القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 20 يناير 2019

هزائم جمال عبد الناصر . / عمرو صابح .

هزائم جمال عبد الناصر .

بقلم : عمرو صابح .


مع كل ذكرى لجمال عبد الناصر .. ميلاده .. يوم ثورته .. تأميم القناة .. حرب 1956 .. حرب 1967 .. وفاته .. تنتاب حالة من الارتكاريا المفرطة قطعان خصومه وكارهيه وهم تجمع بشرى فريد يضم إخوانجية على ليبرالجية على شماشرجية على ثورجية ولكن على أنفسهم فقط ، مكانهم الطبيعى هو متحف للمخلفات الفكرية البشرية ، وفى ظل غيظهم من الحفاوة بتاريخ جمال عبد الناصر ، والمصحوب بعجزهم عن التغيير مثلما فعل ، تجدهم فى كل مناسبة خاصة بالزعيم ينعقون وأحياناً ينبحون بالشتائم والسخرية منه.
من أطرف اتهامات قطيع الجهلاء مؤخراً لجمال عبد الناصر وصفهم إياه بأبو الهزائم والذى لم ينتصر فى معركة واحدة ، لذا فلنراجع تاريخ هزائم جمال عبد الناصر:

- الثورة 1952 .. نجحت خطة جمال عبد الناصر ورفاقه من الضباط الأحرار واستولوا على السلطة وطردوا الملك فاروق الأول والأخير ، وأسقطوا حكم أسرة محمد على بعد 150 سنة من استيلاء تلك الأسرة على مصر.

- الصراع على السلطة 1954 .. واجه جمال عبد الناصر وفريق من الضباط الأحرار تحالف ضخم ضم اللواء محمد نجيب والضباط الشيوعيون فى الثورة والوفديين والإخوان المسلمين والشيوعيين وبقايا النظام القديم ، انتهى الصراع بانتصار ساحق لجمال عبد الناصر ورفاقه على تحالف خصومهم.

- الجلاء .. بعد 72 سنة من الاحتلال البريطانى وبعد فشل ثورة 1919 والانتفاضات الشعبية المستمرة ومعاهدة 1936 فى تحقيق مطلب الجلاء ، استطاع جمال عبد الناصر توقيع اتفاقية الجلاء بعد عامين فقط من ثورته.

- مؤامرة الإخوان سنة 1954 .. فى محاولة أخيرة من جماعة الإخوان بالتواطؤ مع اللواء محمد نجيب من أجل التخلص من جمال عبد الناصر بالاغتيال فى 26 أكتوبر 1954 ، فشلت المؤامرة ونجا جمال عبد الناصر وحطم جماعة الإخوان وألقى بمحمد نجيب إلى النسيان.

- كسر احتكار السلاح 1955.. بعد رفض الغرب تزويد مصر بالسلاح ، كسر عبد الناصر الاحتكار الغربى لتسليح العرب ، ووقع أول اتفاقية تسليح مع السوفيت تحت ستار تشيكوسلوفاكيا ، ليقوم بدق أول مسمار فى جدار الستار الحديدى حول الاتحاد السوفيتى ، ولينتقل السوفيت من مياههم الباردة لقلب العالم العربى وعمق قارة أفريقيا.

- تأميم القناة وحرب 1956 .. بعد رفض أمريكا تمويل مشروع السد العالى ووصف وزير خارجيتها للاقتصاد المصرى بالمفلس ، أمم عبد الناصر قناة السويس وهو غير آبه بمصير محمد مصدق وما حدث له بعد تأميم البترول الإيرانى ، وعندما تحالفت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بتواطؤ أمريكى لاسترداد القناة والاطاحة بنظام جمال عبد الناصر ، فشل العدوان بعد 11 يوم من المقاومة ، وعادت القناة لمصر وانسحب المعتدون وخرج جمال عبد الناصر أقوى مما كان ، وزعيم عربى وعالمى.

- التمصير 1957 .. بعد تأميم القناة وجد عبد الناصر ان مصر يمتلكها 7 ألاف شخص معظمهم أجانب فقام باسترداد ثروات مصر وردها للمصريين .

- الوحدة المصرية السورية 1958 ، لأول ولأخر مرة فى التاريخ العربى الحديث تقام وحدة اندماجية بين دولتين عربيتين بناءً على إرادة شعبية جارفة ، ويُنتخب جمال عبد الناصر رئيساً للدولة التى حملت اسم الجمهورية العربية المتحدة.

- تحطيم حلف بغداد 1958 .. الحلف الغربى المتواطئ ضد مصر والمشارك فى مؤامرة 1956 ، تحطم بثورة 14 يوليو 1958 فى العراق بقيادة قاسم وعارف ورفاقهم ، والذين تحركوا للاطاحة بالنظام الملكى العراقى بالتنسيق مع جمال عبد الناصر.

- القرارات الاشتراكية 1961 .. استكمالاً لتأميم القناة وتمصير الاقتصاد قرر عبد الناصر وضع كل موارد الثروة فى يده وبناء اقتصاد مخطط يسير عبر خطط خمسية متتابعة ، ونجح فى تحقيق معدل تنمية 6.7% سنوياً .

- تحرير الجزائر .. بعد 130 سنة من الاحتلال الفرنسى للجزائر ونشأة أجيال فرنسية من مواليد الجزائر المحتلة التى كانت تعتبر فرنسا جنوب المتوسط ، وبعد 8 سنوات من حرب ضروس بين ثوار الجزائر يدعمهم عبد الناصر بالمال والسلاح والاعلام والدبلوماسية خرجت فرنسا مطرودة من الجزائر.

- حرب اليمن 1962 .. بعد قرون من حكم الإمامة المتخلف الذى جعل اليمن فى القرن العشرين تعيش حياة القرون الوسطى ، حطم ثوار اليمن بمساعدة الجيش المصرى عرش الإمام وأقاموا الجمهورية اليمنية وهددوا عروش باقى العملاء ولولا حرب 1967 لسقطت عروش أخرى ،وتحرر العالم العربى كله.

- مؤامرة الإخوان سنة 1965 .. بتمويل سعودى ودعم أمريكى حاول الإخوان مجدداً اغتيال عبد الناصر وقادة نظامه ونسف مرافق الدولة ، وكالعادة فشل تخطيطهم وأحبط عملهم وعادوا للسجون.

- حرب 1967.. أول هزيمة عسكرية لجمال عبد الناصر ونظامه ،كان انفصال الوحدة المصرية السورية فى عام 1961 هو أول هزائمه السياسية ، قاد الانفصال للهزيمة التى جاءت رداً على النجاح وليس بسبب الفشل ، تجاوز عبد الناصر الحد المسموح به لحاكم فى تلك المنطقة من العالم ، وأصبح تجربته الاشتراكية فى مصر ووجود جزء من جيشه فى اليمن خطر داهم على الاحتكارات الرأسمالية العالمية ومصالح شركات البترول والعروش التى يحميها الغرب ، فتم جره لمعركة عسكرية انتهت بهزية ساحقة ، وأفضل وصف لحرب 1967 ما قاله الرئيس الفرنسى شارل ديجول :
المعركة أمريكية والأداء إسرائيلى.

- ثورة ليبيا 1969 .. فى 1 سبتمبر 1969 وبعد الهزيمة بعامين اندلعت ثورة جديدة فى أحد أكبر الدول البترولية فى العالم ، ثورة ناصرية طردت القواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية من ليبيا ، وهى نفس القواعد التى انطلق منها الطيران البريطانى لضرب مصر فى حرب 1956 ، و20 طائرة أمريكية ضربت غرب مصر فى حرب 1967.

- حرب الاستنزاف 1967 – 1970 .. الجيش المهزوم والمنسحب من سيناء فى حرب 5 يونيو 1967 ، تتم عملية غربلته من جديد ،وإنشاءه على أسس علمية احترافية ، لم تكن ممكنة لولا مئات الألوف من حملة المؤهلات العليا ،والمتوسطة ،التى أتاحت لهم مجانية التعليم التى نفذها النظام الناصري فرص التعليم الجيد .

ولولا مئات القادة العسكريون البارعون الذين تم إرسالهم فى بعثات علمية فى أفضل المعاهد العسكرية فى العالم خلال فترة حكم "عبد الناصر" .

وإصلاحات النظام الناصري الاقتصادية والاجتماعية هى التى حافظت على استقرار المجتمع المصري داخلياً ،مما أتاح للمصريين تحمل ظروف الحياة فى ظل الحرب ، وشعبية "جمال عبد الناصر" الجارفة عربياً ، هى التى وفرت لمصر الدعم المالى العربي بعد حرب 1967 ، وعلاقات "عبد الناصر" الوثيقة بالاتحاد السوفيتى ، هى التى مكنت مصر من إعادة تسليح جيشها بعد النكسة ، وخوض حرب الاستنزاف المجيدة ، والتى كانت بمثابة بروفة حية لحرب أكتوبر 1973 ، والتى تم خلالها وضع خطط العبور والتدريب عليها ،وتوفير كل مستلزماتها ، والتى انتهت ببناء جيش النصر ،وحائط الصواريخ المنيع على حافة الضفة الغربية لقناة السويس ،والذى بدونه ما كان ممكناً أبداً أن يتم العبور لسيناء .

من الجدير بالملاحظة ان شركات القطاع العام بالتعاون مع القوات المسلحة المصرية ، هى التى اضطلعت ببناء هذا الحائط الضخم ، والذى كان وقتها أكبر حائط صواريخ فى العالم ، مضافاً لكل ذلك إصرار "عبد الناصر" على وجود جبهة شرقية قوية ممثلة فى "سوريا "، للمشاركة مع مصر فى المعركة المقبلة ، وقد تبين مدى أهمية تلك الجبهة عندما اندلعت المعركة بالفعل فى ظهيرة يوم 6 أكتوبر، فبفضل التنسيق المصري السورى خلال المعركة ، كانت خسائر مصر أثناء عملية العبور هى 5 طائرات ، و20 دبابة ، و280 شهيد ، كان ذلك بمثابة إعجاز بشري ، وكان مستحيلاً أن يتم لولا الجبهة السورية ، فقد ركز العدو الصهيونى 80% من قواته الجوية على جبهة الجولان يومها ، والـ20% الباقين على الجبهة المصرية ، لقرب الجبهة السورية من العمق الإسرائيلي، بينما تفصل صحراء سيناء الشاسعة القوات المصرية العابرة عن الحدود مع إسرائيل.

يكفى أن نعلم أنه كان متوقعاً أن تفقد مصر فى عملية العبور فقط 26 ألف شهيد، وهو ما تم تلافيه بفتح الجبهة الشرقية .

خلال حرب أكتوبر 1973 أغلقت البحرية المصرية مضيق باب المندب فى وجه الملاحة الإسرائيلية والغربية ، لم يكن هذا ممكناً لولا حروب "عبد الناصر" ضد الاستعمار البريطانى فى شرق السويس، والتى انتهت بطرد البريطانيين من الخليج العربي كله ، ولولا مساندته لثورة اليمن عام 1962 .

باعتراف كل قادة إسرائيل فى مذكراتهم كانت حرب الاستنزاف هى أول هزيمة عسكرية لإسرائيل وهى فاتحة العبور فى حرب 1973.

- العملية عصفور 1967 - 1971 .. فى ديسمبر 1967 أمرالرئيس جمال عبد الناصر بزرع أجهزة تنصت واستماع داخل مبنى السفارة الأمريكية بالقاهرة ،فى عملية إستخباراتية أطلق عليها أسم العملية ( عصفور).

هذه العملية تعد من أنجح وأخطر عمليات التجسس فى تاريخ المخابرات فى العالم ولا تعادلها فى النجاح إلا العملية ( ألترا ) عندما نجحت مخابرات الحلفاء فى حل الشفرة الألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية مما جعل البريطانيين والأمريكيين على علم كامل بكافة التحركات و الخطط العسكرية و الإستخباراتية الألمانية قبل حدوثها.

كان يعلم بسر العملية ( عصفور ) حوالي عشرة أشخاص في مصر كلها ، وأن نائب الرئيس عبد الناصر وقتها السيد أنور السادات لم يعلم بسر العملية ( عصفور ) بأوامر من الرئيس عبد الناصر ذاته . .
وبعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر فى 28 /9 /1970 رفض السادة ( على صبرى ، شعراوى جمعة ، سامى شرف ، والفريق محمد فوزى ) أن يعرف الرئيس الجديد أنور السادات بسر العملية " عصفور " لخوفهم على العملية منه و لعدم ثقتهم فيه .

الأستاذ هيكل هو الذى أطلع الرئيس السادات على سر العملية (عصفور) فى يوليو 1971.
عملية ( عصفور ) ظلت تسير بنجاح وظل تدفق المعلومات جاريا منذ ديسمبر 1967 حتى يوليو 1971 ، عندما أفشى الرئيس أنور السادات سر العملية ( عصفور ) لصديقه كمال أدهم مدير المخابرات السعودية و صاحب العلاقات الوثيقة بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية والذى نقل المعلومة فور علمه بها للأمريكيين مما أنهى العملية الناجحة وأغلق باب كنز المعلومات للأبد .

- العام الأخير من حياة جمال عبد الناصر ..

خلال السنة الأخيرة من عمره ومن حكمه ، استطاع عبد الناصر إتمام بناء مشروع السد العالى أحد أعظم المشاريع الهندسية والتنموية فى العالم ،والذى يجسد عن حق مبادئ وأفكار عبد الناصر ، وسياساته الاستقلالية ورؤيته لمستقبل مصر ، حيث مثلت ملحمة بناء السد العالى ورشة عمل ضخمة أفرزت ألاف المهندسين والعمال وخبراء الرى المهرة ، لتعكس تصور عبد الناصر لمصر كدولة صناعية زراعية تلحق العصر ولا تتخلف عن العلم.

فى ذات العام الأخير، وقبيل شهر واحد من رحيل عبد الناصر المباغت ، تمكن رجال القوات المسلحة من إتمام بناء حائط الصواريخ المنيع ، ووفر عبد الناصر لهم الغطاء السياسي والعسكرى بقبوله مبادرة روجرز، التى أتاحت للقوات المسلحة المصرية تحريك قواعد حائط الصواريخ حتى الحافة الغربية لقناة السويس ،وبهذا العمل الجبار الذى تم بتضحيات بشرية هائلة تم توفير الغطاء الصاروخى لإتمام عملية العبور وتحرير سيناء.

فى يوم وفاة الرئيس عبد الناصر ، كان الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون متواجداً ا على حاملة الطائرات الأمريكية "سارا توجا" فى البحر المتوسط خارج المياه الإقليمية المصرية ، ليشهد مناورة ضخمة للأسطول السادس الهدف منها هو أن يسمع عبد الناصر فى القاهرة أصوات المدافع الأمريكية للرد على إتمامه لبناء وتحريك حائط الصواريخ المصري حتى الحافة الغربية لقناة السويس ،كان هدف المناورة طمأنة إسرائيل ، وتوصيل رسالة لعبد الناصر إننا بالقرب منك، وعقب علم نيكسون بنبأ وفاة عبد الناصر أمر بإلغاء المناورة قائلاً "لقد مات الرجل المستهدف بإجرائها".

فى 18 سنة فقط خاض جمال عبد الناصر تلك المعارك ، دخلها وعمره 34 سنة وخرج منها بموته وعمره 52 سنة ، على أى مقياس تاريخى وعلمى ، انتصارات جمال عبد الناصر تفوق هزائمه .

