القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 25 أكتوبر 2018

تونس .. مبادرة حكومية لوأد الحياة السياسية .



تونس .. مبادرة حكومية لوأد الحياة السياسية .

سالم لبيض .

العربي الجديد 15 أكتوبر 2018

تقدّمت رئاسة الحكومة التونسية ، يوم 26 سبتمبر/ أيلول 2018، بمبادرة تشريعية إلى مجلس نواب الشعب، طالبة استعجال النظر فيها لتنقيح القانون الأساسي عدد 16 لسنة 2014 المتعلق بالانتخابات والاستفتاء. فحوى المبادرة إضافة فقرة جديدة للفصل 110 من القانون، جاء فيها "لا تحتسب الأوراق البيضاء والأصوات الراجعة للقائمات التي تحصلت على أقل من 5 في المائة من الأصوات المصرح بها على مستوى الدائرة في احتساب الحاصل الانتخابي"، وفقرة رابعة للفصل نفسه ورد فيها "لا تدخل في توزيع المقاعد القائمات المترشحة التي تحصلت على أقل من 5 في المائة من الأصوات المصرّح بها على مستوى الدائرة". واشترط الفصل الثالث الحصول على 5 في المائة لاسترجاع المصاريف الانتخابية، وبالتالي عدم التزام الدولة بأي دعم مالي للقائمات التي لا تتخطى تلك العتبة. التنقيح الذي تقدمت به الحكومة ووافق عليه مجلس وزاري مضيق انعقد يوم 6 أغسطس/ آب المنصرم برئاسة رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، جاء مسقطا ، ولم يخضع لاستشارة الأحزاب والقوى السياسية والشخصيات الوطنية والنخب الأكاديمية المشتغلة في حقول سوسيولوجيا السياسة والقانون الدستوري والعلوم السياسية ، ولم يكن موضوع ندوات علمية أو أيام دراسية أو منتديات فكرية . يبدو أن الغاية من ظاهر النص تقليص وجود الأحزاب السياسية ، لاسيما الصغرى منها في البرلمان الذي سينبثق من انتخابات 2019 التشريعية المزمع إجراؤها في شهر أكتوبر/ تشرين الثاني من السنة المقبلة ، وفسح المجال البرلماني ،  وبالتالي الحكومي ، أمام حزب كبير أغلبي يمارس الحكم، وحزب ثان يمارس المعارضة ، في مشهد شبيه بعالم السياسة الأنكلو - أميركي، ومن ثمة تفادي مأزق الحكم الذي عاشته تونس في ظل نتائج انتخابات 2014 التي فاز فيها حزب نداء تونس وحركة النهضة ، وما صاحب ذلك من انهيار وتدهور في نواميس السياسة وقواعدها المنظمة. لكن باطن النص ومسكوته وما يقتضيه من هرمونيطيقا يحيل على النوايا الحقيقية لأصحاب المشروع، وحزامهم السياسي الذي يقدّم لهم النصح والمشورة التي تهدف إلى صد الأبواب أمام الأحزاب والتنظيمات السياسية، وخصوصا المصنفة راديكالية وثورية ، كي لا تطأ قبة باردو مرة أخرى، بعد أن تسرّبت إلى البرلمان التونسي في انتخابات 2014، وإلى المجلس التأسيسي في انتخابات 2011، ومارست إزعاجها السياسي وراديكاليتها وثوريتها ووطنيتها التي لم تعد تقبل بها الأرستقراطيات السياسية التقليدية الداخلية والخارجية التي باتت تتحكّم في المشهد السياسي التونسي اليوم . 
