد للنظر بعين الاعتبار وبصورة عاجلة في اتخاذ إجراءات مثل تعزيز وجود الولايات المتحدة الامريكية في المنطقة وتزويد إسرائيل بالشحنات العاجلة وممارسة حقوقها البحرية لوضع حد للانتهاك .

3 – سوف تعمل الولايات المتحدة بتصريح ومصادقة الكونغرس على النظر بعين الرعاية لمتطلبات المساعدة العسكرية والاقتصادية لإسرائيل وتسعى لتلبيتها .

منذ أن نُشرت هذه الوثيقة تغيرت في نظري مواقع قوى الصراع العربي – الصهيوني وساحته وأهدافه ووسائله . فمن حيث مواقع القوى كان الصراع يدور أساسا ما بين قوى الثورة الفلسطينية ومن ورائها الدول العربية بدرجات متفاوتة من المشاركة والتأييد ، وبين المؤسسة الصهيونية المسماة إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة الامريكية . ولم يكن كثير من العرب يسمونها باسمها بل يقولون : نحن ضد إسرائيل ومن "ورائها إسرائيل" محتفظين لأنفسهم بحرية التعامل معها على اعتبار أنها ليست العدو ولكن حليف العدو ، وبعد التعهد الأمريكي الذي ذكرناه اختلف الأمر ، لقد قفزت أمريكا من وراء إسرائيل لتكون أمامها في مواجهة مباشرة للعرب بحيث لم يعد من الممكن الوصول الى مقتل الوجود الصهيوني الا بعد تصفية الوجود الأمريكي الحاجز بين العرب والصهاينة . وهو حاجز متجسد ماديا في القوات الأمريكية المرابطة في أرض سيناء .

اختلفت أيضا ساحة الصراع فلم تعد على حدود أو داخل فلسطين المحتلة فقط كما كانت من قبل . بل أصبحت بشكل أساسي ومحدد على أرض مصر العربية . واختلفت أهدافه المرحلية ، فلم يعد تحرير فلسطين من الاستعمار الاستيطاني بل أصبح تحرير مصر من الهيمنة الامريكية في الطريق الى تحرير فلسطين ، واختلفت وسائله ، فقد أعلنت الولايات المتحدة في 16 أبريل (نيسان) 1984 عن تشكيل جيش سري بملابس مدنية وارساله أفرادا أفرادا أو جماعات جماعات لتصفية كل المناضلين من أجل الحرية الذين تسميهم أمريكا إرهابيين . أي أن ساحة الحرب أصبحت المدن والقرى والشوارع والبيوت والمركبات ، وأسلحتها من أول الخنق باليدين الى الدهس بالسيارات الى القتل بالمسدسات . بالإضافة الى المواجهة العسكرية بالجيوش النظامية ، بين القوات المسلحة الأمريكية ، اذا طلبت إسرائيل ، وبين القوات المسلحة العربية من مصر .

كل هذا ليس من أفكاري ولا تمنياتي ولكنه الواقع الموضوعي الذي فرضته الولايات المتحدة الامريكية التي كانت الى عهد قريب تستحي أن تمد إسرائيل بالأسلحة فتوعز الى ألمانيا الغربية بأن تمدها بما تريد . الان هي تواجهنا بإرادة معلنة . انها ستلجأ الى القوة المسلحة ، قوتها هي ، اذا ما خطر لنا أن نفعل ما تعتبره هي انتهاكا لاتفاقية السادات مع الصهاينة .

وهكذا أصبح الكفاح المسلح محتوما ، لأن إرادة التحرر غير قابلة للإلغاء أو التلاشي . وكل ما فعلته انني دعوت الى الاعداد والاستعداد للكفاح المسلح ضد الوجود الأمريكي في كل رموزه وأشكاله . ومن بين أهم عناصر الاعداد والاستعداد ، الوعي الشعبي على حتمية الكفاح المسلح ضد أمريكا وإسرائيل وعملائهما . أما عن مؤيدي اتفاقات كامب ديفد فمنهم الجهلة ، ومنهم حسنو النية ، ومنهم البائسون ، ومنهم الخائفون ، ومنهم الخونة . الخونة وحدهم هم الذين سيستهدفهم الكفاح المسلح باعتباره قوة معادية تبعا لمواقفهم الفعلية حينما يبدأ الكفاح المسلح الذي أعرف أن بدايته قريبة ولكن لا أعرف متى أو كيف يبدأ أو من الذي يبدأه .

الرد على التطبيع مع إسرائيل جاوز الرفض الى الكفاح المسلح (منظمة ثورة مصر) ما رأيكم ؟   

- لست أعرف أن ثمة منظمة تدعي "ثورة مصر" تجاوزت رفض التطبيع الى الكفاح المسلح . أما الأحداث والنشرات التي تحمل هذا الاسم فقد تكون من فعل قوى تختفي تحت اسم "ثورة مصر" . وقد تعلمنا من التجارب الطويلة والمريرة عن المنظمات الثورية والاسماء التي تنسب اليها العمليات أنه لا يجوز افتراض صحتها . ولكن خلاصة هذه التجارب مع الثورة الفلسطينية ومنظماتها العديدة ، وما يؤكده علم الثورة أيضا ، أنه في الوقت الذي تعرف فيه المنظمة الثورية من خلال الإعلان عن ذاتها وأعمالها تكون قد انزلقت الى مداخل السياسة الدعائية الأكثر اغراء وارضاء وأقل خطرا . ورويدا رويدا تتحول المنظمة التي نشأت ثورية الى منظمة دعائية أو سياسية . وتحل المظهرية الكاذبة محل الصدق الثوري فتنتهي . أعني تنتهي كمنظمة ثورية . وقد تبقى حزبا سياسيا أو مؤسسة للدعاية والاعلان . أما عن رفض التطبيع فهو يتعاظم في مصر العربية ويتجاوز بكثير ما كان متوقعا . ويحطم في طريقه أوهام الصهاينة . ولكنه رفض شعبي في الأساس . وحتى الأحزاب لا تلعب فيه الا أدوارا ثانوية . ان الشعب العربي يتخذ مواقفه على السجية فتأتي معبرة عن انتمائه العربي فيقطع بهدوء ولكن يحسم كل خيوط الاتصال بأعدائه التي حاولوا فرضها عليه في اتفاقية السادات .

ما رأيكم في الجدل الذي أحدثته تجربة السودان الديمقراطية الأخيرة في مصر ؟

مصر مشغولة ليل نهار تفكيرا وتدبيرا ونشاطا في البحث عن مخرج من الأزمة الطاحنة التي تمر بها . وفي هذا تستوي كل القوى الحزبية والإعلامية المؤيدة والمعارضة . وهي كلها أيضا تستوي في "عدم معرفتهم" كيفية الخروج من الأزمة فتدعو كل قوة منها الى ما تعتقد أنه المخرج الصحيح . ولكن لا أحد على يقين مما يقول . ولم يكن الجدل الذي أحدثته تجربة السودان الديمقراطية الأخيرة في مصر جدلا حول شؤون السودان ، بل جدلا حول شؤون مصر . بمعنى ان السؤال موضوع الجدل هو هل يمكن أن تتكرر التجربة في مصر كحل للأزمة كما حلت أزمة السودان . الجواب بالنفي قطعا . اذ ليس حسني مبارك من عينه النميري ، وليس الحكم في مصر مثل ما كان الحكم في السودان . وليست القوات المسلحة في مصر مثلها في السودان . التكرار اذن محال . فهل تكون حركة السودان نموذجا ؟ أنصح الجميع بأن ينتظروا على السودان وقواه الحاكمة الجديدة ولا يشاركوا بحسن نية – ربما – في استعجال انقلاب عسكري جديد في السودان يطيح بالتجربة التي يعجبون بها . ذلك لأنني أعتقد أن المصدر الأساسي للخطر على التجربة الديمقراطية في السودان هو المبالغة في التفاؤل بها . ان هذا التفاؤل يترجم لدى الشعب في تصورات عينية يتوقعها ويرتبط تأييده لنظام الحكم الجديد بمدى توفيقه في تحقيقها . أهمها تصور حل جذري للمشكلات الاقتصادية المرتبطة الى حد ما بحل نهائي لحرب الاستنزاف القائمة في الجنوب ، المرتبطة الى حد اخر بعلاقات السودان بدول مجاورة ذات أهداف متناقضة ، وعلاقات خارجية بالغة التعقيد . لو أن القوى السياسية والثقافية والحكومية الجديدة بادرت منذ الان ، وقبل فوات الوقت ، بإصدار بيان موثق يعلنون فيه للشعب العربي هناك أن بعد الالتزام بالجدية والطهارة والإخلاص لن تحل الازمة الاقتصادية في السودان على الوجه الذي يحفظ الحياة ، مجرد حفظ الحياة ، للشعب قبل عشر سنوات وبشرط الحفاظ على الأسلوب الديمقراطي في الحكم . فستنجو التجربة الديمقراطية في السودان من الخطر المتربص وراء الأفق القريب . ويتمثل هذا الخطر في خيبة أمل شعبي في حياة أفضل قدمتها اليه الوعود غير المسؤولة وربطت بينها وبين الديمقراطية بما يسمح بانقلاب عسكري جديد يطيح بالتجربة ليعود السودان الى الدوامة التي طحنت كثيرا من دول العالم الثالث : رفع ألوية الديمقراطية كشرط للرخاء الاقتصادي القريب ، ففشل الوعود الاقتصادية ، فإدانة الديمقراطية ، فالديكتاتورية .