يُحسب لعبد الناصر انه ظل مقاوماً حتى أخر لحظات حياته ، لم يستسلم ولم يتوقف عن محاربة أعداءه.
وصدق الرئيس عبد الناصر عندما قال فى خطابه يوم 23 نوفمبر 1967:

" وإن تقع رقعة من أرض الوطن أسيرة فى يد عدو زود بإمكانيات تفوق طاقته فهذه ليست الهزيمة الحقيقية، ولا هى النصر الحقيقى للعدو، وإن تقع إرادة الشعب أسيرة فى يد هذا العدو فهذه هى الهزيمة الحقيقية وهذا هو النصر الحقيقى للعدو ."



الجمعة، 18 يناير 2019

احاديث يناير ، مراجعات .. جمال عبد الناصر يحاكم نظامه ..

أحاديث يناير: مراجعات .. جمال عبدالناصر يحاكم نظامه ..
عبد الله السناوي . 

اجتماع 3 أغسطس 67 كان الأكثر تكاملا فى شرح مقدمات الهزيمة.. وما جرى من المشير وشمس بدران
جمال لأعضاء «اللجنة التنفيذية»: يا ريت نقول الحقيقة ولو لمدة ثلاث دقائق.. النظام الحالى استنفد مداه ولا بد من نظام جديد .
النظام تدهور وتدرج فى السقوط إلى الحد أننا شعرنا بالخوف من أن نتكلم وخفنا أن نقول الحقيقة
حتى نتحرر من الخوف وبعد ذلك نحرر البلد كلها من الخوف.. لابد أن نسمح بوجود معارضة فى البلد
لا بد من أن يكون نظامنا مفتوحا.. ولا بد أن تكون هناك معارضة.. كما يجب أن نفتح الباب للجرايد أن تكتب بالمفتوح .
لا أريد معارضة ممسوخة.. ونظام الحزب الواحد يؤدى غالبا لقيام ديكتاتورية مجموعة معينة من الأفراد
جرى قطع الطريق على مراجعات «جمال عبدالناصر» بعد رحيله من أن تأخذ مداها فى الانتقال من نظام «مقفول» إلى آخر مفتوح .

يسهل الاستغراق فى نظريات المؤامرة لتفسير انكسار الثورات المصرية منذ الثورة العرابية حتى ثورة «يناير» دون ما نظر إلى أوجه القصور الفادحة التى سمحت للمؤامرات أن تنفذ إلى مقاصدها.
بحكم أن مصر بلدا محوريا فى إقليمه وعالمه يصعب إنكار المؤامرات والوثائق متاحة لمن يريد أن يقرأ، غير أن التآمر لا يتحقق أثره إلا إذا كانت الثغرات تفسح المجال أمامه وتمهد لانقضاضاته.
النقد من الداخل يكتسب شرعيته التاريخية من طلب التصحيح والتصويب حتى لا تتكرر الأخطاء نفسها مرة بعد أخرى.
وقد كانت تجربة «جمال عبدالناصر» ملهمة لقضية النقد والمراجعة.
بعد صدمة (5) يونيو (1967) جرت مراجعات واسعة لأسباب الهزيمة وأوجه الخلل فى بنية النظام السياسى قادها «عبدالناصر» بنفسه.
فى محاضر رسمية حاكم نظامه بأقسى ما يمكن تصوره من عبارات، لم يكن مستعدا أن يسامح نفسه على أنه لم يحسم الأوضاع المختلة فى القوات المسلحة قبل أن تقع الواقعة، أو أن يتسامح مع أسباب الهزيمة.
قال: «يا ريت نقول الحقيقة ولو لمدة ثلاث دقائق!» ـ مستلهما قصيدة روسية شهيرة ذاعت فى ذلك الوقت أمام اجتماع اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكى يوم (٣) أغسطس (١٩٦٧).
نص محضر ذلك الاجتماع هو الأكثر أهمية وخطورة فى مراجعات «عبدالناصر» بعد الهزيمة.
هناك مراجعات عديدة تضمنتها محاضر اجتماعات أخرى، اشتد فيه نقده لنظامه، غير أن هذا الاجتماع ـ بالذات ـ هو الأكثر تكاملا فى شرح مقدمات الهزيمة وأوجه الخلل الأساسية، وما جرى من المشير «عبدالحكيم عامر» ووزير الحربية «شمس بدران» لحظة الهزيمة وبعدها، وفى إجابة سؤال: «ما العمل؟».
«فى رأى أن النظام الحالى استنفد مداه ولا بد من نظام جديد».
«ما يُقال فى البلد هذه الأيام.. أن النظام بياكل نفسه، والمستقبل بهذا الشكل سيكون خطيرا جدا، لذلك أنا رأيى أن نعمل فورا على تغيير النظام الـSystem اللى ماشيين عليه لأنه لازم فيه خطأ. المعروف أن نظام الحزب الواحد تحدث فيه دائما صراعات فى القمة على السلطة».
«تصوروا أننا أكبر هيئة سياسية فى البلد وعددنا سبعة أعضاء فقط ولم نتكلم. لم نقل الحقائق فى وقتها…. هذا يعنى أن النظام تدهور وتدرج فى السقوط إلى الحد أننا شعرنا بالخوف من أن نتكلم، وخفنا أن نقول الحقيقة. من جانبى أنا أعترف وبنقد صريح أننى أخطأت عندما تركت الإشراف على الجيش منذ عام ١٩٦٢ بحيث لم أعد على علم بما يحدث فيه. وكان قصدى فى ذلك الوقت أن أطمئن عبدالحكيم منى شخصيا، ولكن اعتبر ذلك خطأ منى».
«حتى نتحرر من الخوف وبعد ذلك نحرر البلد كلها من الخوف... لا بد من أن نسمح بوجود معارضة فى البلد، طبعا لا أتصور لتكوين هذه المعارضة أن نقول إن زكريا محيى الدين يمثل اتجاها معينا وأمامه على صبرى يمثل اتجاها آخر. وبذلك يصبح هناك حكم ومعارضة. لو بنعمل كده يبقى بنعمل مسرحية المعارضة».
«المعارضة الحقيقية هى أننا نجيب الذين يعارضوننا فعلا فى الوقت الحاضر مثل عبداللطيف البغدادى وكمال الدين حسين».
«لا أريد معارضة ممسوخة».
كانت فكرته التى عرضها على ذلك الاجتماع إنشاء حزب معارض حقيقى له جريدة تعبر عنه فيما يعاد بناء الاتحاد الاشتراكى كحزب على أن تجرى انتخابات برلمانية جديدة قبل نهاية العام على أساس قائمتين لحزبين، من يكسب يتسلم السلطة والآخر يشكل المعارضة على أن يبتعد الجيش والشرطة عن العمل السياسى باعتبارهما جهازين محترفين.
«.. لو نفذنا هذا الاقتراح سنشفى من كل الأمراض الموجودة بيننا فى الوقت الحاضر، وسيتحرر كل واحد فينا من الخوف الذى سرى بيننا من أكبر هيئة إلى أصغر هيئة».
«أنا ضد نظام الحزب الواحد لأن الحزب الواحد يؤدى غالبا إلى قيام ديكتاتورية مجموعة معينة من الأفراد».
«.. إن لم نغير نظامنا الحالى سنمشى فى طريق مجهول ولن نعلم من يتسلم البلد بعدنا».
«لم يبق فى عمر معظمنا أكثر من عشر سنوات، خاصة بالنسبة لى مع المرض اللى عندى والجهد الذى أتعرض إليه. لذلك أنا شايف ضرورة تغيير نظامنا بحيث لا يسمح النظام الجديد لشخص أو لشلة غير واعية أو جاهلة سياسيا أن تحكم البلد. البلد الذى أعطانا ثقته المطلقة بلا حدود».
وفق محضر الجلسة التالية يوم (٤) أغسطس طرح «عبدالناصر» سؤاله الملح:
«إلى أين المسير بهذا النظام القديم؟».
«لا بد من أن يكون نظامنا مفتوحا، ولا بد أن تكون هناك معارضة، كما يجب أن نفتح الباب للجرايد أن تكتب بالمفتوح لأننى أعتقد أن الطهارة الثورية بعد خمسة عشر عاما (من الثورة) أصيبت كثيرا، وحتى الوحدة الفكرية بيننا أصبحت غير موجودة».
«الاستمرار فيما كنا عليه قبل ٦٧ مستحيل، وإذا تبين لنا أن منافسينا الجدد أفضل منا وأصلب منا فلنعلن بكل شجاعة أدبية «إننا ماشيين» ليحل مكاننا الآخرون حرصا منا على خدمة الناس وعلى مصلحة البلد».
«اختيارنا للنظام المفتوح يحتاج لكثير من التغيير، وإلا سيبقى مجرد ألفاظ وستنظر إليه الناس بعدم الثقة ويقولون إننا رفعنا هذا الشعار من أجل أن تتفتح الزهور فقط على طريقة المثل الصينى ليسهل تمييزها وقطفها».
«إنى أقسمت على نفسى يوم ٩ يونيو ألا أعالج الموضوعات السياسية عن طريق المساومات أو عن طريق الموازنات، كما أقسمت أيضا أن أقاتل فى سبيل مبدأى، وأن أقول رأيى بكل صراحة».
بدا «عبدالناصر» كمن يثور على نظامه.
ولم تكن أول مرة.
فى مطلع الستينيات ثار على نظامه بتحولات اجتماعية غيرت فى البنية الطبقية، وأحدثت حراكا غير مسبوق.
كأى تجربة إنسانية كانت هناك أخطاء بعضها أقرب إلى الخطايا، غير أن المسار العام حكمه مشروع واضح فى معالمه وتوجهاته.
كانت تلك ثورة اجتماعية.
فى أعقاب الهزيمة ذهبت انتقاداته لنظامه إلى ما يقارب الثورة عليه.
دعا إلى مجتمع سياسى مفتوح و«دولة المؤسسات والقانون» والقضاء على مراكز القوى داخل النظام، ودخل باجتماعات مسجلة للجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى إلى ما يشبه المحاكمة لنظامه كله.
المثير فى تلك المحاضر المسجلة أن أغلبية الأعضاء لم يكونوا فى صف الرئيس، عارضوا فكرته بداعى أن هناك خطورة من تعديل النظام قبل إزالة آثار العدوان، أو أنه يؤدى إلى تفسيخ البلد فى هذا الظرف بواسطة المعارضة، لأن «شعبنا بخير ويثق فى هذا الرجل» ـ كما قال «أنور السادات» فى أحد الاجتماعات المسجلة بانفعال كبير، مشيرا إلى «جمال عبدالناصر».
فكرة الانتقال إلى نظام حزبى تعددى طرحها على اجتماعات تنفيذية ـ «مجلس الوزراء» فى أغسطس من نفس السنة، وتنظيمية ـ «جلسات اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى العربى» (٣) أكتوبر (١٩٦٨) ـ (١٩) أكتوبر (١٩٦٨) لكن لم يتح له الوقت الكافى لبناء نظام جديد يحفظ قيم الثورة الرئيسية فى التحرر الوطنى والعدل الاجتماعى، ويرد اعتبار الحريات العامة والحق فى التعبير.
فى خطوة راديكالية أجريت انتخابات اللجنة التنفيذية العليا، أعلى سلطة سياسية، بنزاهة، بعد أن رفض «عبدالناصر» تعيين أعضائها، رغم الإلحاح عليه.
المراجعات جرت فى توقيت واحد مع إعادة بناء القوات المسلحة والدخول التدريجى فى مواجهات عسكرية مباشرة.
كان «عبدالناصر» مستعدا أكثر من غيره لتقبل كل نقد لأسباب الهزيمة وتفهم دواعى أصحابها مهما بدت العبارات قاسية ـ كما فعل الشاعر «نزار قبانى» فى «هوامش على دفتر النكسة»، التى كتبها بحد سكين غضبه.
«أنعى لكم، يا أصدقائى، اللغةَ القديمة
والكتبَ القديمة
أنعى لكم..
كلامَنا المثقوبَ، كالأحذيةِ القديمة..
ومفرداتِ العهرِ، والهجاءِ، والشتيمة
أنعى لكم.. أنعى لكم
نهايةَ الفكرِ الذى قادَ إلى الهزيمة».
«يا سيدى..
يا سيدى السلطانْ
لقد خسرتَ الحربَ مرتينْ
لأنَ نصفَ شعبنا.. ليسَ لهُ لسانْ
ما قيمةُ الشعبِ الذى ليسَ لهُ لسانْ؟».
تعرضت أعمال «نزار قبانى» للمصادرة فى مصر.
جرت حملة صحفية عليه بدواعى الغيرة فى النفوس، تصدرها الشاعر «صالح جودت».
بنصيحة من الناقد الأدبى «رجاء النقاش»، كتب «نزار» خطابا إلى «عبدالناصر»، الذى لم يكن قد قرأ الديوان الغاضب.
عندما أطل على نصه أشر عليه بالنشر فى مصر دون حذف حرف واحد.
بعد سنوات قليلة من هذه القصة المثيرة اختلفت المواقع.
هاجم «صالح جودت» «عبدالناصر» بعد رحيله بضراوة فيما أنشد فيه «نزار قبانى» قصيدة رثائية فاقت شهرتها «هوامش على دفتر النكسة»:
«قتلناكَ..
يا حبنا وهوانا..
وكنت الصديق، وكنت الصدوق،
وكنت أبانا..
وحين غسلنا يدينا..
اكتشفنا..
بأن قتلنا منانا..
وأن دماءك فوق الوسادةِ..
كانت دمانا..».
«فليتكَ فى أرضنا ما ظهرْت..
وليتك كنت نبى سوانا..».
الفارق الزمنى بين القصيدتين ثلاث سنوات.
والفارق الموضوعى هو نفسه الفارق بين نظام أخفق فى حفظ سلامة حدوده ومشروع ألهم العرب ذات يوم أنهم قوة يعتد بها فى عالمهم، وأنهم يستطيعون أن يصنعوا مستقبلهم بأنفسهم.
المأساوى فى القصة كلها أن ظلال الهزيمة ما زالت ماثلة، كأنها لم تغادر المسرح أبدا.
عبرت مصر قناة السويس بقوة السلاح فى أكتوبر (١٩٧٣)، وكان يفترض أن تعبر أى مشاعر لحقت الهزيمة، لكنها تكرست.
النتائج ناقضت التضحيات والسياسة خذلت السلاح.
كان الوجه الآخر لتبديد ثمار النصر فى أكتوبر هو تكريس الهزيمة فى يونيو.
بدا الأمر مقصودا حتى وصلنا إلى حافة اليأس.
ما هو متوافر ـ حتى الآن ـ شهادات لقادة عسكريين يروون وقائع كانوا طرفا فيها، يدافعون عن أنفسهم، أو يتهمون آخرين بالمسئولية.
حسب المثل الشائع فإن «الهزيمة يتيمة والنصر له ألف أب».
الشهادات المتوافرة ـ رغم أهمية بعضها ـ لا تؤسس لرواية مصرية موثقة وكاملة.
وثائق يونيو مودعة فى خزائنها، والخزائن عليها أقفال ومتاريس.
ليس من مصلحة مصر حجب ما تقصته لجنة برئاسة اللواء «حسن البدرى»، المؤرخ المعتمد للجيش المصرى بعد يونيو مباشرة عن أسباب الهزيمة.
تتوافر آلاف الوثائق عن يونيو وأسرارها غربية وإسرائيلية دون أن تكون هناك رواية مصرية واحدة لها صفة الرسمية.
الدول تنشر وثائقها السياسية والعسكرية بعد عدد معين من السنين لتضع الحقيقة أمام مواطنيها ـ أيا كانت مرارتها ـ حتى لا تتكرر أى أخطاء جرت فى الماضى.
الأمر نفسه نفتقده فى حربى «الاستنزاف» و«أكتوبر».
هناك شهادات ودراسات نُشرت لكن الوثائق قضية أخرى.
للوثائق كلمة أخيرة تجيب عن كل الأسئلة: كيف هزمنا ولماذا؟ وكيف قاومنا وصمدنا حتى عبرنا الهزيمة فى أكتوبر؟ ثم كيف أجهضت نتائجها السياسية؟
قيمة تقرير اللواء «حسن البدرى» أنه قد صيغت على أساسه خطط إعادة بناء القوات المسلحة من تحت الصفر تقريبا على أسس استقصائية دقيقة لأوضاع الخلل فيها قبل الهزيمة.
هناك فارق بين مراجعة التاريخ بالوثائق المثبتة لإدراك حقائقه وتصحيح الذاكرة العامة وبين تعميق الشعور بالهزيمة كقدر إغريقى لا يمكن الفكاك منه، أو نفى أسبابه.
بلغة الوثائق يتأسس الاتفاق والاختلاف على قاعدة معلومات صلبة.
بعد «يونيو» جرت مراجعتان على قدر كبير من الأهمية.
الأولى، إعادة تصحيح دور القوات المسلحة، ومنع دخولها فى غير طبيعة مهامها.
أعيد بناؤها وفق مواصفات الجيوش الحديثة، التى تُعلى من شأن الكفاءة والاحتراف وتمنع الانشغال بالسياسة.
وأُسندت مسئوليتها إلى نخبة من العسكريين الأكفاء فى القيادة العامة، كما فى جميع الأسلحة.
تصدر المشهد العسكرى المصرى أفضل ما فى البلد من كفاءات متاحة.
كانت الوطنية المصرية مستعدة أن تقدم كل ما لديها من طاقات عطاء ودم بإيمان حقيقى أن البلد تحارب معركة وجودها ومستقبلها.
لم تكن مصادفة بعد أيام من الهزيمة أن تفرض قوات محدودة فى «رأس العش» كلمتها على الإسرائيليين وتوقع بهم خسائر فادحة فى لحظة انتشاء عسكرى.
جرت بطولات تقارب الأساطير فى ظروف شبه مستحيلة.
«عضم إخوانا نلمه.. نسنوا.. ونعمل منه مدافع».
بكلمات بسيطة فى بنائها الشعرى وصادقة بزخمها الوطنى نشأت ظاهرة فرقة «أولاد الأرض» وبدا قائدها الكابتن «غزالى» ملهما لقدرة المقاومة على اجتراح المعجزات.
«يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي
أستشهد تحتك وتعيشى أنتِ».
تلك الكلمات لـ«عبدالرحمن الأبنودى» أنشدها صوت «محمد حمام» العميق الشجى مع فرقة «أولاد الأرض»، كما لو أنها رسالة أن البلد متأهبة للقتال أيا كانت التضحيات.
أفضل أغنيات أكتوبر لحنت وغنيت قبل أن تدوى المدافع فوق الجسور ـ كأنها نبوءة مبكرة بالنصر الممكن، كما أغنية: «راجعين بقوة السلاح» فى فيلم «أغنية على الممر».
بهذه الروح تمكنت القوات المصرية من خوض حربى «الاستنزاف» و«أكتوبر»، وكان الجندى المصرى العادى بطلهما بلا منازع.
شاع وقتها شعار «يد تبنى ويد تحمل السلاح».
البناء والحرب معا، القتال والتصحيح فى الوقت نفسه.
مثلت الهزيمة تراجعا فادحا فى المشروع القومى العربى، لكنها لم تكن نهاية المطاف.
كانت السنوات التى أعقبت الهزيمة أفضل سنوات العسكرية المصرية، وأفضل سنوات «جمال عبدالناصر»، بالنظر إلى حجم العطاء الذى بُذل.
لماذا يُراد ـ حتى الآن ـ تكريس الهزيمة فى الوجدان العام، رغم النصر العسكرى فى «أكتوبر»؟
فى الحرب العالمية الثانية سحقت القوات الفرنسية.
احتلت عاصمتها باريس، ودخلها الزعيم النازى «أودلف هتلر» مزهوا لالتقاط الصور التذكارية عند برج إيفل.
بعد تحريرها وضعت لوحات تذكارية عند الأماكن والأبنية التى سقط بجوارها شهداء المقاومة الفرنسية.
لم يجئ تحرير فرنسا بفضل قوات الجنرال «شارل ديجول» وحدها، فقد قادت العمل العسكرى القوات الأمريكية.
لم يكن فى مصر متعاونون علنيون مع قوات الاحتلال كما حدث فى فرنسا، ولا قادت معاركها بالنيابة قوات أجنبية.
مصر التى انتصرت ـ بغض النظر عن أية مساجلات فى حجم النصر ـ كان يتعين عليها أن تطوى صفحة الهزيمة، غير أن ذلك لم يحدث عن سبق إصرار، كأننا لم نحارب ولم ننتصر، وكأن إسرائيل قوة لا تقهر والهزيمة قدر.
بين تحولات السياسة والانقلابات الاستراتيجية نشأت صناعة الهزيمة فى الوجدان العام، فـ«أكتوبر آخر الحروب»، و«لن نحارب بالنيابة عن الفلسطينيين والعرب لآخر جندى مصرى»، كما تردد على نطاق واسع فى الخطابين الإعلامى والسياسى.
جرى تسطيح قضية الصراع العربي ــ الإسرائيلى، وقضية الأمن القومى المصرى الذى دافعت عنه قواتنا قبل أى شىء آخر.
أُهدرت التضحيات الهائلة التى بُذلت فى ميادين القتال، ونشأت طبقة جديدة وصفت فى البداية بـ«القطط السمان»، لتساند السلام مع إسرائيل.
استشعر جيل كامل وهب حياته لقضية تحرير بلاده بقوة السلاح الخديعة، فقد حارب من أجل حلم ليستيقظ على كابوس.
كانت تلك الهزيمة الحقيقية، التى أرادوا إخفاءها وراء تكريس «عقدة يونيو» فى الوجدان العام جيلا بعد آخر.
جرى قطع الطريق على مراجعات «جمال عبدالناصر» بعد رحيله من أن تأخذ مداها فى الانتقال من نظام «مقفول» إلى آخر مفتوح، ومسخ فكرة التعددية السياسية على نحو أفضى إلى إجهاض جوهر التجديد الديمقراطى فى بنية نظام «يوليو».
وكانت تلك هزيمة أخرى أخفيت وراء قنابل دخان طلبت إنهاء أية إنجازات تحررية واجتماعية لثورة «يوليو».
رغم ذلك تظل مراجعات «عبدالناصر» بعد هزيمة «يونيو» ذات قيمة أخلاقية وسياسية لا تُضارع فى طلب التصحيح والتصويب ورد اعتبار الثورات. 