تحتج الحكومة ورئيسها ومشرّعوها وساستها وقانونيوها ورجال دعايتها من إعلاميين واتصاليين بأن تونس تعيش طفرة حزبية ، وجب تقليصها وتهذيبها ، مرتكزين على سجل الأحزاب في رئاسة الحكومة المدوّن فيه أسماء أكثر من 210 أحزاب ، والحال أن أغلب تلك الأحزاب ليس لها وجود حقيقي ، ولم تمارس أي نشاط سياسي في الفضاء العام، ولا تمتلك مقرّاتٍ ، ولم تعقد مؤتمرات، ولم تقدم كشوفات مالية، ولا تحظى بأدنى اهتمام من الرأي العام، أما الأحزاب الحقيقية التي لها وجود برلماني أو مستشارون بلديون أفرزتهم الانتخابات المحلية لسنة 2018، فهي في حدود عشرة أحزاب أو يزيد بقليل ، إذا اعتبرنا أن الجبهة الشعبية أقرب إلى الحزب الواحد منه إلى التعدّد الحزبي، ومن هذه الأحزاب العشرة تنظيمات لها حضور إعلامي مستمر، لا يعكس حقيقتها الشعبية التي تقتضي امتدادا في وسط الناس، وفي حياتهم اليومية، وفي المشاركة في الشأن العام . 
تستبطن المبادرة الحكومية فتح الطريق على مصراعيه أمام حزبٍ جديد على الطريقة الماكرونية (نسبة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون)، هو بصدد التأسيس والتشكل على أنقاض حزب نداء تونس الذي أسسه الباجي قائد السبسي سنة 2012، من رئيس الحكومة يوسف الشاهد ، خصوصا بعد ان أصبحت للرجل كتلة برلمانية تعد أكثر من خمسين نائبا، وهي الكتلة الثانية في البرلمان التونسي، بعد كتلة حركة النهضة. هذا الحزب أو التيار الجديد الذي يبشر به المقربون من رئيس الحكومة التونسية ، حتى قبل ولادته ، ويلمحون إلى قرب تلك الولادة، بديلا عن حزب نداء تونس الذي تلاشى، وتفتت قبائل وعشائر حزبية متعدّدة ومختلفة، بعد فوزه الساحق في الانتخابات التشريعية والرئاسية سنة 2014، أُعدّت له مكنة إعلامية ضخمة ، بدأت تضاريسها في المشهد الإعلامي التونسي بادية للعيان. وقد يقف وراءه كبار رجال الأعمال ، وأصحاب الشركات الكبرى، وسفارات الدول النافذة ، وكل مقاولي السياسة وأباطرتها. إلا أن هذه المحاولات التأسيسية الجديدة ، ومنها مبادرة رئيس الحكومة التشريعية، لا يمكن أن تلغي الإرث الحزبي والتنظيمي والسياسي والنضالي والتاريخي الثري والمتنوع الذي عرفته تونس قرنا أو يزيد، ما أفرز أربع عائلات سياسية كبرى، ممثلة في التيار الليبرالي ، بمكوّناته الدستورية (التجمع الدستوري) والندائية (نداء تونس)، والتيار اليساري الذي تكاد تحتكره الجبهة الشعبية ، والاتجاه الإسلامي الذي تقوده حركة النهضة، والتوجه القومي العربي الذي تتولى قيادته حركة الشعب ، هذا بالإضافة إلى تنظيمات وأحزاب وتكتلات عديدة أخرى تنتمي إلى هذا التيار أو ذاك. وستجد الفلسفة الانتخابية لرئيس الحكومة صدّا ورفضا لهذا التوجه الانتخابي الإقصائي والبراغماتي في الوقت نفسه ، فهدفه إقصاء قوى حزبية وسياسية عن المشهد العام ، وفتح الأبواب أمام أخرى، وفق خريطة التوازنات الحزبية الحالية. وستحكم هذه القاعدة مسألة التمويل الانتخابي، ما سيزيد في القدرات المالية للأحزاب الكبرى ، الثرية بطبيعتها وبتمويلاتها المتأتية من أطراف خارجية، ومن ابتزاز أصحاب المال والأعمال في الداخل ، أو تقديم الخدمات والامتيازات والرخص في مقابل سخائهم المالي، واستعدادهم للدفع . وفي الآن نفسه، ستدفع الأحزاب الصغيرة التي توجد خارج السلطة إلى مزيد من الفقر والعجز والضمور والاندثار، خصوصا أن الدولة لا تمول الأحزاب منذ سنة 2011، الأمر الذي قد يحوّل الحياة الحزبية إلى سوق مفتوحة يحكمها البيع والشراء بالمزاد العلني، وتوازنات القوة الإعلامية والمالية. 