فلننتظر ولندعو للتجربة الديمقراطية في السودان بطول البقاء على الأقل الى أن تخرج مصر من أزمتها الطاحنة حيث تتوافر – حينئذ – عوامل إضافية بالغة التأثير في تجاوز السودان أزمته الأكثر طحنا .

- والوضع المتردي قي العالم العربي كيف الطريق ؟

- باختصار شديد ، الوضع المتردي في العالم العربي نتيجة طبيعية للوضع المتردي في مصر بعد اتفاقيات كامب ديفد . لقد عزلوا مصر أو انعزلت مصر على أوراق الاتفاقات ومداولات المؤتمرات وألفاظ البيانات ، ولكن مصر غير قابلة موضوعيا لأن تعزل ، وغير قادرة موضوعيا على أن تنعزل . لأن مصر العربية جزء من الأمة العربية ، والأمة العربية ليست مجرد كتلة من البشر ، وعديدا من الأقطار والدول . الأمة العربية كائن تاريخي حي يستحيل استحالة موضوعية مماثلة للاستحالة الفسيولوجية ، أن يبقى سليما وقادرا اذا عجزت بعض أعضائه ، فما بالك بالقلب . ان مثل مصر والعالم العربي مثل المصاب بالذبحة الصدرية ، اذ تضيق الشرايين بين القلب وسائر الأعضاء ، فتشل الأعضاء ويتلف القلب . لقد كانت بداية التردي في القاهرة في العام 1979 ، ولن تكون بداية النهوض الا من القاهرة .  


الخميس، 19 ديسمبر 2024

مخاطر الإقليمية في ليبيا مثلا ..

 

مخاطر الإقليمية في ليبيا مثلا ..

د.عصمت سيف الدولة .

جريدة السفير – الاثنان 7 -7 – 1975 .

نحن نضرب ليبيا مثلا في هذا الحديث عن مخاطر الإقليمية في ليبيا لأسباب عدة :

السبب الأول هو ان ليبيا "الدولة" تحكمها قيادة قومية المنطلقات وحدوية الأهداف تتمثل في مجلس قيادة الثورة وقائدها . وكلهم ، المجلس والقائد ، كانوا ولا يزالون جزءا من تنظيم ثوري قومي المنطلقات وحدوي الأهداف هو تنظيم "الضباط الأحرار الوحدويين" الذي فجر ثورة الفاتح من سبتمبر . ومنذ الفاتح من سبتمبر 1969 يفرز الشعب العربي في ليبيا طلائع متزايدة من الشباب تحيط بالقيادة وتلتقي بها التقاء عقائديا خالصا ، التقاء على المنطلقات القومية  وعلى الأهداف الوحدوية معا ، وتلك هي الرابطة الوثيقة الوحيدة ، التي يلتقى عليها العقائديون . ان عملية الفرز هذه ، أعني فرز طلائع من الشباب القومي الوحدوي ، لا تزال مستمرة ، يساعدها مناخ عارم من الديمقراطية الشعبية "المباشرة" البسيطة غير المعقدة "بيروقراطيا" بعد ، لشعب "بدوي" الأصل لا يحسب أي واحد فيه أنه أقل أقل درجة من أي واحد اخر ، فتبقى أساليب الحوار بيت الحاكمين والمحكومين على مستوى "الندية" المفترضة حضاريا وتكاد تجعل من الولاء الشخصي عارا شخصيا . ان هذا النمط من الديمقراطية البسيطة المباشرة لا تنفرد به ليبيا ، بل انه متوفر في كل مجتمع لم يغادر مغادرة كاملة تراثه وتقاليده القبلية ..

اذا أضفنا الى هذا ان الانتماء القومي الى الأمة العربية مسلم تاريخيا وحضاريا وثقافيا ونفسيا في الشعب العربي في ليبيا بحيث لا يحتاج الأمر الى اثبات أو نفي ، مثله في هذا مثل ملايين الفلاحين في مصر العربية الذين لا يكادون يصدقون أن انتماءهم العربي يمكن أن يكون محل سؤال وجواب ، أدركنا أن عملية فرز الطلائع القومية الوحدوية في ليبيا تكاد تكون تلقائية . لا تواجه عقبات لا يمكن تخطيها ولا تحتاج الى من يفرزها من جماهير شعب لا تمثل الطلائع بالنسبة اليه الا مؤشرات واعية الى ماهيته العربية وانتمائه القومي الراسخ .

ولما كانت الإقليمية لا تشكل ، ولا يمكن تشكل ، خطرا على الاقليمين ، لأنها مستنقعهم الذي لا يستطيعون الحياة الا في مياهه الاسنة ، وصيغتهم الضيقة المنسجمة مع رؤيتهم القصيرة ، فان ليبيا الوحدوية هب التي تصلح مثلا نضربه لمخاطر الإقليمية . حيث لا تتضح تلك المخاطر الا في مواجهة نقيضها القومي حيث يكون نقيضها القومي واضحا أيضا .

فرز القوى الإقليمية :

السبب الثاني هو أن ما يجري الان في ليبيا ، كما يفرز طلائع قومية وحدوية متنامية ، يفرز قوى إقليمية متنامية أيضا . وليس في هذا أي تناقض . ذلك لأنه وليد تناقض أصيل بين الدولة والقيادة . فدولة ليبيا ، من حيث هي دولة ، مؤسسة إقليمية ، انها تقوم على جزء من الوطن العربي ، تفصلها عن بقية الوطن العربي حدود معتمدة دوليا ودستوريا . وهي عضو في جامعة الدول العربية تلتزم بمواثيقها التي تعترف بشرعية التجزئة ، وتلزم كل دولة عربية الامتناع عن التدخل في شؤون دولة عربية أخرى ، وتتبادل الاعتراف باستقلالها بعضها عن بعض ، وتبعث بممثليها "الديبلوماسيين" الى الأقطار الأخرى حيث تخضع صفاتهم وصلاتهم وحصاناتهم لقواعد وطقوس التمثيل فيما بين الدول الأجنبية . والعربي من أي قطر يفد الى ليبيا حاملا بشماله "هوية" دولته ، فتقابله ليبيا الدولة بقوانين وإجراءات مخصصة للتعامل مع حاملي الهويات الأجنبية (مع كثير من التساهل الفعلي وليس القانوني) . والعربي من ليبيا يغادرها حاملا رعويته لدولته فيقابل في كل قطر عربي بما يقابل به الوافدون اليه من الأجانب (مع كثير أو قليل من التساهل الفعلي وليس القانوني) . هذا بالإضافة الى إقليمية النشاط الاقتصادي ، والتجاري ، والنقدي ، والضرائبي ، والعسكري ، والتعامل مع الدول الأخرى في شكل معاهدات أو اتفاقات ..

ثم ان ليبيا الدولة ، مثل كل دولة عربية ، تملك مقعدا في هيئة الأمم المتحدة ... يمثل كل ما يعنيه الالتزام بقواعد القانون الدولي من أعباء وقيود وإمكانات وجزاءات .. الى اخرة .

ان هذا البناء المتراكب من القواعد الدولية والدستورية والقانونية والإدارية الذي يكاد يضبط ويحدد حركة كل فرد فيه ، ويضبط ويحدد كل حركة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية من حيث المضمون ومن حيث المنطلق ومن حيث الغاية هو ما يسمى "الدولة" .. دولة ليبيا مثلا . أو أية دولة عربية أو غير عربية أخرى ... وهو حين يحدّد ويضبط حركة الأفراد ونشاطهم يحدّد في الواقع مصالحهم العينية المتحقّقة ويتحكمّ الى حد كبير في مصالحهم المستقبلية المأمولة ، ويروّضهم ، من خلال تلك المصالح ، فكريا ونفسيا على قبول الدولة كأمر واقع حتى لو كانوا يرفضونها عقائديا واستراتيجيا .

ان هذا بصدق على كل الدول بما فيها دولة ليبيا .

التناقض كما يبرز في ليبيا :

انما يأتي التناقض الأصيل في ليبيا من أنه على رأس هذا البناء الإقليمي ، وفي موقع القيادة منه ، سلطة من القياديين الوحدويين . أي من الذين يؤمنون ، على أساس من منطلقاتهم القومية ، أن التجزئة المتجسدة في الدول العربية ، بما فيها دولتهم ، هي عدوان صريح على وحدة الأمة العربية ومعوق أساسي من معوقات التحرر والتقدم . ومع ذلك فانهم يمارسون يوميا ، وفي مجالات متعددة ومتنوعة ، نشاطهم كقادة من خلال هذا الجهاز "العدو" . العدو طبقا لمعتقداتهم هم وليس طبقا لمعتقدات الإقليميين . ثم انهم حاولوا ، ويحاولون ، تجاوزه الى الوحدة . ويعلمون ، ويعلم كل المعاصرين أن كل محاولاتهم قد فشلت .