الأربعاء، 16 يناير 2019

ربيع وخريف على سطح عربي واحد .

ربيعٌ وخريف على سطحٍ عربيٍّ واحد!
صبحي غندور .

ثمانية أعوام مرّت على بدء ما أُصطلح غربياً على وصفه بالربيع العربي، والذي كان تعبيراً صادقاً عمّا حدث في تونس ومصر واليمن آنذاك، حيث الجموع الشعبية خرجت للشوارع بمسيراتٍ سلمية مطالبة بالتغيير السياسي، ومن دون أي تدخّلٍ خارجي يٌحرّكها أو ينحرف بها عن مسارها السلمي. لكن الحال كان مختلفاً عن ذلك في كلٍّ من ليبيا وسوريا حيث الحراك الشعبي فيهما ولد "خريفياً" بسبب توظيفه وتشويهه لصالح أجندات قوى إقليمية ودولية، وهي القوى التي ساهمت عملياً بإنتاج الظروف المناسبة لظهور الجماعات المتطرّفة من خلال عسكرة الانتفاضات الشعبية والصراعات المسلّحة بين الجماعات التابعة لهذه الجهة أو تلك.
وتزداد الآن لدى معظم العرب حالات القنوط والإحباط ممّا يحدث على الأرض العربية وفي بعض الأوطان من قتلٍ وصراعاتٍ وانقسامات. وهي حالةٌ معاكسة تماماً لما ساد مطلع العام 2011 في المنطقة، حينما نجحت الانتفاضات الشعبية السلمية في تونس ومصر بإحداث تغييراتٍ سياسية هامّة، وبتأكيد حيوية الشارع الشعبي وطلائعه الشبابية، ومن دون الاعتماد على أسلوب العنف في عملية التغيير.


وقد كثُر الحديث في السنوات الماضية عن مسؤولية حكومات أو عن مؤامرات خارجية أو عن الأسباب الموضوعية لضعف وتشرذم قوى التغيير، بينما المشكلة هي أصلاً في الإنسان العربي نفسه، إن كان حاكماً أو محكوماً، في موقع المسؤولية أو في موقع المعارضة. فالقيادة السليمة، حتّى لدُولٍ أو جماعات تحمل أهدافاً غير مشروعة، تنجح في تحقيق هذه الأهداف رغم ما قد يعترضها من صعوباتٍ وعقبات. وربّما المثال الحي على ذلك، والمستمرّ أمام العرب لأكثر من مائة عام، هو ما نتج عن وجود "المنظّمة الصهيونية العالمية" من تحوّلات خطيرة في المنطقة والعالم، كان العنصر الأساس في إحداثها هو وجود مؤسّسة/تنظيم جيد، وقيادات مخلصة لهذه المؤسّسة وأهدافها.
وقد نجد في الحالة العربية قياداتٍ شريفة ومخلصة لأوطان أو جماعات، لكن المشكلة تكون في طبيعة المؤسّسات التي تقودها، أو يحصل العكس أحياناً حيث سوء القيادات، أو انحراف بعضٍ منها، يؤدّي إلى ضعف وانحراف الدول أو المؤسّسات وإلى تفكّكها. فمصر عبد الناصر كانت مثالاً على النموذج الأول، ومصر السادات فيما بعد كانت مثالاً للنموذج الآخر. كذلك كانت النماذج في مسيرة "منظّمة التحرير الفلسطينية" وحركات وطنية عربية عديدة في مشرق الأمّة ومغربها.
هذا عن مسؤولية الإنسان العربي، أينما كان، فماذا عن مسؤولية الطرف العربي الذي يستنجد بالخارج لحلِّ مشكلاتٍ عربية داخلية؟ إذ هل هو "ربيعٌ عربيٌّ" فعلاً ما شهدته المنطقة العربية، أمْ انتقالٌ من حال الاستبداد والفساد إلى مرحلة التبعية والحروب الأهلية؟! كلاهما انحطاط وتخلّف واستنساخ لماضٍ قريبٍ وبعيد عاشته البلاد العربية منذ انتهاء حقبة "الخلفاء الراشدين"، فبعدها غاب الرشد عن الحاكم والمحكوم، إلا في فتراتٍ عابرة لم تصمد طويلاً أمام جشع جماعات الفساد في الداخل وقوى التآمر من الخارج. ومنذ ذلك "الزمن الراشدي" لا تتغيّر طبيعة الحكم، في معظم المراحل، إلا بفعل القوّة العسكرية المسنودة أحياناً بدعمٍ خارجي. ولا فرق هنا بين عربيٍّ وأعجمي، فهكذا أيضاً وصل الجيش الانكشاري العثماني إلى سلطة "الخلافة"، وحكَم العرب لأربعة قرون انتهت عربياً بثورة الشريف حسين "العربية" المسلّحة المدعومة من الغرب!. وهاهو "الغرب" وتركيا وإيران يعملون الآن جميعاً على العودة القوية لأرجاء الأمّة العربية التي ما زال ينبض في وسطها قلبٌ إسرائيليٌّ مصطنَع!.
نعم تعدّدت الأسباب، لكن النتيجة واحدة. نعم أنظمة الاستبداد والفساد مسؤولة عن تردّي أحوال الأوطان العربية وعن تبرير التدخّل الأجنبي بمصائرها، لكن هل سيغيّر ذلك الآن من النتائج؟! أليس الاستنجاد بالأجنبي لتغيير حكوماتٍ وأنظمة هو تكرارٌ لما حدث قبل قرنٍ من الزمن أيام "الثوة العربية الكبرى"؟!.
صحيحٌ أنّ الانتفاضات الشعبية العربية قد حطّمت حاجز الخوف لدى شعوب المنطقة، لكن ما جرى أيضاً في عدّة بلدان عربية هو محاولات كسر وتحطيم مقوّمات الوحدة الوطنية وتسهيل سقوط الكيانات، كما سقطت أنظمة وحكومات، إذ لم تميّز بعض قوى المعارضات العربية (عن قصدٍ منها أو عن غير قصد) بين مشروعية العمل السياسي السلمي وبين محرّمات الارتباط بالأجنبي (بل الإسرائيلي أحياناً) وتفكيك الأوطان ووحدة شعوبها. وهذه المخاطر موجودةٌ في كلّ المجتمعات العربية، سواءٌ أكانت منتفضةً الآن أمْ مستقرّةً إلى حين.
الإدارت الأميركية المتعاقبة في واشنطن هي التي أوجدت هذا المناخ المتأزّم عربياً بعد الاحتلال الأميركي للعراق، وفي ظلّ التهميش المتعمّد على مدار عقود من الزمن لحقوق الشعب الفلسطيني.
فواشنطن هي التي دعت لمفاهيم "الفوضى الخلاقة" و"النماذج الديمقراطية" الجديدة في المنطقة، وهي التي جمعت في أسلوب تحكّمها بالعراق بين انفرادية القرار الأميركي بمصير هذا البلد حينما احتلّته، وبين تقسيم شعبه إلى مناطق متصارعة تبحث كلٌّ منها عن نصيرٍ إقليمي داعمٍ لها، فكانت النتائج لغير صالح أميركا أو العراق أو العرب!
وواشنطن هي التي عجزت عن وقف الإستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فكيف عن إجبار إسرائيل على الانسحاب وعلى بناء الدولة الفلسطينية المستقلّة؟!. وواشنطن هي التي تحترم "رأي" إسرائيل، إن لم نقل دورها الفاعل، في تقرير مصائر العراق وسوريا ولبنان، وهي الدول التي لم توقّع بعد اتفاقيات سلام مع الدولة العبرية على جبهة المشرق العربي.
وهل هناك أصلاً من مصلحة إسرائيلية في استقرار وإعادة إعمار سوريا والعراق، وبأن يكون كلٌّ منهما بلداً واحداً قوياً ديمقراطياً؟ وهل كان لإسرائيل مصلحة في استمرار وجود لبنان كدولة ديمقراطية مستقرّة قائمة على تنوّع طائفي، وكنموذج بديل لحالتها العنصرية الدينية، وهي الحالة اللبنانية التي عملت إسرائيل على تحطيمها أكثر من مرّة منذ منتصف سبعينات القرن الماضي؟!.
فكلّما ازدادت الصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية على الأرض العربية، كلّما اقترب الحلم الصهيوني الكبير من التحقّق في أن تكون إسرائيل هي الدولة الدينية الأقوى في منطقةٍ قائمة على دويلاتٍ طائفية. فالمراهنة الإسرائيلية هي على ولادة هذه "الدويلات"، التي بوجودها لن تكون هناك دولة فلسطينية مستقلّة ولا تقسيم للقدس ولا عودة الملايين من اللاجئين الفلسطينيين، بل توطين لهم في "الدويلات" المستحدثة وتوظيف سلاحهم في حروب "داحس والغبراء" الجديدة بقيادة بعض "الثوّار الجدد"!.
إنّ ما يحدث الآن على الأرض العربية هو ليس متغيّرات سياسية محلية فقط، تتدخّل فيها وتتجاوب مع تفاعلاتها قوى إقليمية ودولية، فهذه المتغيّرات قد تكون قطعة فقط من صورة مرسومة مسبقاً لتغييرٍ جغرافي وديمغرافي منشود لدولٍ عربية عديدة. ألم تكن الحرب على العراق في العام 2003، وما أفرزته من واقع حال تقسيمي للدولة والشعب والثروات، وما مثّلته هذه الحرب من تداخل بين الصراعات المحلية والإقليمية والدولية، كافية لتكون نموذجاً عن الهدف الخفي المرجو لاحقاً من مزيج الحروب الأهلية والتدخّل الخارجي، وهو ما يحدث منذ العام 2011؟!.
ثمّ ألم يكن درس تقسيم السودان في مطلع ذاك العام مؤشّراً عن المصير المرغوب لأوطان عربية أخرى؟! وهل كانت نتائج التدخّل الأجنبي في ليبيا وسوريا لصالح البلدين ووحدتهما واستقرارهما؟! رغم ذلك استمرّت بعض قوى المعارضات العربية بالمراهنة على دعم الخارج لمعاركها الداخلية، ويتواصل عربياً تهميش القضية الفلسطينية وتجاهل العامل الإسرائيلي في حروب العرب مع بعضهم البعض، وفي نشأة جماعات التطرّف والإرهاب بالمنطقة!.