يعتقد رئيس الحكومة، بمبادرته التشريعية ، أنه يمهد الطريق لحزبه الماكروني الكبير الذي سيكتسح البرلمان وقصر قرطاج سنة 2019، لكنه يعد الأرضية لفوز كاسح جديد لحركة النهضة ، وفق المعطيات السوسيو- سياسية التي تحكم الواقع السياسي التونسي، ووفق ما أفرزته نتائج انتخابات 2018 المحلية، فهي الحركة الأكثر تنظما وتمويلا وتأثيرا في منصّات التواصل الاجتماعي، وفي الحياة الدينية للمجتمع، وهي الحركة التي تمتلك الكتلة الغالبة في البرلمان ، ما سيضعها أمام اختبار آخر، إذا ما قبلت بمبادرة الحكومة التي ستقصي أحزابا وتنظيمات سياسية كثيرة قادمة من رحم النضال التاريخي ومقاومة الاستبداد، وسيضعها من جديد في مواجهة كل القوى السياسية التي باتت ترفض التحالف معها، بعد تجربتي الترويكا وحكومة الوحدة الوطنية . إن تنقيح القانون الانتخابي وتمرير العتبة هو تأسيس لاستبداد جديد، بدأت أعراضه تتجلى في محاكمة المدونين، وتكميم أفواه الإعلاميين، وتشويه المناضلين السياسيين ، فهل يكون ذلك على أيدي النهضويين ، أصحاب الأغلبية البرلمانية، بعد أن استثمروا في مقاومة الاستبداد وجنوا الثمار السياسية، وآن الأوان ليحكموا وحدهم ، استنادا إلى هذه المبادرة التشريعية الحكومية التي ستستحيل بعد أيام معدودة قانونا ملزما ؟


الثلاثاء، 11 سبتمبر 2018

المقاومة من وجهة نظر قومية .


المقاومة من وجهة نظر قومية .  

د.عصمت سيف الدولة . 

 
كان الحديث عن " المقاومة من وجهة نظر قومية " موجها الى جمع من الشباب العربي التقوا على موعد محدود في نادي " الوافدين " بالقاهرة مساء يوم 2 نوفمبر 1969 . وبدأ الحوار بعد الحديث حتى انقضت حدود الموعد . ثم لم تنقطع ساعات طويلة على مدى ايام عدة ، وشارك فيه شباب جاد في البحث عن اجابات لأسئلة محددة . وآخرون يثيرون الاسئلة لاختبار اجاباتهم المعدة . وغير هؤلاء وهؤلاء في مواقع عدة بصيغ متعددة . ولقد اثارت الاسئلة التي طرحت تساؤلات لم يطرحها أحد . وثبت من كل هذا أن " المقاومة " أكبر أثرا ، وأعمق محتوى ، من أن يكفي حديث قصير للاجابة عن كل ما تفجره من قضايا في اذهان الشباب العربي . فقد ذهبت الاسئلة والتساؤلات التي تثيرها " المقاومة " الى حد تناول كل القضايا الفكرية والحركية التي تتصل بالوجود القومي ومستقبل الحياة فيه ، أو أغلبها ، ولما ينقطع الحوار بعد . عندئذ أصبح من حق المقاتلين في المقاومة ، وقياداتهم ، والشباب العربي في كل مكان ، أن يشاركوا في الحوار الذي بدأ حديثا ، وعدم التشهير بأي من القوى والمنظمات التي تقف في مواجهة العدو المشترك . وصياغتها مرتبة على وجه يتفق مع تسلسل نقاط الحديث ذاته . دعوة الى مزيد من الحوار البناء حول اسلوب الوفاء بمسؤولياتنا القومية . 
عصمت سيف الدولة .  