لماذا فشلت ؟ .. هذا سؤال غير وحيد الإجابة . اذ لا يمكن أن يرجع الفشل الى سبب واحد ، ومهما تكن الأسباب فان لهم نصيبهم منها لأن كل صاحب قضية هو المسؤول عن نجاحها أو فشلها . وليس للأعذار هنا أية قيمة الا اذا تحولت الى دروس تستخلص منها إجابات صحيحة عن السؤال الموجه الى كل الوحدويين في الوطن العربي ، وليس ليبيا وحدها : لماذا لم تتحقق الوحدة العربية ولو جزئيا . ولسنا هنا في مجال الاجتهاد في الإجابة على هذا السؤال .

الدولة هل تعمل لصالح الإقليمية ؟

ما يهمنا في هذا الحديث هو أنه ن مع الفشل في محاولات الفكاك من أسر الدولة الإقليمية يبقى القوميون الوحدويون يعانون تناقضهم مع دولتهم .

الى هنا قولا تشكل الإقليمية خطرا يعتد به فيما لو بقيت قيادة الدولة سلبية فبقيت الدولة راكدة وبقي الشعب على مستواه المتخلف . لقد كان هذا هو الوضع قبل ثورة الفاتح من سبتمبر . لم يكن الانتماء الى ليبيا "الدولة" يمثل شيئا على الاطلاق . كان الشعب العربي في ليبيا يعيش حياته القبلية التقليدية في غربة كاملة عن الدولة . وكان على رأس الدولة ملك شيخ لا تطيق شيخوخته أعباء الحكم والإدارة فأجر أرض ليبيا الى الدولة القادرة على ادارتها كقواعد عسكرية أو كحقول بترولية ، واكتفت زمرة الحاكمين بالعائد النقدي يقتسمونه فيما بينهم طبقا لجداول دورية تسمح لكل قبيل منهم بأن يحصل على نصيب معلوم . لا خزانة ، ولا ميزانيات ، ولا تخطيط ، ولا تعمير ، ولا شيء ... مما يوحي به اسم الدولة . فبقي الشعب العربي هناك غريبا كما هو متخلفا كما هو وبدون دولة .

ثم جاءت ثورة الفاتح من سبتمبر يقودها فصيل قومي تقدمي . والقوميون التقدميون ، حتى في حصارهم الإقليمي ، نشطون حادون مرهفو الإحساس بالمسؤولية تجاه جماهير أمتهم العربية . أليست القومية هي التعبير عن الولاء لتلك الجماهير وحدها ؟ .. بلى . اذن ، فالدولة ، ولو كانت إقليمية ، تحت قيادة القوميين التقدميين تتحول فورا الى أداة تعمير وتحضير وبناء وتنمية وتعليم وتثقيف ورخاء وقوة .. في حدود الإمكانات المتاحة فيها ولكن بدون تبديد لأي عنصر من تلك الإمكانات . بدون سفه ، بدون كسل ، بدون استغلال .. هكذا فعلوا ويفعلون في ليبيا العربية . قيادات مفرطة الجدية في أن تتجاوز بالشعب العربي هناك مراحل التخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ، وإمكانات مادية من عوائد البترول المتوافر استردت من المحتكرين وحصنت ضد الاستنزاف الاستهلاكي وخصصت تخصيصا قياسيا - يبلغ حد التقشف - لمشروعات التنمية ، ثم سواعد قوية وعلم متفوق وخبرة مكثفة من المصدر العربي للسواعد والعلم والخبرة ، مصر العربية ، توفرت اذن ، إرادة البناء ، وموارده ، وبناته ، فتشهد ليبيا الان حركة تعمير وبناء وتقدم وتعتبر قياسية بالنسبة الى اية تجربة في العالم الثالث ، اذا اخذنا في الاعتبار انها بدأت مما هو دون الصفر ، ومنذ يضع سنوات فقط ، وفي بيئة بالغة الصعوبة .

وهكذا يفعل القوميون التقدميون حقا في كل مكان ، وفي كل الظروف ، بما فيها ظروف التجزئة ، بالرغم من أن غايتهم الاستراتيجية هي الوحدة العربية . لأنهم يعلمون من ولائهم وانتمائهم الى الأمة العربية أن كل مشكلة يعانيها عربي في أي مكان هي مشكلة قومية ، وأنهم ، أينما كانوا ، مطالبون ومسؤولون عن كل حل مشكلات جماهير أمتهم العربية ، وأن الحياة ومشكلاتها لن تتوقف الى أن تتحقق الوحدة ، وأن كل تقدم في أي قطر بما هو متاح سيجعل ميلاد الوحدة أكثر سهولة .

ولكن عملية البناء هذه تتعرض لنصيبها من التناقض الأصيل بين قومية المنطلق والأهداف وإقليمية الممارسة . فبينما تحاول الثورة في ليبيا الدولة بناء حياة افضل للشعب العربي هناك ، تختلس الإقليمية التي كانت سلبية وراكدة وعاجزة بعض الغذاء من عناصر التقدم فتنتعش وتنشط .

الان أصبح الانتماء الى ليبيا الدولة انتماء الى دولة تقف بصلابة مع حركات التحرر ضد الاستعمار والامبريالية . ضد الصهيونية . ضد التبعية . ضد التخلف . الان أصبح الانتماء الى ليبيا الدولة انتماء الى تحضر البدو ، الى زراعة الصحراء ، الى التصنيع ، الى التعليم ، الى الثقافة ، الى مركز مرموق في المجتمع الدولي ، الى ارادة وطنية لا يعيبون عليها الا فرط استقلالها واعتزازها بهذا الاستقلال .. نعم ، لقد أصبح الانتماء الى ليبيا الدولة انتماء يغري بالتمسك به وأصبحت أعلام الدولة الليبية ذات كرامة وكبرياء تغري بالوقوف تحتها .

الحنطة والحشائش :

وكما أن الأرض الخصبة تنبت الحنطة فإنها تنبت الحشائش الطفيلية والشجيرات المتسلقة الأكثر زهورا وأقل نفعا .. وهكذا تنبت الان في حقل ثورة الوحدويين الإقليمية التي وجدت في تربة الحقل القومي نفسه ما يغذيها  فأزهرت . ولو تُركت فغدا أو بعد غد ستمتص الغذاء من النبت الأصيل عن طريق اختلاطها بجذوره . وهذا هو الخطر الذي نريد أن نتحدث عنه وننبه اليه . ونضرب ليبيا مثلا له . لأن كل ما تم ويتم في ليبيا الان من بناء وتعمير وتحضير هو من تخطيط القوميون ، وبناه القوميون ، وفتحت له القومية الأبواب التي كانت مغلقة دون تكامل الخبرة والإمكانات . انه نموذج صغير ، محدود ، لوعود الرخاء والتقدم التي تحملها الوحدة الى الشعب العربي في كل مكان ، ولكنه بالرغم من صغره بالنسبة الى الأمة العربية ، وبالرغم من محدوديته بالنسبة الى الطاقات القومية ، دليل حي يقدمه القوميون التقدميون لأقل شعبهم عددا ، في أقسى أقطارهم بيئة ، ليثبتوا به ألا خلاص لجماهير هذه الأمة من الاستعمار والاغتصاب والتخلف الا بالوحدة الاشتراكية الديمقراطية .

ولكن بعض الحشائش الإقليمية ينسى كل هذا ويحاول أن ينسب البناء والبنائين الى شكلها الإقليمي . فهو بناء ليبي بتخطيط ليبي بأيدي ليبية ربما – كما قال أحد الأخوة من السودان – يكون مرجعه الى "عبقرية ليبية" ، من أجل ليبيا الدولة . ثم يتساءلون همسا – أعني تلك الحشائش المزهرة – هل نحن في حاجة حقا الى القومية أو الى الوحدة .. وينسون أنهم قد عاشوا دهرا خارج تيار القومية الجارف ن تحت قياداتهم الإقليمية ، فلم يفعلوا شيئا ولم يفعل الاقليميون الذين حكموهم الا سرقة ثروات شعبنا العربي هناك .. أو تمكين السارقين منها مقابل نصيب تافه – عمولة – يأخذه الحاكمون . ما الذي ميز ثورة الفاتح من سبتمبر عن العهد الذي سبقها . ان الضباط الأحرار الوحدويين من أبناء الشعب العربي في ليبيا ولا يمكن الزعم بأنهم فصيلة "ممتازة" على جيلهم من أبناء الشعب . وليبيا هي ليبيا بحدودها . والبترول هو البترول . فما هو المصدر الذي استمدت ثورة الفاتح منه شعورها بالمسؤولية قبل الجماهير ، وارادتها الحديدية في تجاوز التخلف ، والثقة التي لا حد لها بالشعب العربي ومقدرته ؟ انها العقيدة . وهي هنا العقيدة القومية على وجه التحديد . حيث يضيف الانتماء الصادق الى الأمة العربية شعورا موثوقا بقوة الانتماء الى الملايين العديدة حتى لو كان المنتمون قلة . ان العقيدة القومية – في ليبيا – قد تحولت الى قوة عينية هي ذاتها التي تبني وتعمر وتحضر . لأنها هي التي جمعت بين إرادة البناء ، وموارده ، وبناته ، ولولاها لما اجتمعت كل تلك العناصر المتكاملة ولبقيت الارادة حلما ، والموارد نهبا ، والبناة غائبين ..