15/1/2019

الأحد، 6 يناير 2019

خلاصات من احداث سوريا / د.صبحي غندور .

خلاصات من أحداث سوريا .

د.صبحي غندور .


تساؤلاتٌ عديدة أثارها قرار الرئيس الأميركي ترامب بسحب القوات الأميركية من سوريا وعن أبعاد ونتائج هذا القرار على الصعيدين السوري والإقليمي. ولا تنفصل هذه التساؤلات عن مستقبل سوريا عن تعيين ترامب منذ عدّة أشهر لجون بولتون كمستشار لشؤون الأمن القومي، وهو المعروف باتّجاهاته المحافظة المتطرّفة والداعية لتصعيد في الأزمات الدولية المعنية بها الولايات المتّحدة. ولا ينفصل قرار ترامب أيضاً عن مغزى استقالة وزير الدفاع جيم ماتيس وإقالة رئيس الموظفين في "البيت الأبيض" جون كيلي، وكلاهما كانا "ضمانة لعدم اتّخاذ ترامب قراراتٍ متهوّرة"، على حدّ قول رئيس لجنة الشوؤن الخارجية في مجلس الشيوخ  السناتور الجمهوري بوب كوركر. فإدارة ترامب الآن تخضع لتأثيرات قوى ثلاث جميعها ترغب بالتصعيد في منطقة الشرق الأوسط عموماً، وهي التي تتحكّم بالسياسة الخارجية الأميركية في هذه المرحلة. وهذه القوى تجمع بين التيّار الإنجليكي المتصهين، والتيّار المعروف باسم "المحافظون الجدد"، إضافةً لدور اللوبي الإسرائيلي والعلاقة القوية القائمة الآن بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو.
وربّما يجد الآن الرئيس الأميركي مصلحةً كبيرة في حدوث تصعيدٍ لأزمةٍ دولية، كالأزمة السورية، ليس فقط لخدمة سياسة مقرّرة، بل أيضاً لصرف الأنظار عن مشاكله الداخلية وعن التحقيقات القانونية الجارية مع فريق حملته الانتخابية، ولتعزيز قاعدته الشعبية، ممّا يُسهّل تنفيذ باقي أجندة عهده في "البيت الأبيض".
إنّ الجبهة الإسرائيلية - السورية - اللبنانية هي من المواقع المؤهّلة لحدوث تصعيد عسكري كبير، والتي قد يتمّ استخدامها لتغيير مسار الأزمات المشتعلة حالياً في المشرق العربي، وحيث يُحقّق فيها خصوم أميركا تقدّماً على الأرض، وحيث سيكون من الممكن الاعتماد أميركياً على دور القوّة الإسرائيلية دون حاجةٍ لتورّط عسكري أميركي واسع في هذه الجبهة.
ويحرص الرئيس الأميركي الآن على نقل الاهتمام الداخلي الأميركي من مسألة التحقيقات القانونية حول دعم موسكو لحملته الانتخابية إلى قضايا خارجية ساخنة (سِلماً وحرباً)، وهو هذا المزيج المتوقّع من إعلان "صفقة القرن" بشأن الصراع العربي / الإسرائيلي، ومن تصعيدٍ ما على الأراضي السورية.
إنّ شرارة النّار موجودة في سوريا والمنطقة حولها، لكن التصعيد في الخلافات بين موسكو وواشنطن وتضارب المصالح الدولية والإقليمية سيجعل لهب النار تمتدّ للعالم بأسره. وهنا خطورة ما يحدث الآن من تغليب في الولايات المتحدة للمصالح الفئوية على حساب المصالح القومية الأميركية. وهذه تجربة عاشتها أميركا والعالم قبل 15 سنة حينما جرى غزو العراق بحجّة أسلحة الدّمار الشامل، وفي ظلّ إدارةٍ مشابهة لما عليه الآن إدارة ترامب.
لكن بغضّ النظر عن احتمالات ما قد يحدث في المستقبل، فإنّ أحداث الأعوام الماضية على الأراضي السورية زاخرةٌ بالدروس والعِبر لعموم العرب. فلا يمكن، منطقياً وعملياً، اعتبار ما حدث في سوريا من صراعٍ مسلّحٍ (مهما اختلفت تسميته) "قضية داخلية" فقط، ارتبطت بحراكٍ شعبي من أجل تغيير النظام !. فالأحداث السورية كانت انعكاساً لحدّة أزماتٍ إقليمية ودولية أخرى، مترابطة كلّها بعناصرها وبنتائجها وبالقوى الفاعلة فيها. إذ لا يمكن فصل الأزمة السورية عمّا حدث في مطلع العقد الماضي من أوّل احتلالٍ أميركي لبلدٍ عربي (العراق)، حيث كانت سوريا معنيّةً بأشكال مختلفة بتداعيات هذا الاحتلال ثمّ بدعم مواجهته. ولا يمكن فصل الأزمة السورية الحالية عن الصراع العربي / الإسرائيلي وعن مأزق التسوية على المسار الفلسطيني، حيث كانت دمشق داعمةً للقوى الفلسطينية الرافضة لنهج "أوسلو" وإفرازاته السياسية والأمنية. ثمّ كانت دمشق – وما تزال – غير موقّعة على معاهداتٍ مع إسرائيل، كما جرى على الجبهات المصرية والأردنية والفلسطينية، فبقيت سوريا - ومعها لبنان- في حال الاستهداف من أجل فرض "التطبيع العربي" مع إسرائيل، بغضّ النظر عن مصير التسوية العادلة الشاملة لأساس الصراع العربي/الصهيوني، أي القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني. وهل يمكن نسيان أنّ مئات الألوف من اللاجئين الفلسطينيين يقيمون في لبنان وسوريا، وبأنّ ما يحدث، وما قد يحدث، في هذين البلدين سيؤثّر كثيراً على مصير ملفّ اللاجئين الفلسطينيين ؟!.
ثمّ هل حقّاً أنّ التغيير الذي كان منشوداً في سوريا مع بداية الحراك الشعبي في ربيع العام 2011  كان هدفه تغيير نظامها السياسي الداخلي فقط، أم أنّ الهدف الكبير الهام الذي وقف خلفه "حلف الناتو" هو فكّ تحالفات الحكم السوري على الصعيدين الإقليمي والدولي ؟! إضافةً طبعاً للهدف الإسرائيلي الخاص بتفكيك وحدة سوريا وإقامة دويلات طائفية وإثنية تسبح في الفلك الصهيوني. لقد كانت المصالح الإسرائيلية، وما زالت، هي في مزيدٍ من التفاعلات السلبية للأزمة السورية، أمنياً وسياسياً، وعدم التوصّل إلى أيِّ حلٍّ في القريب العاجل. فمصلحة إسرائيل هي في بقاء هذا الكابوس الجاثم فوق المشرق العربي والمهدّد لوحدة الأوطان والشعوب، والمنذر بحروبٍ أهلية في عموم المنطقة، والمُهمّش للقضية الفلسطينية.

هذه أبعاد خارجية مهمّة للصراع المسلّح الذي لم ينتهِ بعدُ في سوريا، وهو صراع إقليمي / دولي على سوريا، وعلى دورها المستقبلي المنشود عند كلّ طرفٍ داعمٍ أو رافضٍ للحكم الحالي في دمشق. لذلك نرى اختلاف التسميات لما حدث في سوريا، فمن لا يريد تبيان الأهداف الخارجية للصراع يصرّ على وصف ما حدث بأنّه "ثورة شعبية على النظام"، فقط لا غير. ومن لا يعبأ بالتركيبة الدستورية السورية الداخلية وبطبيعة الحكم، ويهمّه السياسة الخارجية لدمشق فقط، يحرص على وصف ما يحصل بأنّه "مؤامرة كونية" لا مبرّرات داخلية لها. في الحالتين هناك ظلمٌ للواقع ونتائج لا تُحمد عقباها على الشعب السوري وعلى المنطقة كلّها.
ما حصل ويحصل في سوريا هو تكرارٌ لتجربة حرب محلية / اقليمية / دولية في لبنان عام 1975، ولتجربة حرب أفغانستان في عقد الثمانينات التي كانت لتغيير نظامٍ موالٍ لروسيا الشيوعية فولّدت تطرّف "المجاهدين الأفغان"، كما أفرزت حرب سوريا جماعات "داعش". ولم يكن ما شهدته سوريا في العام 2011 استمراراً لما حدث في مصر وتونس من حراك شعبي سلمي خالٍ من الارتباطات الخارجية.
إنّ سوريا هي قضيةٌ حاضرة الآن في كلّ الأزمات الدولية، وسيكون مصير الحرب فيها، أو التسوية المنشودة لها، هو الذي سيحدّد مصير عدّة أزماتٍ أخرى. كذلك، فإنّ استمرار الحرب وتصعيدها يعني مخاطر نزاع دولي خطير بين موسكو وواشنطن، وحرب إقليمية تشترك فيها إسرائيل وإيران ولبنان والعراق، إضافةً إلى التورّط التركي الكبير الحاصل في الأزمة السورية. فالأزمة السورية الراهنة وضعت المنطقة والعالم كلّه الآن أمام خياراتٍ حاسمة لا يمكن تأجيل البتّ بمصيرها إلى سنواتٍ أخرى.

المؤسف أنّ كلَّ ذلك يحدث على أرضٍ عربية في ظلّ غياب "مشروع عربي" للتعامل مع كلّ أزمات المنطقة، وبما يُحقق مصالح الأوطان والشعوب العربية أولاً !.

1-1-2019

الجمعة، 4 يناير 2019

حتى لا يقع الفأس في الرأس / د.عصمت سيف الدولة .



حتى  لا يقع الفأس في الرأس .

الدكتور عصمت سيف الدولة .


النذير :

في يوم 19 نوفمبر 1985 نشرت جريدة " الشعب" التي يصدرها حزب العمل الاشتراكي خبرا يقول :" يتردد في الاوساط السياسية ان الرئيس مبارك سيصدر قريبا قرارا بتعيين المشير ابو غزالة نائبا لرئيس الجمهورية … تردد ذلك بقوة في الاونة الاخيرة ، كما انه معروف بان هناك جهات كثيرة كانت تتعجل الرئيس مبارك  لاصدار قرار بتعيين نائب له ضمانا للاستقرار السياسي واكد الرئيس اقتناعه بأهمية ذلك ، بعد الاطمئنان الى اختيار الشخص المناسب في الوقت الملائم ".
  لست مقتنعا بأن الرئيس مبارك يتجه الى تعيين المشير ابو غزالة نائبا لرئيس الجمهورية ، ولدي اسباب مقنعة بأن لو عرض المنصب على المشير ابو غزالة لاعتذر عن  عدم قبوله ، ذلك لانني اعتقد ان الرئيس والمشير كليهما اكثر ذكاء واكثر حرصا على مستقبل مصر من ان يعرضاها لمخاطر جسيمة ممتدة فيما لو تم ذلك .  ولان المسالة في نظري اخطر بكثير مما يتصور كثيرون ، بل هي اخطر من كل المخاطر الخارجية والداخلية المحيطة بمصر . فاني انتهز فرصة نشر هذا الخبر  لاعرض على كل من يهمه الامر.. وعلى الراي العام اولا واخيرا  الحقيقة الدستورية والواقعية والسياسية لمسألة " نائب رئيس الجمهورية  ، والمخاطر الجسيمة التي ينذر بها الاتجاه الى اختيار قائد القوات المسلحة ، او أي قائد عسكري، ليكون نائبا لرئيس الجمهورية .