*** 


1) الحديث :
مدخل :
ان الحديث عن " المقاومة " حديث شائك لأسباب عدة . اولها اننا اذ نتحدث عن " المقاومة " لسنا على الحياد من معركتها البطولية ضد الغزو الصهيويني ، بل نحن مع " المقاومة " . ان هذا يعني اننا ملتزمون بحدود المعركة فلا نقول اذ نقول الا ما يدعم مقدرة " المقاومة " على النصر . والحديث عن المقاومة ، حتى فيما يدعم مقدرتها ، ليس سهلا في كل وقت . ذلك لأن ثبات " المقاومة " في المعركة وتصاعد مقدرتها بعد هذا ، والبطولات الرائعة التي يقوم بها مقاتلو " المقاومة " قد أضفى على " المقاومة " هالة من القدسية لا تقبل من الحديث الا ما يشبه الصلاة والتمجيد . ومع هذا فقد تعلمنا من تاريخنا القريب ، ومن هزيمة يونيو 1967 ذاتها ان الصمت ، حتى لا نمس مشاعر بعض الجماهير فيما تأمل فيه وتقدسه ، قد أسهم في الهزيمة . فتراكمت السلبيات خفية حتى انهارت القوى التي ما كان يظن أحد انها قابلة للانهيار . لهذا قد اخترنا الحديث الشائك عن " المقاومة " . السبب الثاني ، اننا اذ نتحدث عن " المقاومة " نتحدث عن أبطال بواجهون الموت كل يوم ، أو يموتون . ونحن نتحدث عنهم من مقاعدنا المريحة في القاهرة على وجه يبدو كما لو كنا ننتمي الى عالمين مختلفين منعزلين . هناك من يرون ـ ويرددون ـ أن وراء هذه العزلة تاريخا من صنع المثقفين العرب انفسهم ، اذ انهم أهدروا سنين طويلة في أحاديث لم تنقطع الا عندما اكتشفوا انهم بينما كانوا مشغولين بتنميق الكلمات ورصها جملا وسطورا والقائها جدلا صاخبا ، كان العدو يعد في صمت قوته المقاتلة التي أوقعت بدولهم الهزيمة فكشفت عن عقم الحوار الذي أضاعوا فيه أعمارهم وأن فلسفة " السلاح " هي الصحيحة ، أما سلاح " الفلسفة " فهو عبث لا يطاق . ولا شك أن وراء هذا الاتهام قدرا  محدودا من الحقيقة وان كان غير كاف لتغطية نوايا المغامرين . ومع هذا فقد تعلمنا من تاريخنا القريب ، ومن تاريخ الثورات في العالم ، انه اذا كان الفكر المجرد من السلاح عبثا فارغا ، فان السلاح المجرد من الفكر مغامرة جاهلة . وتعلمنا من قائد ثورة أكتوبر ، لينين العظيم ، أنه " لا ثورة بدون نظرية " . من أجل هذا اخترنا الحديث الشائك عن " المقاومة " من وجهة نظر " قومية " يقينا منا بأنا ما نزال نفتقد من الفكر المحرك أكثر مما نفتقد من السلاح الفعال . 
وحديثنا بعد ، ليس استعراضا فكريا بدون غاية . ان غايته أن يسهم في تحقيق قدر من الوحدة الفكرية بين الشباب العربي كمقدمة لازمة لوحدة ثورية يحقق بها هؤلاء الشباب النصر على أعداء المصير التقدمي الذي يتطلعون اليه . وليس أكثر تعويقا للوحدة الفكرية ، وبالتالي تكريسا للفرقة الثورية ، من عدم تحديد مضامين الالفاظ التي نستعملها في الحوار ، عندما نتكلم لغة واحدة ، بينما يعني بها كل واحد منا معنى مختلفا ، فنختلف . لهذا ستكون بداية حديثنا تحديدا لما نعنيه " بالمقاومة " ثم ما نعنيه بالنظرة الى " المقاومة " ، لعل هذا التحديد أن يساعد على ألا يفهم أحد ما يقال على أساس من أفكاره الخاصة . فاذا انتهينا من هذا التحديد الذي يستغرق أكثر حديثنا سيكون سهلا علينا أن ندرك بدون حاجة الى حديث طويل ـ النظرة القومية " للمقاومة " . 
مع التسليم مقدما بان كل هذا اجتهاد قد تختلف فيه الآراء . 