الخطر الناشئ :

السبب الثالث ، الذي من أجله نضرب ليبيا مثلا لخطر الإقليمية ، هو أن ذلك الخطر في ليبيا ما يزال ناشئا . ما يزال طفلا يحتال بسذاجة أو طفيليا يتسلق برعونة . ان شعبية القيادة القومية الوحدوية ، وبساطة تركيب الدولة في ليبيا ، لا يسمحان – حتى الان – بإضافة السراديب المظلمة وحجرات الكواليس وألاعيب البيروقراطية و"سرك" الإقليميين المليء بالألعاب المدهشة ، كما أن الزخم الجماهيري الشجاع لا يترك للإقليمية الناشئة الا تلك الفراغات المحدودة التي تفصل بين الأجزاء لتندس فيها . وبالتالي قفان تطهير ليبيا من الإقليمية والاقليميين لا يقتضي قلع جذور عميقة ، أو هدم مبان راسخة . قصارى ما يقتضيه – حتى الان – هو مزيد من التحام القوميين الوحدويين لسد ثغرات التسلل فيما بينهم ثم كشف وتعرية العناصر والمسالك الإقليمية وترك حسابها والتعامل معها للجماهير ذاتها ، وهي جماهير قد ينسب اليها أي شيء الا "مسالمة" اعدائها أو "الاعتدال" أو "الوسطية" في صدامها . ان تلك الجماهير كفيلة بتطهير حقلها القومي من حشائش الإقليمية النامية بمجرد أن تفرز وتحرم من إمكانية الامتصاص من الحقل القومي ذاته .

من أجل هذا كان لا بد من التنبيه الى مخاطر الإقليمية في ليبيا لأنها نابتة فعلا ، ومتسللة فعلا ، ومتسلقة فعلا ، وان كانت ضعيفة فعلا أيضا . وكان لا بد من ان تكون ليبيا مثلا لأن تجارب مريرة أخرى ، في أقطار عربية أخرى ، لم تنتبه الى مخاطر الإقليمية يوم ان كان الزخم قوميا ، أو انتبهت واستهانت بها ، حتى نمت فامتصت غذاء الأصل وأحالت الحقل القطري كله الى حقل إقليمي . في أقطار عربية أخرى قامت ثورات ترفع شعارات قومية ووحدوية واستولت على السلطة باسم القومية والوحدوية ، وبنت ما استطاعت أن تبني ، وعمرت ما استطاعت أن تعمر .. واذا بها تتحول من خلال الممارسة اليومية وعدم الانتباه ، أو الاستهانة بالقوى الإقليمية ، تتحول هي الى قوى إقليمية شرسة ، لا تخجل من أن تشتري بالحقوق القومية ما يعرض عجزها عن الحفاظ على الامن الداخلي ، ولا تخجل من أن تجفف مزارع شعبنا العربي من أجل أن تروي مزارع دولتها ، ولا تخجل من أن تستبدل بالدعوة الى وحدة الأمة وحدة العالم ..

الإقليمية ليست عاملا ذاتيا :

وانه لمن الأخطاء الجسيمة التي لا تغتفر لأن ترد تلك الظاهرة المتكررة في الوطن العربي الى عوامل "ذاتية" بحتة . فكأن الشباب القومي الوحدوي في تلك الأقطار قد بدأ منذ البداية منحرفا ، أو إقليميا متسترا ، أو عميلا .. وكأن القيادة القومية الوحدوية في ليبيا هي "نوع" بشري جديد على الواقع العربي ، فذ ومتفوق قومية وطهارة وثورية عن كل ما سبقوه ، فهم بذواتهم يقدمون ضمانا ضد مخاطر الردة الإقليمية . أبدا . هذه رؤية سطحية أو مسالك منافقة .

حق ، انه في نطاق التأثير المتبادل بين عناصر الوجود يلعب الانسان الدور الأساسي في قيادة ظروفه . وحق أن قيادته تتوقف الى حد كبير على معرفته العلمية لتلك الظروف وأسلوب التعامل معها وكفاءته في استخدام الأدوات المتاحة لذلك التعامل . فحق – اذن – أن العنصر الذاتي يلعب دورا أساسيا في نجاح أو فشل العمل السياسي . ولكن الظروف الموضوعية هي التي تقدم مضمون الوعي الواقع ومضمون المستقبل المأمول ، ومضمون مشكلات الانتقال من الواقع الى المستقبل ، ومضمون حلول تلك المشكلات ، ومضمون أدوات انجاز تلك الحلول . فالإنسان القائد لا يقود من فراغ في فراغ الى فراغ . الانسان القائد ليس فكرة هجليه . بل هو موضع القيادة من ظروفه أي أنه جزء من ظروفه . وهو اذ ينجح في تحقيق أهدافه لا يعني هذا الا أنه استطاع أن يطور الظروف الموضوعية على الوجه الذي كان يريد ، فحملته الظروف معها ، هضمته ، وأصبح جزءا من حركتها التلقائية المتخلفة . ويصبح السؤال : لماذا فشل ؟ .. الإجابة الأصيلة لا يمكن الا أن تكون موضوعية . لأنه لم يعرف المشكلات التي تطرحها ظروفه معرفة صحيحة ، أو لأنه عرفها ولم يعرف حلها العلمي الصحيح ، أو أنه عرفه ولم يبذل في الممارسة الجهد العملي المناسب لتحقيقه في الواقع . هذا هو سبب الفشل . أما سبب السبب ، أي السبب غير المباشر فقد يدخل في الجانب الذاتي : لأنه غبي . لأنه جاهل . لأنه كسول . لأنه عميل . لأنه منحرف ... الى اخره . وبينما تبقى الأسباب الذاتية اتهامات صحيحة أو غير صحيحة لا تهم الا صاحبها الذي لاقى جزاءه في الفشل ذاته ، يبقى ما يهم الناس وهو كيف لا يفشلون كما فشل غيرهم .. وبينما يحتفظ العنصر الذاتي بقدر من الظهور في الممارسات الفردية تفرض الظروف الموضوعية ذاتها في تقييم فشل أو نجاح الممارسة الجماعية . لأن الجماعية هي ذاتها ظرف موضوعي للممارسة . من هنا يكون من الأخطاء الجسيمة رد فشل حركة جماعية جماهيرية الى أسباب تتعلق بذوات بعض الافراد فيها فيقال مثلا ، انهم قد انحرفوا بها . الواقع أن عيبا موضوعيا ما ، لا بد من أن يتحقق في الحركات الجماهيرية حتى يمكن أن تخضع حركتها لانحرافات الافراد فيها بدلا من تصفيتهم مثلا .

وفي نطاق حديثنا نقول أن واحدا من أخطر الأخطاء الموضوعية هو عدم الانتباه الى أن البناء في الإقليم يخنق مصالح إقليمية ويلد اقليميين في داخل الاسرة الوحدوية . وان السماح لتلك المواليد الهجينة بأن تشب على الطوق وتنمي مصالحها سيهدد في النهاية المسيرة القومية الوحدوية ، لأن الإقليميين سيجدون في مرحلة ما ، قريبا منهم تلك الأداة التي تنسجم معهم وينسجمون معها : الدولة الإقليمية .

فاذا كنا نرى الان جيلا كاملا بدأ مثالا للوعي القومي العقائدي ، ومثالا للكفاح الثوري ، ومثالا للطموح الوحدوي ، لم يعد يحتفظ من منطلقات القومية وأهدافه الوحدوية الا بالكلمات ، الشعارات ، ربما لأنه فقد حتى شجاعة التخلي عنها مع غربته المتزايدة عن الالتزام بها ، فلا ينبغي أن نكتفي بالإدانة والسباب والشتائم واتهامات الخيانة والعمالة .. أو غيرها من مفردات قاموس السياسة غير العلمي ، ولكن ينبغي أن نواجه بشجاعة ، وأسلوب علمي السؤال : ما هي الأخطاء التي غالبتهم فغلبتهم فجرفتهم الى تيار الإقليمية الذي لم يكونوا ينتمون اليه أصلا . فاذا كنا نضرب مخاطر الإقليمية في ليبيا مثلا فلأننا لا نريد للقوميين الوحدويين في ليبيا أن يكرروا أو تتكرر فيهم مأساة الذين سبقوهم . 