المخاطر :

 لهذا الخطر وجهان . احدهما عام والاخر خاص . اما الخطر العام فهو ان تتحول رئاسة الجمهورية الى شبه وراثية كما كان العهد بدولة الامويين حيث يأخذ كل خليفة البيعة ، بالرضا او بغيره لمن يريد ان يخلفه سواء من ولده او من اخوته او من غيرهم . والتاريخ يتحدث بدون استثناء عن ان هذا الاسلوب قد حول الخلافة ( الجمهورية ) الى ملك ( ملكية ) عن طريق التوريث وليس الوراثة بالضرورة . ولست اعتقد ان احدا في مصر يريد العودة الى الملكية صراحة أو ضمنا ، دستوريا او واقعيا .
اما الخطر الخاص فهو ان يلي الرئاسة بعد الرئيس حسني مبارك بالذات قائد بالقوات المسلحة  او احد قادتها العاملين . ادراك هذا الخطر هو من بين الاسباب التي يقوم عليها اعتقادنا بان اتجاه الرئيس حسني مبارك الى تعيين المشير ابو غزالة نائبا لرئاسة الجمهورية غير متوقع من الرئيس وغير مقبول من المشير . ذلك لانه منذ عام 1952 تولى رئاسة الدولة اربعة من العسكريين العاملين فى القوات المسلحة . الرئيس محمد نجيب والرئيس جمال عبد الناصر والرئيس انور السادات ـ بصرف النظر هنا عن ردته عن الثورة ـ والرئيس حسني مبارك ، وذلك على مدى ثلاثين عاما متصلة .. وقد تولاها كل منهم لاسباب تاريخية خاصة به وليس لانه قائد عسكري . اما الرؤساء الثلاثة الاول ، فقد كانوا من بين قادة ثورة 23 يوليو التي قادها تنظيم الضباط الاحرار . والواقع التاريخي انه لم يثوروا لانهم ضباط ، او بصفتهم ضباطا ، بل بالعكس ، لقد ثاروا على صفاتهم كضباط لدى " جلالة الملك " واسقطوا ولاءهم العسكري من اجل ولائهم السياسي للشعب . لقد كانوا ساسة عاملين منظمين مناضلين منذ عالم 1942 ولم تكن القوات المسلحة الا ميدانا لنشاطهم السياسي وقادة الثورة ايا كانت مواقعهم قبل نجاحها يتولون عادة سلطة الحكم ليضعوا المبادئ  التى ثاروا من اجلها موضع التنفيذ او ليضمنوا وضعها موضع التنفيذ .. ولقد اتجه جمال عبد  الناصر بالذات  منذ بداية توليه الى اعادة القوات المسلحة الى وظيفتها الدفاعية باسلوب لا يزال محل تعليق حول ما اذا كان هو الاسلوب المناسب الوحيد ، اعني ابعاد السياسين من الضباط الى مواقع مدنية فى وزارة الخارجية ( وهو انفاء الى الخارج)  او الى المؤسسات الحكومية ، حتى لا تتكرر تجربة كانت لها ظروفها التاريخية غير القابلة للتكرار . اما الرئيس حسنى مبارك  فبالاضافة الى انه كان قد ترك موقعه القيادي في القوات المسلحة ، الى منصب مدني هو نائب رئيس الجمهورية ، فان اختياره للنيابة او للرئاسة كان جريا على تقاليد عالمية اخذت بها دول لا تسمح تقاليدها حتى ان يتولى عسكري وزارة الدفاع . مقتضى هذه التقاليد ان تكرم القوات المسلحة المنتصرة باختيار احد قادتها المبرزين لتولي رئاسة الدولة لفترة تعبيرا عن شكر الشعب وعرفانه بتضحيات جنده وضباطه الابطال هكذا اختارت فرنسا دي جول رئيسا ، وهكذا اختارت الولايات المتحدة الامريكية ايزنهاور رئيسا ، بعد انتصار الدولتين تحت قيادة الرجلين العسكريين في الحرب العالمية الثانية … وهكذا كان اختيار الرئيس حسني مبارك نائبا ثم رئيسا تكريما للقوات المسلحة المصرية وبطولاتها في حرب 1973 .
هذه  الظروف التاريخية الخاصة غائبة عن الوعي العام وان كان كثيرون يعرفونها ويذكرونها ، انما الشائع في الوعي العام خاصة لدى الجيل الجديد من مواليد ما بعد 1952 او قبيلها ان مصر يحكمها " العسكريين ".. وهم يتوقعون ان يكون نائب رئيس الجمهورية عسكريا ، ليكون خليفة حسني مبارك في الرئاسة عسكريا .. لست اعرف ما يثيره هذا التوقع من مشاعر لدى الكافة . ولكن  اخشى ما اخشاه ان يسلموا  به ،  فان مصر حينئذ ستتحول الى مثل جمهوريات امريكا اللاتينية وتعاني في المستقبل القريب او البعيد ماعانته .  وتلغى الغاءً واقعيا ارادة الشعب في اختيار حكامه ، ويصبح الاستفتاء تغطية شكلية ، وتبقى الديموقراطية غائبة حتى عن امل الشعب في المستقبل .  واليوم معنا حسني مبارك وابو غزالة وغدا وبعد غد لا ندري من يكون . انما الذي ندريه انه اذ يستقر في الوعي العام ان الكلية الحربية هي باب اول الطريق الى رئاسة الدولة ، لن يكون الراغبين في الانتساب اليها مقصورين على ضباطنا الذين عرفناهم وطنية وبطولة وانكار ذات واستشهاد بل ستزاحمهم فيها قلة من المغامرين .
لا بد اذن ، وفي هذه المرحلة الدقيقة من تاريخنا ، من الحيلولة بأي ثمن دون ان تتحول السوابق ذات الظروف التاريخية الخاصة الى تقليد عام  يحتكر فيه العسكريين ، او غير العسكريين من الفئات المتميزة بوظائفها او مؤهلاتها ، رئاسة الدولة والحكم . ان هذا الاحتكار استبعاد للشعب صاحب الحق في ان يختار من يشاء لتولي وظائفه العامة ومن بينها وظائف الحكم والرئاسة .
 ان هذا يعني تماما ان ليس مرجع الخطر اختيار احد العسكريين للرئاسة . انما مرجعه ان ياتي هذا الاختيار بعد اربعة رؤساء من العسكريين فيتحول الى تقليد دستوري بدلا من احكام الدستور . والواقع انه في مصر ، وفي غير مصر من دول الارض، لا يشترط فيمن يتولى رئاسة الدولة او الحكم مؤهل خاص . بل لعل الكثيرين لا يعرفون انه لا يشترط فيهم حتى القراءة والكتابة . يعرفون هذا الذين ما يزالون يذكرون الحوار الدستورى الذى ثار حينما اختارت وزارة الوفد الدكتور طه حسين وزيرا للمعارف . ولهذا حكمة مصدرها خبرة الشعوب . ان الدولة ليست جيشا لتحتاج الى خبرة قادة الجيوش . وليست مؤسسة  بناء او صناعة او مقاولات لتحتاج الى خبرة المهندسين . وليست محكمة الى خبرة قانونيين . وليست مؤسسة استيراد وتصدير لتحتاج الى خبرة سماسرة . الدولة مؤسسة شعبية فهي في حاجة الى خبرة التعايش مع الشعب واحترامه وكيفية التعامل معه والولاء لصالحه ، أي انها فى حاجة الى خبرة " سياسية " والسياسة هي ادارة الدولة ، وليست اية مهنة او صنعة اخرى . وبالتالى فان احتكار اية فئة او طائفة للحكم بحكم انها تجيد القتال او تجيد البناء او تجيد الصناعة او تجيد التجارة او متخصصة اكاديميا في الطب او الاجتماع او القانون ، هو استيلاء على الدولة دون الشعب صاحبها . فلا بد اذا ما جاءت الظروف بنمط من التكرار من الانتباه الى خطر أن يتحول التكرار الى احتكار ، واذا كانت الدولة قد انتهت حفاظا على المستقبل وليس شكا فى استقامة احد ، ان تحرم على شاغلي  بعض الوظائف  العامة ، ان يمارسوا بعد تركها عملا يتصل بما كانوا قائمين على ادائه الا  بعد سنين ، فاولى  ان يحرم على شاغلي الوظائف السيادية ، ان يرشحوا انفسهم ، لرئاسة الدولة  الا بعد سنين من ترك وظائفهم ، فان لم تكن ثمة وسيلة  دستورية او قانونية لمنعهم فاولى بهم ان يمتنعوا فبذلك يردون عن مستقبل مصر مخاطر لا يعلم مداها الا الله .. 


القاهرة فى 23 نوفمبر 1985 .


 ذهاب الى صفحة عصمت سيف الدولة .









الأحد، 9 ديسمبر 2018

هل يجوز عزل التعويضات عن تحقيق اهداف الثورة ..؟


هل يجوز عزل التعويضات عن تحقيق اهداف الثورة ..؟
يدور الحديث هذه الايام حول موضوع التعويضات بين مشهّر ومبرر ، بينما المشكلة في حد ذاتها ليست في التعويض وجبر الضرر بل في مغالطات المؤيدين حينما يستشهدون بما ورد في آليات تمويل صندوق الكرامة باعتبار ان الدولة لا تدفع الا 10 % ، او في القول بان جبر الضرر حق مشروع لكل من تعرض للانتهاكات والممارسات التعسفية خلال فترة الاستبداد دون وضعه في اطاره الصحيح المتمثل في مسار العدالة الانتقالية باكمله ، ودون افصاح بان التعويض عن طريق الصندوق ليس الطريقة الوحيدة لجبر الضرر كما تم منذ 2012 وكما تبين القوانين الصادرة في الغرض .
فجبر الضرر جاء في اطار مسار ومفهوم كامل للعدالة الانتقالية لذلك الاستشهاد بتلك الفقرة حول التعويضات وتمويل الصندوق دون استحضار لهذا المسار وخارج مفهوم العدالة الانتقالية يتضمن مغالطة كبيرة وتضليل للراي العام يتجاهل الاهداف التي قامت من اجلها الثورة ، اذ في هذه الحالة يبدو كأن الثورة قد قامت من اجل التعويضات .. !! وهذا الفصل من القانون عدد 53 لسنة 2013 الخاص بارساء العدالة الانتقالية وتنظيمها يبين الاطار الذي يجب ان يتنزل فيه جبر الضرر :
-    الفصل الاول : العدالة الانتقالية هي مسار متكامل من الاليات والوسائل المعتمدة لفهم ومعالجة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان بكشف حقيقتها ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر ضرر الضحايا ورد الاعتبار لهم بما يحقق المصالحة الوطنية ويحفظ الذاكرة الجماعية ويوثقها ويرسي ضمانات عدم تكرار الانتهاكات والانتقال من حالة الاستبداد إلى نظام ديمقراطي يساهم في تكريس منظومة حقوق الإنسان .
هذا هو المسار المتكامل الذي يجب ان يشمل العديد من الشروط التي ضبطتها بقية الفصول في هذا القانون واهمها : 
-    تفعيل الوسائل والاجراءات والأبحاث المعتمدة لفك منظومة الاستبداد ( الفصل الرابع ) .
-    تفعيل المساءلة والمحاسبة عن طريق الآليات التي تحول دون الافلات من العقاب او التخلص من المسؤولية ( الفصل 6) .
-    تعهد الدوائر والهيئات المختصة بالنظر في الانتهاكات المتعلقة بتزوير الانتخابات والفساد المالي والاعتداء على المال العام ( الفصل الثامن ) .
-    جبر الضرر نظام يقوم على التعويض المادي والمعنوي ورد الاعتبار والاعتذار واسترداد الحقوق وإعادة التأهيل والإدماج ويمكن أن يكون فرديا أو جماعيا ويأخذ بعين الاعتبار وضعية كبار السن والنساء والأطفال والمعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى والفئات الهشة ( الفصل 11 ) .
-    توفر الدولة العناية الفورية والتعويض الوقتي لمن يحتاج إلى ذلك من الضحايا وخاصة كبار السن والنساء والأطفال والمعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى والفئات الهشة دون انتظار صدور القرارات أو الأحكام المتعلقة بجبر الضرر ( الفصل 12 ) .
-    اصلاح مؤسسات الدولة الهادف الى تفكيك منظومة الفساد والقمع والاستبداد ومعالجتها بشكل يضمن عدم تكرار الانتهاكات ( الفصل 14 ) .
-    تعزيز الوحدة الوطنية وتحقيق العدالة والسلم الاجتماعية وبناء دولة القانون ، ولا تعني المصالحة الافلات من العقاب وعدم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات ( الفصل 15 ) .
-    النظر في جميع الانتهاكات الحاصلة منذ جويلية 1955 ( الفصل 17 ) . 
-    صياغة التوصيات والاقترحات المتعلقة بالاصلاحات السياسية والادارية والامنية والقضائية والاعلامية والتربوية والثقافية وغربلة الادارة وغيرها من الاقتراحات لتجنب العودة الى القمع والاستبداد ... 
-    صياغة التوصيات والمقترحات والاجراءات التي تعزز البناء الديمقراطي وتساهم في بناء ودولة القانون ( الفصل 43 و 67) .
هذا هو السياق العام الصحيح الذي يجب ان تتطرح فيه مسالة التعويضات ، وهو تمشي كامل لهدم منظومة الاستبداد وبناء الاسس السليمة لدولة القانون والمؤسسات والديمقراطية .. في حين ان ما نراه هو العكس تماما ، وهو السعي الى بناء دولة التمكين والمحاصصة ووالولاءات الحزبية باشكال واساليب وممارسات متعفنة تفوق الممارسات التجمعية والنوفمبرية التي ادت الى تشييد دولة الاستبداد والنهب والمافيات والعصابات التي ثار عليها الشعب في 17 ديسمبر ، علما ان جبر الضرر كما نص عليه الفصل عدد 12 من هذا القانون الخاص بالفئات الهشة الاكثر حاجة للمساعدة من كبار السن والمعوقين وذي الاحتياجات الخصوصية والمرضى قد بدأ فعلا ، بل ان تطبيقه قد كان على نطاق أوسع من ذلك بتدخلات عاجلة من الدولة حتى قبل تسوية بقية الملفات وفرزها وعرضها على المحاكم المختصة ، منذ صدور القوانين الخاصة بالمنتفعين بالعفو التشريعي العام ، حيث شهدت التشريعات المتعلقة بالانتداب تباعا صدور العديد من القوانين الاستثنائية التي تعطي اولوية الانتدابات للمنتفعين بهذا القانون ومنها : 
-    القانون عدد 4 لسنة 2012 الوارد تفصيله بالامر عدد 833 المؤرخ في 20 جويلية 2012 في فصليه السادس والسابع القاضيان من ناحية بفتح انتدابات مباشرة لفائدة جرحى الثورة واهالي الشهداء والمنتفعين بالعفو التشريعي العام وفقا لاحكام المرسوم عدد 1 لسنة 2011 كأول قانون يؤسس بعد الثورة للتعويض وجبر الضرر ، وذلك بطاقة استيعاب تصل في حدها الادنى الى 70 % من الانتدابات المباشرة والبقية اي 30 % لعموم ابناء الشعب عن طريق المناظرات ، ومن ناحية اخرى لعدم اعتبار السن القصوى للمنتفعين بالقوانين الاستثنائية .
-    الامر عدد 3256 المؤرخ في 13 ديسمبر 2012 القاضي باجراءات العودة الى العمل وتسوية الوضعية الادارية للمنتفعين بالعفو التشريعي العام كما جاء مفصلا في العديد من الفصول ومنها :
•    اعادة ادماج الاعوان العموميين المنتفعين بالعفو التشريعي العام طبقا لاحكام المرسوم عدد 1 لسنة 2011 ضمن اسلاكهم ، وعودتهم الى العمل مهما كانت وضعياتهم الادارية ولو كانوا بصفة زائدة ، وينتفعون بالتدرج والرتب التي تمتع بها نظراؤهم منذ الانقطاع عن العمل الى تاريخ ارجاعهم ( الفصل 1 و 2 ) .
•    تنطبق احكام الفصلين السابقين على الاعوان الذين تعذر ادماجهم او الذين ادمجوا في غير اسلاكهم ( الفصل 3) .
•    تتم احالة الاعوان الذين تعذر ادماجهم في اسلاكهم الاصلية او في غيرها على التقاعد طبقا للتشريع الجاري به العمل ( الفصل 3 ) .
•    ينجر عن العودة الى العمل الحق في المرتب بعد اعادة ترتيب المسار الوظيفي ابتداء من تاريخ المباشرة الفعلية ( الفصل 6 ) .
-    امر عدد 2799 المؤرخ في 9 جويلية 2013 المتعلق بضبط صيغ واجراءات النظر في مطالب التعويض ذات الصبغة الاستعجالية ، القاضي من خلال فصله التاسع بان " تقترح اللجنة الخاصة بهذا الامر مبلغ التسبقة على التعويض في شكل مبلغ سنوي يقع دفعه صبرة واحدة او على دفعات بحسب ما تقترحه اللجنة ووزير حقوق الانسان ، وتراعي اللجنة عند اقرار المبلغ الجملي حالة المعني بالامر الجتماعية والمدنية والصحية .. 
الا يعني هذا ان مسار جبر الضرر بالنسبة لضحايا النهضة  قد بدأ فعلا منذ سنة 2012 وقد اشرف على الانتهاء ولم يبق منه الا التعويض على ما فات وهو آت ، فاين جبر الضرر بالنسبة للآخرين من اليوسفيين وغيرهم ؟؟ واين جبر الظرر لبقية ابناء الشعب وللجهات المحرومة طوال فترة الاستبداد ؟؟ وأين نحن من المؤسسات السيادية للدولة الديمقراطية وعلى راسها المحكمة الدستورية ، واين الهيئات المستقلة التي اصبح وجودها صوريا ، واين قانون تحصين الثورة ، واين المحاسبة للفاسدين ، واين كل الشروط والضمانات الواردة ضمن سياق العدالة الانتقالية كما نصت عليه القوانين لبناء دولة ديمقراطية سليمة ..؟؟؟
اما بالنسبة لصندوق الكرامة ، وحتى ان كانت مصادر التعويضات مختلفة كما جاء في القانون عدد 53 لسنة 2013 ، اي 10 % من الدولة والبقية من الهبات والتبرعات والعطايا غير المشروطة فهي معضلة اكبر تجعل مصادر التمويل غير معروفة وغير موثوقة ومعرضة لكل الشبهات التي لا يمكن مراقبتها في ظل دولة ما فيوزية مثل الدولة الحالية ..
فهل ما يجري فعلا هو المسار الحقيقي للعدالة الانتقالية كما جاءت به روح القوانين وكما ينتظره التونسيون ضمن الاهداف الكبرى التي قامت من أجلها الثورة ..؟؟


( القدس )

السبت، 1 ديسمبر 2018

دولتان في السودان : واحدة غنية للاخوان واخرى فقيرة للمواطنين ..