ماذا تعني " المقاومة " ؟ 
عندما نتحدث عن " المقاومة " نعني أسلوب القتال المسلح الجماهيري لتحرير الأرض العربية من الغزو الصهيوني . فالمقاومة تعنينا ـ في نطاق هذا الحديث ـ من حيث هي " أسلوب " للنضال ، اسلوب قتال " مسلح " متميز عن النضال الديبلوماسي أو الدعائي أو الفكري . وهي " أسلوب " قتال مسلح " جماهيري " متميز عن الأسلوب الدولي واسلوب الحرب النظامية ، ان هذا لا يعني أن المقاومة مجرد عصابات مسلحة مقطوعة الصلة بالصراع الديبلوماسي ، أو الدعائي ، أو الفكري ، وبالدول وسياساتها وجيوشها ، أبدا ، انما يعني أن المقاومة اذ تلجأ الى واحد أو أكثر من تلك الاساليب ، انما تفعل هذا كدعم ومساندة لأسلوبها المتميز : القتال الجماهيري المسلح .
ونحن نعلم أن " المقاومة " ضد الغزو الصهيوني ليست مجرد مقاومة دفاعية بل تتضمن نوايا هجومية تذهب الى حد تحرير فلسطين ، ومع ذلك نسميها " مقاومة " . ونعلم أن المقاومة مجسدة في عديد المنظمات المتميزة من حيث منطلقاتها الفكرية ، أو تركيبها البشري ، أو غاياتها الاستراتيجية ، أو مقدرتها القتالية ، أو حتى بقادتها دون أي مميز موضوعي آخر . وكلها عندنا ـ في نطاق هذا الحديث ـ مقاومة . كما نعلم أن تلك المنظمات " الجماهيرية " المتعددة ليست على قدر موحد من الاستقلال أو التبعية بالنسبة الى بعض الدول العربية . ومع ذلك نعنيها جميعا عندما نتحدث عن المقاومة . ذلك لأن ما يهمنا من " المقاومة " في هذا الحديث هو تلك السمة المشتركة بين كل المنظمات وهي : أسلوب القتال الجماهيري المسلح . 
ماذا تعني " القومية " ؟
ان كان هذا واضحا وبسيطا فلعله مما يثير الدهشة أن يكون مفهوم " القومية " أقل وضوحا وأكثر تعقيدا . يرجع هذا فيما نعتقد الى عوامل متعددة ومتفاعلة أهمها : 
أولا ـ ان مواجهة المد القومي التي بدأت في سنة 1955 قد جذبت اليها بعضا من المثقفين الذين فهموا القومية على أنها انتماء سلبي يحقق لهم نصيبا في عائد انتصاراتها بدون أن ينتبهوا الى حدها الايجابي من حيث هي التزام من أجل تحقيق مضامين حية . لهذا كثر الحديث عن القومية حديثا فارغا كتفاخر فقراء الريف بانحدارهم من عائلات عريقة ، منقرضة . وتلقف أعداء القومية تلك الأحاديث فأضافوها ـ بسوء نية ـ الى حساب الفكر القومي . 
ثانيا ـ ان الحركات القومية المعاصرة للصعود الرأسمالي في اوروبا قد أسقطت على القومية كل مثالب الراسمالية ، وأدينت القومية بما جنت أيدي الراسماليين ادانة تحتاج مراجعتها الى جهد علمي لا يقدر عليه الكثيرون أو لا يرغبون فيه . فأصبح رفض القومية ملجأ مريحا للعاجزين عن فهم حركة التاريخ وما يجري تحت أنوفهم في القرن العشرين . 
ومنها وأخطرها ـ ثالثا ـ أن الحركة القومية العربية قد صاحبت محاولات التحرر من الاستعمار التركي والاوروبي ، وبهذا سبقت التحول الاشتراكي الذي بدأ بعد التحرر . فلما طرحت قضايا التحول الاشتراكي حاولت الرجعية العربية أن تغلف موقفها الرجعي بما تبقى لديها من تراث النضال القومي ، فأفرغت القومية من مضمونها التقدمي وانقلبت القومية على أيديها الى مجرد رابطة عرقية متعصبة ورجعية . 
وغير هذا أسباب كثيرة .