السبب الرابع والأخير ، هو أن ثمة فصائل ممن ينتسبون الى الخط القومي التقدمي أو ينسبون انفسهم اليه ، يناضلون في ظروف بالغة الصعوبة من أجل اسقاط الإقليميين في أقطارهم ، ويرشحون أنفسهم لسلطة بديلة تحت العناوين القومية الوحدوية . وليس من المستبعد ، ولو بسبب فشل الإقليميين الذي لا علاج له ، ان تصل بعض تلك الفصائل الى مواقع السلطة حاملة معها وعود التقدم والوحدة ، حينئذ سيكونون في أشد الحاجة الى الحديث الذي ننبه به الان ، ومن الان ، الى مخاطر الإقليمية ، ونضرب فيه ليبيا مثلا " ..




 

الخميس، 12 ديسمبر 2024

د.عصمت سيف الدولة - السادات ... الله يرحمه ..

  PDF

في الذكرى الأولى لوفاته :

السادات ... الله يرحمه ..

د.عصمت سيف الدولة .

كتاب الأهالي عدد 16 أكتوبر 1987 .

الزنازين المقابلة في سجن "ملحق مزرعة طرة" ذوات الأبواب ، لا مفتوحة ولا مغلقة ، أبواب من قضبان حديدية غليظة متقاطعة كأقفاص الحيوانات المتوحشة في حدائق الحيوان .. كانت خالية من الأسرّة والمقاعد والمناضد ، عامرة بالحشرات القارضة والقارصة واللادغة . كان في كل زنزانة أربعة .. ثلاثة من الآدميين ومرحاض لا باب له ولا ساتر ، تقاطعه المياه الا نادرا . يتأذّى الآدميون من الجلوس على الأرض الصلبة العارية الرطبة ، ينفرون من رائحة رفيقهم الرابع ، فيتجمعون وراء قضبان الباب ، يسندون اليها أجسامهم المتعبة ، ويمدون الى خارجها أنوفهم ما استطاعوا ، فتلامس الرؤوس ، ويبقون هكذا وقوفا أو متردّدين أغلب النهار والليل ، يتبادلون الحديث صباحا مع أصحاب الرؤوس المتزاحمة خلف قضبان الزنازين الأخرى ..

في يوم 7 أكتوبر 1981 كان قد مضى أكثر من شهر على نزلاء تلك الزنازين بدون أن يعرفوا لماذا حملوا اليها عنوة فجر نهار يوم 3 سبتمبر 81 . لم يخبرهم أحد كتابة أو شفويا ، لم يوجه اليهم اتهام . لم يعرضوا على محقق . لم يزرهم أحد من الأهل أو المحامين . لم يقرأوا صحيفة . لم يستمعوا الى مذياع . لم يتلقوا رسالة ، لم يرد أحد من السجانين أو الحراس على سؤالهم الإنساني البسيط المتكرر : لماذا ؟ فقط لماذا ؟ . فكانوا جميعا يجترون مزيجا فضيع المرارة من مشاعر الغضب والألم والمهانة ، ويغالبون مشاعرهم تلك بمظاهر المرح واللامبالاة والتحدي .

في ذلك اليوم 7 أكتوبر 1981 ، لم يكونوا قد عرفوا أن أنور السادات قد لقي مصرعه قتلا في اليوم السابق ، فطاف مأمور السجن بالزنازين ، تحت رقابة لصيقة من ضابط مباحث أمن الدولة الذي يرافقه ، ليقول لنزلاء كل زنزانة بصيغة جادة جامدة : (البقية في حياتكم .. الريس مات ) .. تباينت ردود الأفعال الفورية قبل أن تتوحّد في هتاف جماعي مستمر : تحيا مصر .

حين جاء دور زنزانتي لتلقي الخبر ، وجدتني أقول بهدوء وتلقائية .. الله يرحمه . منذ تلك اللحظة لم أنس أبدا أن أنور السادات قد مات . وأن قد مات معه كل ما يتصل بذاته . وأنه يجب أن تدفن معه مشاعر الغضب والالم والمهانة التي تجرعنا مزيجها فضيع المرارة بفعل أسلوبه الخاص غير العادي في التفكير والتقدير والتدبير والتعبير . ذلك لأنه لم يحدث قط أن كان لأنور السادات (الذات) نصيب من اهتمامنا الا بقدر ، وفي حدود ، اتصال ذاته بمن كنا نهتم به اهتماما بالغا . نعني رئيس الجمهورية .  كنا مشغولين جدا بالوظيفة الدستورية واختصاصاتها المحدودة في الدستور ، وسلامة أدائها ، والاثار التي تترتب عليه في حياة الشعب .. لقد كان أنور السادات مواطنا وزوجا وأبا . وكان يهوى الكتابة والخطاب والحديث . وكان يلم ببعض اللغات الأجنبية ويطيب له استعمالها حتى في بعض المواقف الرسمية التي يتحدث فيها باسم مصر العربية . وكان ذا ذوق خاص به في الملبس والمسكن ونمط الحياة . وكان يعشق ذاته ويسعده أن تسند اليها أوصاف تعجبه . فهو المؤمن . وهو الملهم . وهو القائد . وهو الزعيم . وهو كبير العائلة . وهو الفلاح . وهو المعلم المربي الذي يلقي دروسا على الشباب متربّعا على (دكة) خشبية كما يفعل الشيوخ الأجلاء من أساتذة الأزهر في أوائل القرن . وكان مفتونا بالتاريخ يعيد صياغة ما يشاء من صفحاته بل يسجلها بصوته ولا يكل من العمل على أن يكون له مكان مرموق فيه . ويقال أنه كان خفيف الظل ومسامرا ظريفا . ونقول أنه كان جسورا الى درجة مذهلة .. وانه في كل هذا لم يكن الا بشرا تحركه أفكار وبواعث ونوايا وطموحات خاصة به مثل كل البشر .

ما كان لأي من هذه الصفات والسجايا والخصائص أن تثير اهتمام أحد غير أنور السادات نفسه والقريبين منه وذوي قرباه لولا أثرها في أداء وظيفته كرئيس جمهورية . والواقع أنها لم تكن محل اهتمام أحد غيرهم قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية . ذلك لأن رئاسة الجمهورية هي الصفة الوحيدة التي نشأت بها العلاقة المتبادلة بين الشعب وبين أنور السادات . وقد كان يمكن أن تبقى ذات أنور السادات بعيدة عن الاهتمام الشعبي حتى بعد توليه رئاسة الجمهورية لو أنه قنع بأن يبقى رئيسا للجمهورية لا أكثر . وأن يؤدي وظيفته المحددة في الدستور لا أقل . أي لو قنع بأن يكون رئيسا (عاديا) .

ولكن أنور السادات لم يكن شخصية عادية على أي وجه وبأي مقياس . وأعتقد أنه لن يمضي وقت طويل حتى تصبح سيرته مشغلة كثير من المؤرخين والعلماء والادباء والفنانين . وستكون جوانب شخصيته غير العادية مادة غنية للبحث العلمي ومصدرا خصبا للإلهام الأدبي والابداع الفني . وسيجمعون على أنه كان ظاهرة لا مثيل لها بين حكام مصر منذ الفراعنة (ربما الا حاكما واحدا ..) .. وسيدرس علماء النفس دراسة دقيقة – كعادتهم – الزي العسكري الفريد الذي اهتم بتصميمه واختاره لذاته . وسيحاولون البحث عن أسباب هذا الاهتمام . وسيحللون دلالة التصميم والخطوط والألوان والزخارف لاكتشاف علاقة هذا الخليط المتميز بشخصية صاحبه غير العادية .

غير أن أكثر ما يشغل المؤرخين هو اكتشاف أسباب وبواعث واثار دمج السادات دمجا كاملا بين ذاته ووظيفته . وسيختلفون حول أيهما كان يلعب الدور الأساسي في تصرفاته . وسيناقشون على نطاق واسع وجاد دلالة كثير من التعبيرات التي كان يستعملها وما اذا كان يعنيها أم لا . وسيعرضون نماذج الى تسميته الشعب (شعبي) والجيش (جيشي) والمعركة (معركتي) والنصر (نصري) . وستساعدهم العقول الالكترونية في تحديد نسبة كلمة (انا) أو ما يقوم مقامها الى مجمل الكلمات التي نطقها في حياته . وقد يجدون أنها نسبة غير عادية فيدرسون دلالتها . وسيعودون الى دراسة كتابه الشهير (البحث عن الذات) الذي برر إصداره بأن القدر قد شاء أن يكون تاريخ ذاته هو تاريخ مصر ذاتها . ليكتشفوا ما كان يعنيه بهذا القول على وجه التحديد . ولعلهم حينئذ يؤرخون للذين عاصروه حاكما فيذكرون ما كاد يكون مستحيلا على أغلبهم : أن يؤيدوا أو يعارضوا أعماله كرئيس للجمهورية بدون أن يلمس التأييد ذاته فتختلط بالحقد . ولعلهم يكتشفون أن كثيرا من معاصريه استشعروا هذا الحرج فلم يجهروا بتأييده أو بمعارضته حتى لا يتعرضوا لما لا يرضيهم من شبهة النفاق أو الحقد .