دولتان في السودان : واحدة غنية للإخوان، واُخرى فقيرة للمواطنين ..
صلاح شعيب – السودان .

إخوان بلادنا استثمروا في عدد من تناقضات الظاهرة السودانية المشكلة أصلا عبر ثلاث مراحل. حين بدأوا تأسيس دولتهم ضربوا معاقل الذين يخالفون أيديولوجيتهم في جهاز الخدمة المدنية. وحين اختلفوا استثمروا جميعهم في التناقضات الجهوية، وذهب كل طرف ليتقوى بالإثنية. وحين لاحت تحديات التمكين استثمروا في الحوزات الإقليمية، والقارية، والدولية.
ونتيجة لاستنزاف مغامرات الإخوان ذات الكلفة الدموية، والمادية، لخزينة الدولة أفضوا بنا إلى وجود نظامين في دولة، أو دولتين في نظام، سمه كما شئت. فهناك نظام دولة داخلي يتعهده أنصار الإخوان بميزانية متكاملة الدسم. إذ توظف الموارد لكل عضوية الحركة الإسلامية فيما يسير نظام الدولة القديم بميزانية شحيحة للصحة، والتعليم، بنسبة أربعة من المئة، فيما يصرف القليل على أمن المواطن، وتنميته، مقارنة بالمبالغ المرصودة لأمن النظام، وتنمية استيطانه. وكذلك يتم في الدولة القديمة تآكلا في كل نظمها الاجتماعية الموروثة، ويترك مواطنها نهبا للضياع في الداخل، أو يتم نبذه إلى مكان قصي في الخارج.
وحينئذ تلحظ أن للأخ المسلم، والأخت المسلمة، امتيازا على مواطنيهما. فالصراع حول الوظائف الإدارية، والدستورية، والكفاح في مجال الاقتصاد، والتجارة، والاستثمار، إنما يدور حولهم. إذ هم يفضلون بعضهم بعضا، تاركين هامشا من التوظيف للمهنيين الذين لا يتورطون في مساءلتهم عن شرعية حكمهم. وفي جانب يشقون صف زعامات الإدارات الأهلية، ويستقطبون الانتهازيين منهم.
وفِي ظرف عقدين تقريبا قوضوا الطبقة الثرية، والوسطى، وصاروا هم أصحابها، وحلت محلهما طبقتان جديدتان قوامها أشخاصهم، والذين يخدمونهم مجبرين، أو متطوعين لحيازة النفوذ، والثروة. وتلك الطبقية قادتهم إلى تأسيس جامعات، وجوامع، ومستشفيات، ومطاعم، ومنتزهات، تفي بحاجة الأثرياء بجانب طبقة أخرى في منزلة أدنى من ملاك الأراضي، والشركات، ولكنها أعلى بمسافة من الطبقة الوسطى. وداخل هاتين الطبقتين تتم المصاهرات بشكل باذخ، بينما تتكاثر حظوظ الفرد في الزيجات.
-٢-
في دولة الإخوان الإسلامية – العربية تتوفر ميزانية متكاملة لكل شئ. أما في دولة السودان العريض فيعايش الناس المسغبة، والجوع، والمرض، والهجرة. ولولا تحويلات ملايين السودانيين المهاجرين لذويهم، وأصدقائهم، وتبرعاتهم، لساء الحال أكثر فأكثر. وبينما تدعي قلة قليلة من المهمشين الإسلاميين أن المشروع قد تم اختطافه، رغم نجاحهم الباهر في بناء دولة إخوانية طفيلية داخل دولة السودان، هي كل هدفهم، فإن غالبية الإسلاميين يمسكون بمفاصل الدولتين لا بد. فئة منهم معنية بتدعيم التمكين لدولتهم العميقة. وفئة أخرى مفرغة تماما لتدمير دولة السودان، ومحو تاريخها، عبر عمل إعلامي، وتربوي، مكثف يهدم طبقات تاريخ الحركة الوطنية الثوري، والتعدد الثقافي، والنسيج الاجتماعي داخل الإقليم، والنسيج القومي بشكل عام. ومن ناحية أخرى يسهم جهاز الأمن في إفساد المتحقق النسبي لبلورة هوية سودانية عبر إثارة الفتن العرقية بين المكونات السودانية، حتى إن بعضا من كبار المثقفين في المعارضة سقطوا فريسة سهلة لإعلام هذه الشيطنة الإخوانية للآخر، وانضموا للسلطة بدافع أنها تمثل خط الدفاع الأخير عن مكتسبات مكون الوسط النيلي.
ذلك برغم أن الإخوان المسلمين هم الذين أعدموا خيرة أبناء هذا المكون في الجيش، والنقابات، وأحالوا عشرات الآلاف للصالح العام، وعذبوهم في المعتقلات، وضايقوهم اقتصاديا، وتجاريا، ونهبوا أراضيهم، واستثمروا فيها مع المافيا العالمية، ودمروا مشاريع زراعية، وخدمية، وعلاجية. وشملت حملة تطهير مكونا ضخما من نخبة الوسط النيلي القادة السياسيين، والمثقفين، والأدباء، والفنانين، والمسرحيين، والنقابيين، والمعلمين، والدبلوماسيين، والأكاديميين، إلخ. بل إن الإخوان المسلمين هم الذين سعوا لتدمير تاريخ الرموز الإصلاحية في المركز، والذي بذل فيه الشرفاء من أبناء مكون الوسط النيلي دورا في نشر التعليم في قطاع واسع من السودان، وخلقوا التنوير الفكري، والديني لتحقيق تطلعات السودانيين في إرساء دولة الديموقراطية، والعدالة، والمساواة بجانب بقية الشرفاء المنتمين لجهات السودان، وهم دعامة الكتلة التاريخية التي تنشط في المعارضة اليوم لإقامة هذه الدولة على أساس راسخ من الحرية، والتسامح، ومحاسبة مجرمي النظام.
-٣-
هذا الرهان على العرقية لاستقطاب دعم إضافي لأيديولوجية الإخوان هو بالضبط جزء من لوازم فكرة التنظيم القائمة على ضرب المكونات الإثنية بعضها بعضا في الدولة القديمة التي أسقطوا عليها فكرهم، وتعينهم في ذلك ترسانة من الفتاوى المتداولة بينهم. وذلك في سبيل إقامة هذا المشروع الحضاري الذي كان لا بد أن ينتهي إلى مشروع رأسمالي طفيلي، ارتزاقي، وداعشي، هو ذاك الذي أفسد معاني الدين، وعطب حركة استقرار الدولة. ومن ناحية أخرى فإن انغلاق فكر الإخوان المسلمين الذي انعكس على قيادة التنظيم، وعضويته، كان لا بد أن يجد في فقه القتل، والاغتصاب، والفساد، والفتن، مبررات لاستدامة دولتهم الإسلامية المزعومة التي تناقض نفسها، خصوصا بعد أن تحول حراك الإخوان وهم يقبضون على روح الدولة القديمة إلى شبكة من العلاقات التجارية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإعلامية. وفي هذا لا يعنيهم التدهور الحادث في بنية الدولة ما دامت دولتهم الداخلية متماسكة، وقادرة بالاستبداد أن تقهر ملايين الرجال، وتجلد عشرات الآلاف من النساء.
وهذه الشبكة العنكبوتية المنظمة لحيوات الإخوان هي قوام دولتهم التي لديها نواميسها، وترقياتها، ومصاهراتها، وتسهيلاتها النقدية السرية، وصراعاتها الداخلية، وانتخاباتها، وقضائها الداخلي “التحللي” الذي هو محجوب عن رعايا دولة السودان. فتجنيب بعض مال الميزانية المبتدع داخل مؤسسات الدولة لا يساوي مثقال ذرة من الأموال المنهوبة كل يوم لتغذية شركات الحركة الإسلامية التي اعترف بها مؤخرا أحد قادتها. فهناك عشرات الآلاف من الشركات الظاهرة، والمستترة، بأسماء الإسلاميين، وأقاربهم، داخل السودان، وخارجه. وجزء منها يعود ريعه للمؤلفة قلوبهم من المهنيين في جهاز الشرطة، والجيش. أما جهاز الأمن فلا أحد يقدر على إحصاء حجم استثمار شركاته المتمددة داخليا، وخارجيا.
علاوة على ذلك فإن هناك مشاريع بمليارات الدولارات في بلدان أجنبية يحركها إسلاميون مع شركات تابعة لإسلاميين من دول أخرى. وما هذا الجيش الجرار من دبلوماسيي الحركة الإسلامية سوى أنهم داعمون لدولة الإخوان عبر شركاتهم الداخلية، أو الخارجية، ولا يحققون للبلاد أي منفعة في ظل سوء العلاقات مع الدولة المؤثرة، والغنية، والمانحة. ومن ناحية ثانية يستنزفون بلا مهنية، أو فاعلية، خزينة البلاد دون طائل، خصوصا إذا أدركنا أن دولة السودان تخلوا طوال فترة الإسلاميين في الحكم من مشاريع زراعية، واقتصادية، كبيرة ذات عائد لعامة الشعب، مثلما كان وزراء الخارجية والدبلوماسيون السابقون يسهمون في جلبها سواء في الأنظمة الشمولية أو الديموقراطية. والناظر للاستثمارات التي جلبها الاسلاميين، فوقا عن فسادها، فإنها لم تحقق تنمية اجتماعية، أو تحل أزمة البطالة، أو تطور منطقة، كما هو حال المشاريع الإنتاجية التي ورثوها، وأنتجت قرى، ومجتمعات، وبعض تنمية عمرانية. ولو كان لشركات الاستثمار قيمة لما ستوردت البلاد الخضروات، والفواكه، والألبان!
لا منجاة للسودانيين من تشرذمهم إلا تقويض بناء دولة السودان بتغيير راديكالي، وهو الحل الوحيد الذي يحافظ على وحدة أراضي السودان المتبقية. وليس هناك من قيمة لإصلاح الأوضاع في السودان في ظل نشوء دولتين، من خلالها يتذاكى الإخوان المسلمين السودانيين لاستقطاب المثقفين للاستنفاع بما تجود عليهم الحركة الإسلامية من فتات، بينما هم يدركون أنهم يخدمون دولة الإخوان وليس دولة السودان. فدولة السودان لا يخدمها إلا الشرفاء الذين يعارضون وجود نظامين بهويات مختلفة في بلد واحد.

السبت، 24 نوفمبر 2018

عن مصر .. ومسألة العروبة / د.صبحي غندور .

عن مصر.. ومسألة العروبة . 
د.صبحي غندور .