وهكذا أصبح الحديث عن القومية مباحا لعديد من التيارات المتناقضة ، كل منها يدعيها ، وكل منها له في الأحداث " وجهة نظر قومية " . 
من أجل هذا ، لا بد من أن نصبر على طول الحديث عن " القومية " ليكون مفهومها الذي نعنيه ، ونلتزمه ، ونرى " المقاومة " على ضوئه ، محددا الى أقصى درجة من التحديد ممكنة . 
الوجود القومي : 
الذي لا شك فيه أن الوجود القومي ( الأمة ) ، كأي معطى موضوعي ، قابل للمعرفة وان كان غير متوقف وجودا وعدما على تلك المعرفة . بمعنى أننا اذا عرفناه فذلك اكتشاف لحقيقة موضوعية . واذا لم نعرفه فالحقيقة قائمة وان كنا لا نعرفها . وقد وصل الكثيرون الى اكتشاف الحقيقة القومية عن طريق البحث العلمي باستعمال مناهج مختلفة . وأصبح مسلما بأن ثمة وجودا اجتماعيا ذا خصائص متميزة يسمى " الأمة " . ولكنا اليوم نريد أن نحاول اكتشاف تلك الحقيقة من منطلق جديد : المنطلق الاشتراكي . نريد أن نبدأ كاشتراكيين لنرى معا ما اذا كان ذلك سيصل بنا الى أن نكون قوميين . 
لماذا ؟ 
ان أزمة المستقبل العربي كما نراها من الآن هي أن القوى الاشتراكية منقسمة الى قوميين ولا قوميين . لأن وحدة القوى الاشتراكية في الوطن العربي كما نطلبها في الوطن العربي ضرورة قومية . لأن المقاومة كما نعرفها لن تنتصر نهائيا الا ان أصبحت مقاومة قومية اشتراكية . ولن يغنينا عن هذا مليون فوهة بندقية .
فلنبدأ من البداية .
والبداية هي البحث عن اجابة عن ذلك السؤال الحيوي الذي لا بد أن قد طرحه كل منا على نفسه وهو : كيف أحقق لنفسي حياة أفضل ماديا ومعنويا ؟ .. منفردا ؟ .. هذا غير ممكن فلكل منا أسرة ينتمي اليها ولا يستطيع أن يحقق لنفسه حياة أفضل بمعزل عنها . فلتكن غايته اذن ، أن يحقق الحياة الأفضل لنفسه واسرته معا ؟ .. منفردين ؟ .. هذا غير ممكن ، فاسرة كل منا جزء لا يتجزأ من المجتمع الذي ينتمي اليه تؤثر فيه وتتأثر به سواء أرادت هذا أم لم ترده . 
اذن ، فالحياة الأفضل ، بدون اختلاس ، لا يمكن أن تتحقق لأي منا واسرته الا في داخل مجتمع تسمح امكانياته وعلاقاته بالحياة الأفضل التي نريدها لأنفسنا . 
ومن هنا يصبح دور كل منا ، وهو يسعى الى حياة أفضل له ولأسرته ، أن يعمل ايجابيا لتطوير " المجتمع الذي ينتمي اليه " الى حيث تتحقق امكانيات وعلاقات الحياة الأفضل . هذا الدور الايجابي يتضمن أمرين أساسيين . 
الأول : أن لكل عامل ايجابيا الحق في أن يتطور المجتمع الذي ينتمي اليه ما دام هذا شرطا لازما موضوعيا لتطوير حياته الخاصة . ان هذا الحق ينصب على كل من الامكانيات والعلاقات : حق استرداد الامكانيات من مغتصبيها والمستاثرين بها ، وحق تنظيم العلاقات الاجتماعية بحيث يحصل كل واحد من عائد التقدم الاجتماعي على نصيب خاص متكافئ مع ما قدمه من عمل ايجابي ، مساهمة في ذلك التقدم . 