مشكلة مستعصية :

كان الأثر المباشر لهذا الدمج بين ذات رئيس الجمهورية ووظيفته الدستورية أن عاشت مصر طوال عهد السادات في قلب مشكلة مستعصية . أصل المشكلة أن الدستور – أي دستور – هو وثيقة وضعية منشورة تتضمن مجموعة كثيفة من القواعد العامة المجردة التي (اعتقد) واضعوها (حين) وضعها أن التزامها يحقق مصلحة الشعب في (المرحلة التالية) لوضعها . ويترتب على هذا ، أي على طبيعة الدستور الوضعي ذاته ، احتمال قيام تعارض بين التزام أحكامه وبين مصلحة وطنية لازمة . لأن الدستور من حيث هو قواعد عامة يستحيل أن تتفق كل أحكامه مع اراء كل الناس في ماهية مصلحة الشعب على مستوى التفاضل . ومن حيث هو قواعد مجردة يستحيل أن تطابق مصلحة الشعب كما صيغت في أحكامه مصلحة الشعب كما يراها كل فرد . ومن حيث أن وضعه سابق على تطبيقه يستحيل أن تحيط مصلحة الشعب كما خطرت على بال واضعي الدستور بكل ما يطرأ على تلك المصلحة من تغيير بفعل حركة التطور .

اذن ، وهذا على أكبر قدر من الأهمية ، أن الخلاف بين الناس حول صلاحية بعض أحكام الدستور ، أي دستور ، لتحقيق مصلحة الشعب في جزئية معينة أو في زمن معين ، خلاف محتوم بفعل القصور المحتوم في احاطة أي دستور وضعي بمتطلبات المستقبل وفي توحيد اراء كل الافراد . من هنا حرصت كل الشعوب المتحضرة على معالجة هذا القصور بأمرين : الأول : اقتصار الدستور على المبادئ الأساسية لنظام المجتمع والأهداف التي يتعين على هذا النظام تحقيقها ثم ترك التطبيقات والفرعيات لما تضعه السلطة التشريعية من قوانين . الأمر الثاني : قابلية الدستور للتعديل بالحذف أو الإضافة أو التغيير طيقا للإجراءات التي يرسمها الدستور ذاته .. ثم اعتبرت الدستور مقدسا لا تسمح لأحد بتجاهله لأي سبب .

في الدستور العلاج :

هذا هو أصل المشكل ، وهو أصل لصيق بطبيعة الدساتير الوضعية لا هو خاص بمصر ولا هو خاص بالسادات ، وهي مشكلة تعالجها كل الشعوب بما يرسم الدستور ذاته من وسائل العلاج التي ذكرناها . ولكن هذا العلاج يكون مستحيلا حينما تسيطر على أي حاكم فكرة أن ما يراه (هو) محققا لمصلحة الشعب كما يقدرها (هو) واجب التحقيق بصرف النظر عن اتفاقه أو عدم اتفاقه مع الدستور . قد يكون رأيه صحيحا وقد يكون غير صحيح . لسنا نناقش هذا حتى لا نفتح أبواب الجدل . بل دعونا نفترض جدلا أن رأيه صحيح وأنه حسن النية . ان نماذج هذا الحاكم غير قليلة في تاريخ الشعوب . انهم يعتقدون اعتقادا راسخا ان العناية الإلهية قد اختارتهم بأشخاصهم ليؤدوا (رسالات) فيؤمنون ايمانا مطلقا بصحة أفكارهم فلا يجتهدون ، بل لا يفهمون المعارضة الا لأنها نوع من التحديف أو السلوك المرضي أو العيب ، ونظرا لما أحدثته وتحدثه هذه الشخصيات من اثار خطيرة في حياة الشعوب انعقد من أجل دراستهم مؤتمر دولي علمي في الولايات المتحدة عام 1950 أوردنا مقتطفات من تقريره العلمي في كتابنا عن (الاستبداد الديمقراطي) الذي نشر والسادات حاضر لا نريد أن نعيدها وقد غاب .

دستور يحرم الصلح مع إسرائيل :

ولقد كان أنور السادات واحدا من هذه الشخصيات غير العادية التي لم تقبل أبدا ، وربما لم تستسغ ، فكرة ترجيح احترام الدستور على تحقيق مصلحة وطنية عند التعارض . ومع أنه هو الذي دعى وعمل وشارك في اصدار دستورين أولهما استفتي فيه يوم 1 سبتمبر 1971 (دستور اتحاد الجمهوريات العربية) والثاني استفتي فيه يوم 11 سبتمبر 1971 (دستور مصر العربية) فان شخصيته المتضخمة بما كان يعتقد أنها (رسالة) اختير لآدائها لم تقبل القيود الدستورية في كل مرة وجد أنها (رسالته) ولما كان جسورا الى درجة مذهلة فانه لم يتردد أبدا في أن يحوّل رؤاه وآراءه الخاصة الى أمر واقع بدون توقف عند أحكام الدستور .

ولعل أكثر الأمثلة وضوحا موقفه من دستور 1 سبتمبر 1971 . لقد اشترك هو شخصيا في صياغة أحكامه مع شركائه وحلفائه في ذلك الحين : حاكم سوريا وحاكم ليبيا . وأحاطه بهالة من التقديس الى درجة اعتباره ثمرة انتصاره على من أسماهم مراكز القوى . ورفعه درجة على أي دستور يصدر في مصر فضمّنه نصا يلزم مصر - حين وضع دستوره - بالّا تضمّنه ما يتعارض مع هذا الدستور . ثم استفتى فيه الشعب فوافق عليه بما يقارب الاجماع . تعثر هذا الدستور ثم تعطل ثم توقف العمل به نهائيا لأسباب لا يسأل عنها السادات وحده . ولكن لما كانت الدساتير تظل قائمة وملزمة ومقياسا للشرعية الى أن تلغى بالطريقة التي نصّت عليها فان هذا الدستور ما يزال قائما في مصر . أقول في مصر لأننا لا نهتم بموقف ليبيا أو سوريا من المشكلة الدستورية وانما الذي يهمنا الالتزام بدستور اختاره الشعب العربي في مصر وعدم تجاهله . وفي مصر لو عرض أمر دستور 1 سبتمبر 1971 على اية محكمة دستورية لطبقته وأبطلت كل تصرف أو قانون صدر على خلاف أحكامه . هذا الدستور المكوّن من وثيقتين جرى الاستفتاء عليهما معا يتضمن نصا صريحا قاطعا يحرّم على أي من الدول الثلاث الصلح مع إسرائيل أو التفاوض معها أو التنازل لها عن أي شبر من الأرض العربية . جاء هذا النص تحت عنوان (الأحكام الأساسية) ..

وقد عبر أنور السادات بقوة عن التزامه بهذا النص الدستوري في أحاديثه أيام أول مايو 1973 و 28 مايو 1973 و 21 مايو 1978 وهو يشرح لماذا قطع المفاوضة . قبل هذا التاريخ الأخير كان قد رأى لأسباب لا نريد أن نقحم الجدل حولها في هذا الحديث أن يفاوض وأن يصطلح وأن يعترف بإسرائيل . في نطاق حديثنا نقول انه كان قد رأى أن مصلحة مصر فيما رآه هو ولكن هذا الذي رآه كان يناقض أحكام دستور ما يزال قائما . وكانت أدنى درجات الإحساس بأهمية المسؤولية الدستورية تقتضي أن يلغى هذا الدستور . وما كان ذلك ليأخذ من الجهد والوقت أكثر من بضع ساعات من وقت وزير داخليته لإجراء الاستفتاء اللازم . ولماذا لم يفعل ؟ لأنه لم يكن يعتقد أنه هو - ذاته - ملزم بمراعاة الدستور حين تقف أحكامه عقبات في سبيل ما يعتقد هو - ذاته - أنه في مصلحة مصر . وهذا هو موضوع حديثنا عنه رحمه الله .

هو ذاته .. غير ملزم :

أما عن أمثلة اعتقاده بانه هو ذاته غير ملزم بمراعاة دستور مصر العربية الصادر في 11 سبتمبر 1971 اذا وقفت أحكامه عقبات في سبيل ما يعتقد هو - ذاته -  أنه في مصلحة مصر فتستعصى على الحصر بعض الأمثلة تحتمل الخلاف في الراي حتى بين المتخصصين . ولما لم يكن من بين أغراض هذا الحديث التعبير عن راينا في تلك الأمثلة فإننا سنقتصر على امثلة تحمل في ذاتها دلالة غير قابلة للشك على أن أنور السادات ذاته قد أجراها بدون اعتداد بالدستور وأنه كان يعلم ذلك .

أولها كان يوم 11 سبتمبر 1976 حينما قرر تحويل المنابر الى أحزاب . وهو قرار يحقق للشعب مصلحة لا شك فيها ولهذا اخترناه كبداية . ولكنه واضح الخروج على المادة الخامسة من الدستور مما استوجب تعديلها في 30 ابريل 1980 لستر عدم دستورية القرار الذي تحول الى أمر واقع قبل أن يكون شرعيا بنحو أربع سنوات . المثل الثاني اعترافه في أواخر حياته بأنه كان سيصدر قرارات 2 سبتمبر 1981 بصرف النظر عن أحكام الدستور .