احتفلت مصر منذ أيام قليلة بالذكرى 41 لحرب أكتوبر التي نجح فيها الجيش المصري بعبور قناة السويس وبخوض معارك بطولية مع جيش الأحتلال الإسرائيلي الذي كان يحتلّ شبه جزيرة سيناء وصولاً إلى قناة السويس. وهذا الأنتصار العسكري للقوات المسلحة المصرية قبل أربعة عقود ما كان له أن يحدث لولا إعادة البناء لهذه القوات بعد حرب العام 1967، والذي كان يتمّ باشراف كامل من الرئيس جمال عبد الناصر وفق ما وضعه آنذاك من استراتيجية لمواجهة نتائج العدوان الإسرائيلي، شملت، إضافة إلى الأستعدادات الداخلية المصرية، بناء تضامن عربي فعّال كان له الدور الكبير في حرب العام 1973.
وقد قيل وكتب الكثير عن هذه الحرب وعن جاهزية القوات المصرية لخوضها آنذاك في العام 1971، لكن بعد وفاة ناصر في العام 1970 وتولّي أنور السادات الرئاسة في مصر، جرى تأجيل قرار الحرب إلى أكتوبر 1973 حيث توفر التنسيق أيضاً مع الجبهة السورية التي خاضت كذلك حرباً شرسة في مرتفعات الجولان المحتلة.
تُرى ، لو حصلت حرب أكتوبر وجمال عبد الناصر مازال حياً، هل كانت المنطقة العربية عانت وتعاني مما حصل في العقود الأربعة الماضية من تحول الأنتصار العسكري عام 1973 إلى هزيمة سياسية لمصر وللعرب نتيجة توقيع المعاهدات مع إسرائيل، وما رافقها وتبعها من عزل مصر عن امتها العربية ومن صراعات وحروب أهلية بدأت في لبنان بالعام 1975 وتورطت فيها عسكرياً سوريا والمقاومة الفلسطينية وأطراف عربية أخرى، بحيث كانت “الجبهة الشرقية” تقاتل بعضها البعض بينما “الجبهة الغربية”، أي مصر، توقّع معاهدات “سلام” مع إسرائيل؟!. وهل كانت إسرائيل لتغزو لبنان وعاصمته بيروت لو لم توقّع مصر- السادات المعاهدة مع اسرائيل  ؟! فقد حدث هذا الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 دون ردود فعل عسكرية عربية باستثناء مشاركة القوات السورية المتواجدة حينها على الأراضي اللبنانية.
ولو كانت مصر بكل ثقلها حاضرة في قضايا الأمة العربية، كما كانت في عقدي الخمسينات والستينات، هل كان ممكناً أن يغزو صدام حسين الكويت وأن يحدث بعد ذلك الأنهيار الكبير في العلاقات العربية / العربية وأن تنتشر الأساطيل والقواعد العسكرية الأجنبية في معظم أرجاء المنطقة العربية ؟! وهل كان ممكناً أيضاً أن تحصل خطوات التطبيع والعلاقات مع إسرائيل واتفاقيات أوسلو ووادي عربة، لو لم تبدأ مصر هذا المسار ؟!.
هذه التساؤلات ليست هي من أجل الغوص في الأحلام أو مجرد افتراضات، بل هي تنبيه إلى أساس المشاكل في الواقع العربي الراهن ، ولتأكيد أهمية استعادة دور مصر عربياً وإقليمياً. فالعرب كلهم في سفينة واحدة مهما اختلفت درجاتهم وممتلكاتهم ووظائفهم على هذه السفينة، ومصر هي الربان بهذه السفينة، وبتعطيل دورها يحصل التيه وسط الرياح والأمواج العاتية ويدور الصراع على قيادة السفينة وتغيب أيضاً البوصلة السليمة التي لا تتوفر إلاّ بوجود قيادة سليمة لمصر نفسها، وهذا ما كان مفقوداً منذ توقيع المعاهدات مع إسرائيل.
أيضاً، خلال حقبة الأربعين سنة الماضية، تفاعلت قضايا عديدة في المنطقة العربية وفي العالم ، كانت بمعظمها تحمل نتائج سلبية على الهويّة العربية المشتركة، فتنقلها من كبوةٍ إلى كبوة، وقد امتزجت هذه السلبيّات مع انجذابٍ أو اندفاعٍ في الشارع العربي إلى ظاهرة “التيَّارات الدينية والطائفية” التي دعمتها عوامل كثيرة، داخلية وخارجية، والتي ساهمت بأن يبتعد المواطن العربي عن “هويّته العربية” وأن يلتجئ إلى أطرٍ سياسيةٍ وفكرية تحمل مشاريع ذات سمات دينية / طائفية أو مذهبية ، اعتقاداً أنها هي الاساس الصالح لمستقبلٍ أفضل.
لكن المشكلة أنّ هذه “البدائل” كانت وما تزال مصدر شرذمة وانقسام على المستويين الوطني والديني، خاصّةً أنّ معظم البلاد العربية قائمة على تعدّدية طائفية أو مذهبية أو إثنية، كما هو الحال في بلاد المشرق والمغرب معاً، أو تحديداً كالتي هي الآن محور الصراعات المتفجّرة في المنطقة كالعراق وسوريا ولبنان، حيث التحدّي الكبير مع مشاريع التمزيق والتقسيم والتدويل، وحيث المواجهة هي مع بعض هذه الحركات الدينية العنفية التي شوَّهت في ممارساتها الدين نفسه.
لذلك هناك حاجةٌ وضرورة عربية الآن لإطلاق ” تيّار عروبي” فاعل يقوم على مفاهيم فكرية واضحة، لا تجد تناقضاً بين الدولة المدنية وبين دور الدين عموماً في الحياة العربية، ولا تجد تناقضاً بين العروبة وبين تعدّدية الأوطان بل تعمل لتكاملها، وبأن تقوم هذه المفاهيم الفكرية على الديمقراطية في أساليب الحكم والمعارضة معاً.
” تيّار عروبي” منسق بين الطاقات والقوى الفاعلة وسطه، تيار يرفض استخدام العنف لإحداث التغيير في الحكومات والمجتمعات أو لتحقيق دعوته أو في علاقاته مع الآخرين، ويميِّز بين الحقّ المشروع لأبناء الأوطان المحتلَّة بالمقاومة ضدّ قوات الاحتلال، وبين باطل استخدام أسلوب العنف ضدّ غير المحتلين وخارج الأراضي المحتلة. “تيار عروبي” يدعو للبناء السليم للمؤسسات العربية المشتركة، وللمنظمات المدنية المبنية على أسلوب العمل الجماعي الخادم لهدف وجودها. “تيّار عروبي” تكون أولويته الآن هي حماية الوحدة الوطنية في كلّ بلدٍ عربي ويرفض كل الأفكار والممارسات الطائفية والمذهبية وأي انغماس في وحل الصراعات الأهلية.
لقد كان عقد الخمسينات من القرن الماضي بداية لأطلاق حركةٍ قومية عربية وسطية “لا شرقية ولا غربية”، ترفض الانتماء إلى أحد قطبيْ الصراع في العالم آنذاك، وترفض الواقع الإقليمي المجزّئ للعرب، كما ترفض الطروحات القومية الأوروبية العنصرية والفاشية، وتنطلق من أرض مصر التي هي موقع جغرافيّ وسط يربط إفريقيا العربية بآسيا العربية، وتعيش على ترابها أكبر كثافة سكّانية عربية تملك، قياساً بسائر الأقطار العربية الأخرى، كفاءاتٍ وقدراتٍ بشرية ضخمة.
ثمّ كانت حرب السويس عام 1956 وبعدها إعلان الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958، وقبل ذلك إعلان تأسيس حركة عدم الانحياز، كلّها مصادر إشعال لتيّارٍ جديد قاده جمال عبد الناصر من خلال موقع مصر وثقلها القيادي، وحقّق للمرّة الأولى صحوةً عربية تؤكّد الانتماء إلى أمَّةٍ عربيةٍ واحدة، وتدعو إلى التحرّر الوطني من كافّة أشكال الهيمنة الأجنبية، وإلى نهضةٍ عربيةٍ شاملة في الأطر كلّها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
لكن هذه الصحوة العربية كانت “حالةً شعبية” أكثر منها “حالة فكرية” أو “تنظيمية”. أيضاً، لم تكن هذه الصحوة العربية قائمةً على حسمٍ ووضوحٍ مبدئيّ للأسس الفكرية المطلوبة لخصوصية الأمة العربية. وكم كان محزناً رؤية العديد من القوى والحركات القومية وهي تتصارع حول أيّة “اشتراكية” وأيّة “قومية” وأيّة “حرّية” تتبنّى كمفاهيم فكرية، أو تنتمي إليها كحركات سياسية، وكذا صراع هذه القوى والحركات حول موقفها من الدين عموماً ومن الإسلام خصوصاً.. والكلّ معاً كان في “تيّارٍ قوميٍّ واحد”!!
ولأنّ القيادة الناصرية لمصر جاءت للحكم بواسطة انقلابٍ عسكريّ دعمه فيما بعد الشعب وحوَّله إلى ثورةٍ شعبية، فإنَّ “التيار القومي” ارتبط في ذهن البعض بأسلوب “الانقلاب العسكري” وبالمراهنة فقط على المؤسسات العسكرية لتصحيح أوضاع داخلية تحتاج أولاً لمعالجات سياسية وفكرية وإجتماعية أكثر منها أزمات أمنية.
ولأنّ سمة المرحلة كانت “معارك التحرّر الوطني من الاحتلال والاستعمار”، فإن هذه المعارك لم تسمح كثيراً ب”الحديث عن الديمقراطية”، لذلك كان من الطبيعي في البلدان العربية (كحال معظم بلدان العالم الثالث) التي أرادت التحرّر من “الغرب الرأسمالي المستعمر” أن لا تقبل الجمع بين التحرّر الوطني من الغرب وبين تبنّي صيغه الدستورية والاقتصادية والثقافية في أنظمتها.
تلك مرحلة قد انتهت في البلاد العربية وفي العالم كلّه، لها ما لها وعليها ما عليها، لكن ما زالت سلبيات تلك المرحلة “حالة قائمة” في المجتمعات والمفاهيم العربية، ولم تدرك جماعاتٌ كثيرة بعد أنَّ “القومية العربية” أو “العروبة” هي هويّة ثقافية وليست مضموناً فكرياً وسياسياً قائماً بذاته، وبأن بديل ما نرفضه الآن من انقسامات وطنية وطائفية ومذهبية هو التمسك بالهوية العربية التي تستوعب أيضاً تحت مظلتها كل الخصوصيات الإثنية الأخرى. فالهوية العربية مثلها كمثل “الهوية الأميركية” التي استوعبت مئات الملايين من أصول عرقية وإثنية ودينية مختلفة ونجحت في جعل كل الأميركيين يعتزون ويفخرون بهويتهم المشتركة. ولم يتحقق ذلك للأميركيين إلاّ بعد قيام اتحاد بين ولاياتهم الخمسين على أساس دستوري سليم ، رغم خوضهم لحرب أهلية دامية.
ألا يحق للعرب ، وهم يعيشون الآن كابوس حاضرهم ، أن يعملوا من أجل مستقبل عربي أفضل يكون عماده بناء “الولايات العربية المتحدة” القائمة على أوضاع دستورية مدنية سليمة ؟! ألم يقل تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني ، فوراً عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية التي دمرت فيها دول أوروبا بعضها البعض، بأنه يرى بعد نصف قرنٍ من الزمن أوروبا موحدةً ؟!.
استعادة الدور الإيجابي الطليعي لمصر في قضايا الأمة العربية، وتصحيح المفاهيم والممارسات الخاطئة باسم الدين والعروبة، والتمسك بالهوية العربية، هي ركائز لأي عمل عربي جاد يستهدف بناء مستقبل أفضل .

الأربعاء، 21 نوفمبر 2018

الانتماء القومي ليس رداءً نخلعه حين نشاء ..! / د.صبحي غندور .



الانتماء القومي ليس رداءً نخلعه حين نشاء ..!
د.صبحي غندور .

في السياق العام لتاريخ المنطقة العربية نجد أنّ "الخارج الأجنبي" يتعامل معها كوحدة متكاملة ومتجانسة ، في الوقت نفسه الذي يدفع فيه هذا "الخارج" أبناء الداخل العربي إلى التمزّق والتشرذم .
لكنّ سلبيّات الواقع العربي الراهن لا تتوقّف فقط على سوء الأوضاع العربية وعلى المخاطر الناجمة عن المطامع الأجنبية ، بل تنسحب أيضاً على كيفيّة رؤية أصحاب الأرض العربية لأنفسهم ولهويّتهم ولأوضاعهم السياسية والاجتماعية.
ففي هذا الزمن الرديء الذي تمرّ به المنطقة العربية ، تزداد مشاعر اليأس بين العديد من العرب وتصل ببعضهم إلى حدّ البراءة من إعلان انتمائهم العربي، وتحميل هُويتهم العربية مسؤولية تردّي أوضاعهم .
وهولاء مخطئون لأنهم لا يميّزون بين هُوية الانتماء وبين ظروف الواقع ، بين العروبة والحكومات ، بين الفكرة والممارسات . فهي مشكلة تعاملهم مع الانتماء القومي بمقدار ما ينظرون إليه آنيّاً وليس بمقدار ما هو قائم من عناصر توحّد في أمّتهم العربية.
إنّ الانتماء الوطني والقومي ، ليس ثياباً نلبسها ونخلعها حين نشاء ، بل هو جلد جسمنا الذي لا نستطيع تغييره مهما استخدمنا من بدائل مصطنعة. وسواء رضينا بذلك أم لم نرضَه، فتلك طبيعة قانون التطوّر الاجتماعي الإنساني الذي ينتقل بالناس من مراحل الأسر والعشائر والقبائل إلى مرحلة الأوطان والشعوب والأمم .
هذا من حيث المبدأ .. أمّا من حيث التفاصيل، فإنّ الحالة العربية السوداويّة الراهنة هي مسؤولية الخجولين بانتمائهم قبل غيرهم ، لأنّهم عرفوا أنّ هناك مشكلة في أوطانهم فرضت عليهم "الخجل" بالهويّة ، إلا أنّهم عوضاً عن حلّ المشكلة أو المساهمة بحلّها قدر الإمكان ، اختاروا التهرّب من الانتماء المشترك، فهم سلبيون أمام مشكلة تعنيهم ، فهربوا منها، إمّا إلى الأمام لانتماءات أممية (بأسماء تقدّمية أو دينية)، أو للخلف بالعودة إلى القبلية والطائفية والعشائرية ..
إنّ العروبة والانتماء لها فخرٌ لنا، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. فيكفينا فخراً أنّ أرضنا العربية كانت أرض كلّ الرسالات السماوية ، وأنّ الله عزَّ وجلَّ كرّمها بأنّ بعث رسله كلّهم منها وعليها، وكانت هذه الأرض الطيّبة منطقة ومنطلق الهداية الإلهيّة للناس أجمعين وفي كلّ مكان .
يكفينا فخراً أنّ القرآن الكريم هو خاتمة الرسالات السماوية ، أنزله الله تعالى عربيّاً على نبيٍّ عربيّ في أرضٍ عربيّة .
يكفينا فخراً أنّ ما تعيش عليه الحضارات الحديثة من علوم وفلسفة وطب وثقافة وهندسة ما كان ليحدث لولا المساهمات التي قام بها العرب في مراحل ازدهار الحضارة العربية وانتقالها إلى الغرب في قرونٍ سالفة .
يكفينا فخراً أنّ الأرض العربية هي أرض خيرات طبيعية وصلة وصل بين قارّات العالم وشعوبه
إلا أنّ هذا المجد والاعتزاز والافتخار بالتاريخ الحضاري وبالموقع الجغرافي ، لا قيمة له ما لم نجعله بالعمل المستمرّ وبالمسؤولية الواعية ، حاضراً نعيشه، وجسراً يصل بنا إلى مستقبل أفضل .
فإذا ما كانت المشكلة على الصعيد التحرّري أنّنا نزداد احتلالاً، فإنّ هذه المشكلة تعرّضت لها دول في العالم نعتبرها مثالاً الآن ، وهذه الأمم لم تنتهِ بمجرّد حدوث احتلال لأراضيها.
ففرنسا جرى احتلالها من قبل ألمانيا النازيّة ، وكذلك تعرّضت معظم دول أوروبا للاحتلال النازي، وكان هذا الاحتلال مشابهاً للحالة العربية الراهنة من حيث عدد وضخامة الدول الأوروبية التي تعرّضت للاحتلال من دولة نازية واحدة .
كذلك، فإنّه رغم الصراعات الدموية التاريخية بين شعوب أوروبا، نجدها الآن تقيم ما بينها أواصر الاتّحاد والتكامل من خلال صيغة بُنيت على وضع دستوري سليم في بلدان هذا الاتّحاد . فلماذا لا يأخذ العرب بالنموذج الأوروبي من حيث القدرة على تحويل سلبيات الصراعات التاريخية إلى حالة البناء الداخلي السليم والعلاقات التكاملية بين الأوطان والثقافات والمصالح المتعدّدة ؟!
إنّ الشعوب تنتقل خلال مراحل تطوّرها من الأسرة إلى العشيرة ثمّ إلى القبيلة ثمّ إلى الوطن أو  الأمّة الواحدة، فلِمَ نريد أن نعيد دورة الزمن إلى الوراء ؟ بل ماذا فعلنا حتى تبقى أوطاننا واحدة تتطوّر وتتقدّم وتتكامل بدلاً من دفعها للعودة إلى حروب القبائل والطوائف ؟!
ولأنّ الشعوب هي مجموعة أفراد ، ولأنّ الوطن هو مجموعة مواطنين ، فإنّ المستقبل العربي يتوقّف على مجهود كلّ فردٍ فيه ، ويتحمّل كلّ مواطن عربي في كلّ مكان مسؤولية وأمانة رسم آفاق هذا المستقبل، وتصحيح خلل المعادلة ما بين المقوّمات الإيجابية التاريخية والجغرافية للأمّة العربية وبين الواقع السلبي الراهن لمعظم أوطان الأمّة .
هناك حاجةٌ الآن لإعادة الاعتبار من جديد لمفهوم العروبة على المستوى العربي الشامل، فهذا حجر الزاوية في بناء المستقبل العربي الأفضل . لكن المدخل الصحيح لأي نهضة عربية هو في تحقيق أوضاع دستورية سليمة في البلاد العربية . عِلماً بأنّ المشكلة الآن ليست فقط في غياب الحياة الديمقراطية السليمة ، بل أيضاً في ضعف الهُويّة العربية المشتركة وطغيان التسميات الطائفية والمذهبية والإثنية على المجتمعات العربية . وفي هذا الأمر تكمن مخاطر الانفجار الداخلي في كلّ بلد عربي، وبذا تصبح العروبة لا مجرّد حلٍّ فقط لأزمة العلاقات بين البلدان العربية ، بل أيضاً سياجاً ثقافياً واجتماعياً لحماية الوحدات الوطنية في كلّ بلد عربي .
وحينما تضعف الهُويّة العربية فإنّ بدائلها ليست هُويّات وطنية موحّدة للشعوب ، بل انقسامات حادّة تفرّخ حروباً أهلية من شأنها أن تأكل الأخضر واليابس معاً.
إنّ العودة العربية للعروبة هي حاجةٌ قصوى الآن لحماية المجتمعات في الداخل، ولتحصينها من هيمنة الخارج ، ولبناء أسس سليمة لتعاونٍ عربيٍّ مشترك وفعّال في المستقبل .
إنّ العروبة المنشودة ليست دعوةً لتكرار التجارب السياسية والحزبية التي جرت بأسماء قومية في مراحل مختلفة من القرن العشرين ، بل هي عودةٌ إلى أصالة هذه الأمَّة ودورها الحضاري والثقافي الرافض للتعصّب وللعنصرية. ومن دون عروبةٍ جامعة لن تكون هناك أوطان عربية واحدة !!.
إنّ "الكلّ العربي" هو مكوَّن أصلاً من "أجزاء" مترابطة ومتكاملة . فالعروبة لا تلغي ، ولا تتناقض ، مع الانتماءات العائلية أو القبلية أو الوطنية أو الأصول الإثنية ، بل هي تحدّدها في إطار علاقة الجزء مع الكل .
إنّ القومية هي تعبير يرتبط بمسألة الهويّة لجماعات وأوطان وأمم ، وهي تحمل سمات ومضامين ثقافية تميّز جماعة أو أمّة عن أخرى، لكنّها (أي القومية) لا تعني نهجاً سياسياً أو نظاماً للحكم أو مضموناً عَقَديّاً / أيديولوجياً. لذلك من الخطأ مثلاً الحديث عن "فكر قومي" مقابل "فكر ديني"، بل يمكن القول "فكر علماني" مقابل "فكر ديني"، تماماً كالمقابلة بين "فكر محافظ" و"فكر ليبرالي"، و"فكر اشتراكي" مقابل "فكر رأسمالي".. وكلّها عناوين لمسائل ترتبط بنمط فكري وسياسي تصلح الدعوة إليه في أيِّ بلدٍ أو أمّة ، في حين يجب أن يختصّ تعبير "الفكر القومي" فقط بمسألة الهويّة كإطار أو كوعاء ثقافي. ولذلك أيضاً، يكون تعبير "العروبة" هو الأدقّ والأشمل حينما يتمّ الحديث عن القومية العربية حتّى لا تختلط مسألة الهويّة الثقافية المشتركة بين العرب مع قضايا المناهج والأيديولوجيات المتنوّعة داخل الفكر العربي ووسط المفكّرين العرب .
إنّ الشخص العربي هو الإنسان المنتمي للثقافة العربية أو لأصول ثقافية عربية . فالهويّة العربية لا ترتبط بعرق أو دين، ولا بموقف سياسي أو منظور أيديولوجي . والعروبة هي تعبير عن الانتماء إلى أمّة لها خصائص تختلف عن القوميات والأمم الأخرى حتّى في دائرة العالم الإسلامي . فالانتماء إلى العروبة يعني الانتماء إلى أمّة واحدة قد تعبّر مستقبلاً عن نفسها بشكل من أشكال التكامل أو الاتّحاد بين بلدانها .
إنّ "الهويّة الثقافية العربية"، كلغة وثقافة ، سبقت وجود الدعوة الإسلامية قبل 15 قرناً من الزمن، لكنّها كانت محصورة بالقبائل العربية في شبه الجزيرة العربية ، وبالأصول العرقية للقبائل، وبمواقع جغرافية محدّدة .. بينما العروبة ـ كهوية انتماء حضاري ثقافي - بدأت مع ظهور الإسلام ومع ارتباط اللغة العربية بالقرآن الكريم وبنشر الدعوة بواسطة روّاد عرب. فهكذا أصبحت "العروبة الحضارية" هي الثقافة العربية ذات المضمون الحضاري الذي أخرج الثقافة العربية من الدائرتين : العرقية والجغرافية إلى الأفق الحضاري الواسع الذي اشترك في صيانته ونشره مسيحيون عرب ومسلمون من غير العرب، وبالتالي خرجت الهويّة الثقافية العربية من دائرة العنصر القبلي أو الإثني، ومن محدودية البقعة الجغرافية (شبه الجزيرة العربية) إلى دائرة تتّسع في تعريفها ل"العربي"، لتشمل كل من يندمج في الثقافة العربية بغضّ النظر عن أصوله العرقية . ودخل في هذا التعريف معظم من هم عرب الآن ولم يأتوا من أصول عربية من حيث الدم أو العرق. ويؤكّد هذا الأمر تاريخ العرب القديم والحديث من حيث اعتبار الأقليات الدينية في المنطقة العربية نفسها كجزء من الحضارة الإسلامية ، ومن حيث تفاعل الأقليات الإثنية (الإسلامية والمسيحية) مع الثقافة العربية باعتبارها ثقافة حاضنة لتعدّدية الأديان والأعراق .
فعسى أن نشهد قريباً ولادة حراك عربي جادّ يحرص على الهويّة الثقافيّة العربيّة ومضمونها الحضاري، وينطلق من أرضيّة عربيّة ووطنيّة مشتركة تعتمد مفهوم المواطنة لا الانتماء الطّائفي أو المذهبي أو الأصول الإثنية ، وتستهدف الوصول - بأساليب ديمقراطيّة لا عنفيّة - إلى " اتّحاد عربي ديمقراطي" حرّ من التدخّل الأجنبي، وتتساوى فيه حقوق الأوطان وواجباتها كما تتساوى في كلٍّ منها حقوق كل المواطنين .