المثل الثالث من الأمثلة التي كان - الله يرحمه - يعرف أنها مخالفة للدستور ولم يتردد في اجرائها بقراره حل مجلس الشعب يوم 21 أبريل 1979 . ويستحق هذا المثل قدرا من العناية في صياغته والانتباه الى الاثار (المهولة) التي ترتبت وتترتب عليه .

يأخذ الدستور بما يعرف بالاستفتاء التحكيمي ، أي الالتجاء الى الشعب ليحكم في خلاف بين السلطات الذي يأخذ به في حالتين الأولى نصت عليها المادة 127 التي تنظم استفتاء الشعب ، والخلاف بين مجلس الشعب وبين رئيس الوزراء . الحالة الثانية في المادة 136 التي تنظم استفتاء الشعب في حل مجلس الشعب . وهي تبدأ بتقرير (لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس الشعب الا عند الضرورة وبعد استفتاء الشعب .. الخ) . لا يختلف أساتذة القانون العام وفقهاء القانون الدستوري في أن هذه المادة خاصة بحالة وجود خلاف بين مجلس الشعب ورئيس الجمهورية . ولا تسمح الاعمال التحضيرية التي بررت وضع هذه المادة ولا المناقشات التي دارت حولها باي خلاف .

أكثر من هذا أهمية ، بالنسبة الى موضوع حديثنا ، أن أنور السادات كان يعرف معرفة اليقين أن ليس من حقه دستوريا أن يحل مجلس الشعب الا اذا كان ثمة خلاف . وكان يفاخر الدنيا بهذه الحقيقة . قال في 7 فبراير 1977 : " هذا الدستور الدائم وبافخر أني كنت أحد اللي عملوا على إصداره كدستور دائم بعد 18 سنة بدون دستور ، صدر في 1971 .. رئيس الجمهورية لا يستطيع أن يحل مجلس الشعب هنا .. الا باستفتاء شعبي نتيجة خلاف وقع وطبيعي لما يحصل خلاف لازم نروح للشعب كلنا " . وكرر هذا في أيام 26 يونيو 1975 و 2 مايو 1978 و 30 مايو 1978 و 24 يونيو 1978 . حديثه الأخير كان للتلفزيون الإيطالي وفيه قال : "رئيس الجمهورية في مصر لا يستطيع أن يحل مجلس الشعب الا باستفتاء أي أن يكون هناك خلاف وده لتثبيت الديمقراطية " .

ومع هذا ، أو بالرغم من هذا ، فانه في يوم 11 أبريل 1979 أصدر القرار رقم 157 لسنة 1979 بإيقاف جلسات مجلس الشعب والاستفتاء في حله وحله فعلا يوم 21 أبريل 1979 . مع أنه يوم 10 ابريل 1979 ، اليوم السابق مباشرة لقراره ، كان مجلس الشعب قد وافق على معاهدة الصلح مع إسرائيل بأغلبية 329 ضد 15 وامتناع عضو واحد في مظاهرة تأييد صاخبة لرئيس الجمهورية . تقول المضبطة انه بعد التصويت "وقفت السيدة فايدة كامل وهتفت بحياة رئيس الدولة ثم بحياة مصر ثم ردّد مجلس الشعب وراءها نشيد بلادي بلادي لك حبي وفرادي وانسحب المعارضون " .

لم يكن اذن ثمة خلاف بل تأييد عارم . فلماذا حل مجلس الشعب ؟ لأنه "رأى" أن يستفتي الشعب في المعاهدة التي أصبحت قانونا بعد موافقة مجلس الشعب وانتهى الأمر فيها . وما دام قد "رأى" فلا بد عنده من أن يتحقق رأيه بصرف النظر عن موقف الدستور . ومع ذلك كان يستطيع أن يستفتي في المعاهدة بدون حل المجلس . ليس لحل المجلس سبب الا أنه "أراد" ذلك . وقد أدى ذلك الى أن ينسب الى الشعب العربي في مصر أنه في استفتاء واحد قال "نعم" للمعاهدة مع إسرائيل وقال "نعم" لطرد ممثليه الذين قالوا للمعاهدة "نعم" . وهو غير معقول .

مسألة حياة أو موت :

لعل هذه الأمثلة أن تكون قد أوضحت ما تريد قوله بدون اثارة جدل ولكن ما الفائدة في هذا القول الان بعد أن أصبح أنور السادات في ذمة الله ؟ نجيب بأن ليس لهذا القول فائدة الا الان . قبل الان كان غير مجد . وبعد الان يكون قد فات أوانه . ذلك لأن أنور السادات الذي مات قد خلف لنا تركة تحمل اثار شخصيته غير العادية في كل عناصرها . وعلى عناصر هذه التركة سنبني المستقبل على مسؤوليتنا . أعني أن الهروب من المسؤولية عن الحاضر والمستقبل باتهام الماضي أحداثا أو رجالا لن يجد بنا شيئا . واذا كان الله قد أراد أن يفض الاشتباك بين شخصية رئيس الجمهورية الراحل وبين الاثار التي خلفها فانه جل شأنه قد أتاح لنا فرصة إعادة النظر في تلك الاثار وإعادة تقييمها موضوعيا على ضوء احتياجات المستقبل . فتبقى أو تتغير ، كلها أو بعضها ، بدون تأثير سلبي أو إيجابي بشخصية محدثها الغائب أبدا .

ولقد اخترنا الجانب الدستوري لتلك الاثار لأنه الأساسي والبداية . ولأنه بالنسبة الى المستقبل مسألة حياة أو موت بكل معنى الكلمتين . لقد قلنا من قبل أن كل الدساتير الوضعية تتسم بالقصور ، وأن كل الشعوب تعترف بهذا وترسم طرقا لعلاجه في الدساتير ذاتها . ولكن كل الشعوب المتحضرة لا تقبل تجاهل الدستور أو مخالفته . وليس من مصلحتها أن تبني مستقبلها على أمر واقع غير دستوري فانه سينهار حتما .

لأن الدستور ، أي دستور ، يحقق لكل فرد في المجتمع ، بدون استثناء مصلحة حيوية مؤكدة هي : استبعاد الاحتكام الى القوة عند الاختلاف حول ماهية مصلحة الشعب وكيف تتحقق . يلخص أساتذة علم النظم السياسية خبرة كل الشعوب في تاريخها الطويل فيقولون انه اذا حدث أن عجز الدستور عجزا واضحا عن تحقيق مصلحة وطنية واضحة ، ولم تسمح الظروف بتعديله وجبت التضحية بالمصلحة المستهدفة واحترام الدستور . ذلك لأن المفاضلة حينئذ لا تقوم بين المصلحة المستهدفة وبين احترام الدستور ، ولكن بين تلك المصلحة ومصلحة أخرى أكثر أهمية منها مهما كانت ، هي استبعاد الاحتكام الى القوة . ولقد كان مبرر نشأة الدساتير تاريخيا أن تكون بدائل عن الاحتكام الى القوة الذي كان سائدا قبل نشأتها . ويؤكدون واثقين أن البديل المحتوم عن الاحتكام الى الدستور هو الاحتكام الى القوة .

كيف ؟

لنتأمل جيدا . بمجرد أن تخطر فكرة مخالفة الدستور في ذهن صاحبها تخطر معها - حتما - فكرة مواجهة المعارضة المحتملة لهذه المخالفة بالقوة . وبينما يكون مشغولا بالإعداد لتنفيذ المخالفة يكون مشغولا بإعداد أسباب "القوة" اللازمة لمنع المعارضة أو ردعها . أي أن مشروع الاحتكام الى القوة يدخل حتما في مشروع مخالفة الدستور . ونعرف منه أن الذي ينوي مخالفة الدستور أو يخالفه هو الذي يبدأ دائما بالإعداد لاستعمال القوة أو باستعمالها . بل نعرف ما هو أكثر من ذلك . حين تستعرض أية حكومة مقدرتها على البطش وحيث تهدد باستعمال القوة يكون وراء هذا مخالفة دستورية في دور الاعداد أو التنفيذ أو أصبحت واقعا يحتاج الى حماية .

وليس من الضروري ، كما يتصور الكثيرون ، أن يصل الاحتكام الى القوة حد الايذاء الفعلي ، أبدا . ففي قانون العقوبات - مثلا - يعتبر ، جريمة معاقبا عليها بالأشغال الشاقة المؤبّدة الاتفاق على مناهضة الدستور بأية وسيلة "اذا كان استعمال القوة أو العنف أو الإرهاب ملحوظا في ذلك" . وهو ما يعني أن يكون احتمالا الاحتكام الى القوة قد خطر على بال المتفقين حتى لو لم يعدّوا أو يقصدوا استعمالها . وممّا يستحق الانتباه أن القانون قد ساوى بين استعمال القوة والعنف والإرهاب في وقوع الجريمة . ونحن نسميها معا الاحتكام الى القوة كبديل للاحتكام الى الدستور . وبالتالي فحين تختار الحكومة الاحتكام الى القوة قد يكفيها ويغنيها الإرهاب عن استعمال القوة أو العنف . يكفي ويغني التهديد باستعمال القوة وصياغة أدواتها في قوالب فكرية وإعلامية و"تشهيرية" وتشريعية . يكفي استعراض العضلات البوليسية والميكانيكية في الشوارع والميادين . يكفي تفتيش المنازل ولو لم يسفر عن شيء . والقبض على الناس ولو لم يقدموا الى المحاكمة . والمحاكمة ولو لم تسفر عن ادانة . تكفي حالة الطوارئ (الأحكام العسكرية) في غير الحالة المصرح بها دستوريا لتعبر عن اختيار الحكومة الاحتكام الى القوة الجسمية لمنع المعارضة أو ردعها بالقدر الكافي لتحويل المخالفة الدستورية الى أمر واقع أو لاستمرار الأمر الواقع غير المشروع . ويصبح كل ادعاء بأن القوة لم تستعمل ، أو الوعد بأنها لن تستعمل ، كلاما غير ذي مضمون لأنها مستعملة فعلا في إشاعة الإرهاب وهو مثلها في حكم الواقع وحكم القانون .

ولأن الناس بشر وليسوا "بهائم" فانهم لا يقبلون أن يفرض عليهم بالقوة أو الإرهاب حتى ما كانوا يريدونه . مجرد الاحتكام الى القوة يتحدى مشاعرهم ويستفز رجولتهم فيتحدونها ويقبلون الاحتكام الى القوة ويعدون لها ما يستطيعون . وهكذا يلتقي طرفا الدائرة الجهنمية التي لن تلبث حتى تحيط بجميع الأطراف . ومن أجل ألا يقع هذا تتمسك كل الشعوب بدساتيرها وتفرض على حكامها التزام تلك الدساتير حتى لو كانت لا تعجبهم بعض أحكماها .

مؤتمر متخصصين .. لمراجعة "تركة" مخالفات الدستور :

-         وبعد

فان مصر تتقدم الى مستقبلها محملة بتركة أغلب عناصرها الأساسية وقعت ، حين وقت بالمخالفة للدستور . ويستطيع كثيرون ، نحن منهم ، أن يبرهنوا على هذا بدراسات تفصيلية لأمثلة كثيرة من الاستفتاءات ، والقوانين ، والقرارات ، والاتفاقات ، والعقود ، والتصرفات ، ونحن نقول أن هذا الأمر لا بد أن يحسم لمصلحة الجميع ليقوم بناء المستقبل على أساس من الدستور . ان هذا الحسم هو الأسلوب الوحيد الذي يرفع عن مجتمعنا كابوس العرب من الاحتكام الى القوة أو استمرار الاحتكام اليها . نقول بحسم لأننا نعتقد أن هناك من يخالفون ما نرى بما يرونه من "تمام" سيادة القانون في المرحلة السابقة . كلنا لنا مصلحة في أن نحتكم الى مؤتمر من المتخصصين يضم جميع أساتذة القانون الدستوري ، وجميع قضاة المحكمة العليا والمحكمة الدستورية الحاليين والسابقين ، يقسم أعضاؤه يمين الولاء للدستور وحده قبل تولي مهمتهم . وتكون مهمتهم مراجعة "التركة" لتحديد أوجه المخالفات الدستورية ان وجدت تمهيدا لإلغائها . ان هذا المؤتمر الدستوري ليس اقل جدوى من مؤتمر الاقتصاديين بل أكثر منه بكثير .

.. الى السيد الرئيس :

الى أن يتم هذا ، نرجو أن نستطيع أن نطرح قريبا ما نعتقد أنه الحق في شأن الانتهاكات الدستورية المتجسدة في موضوعات محددة . ولعلنا نبدأ بما يعتبر "انقلابا" دستوريا بمعنى الكلمة ونعني به مجموعة القرارات والقوانين التي صدرت تحت عنوان "الانفتاح الاقتصادي" .

غير ان هناك امرا لم يعد يحتمل التأخير . نخاطب فيه السيد رئيس الجمهورية لأن وضع حد له متوقف عليه وحده . فنقول باختصار :

السيد الرئيس :

لقد عبرت أحزاب المعارضة جميعا عن رغبتها في أن تتخلى سيادتكم عن رئاسة الحزب الوطني الديمقراطي ، وقدموا لذلك مبررات من معاناتهم الخاصة ومن ضرورة حيدة رئيس الدولة بين الأحزاب المختلفة ، والبعد بواجب الاحترام لشخصه عما يصيب أطراف المعارك الحزبية عادة من رذاذ . وقال بعضهم ان الدستور يعهد الى رئيس الجمهورية برعاية الحدود بين السلطات (المادة 83) وأن هذا يقضي رعاية الحدود بين الأحزاب لأن الأحزاب تكوينات مرشحة لتولي السلطات ..الخ .

ولكني ، كمواطن لا ينتمي الى أي حزب ، أرجو أن تسمح له بأن يقول ان الدستور بعد التعديل الذي اجري عليه يوم 30 أبريل 1980 ، لا يجيز لرئيس الجمهورية أن يكون منتميا لأي حزب بعد توليه الرئاسة طبقا لنص وروح المادة 127 منه .

ان المادة 127 ، يا سيادة الرئيس ، تعهد الى رئيس الجمهورية بوظيفة دستورية محددة هي القيام بإجراءات التحكيم في الخلاف الذي يقع بين مجلس الشعب وبين رئيس الوزراء . ولقد كان هذا النص متسقا مع قيام نظام الحكم على أساس من التنظيم الواحد الذي كانت تنص عليه المادة الخامسة من الدستور قبل تعديلها (الاتحاد الاشتراكي العربي) . ففي نطاق التنظيم الواحد الذي يرأسه رئيس الجمهورية وينتمي اليه شاغلو المؤسسات الدستورية أو أغلبهم والذي ينطوي بالضرورة على اتجاهات سياسية متعددة ، لم يكن ثمة ما يحول دون صلاحية رئيس الجمهورية ليكون حكما ، لأن انتماءه اليه لم يكن ليلزمه بموقف أحد الطرفين المختلفين .

هذا الوضع تغير تماما بعد تعديل المادة الخامسة والنص على أن  : :" يقوم النظام السياسي في جمهورية مصر العربية على أساس تعدد الأحزاب " . ذلك لأن الانتماء الى حزب ينطوي على ولاء لمبادئه . والتزام في مواجهة الحزب نفسه بمساندة قراراته والعمل على تنفيذها حتى لو لم يكن "العضو" موافقا عليها . أعني أن الانتماء الى حزب ، في نظام قائم على تعدد الأحزاب ، يسلب المنتمي إمكانية الحيادة في الخلاف السياسي . وحين يصبح هذا العضو رئيسا للجمهورية يتعين أن يتحرر من أي التزام حزبي ليسترد صلاحيته لاداء الوظيفة الدستورية المنصوص عليها في المادة 127 التي تفرض أو تفترض أن يكون رئيس الجمهورية محايدا . لا نقول بين الأحزاب ولكن نقول بين مجلس الشعب ورئيس الوزراء . لقد أصبح رئيس الوزراء ، الذي ليس في الدستور ما يحتم أن يكون حزبيا ، يواجه في مجلس الشعب مجموعات حزبية . وحتى اذا كان رئيس الوزراء منتميا لحزب ممثل في مجلس الشعب فليس ثمة ما يحول دون الخلاف بينه وبين حزبه خاصة اذا انفصل بعد أن وصل . وليس ثمة ما يحول دون أن يكون رئيس الوزراء منتميا الى حزب الأقلية اذا ما خسر حزبه الأغلبية في أي انتخابات عامة . وفي كل هذه الحالات لا يوجد حل دستوري الا التحكيم الذي يتولى اجراءه رئيس الجمهورية طبقا للمادة 127 .

وهكذا يتضح أنه يوجد تناقض مبدئي بين انتماء رئيس الجمهورية الى حزب سياسي وبين صلاحياته لاداء وظيفة التحكيم التي عهد اليه الدستور بها اذا قامت أسبابه . ولما كان اعمال الدستور يقتضي أن يكون رئيس الجمهورية كامل الصلاحية ، طوال مدة رئاسته ، لتولي كافة وظائفه الدستورية فانه يقتضي بالضرورة عدم انتماء رئيس الجمهورية الى أي حزب سياسي طوال فترة رئاسته .

تستطيع سيادتكم أن تستعين برأي أي متخصص في القانون الدستوري من غير أعضاء الحزب الوطني الملتزمين حزبيا بالعمل على استمرار ما يكسبه الحزب من رئاستكم له أو انتمائكم اليه . ومن ناحيتي فاني أستأذنكم في أن أوجه نداء علنيا الى كل أساتذة القانون الدستوري ، وأعضاء اللجنة التي وضعت الدستور وتعلم أكثر من غيرها ماذا كانت تقصد بنصوصه ، بأن يضعوا تحت نظر رئيس الجمهورية الرأي "العلمي" في دستورية انتماء سيادته الى حزب سياسي .

والله ولي التوفيق

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

13 أكتوبر 1982