20  نوفمبر 2018 .


الخميس، 25 أكتوبر 2018

تونس .. مبادرة حكومية لوأد الحياة السياسية .



تونس .. مبادرة حكومية لوأد الحياة السياسية .

سالم لبيض .

العربي الجديد 15 أكتوبر 2018

تقدّمت رئاسة الحكومة التونسية ، يوم 26 سبتمبر/ أيلول 2018، بمبادرة تشريعية إلى مجلس نواب الشعب، طالبة استعجال النظر فيها لتنقيح القانون الأساسي عدد 16 لسنة 2014 المتعلق بالانتخابات والاستفتاء. فحوى المبادرة إضافة فقرة جديدة للفصل 110 من القانون، جاء فيها "لا تحتسب الأوراق البيضاء والأصوات الراجعة للقائمات التي تحصلت على أقل من 5 في المائة من الأصوات المصرح بها على مستوى الدائرة في احتساب الحاصل الانتخابي"، وفقرة رابعة للفصل نفسه ورد فيها "لا تدخل في توزيع المقاعد القائمات المترشحة التي تحصلت على أقل من 5 في المائة من الأصوات المصرّح بها على مستوى الدائرة". واشترط الفصل الثالث الحصول على 5 في المائة لاسترجاع المصاريف الانتخابية، وبالتالي عدم التزام الدولة بأي دعم مالي للقائمات التي لا تتخطى تلك العتبة. التنقيح الذي تقدمت به الحكومة ووافق عليه مجلس وزاري مضيق انعقد يوم 6 أغسطس/ آب المنصرم برئاسة رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، جاء مسقطا ، ولم يخضع لاستشارة الأحزاب والقوى السياسية والشخصيات الوطنية والنخب الأكاديمية المشتغلة في حقول سوسيولوجيا السياسة والقانون الدستوري والعلوم السياسية ، ولم يكن موضوع ندوات علمية أو أيام دراسية أو منتديات فكرية . يبدو أن الغاية من ظاهر النص تقليص وجود الأحزاب السياسية ، لاسيما الصغرى منها في البرلمان الذي سينبثق من انتخابات 2019 التشريعية المزمع إجراؤها في شهر أكتوبر/ تشرين الثاني من السنة المقبلة ، وفسح المجال البرلماني ،  وبالتالي الحكومي ، أمام حزب كبير أغلبي يمارس الحكم، وحزب ثان يمارس المعارضة ، في مشهد شبيه بعالم السياسة الأنكلو - أميركي، ومن ثمة تفادي مأزق الحكم الذي عاشته تونس في ظل نتائج انتخابات 2014 التي فاز فيها حزب نداء تونس وحركة النهضة ، وما صاحب ذلك من انهيار وتدهور في نواميس السياسة وقواعدها المنظمة. لكن باطن النص ومسكوته وما يقتضيه من هرمونيطيقا يحيل على النوايا الحقيقية لأصحاب المشروع، وحزامهم السياسي الذي يقدّم لهم النصح والمشورة التي تهدف إلى صد الأبواب أمام الأحزاب والتنظيمات السياسية، وخصوصا المصنفة راديكالية وثورية ، كي لا تطأ قبة باردو مرة أخرى، بعد أن تسرّبت إلى البرلمان التونسي في انتخابات 2014، وإلى المجلس التأسيسي في انتخابات 2011، ومارست إزعاجها السياسي وراديكاليتها وثوريتها ووطنيتها التي لم تعد تقبل بها الأرستقراطيات السياسية التقليدية الداخلية والخارجية التي باتت تتحكّم في المشهد السياسي التونسي اليوم . 
تحتج الحكومة ورئيسها ومشرّعوها وساستها وقانونيوها ورجال دعايتها من إعلاميين واتصاليين بأن تونس تعيش طفرة حزبية ، وجب تقليصها وتهذيبها ، مرتكزين على سجل الأحزاب في رئاسة الحكومة المدوّن فيه أسماء أكثر من 210 أحزاب ، والحال أن أغلب تلك الأحزاب ليس لها وجود حقيقي ، ولم تمارس أي نشاط سياسي في الفضاء العام، ولا تمتلك مقرّاتٍ ، ولم تعقد مؤتمرات، ولم تقدم كشوفات مالية، ولا تحظى بأدنى اهتمام من الرأي العام، أما الأحزاب الحقيقية التي لها وجود برلماني أو مستشارون بلديون أفرزتهم الانتخابات المحلية لسنة 2018، فهي في حدود عشرة أحزاب أو يزيد بقليل ، إذا اعتبرنا أن الجبهة الشعبية أقرب إلى الحزب الواحد منه إلى التعدّد الحزبي، ومن هذه الأحزاب العشرة تنظيمات لها حضور إعلامي مستمر، لا يعكس حقيقتها الشعبية التي تقتضي امتدادا في وسط الناس، وفي حياتهم اليومية، وفي المشاركة في الشأن العام . 
تستبطن المبادرة الحكومية فتح الطريق على مصراعيه أمام حزبٍ جديد على الطريقة الماكرونية (نسبة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون)، هو بصدد التأسيس والتشكل على أنقاض حزب نداء تونس الذي أسسه الباجي قائد السبسي سنة 2012، من رئيس الحكومة يوسف الشاهد ، خصوصا بعد ان أصبحت للرجل كتلة برلمانية تعد أكثر من خمسين نائبا، وهي الكتلة الثانية في البرلمان التونسي، بعد كتلة حركة النهضة. هذا الحزب أو التيار الجديد الذي يبشر به المقربون من رئيس الحكومة التونسية ، حتى قبل ولادته ، ويلمحون إلى قرب تلك الولادة، بديلا عن حزب نداء تونس الذي تلاشى، وتفتت قبائل وعشائر حزبية متعدّدة ومختلفة، بعد فوزه الساحق في الانتخابات التشريعية والرئاسية سنة 2014، أُعدّت له مكنة إعلامية ضخمة ، بدأت تضاريسها في المشهد الإعلامي التونسي بادية للعيان. وقد يقف وراءه كبار رجال الأعمال ، وأصحاب الشركات الكبرى، وسفارات الدول النافذة ، وكل مقاولي السياسة وأباطرتها. إلا أن هذه المحاولات التأسيسية الجديدة ، ومنها مبادرة رئيس الحكومة التشريعية، لا يمكن أن تلغي الإرث الحزبي والتنظيمي والسياسي والنضالي والتاريخي الثري والمتنوع الذي عرفته تونس قرنا أو يزيد، ما أفرز أربع عائلات سياسية كبرى، ممثلة في التيار الليبرالي ، بمكوّناته الدستورية (التجمع الدستوري) والندائية (نداء تونس)، والتيار اليساري الذي تكاد تحتكره الجبهة الشعبية ، والاتجاه الإسلامي الذي تقوده حركة النهضة، والتوجه القومي العربي الذي تتولى قيادته حركة الشعب ، هذا بالإضافة إلى تنظيمات وأحزاب وتكتلات عديدة أخرى تنتمي إلى هذا التيار أو ذاك. وستجد الفلسفة الانتخابية لرئيس الحكومة صدّا ورفضا لهذا التوجه الانتخابي الإقصائي والبراغماتي في الوقت نفسه ، فهدفه إقصاء قوى حزبية وسياسية عن المشهد العام ، وفتح الأبواب أمام أخرى، وفق خريطة التوازنات الحزبية الحالية. وستحكم هذه القاعدة مسألة التمويل الانتخابي، ما سيزيد في القدرات المالية للأحزاب الكبرى ، الثرية بطبيعتها وبتمويلاتها المتأتية من أطراف خارجية، ومن ابتزاز أصحاب المال والأعمال في الداخل ، أو تقديم الخدمات والامتيازات والرخص في مقابل سخائهم المالي، واستعدادهم للدفع . وفي الآن نفسه، ستدفع الأحزاب الصغيرة التي توجد خارج السلطة إلى مزيد من الفقر والعجز والضمور والاندثار، خصوصا أن الدولة لا تمول الأحزاب منذ سنة 2011، الأمر الذي قد يحوّل الحياة الحزبية إلى سوق مفتوحة يحكمها البيع والشراء بالمزاد العلني، وتوازنات القوة الإعلامية والمالية. 
يعتقد رئيس الحكومة، بمبادرته التشريعية ، أنه يمهد الطريق لحزبه الماكروني الكبير الذي سيكتسح البرلمان وقصر قرطاج سنة 2019، لكنه يعد الأرضية لفوز كاسح جديد لحركة النهضة ، وفق المعطيات السوسيو- سياسية التي تحكم الواقع السياسي التونسي، ووفق ما أفرزته نتائج انتخابات 2018 المحلية، فهي الحركة الأكثر تنظما وتمويلا وتأثيرا في منصّات التواصل الاجتماعي، وفي الحياة الدينية للمجتمع، وهي الحركة التي تمتلك الكتلة الغالبة في البرلمان ، ما سيضعها أمام اختبار آخر، إذا ما قبلت بمبادرة الحكومة التي ستقصي أحزابا وتنظيمات سياسية كثيرة قادمة من رحم النضال التاريخي ومقاومة الاستبداد، وسيضعها من جديد في مواجهة كل القوى السياسية التي باتت ترفض التحالف معها، بعد تجربتي الترويكا وحكومة الوحدة الوطنية . إن تنقيح القانون الانتخابي وتمرير العتبة هو تأسيس لاستبداد جديد، بدأت أعراضه تتجلى في محاكمة المدونين، وتكميم أفواه الإعلاميين، وتشويه المناضلين السياسيين ، فهل يكون ذلك على أيدي النهضويين ، أصحاب الأغلبية البرلمانية، بعد أن استثمروا في مقاومة الاستبداد وجنوا الثمار السياسية، وآن الأوان ليحكموا وحدهم ، استنادا إلى هذه المبادرة التشريعية الحكومية التي ستستحيل بعد أيام معدودة قانونا ملزما ؟