الأمر الثاني : التزام كل عامل أيجابيا في مواجهة المجتمع الذي ينتمي اليه بأن يسهم في تطوير المجتمع الى حيث يتحقق له ، ولغيره ، الامكانيات والعلاقات التي تسمح بحياة أفضل . هذا الالتزام ليس التزاما منفردا ، بل التزام في مواجهة المجتمع . والمجتمع جماهير حية مريدة وقادرة على استيفاء حقوقها . وهذا يعني الا يقوم الالتزام بالنضال من أجل التقدم الا خلالض علاقة جماعية منظمة تضع كل مناضل في مواجهة ، وتحت رقابة ، جماهير محددة هي جماعير " المجتمع الذي ينتمي اليه " .
الى هنا لا يثور خلاف بين الاشتراكيين . 
فحق كل عامل في امكانيات المجتمع الذي ينتمي اليه ، أو رفض الاغتصاب والاستئثار ، هو ترجمة للملكية الاجتماعية لمصادر الانتاج وأدواته . وحق كل عامل في أن يحصل من عائد التقدم الاجتماعي على نصيب متكافئ مع ما قدمه من عمل ، هو ترجمة لشعار " لكل حسب عمله " . والتزام كل عامل ايجابيا في مواجهة المجتمع الذي ينتمي اليه هو ترجمة " للديمقراطية الشعبية " . والعمل الجماعي المنظم هو الصيغة التي تجسد تلك الديمقراطية . 
عند هذا الحد كلنا اشتراكيون ، مناضلون في سبيل تقدم " المجتمع الذي ننتمي اليه " . 
ثم يرد السؤال المهم : 
ما هو ذلك " المجتمع الذي ننتمي اليه " ، ويرتبط مصيرنا بمصيره ، والذي لنا حق في كل امكانياته ، وحق في صياغة علاقاته ، وعلينا التزام أمام جماهيره بأن نطوره ونحقق فيه الحياة الاشتراكية الأفضل ؟ ..
ان طرح هذا السؤال ليس تفلسفا ولا تعسفا . بل ان الاجابة عليه شرط جوهري لنجاح أي نضال اشتراكي . اذ على ضوئه نعرف نقطة انطلاقنا ، وامكانياتنا المادية والبشرية ، وقوانا ، والقوى الحليفة لنا ، والقوى المضادة لغايتنا ، وحلفاءها وساحة معاركنا المقبلة . وعلى اساسه نضع استراتيجيتنا ، وفي واقعه ندير معاركنا التكتيكية ، ثم نقدم الحساب لجماهيره المحددة التي التزمنا أمامها بأن نحقق لها المستقبل الاشتراكي . 
هذا اذا كنا جادين فيما ندعيه من تقدمية ، وما نعلنه من استعداد للنضال من أجل حياة أفضل . 
ونحن جادون .
فما هو المجتمع الذي ننتمي اليه ؟ 
اسهل الاجابات وأقربها الى الذهن هي أن المجتمع الذي ننتمي اليه يتحدد " بالدولة " التي نحن رعاياها . فلكل " دولة " وطن وشعب ، وفيها حكومة ، ولها امكانيات ، وعلاقات ، ومقدرة على التقدم . ذلك هو الأمر الواقع . وليس من المنكر أن الأمر الواقع هو بداية الطريق النضالي أيا كانت غاية هذا الطريق . وان تجاهل الأمر الواقع أو القفز من فوقه الى غيره مثالية تبدد الطاقات ولا تغير من أمر الواقع شيئا . ولكن اذا كانت الدولة أمرا واقعا فان التخلف أمر واقع ، والاستغلال أمر واقع ، والاحتلال أمر واقع ، واسرائيل أمر واقع ، والهزيمة أمر واقع فلماذا لا نقبل كل هذه الأمور الواقعة ؟ لأن الاشتراكيين تقدميين فهم يعرفون أن كل ما يبدو أمرا واقعا هو في حركة وتغير دائمين . وأن ثمة في كل يوم جديدا تحت الشمس . وأن مهمتهم على وجه التحديد هي تغيير الأمر الواقع الى الأمر الأفضل . اذن ، فكون الدولة أمرا واقعا يحدد لنا مجتمعا معينا ليس بالضرورة أنها أفضل تحديد للمجتمع الذي ننتمي اليه . ويكون علينا أن نبحث عن الحقيقة الموضوعية لهذا المجتمع لنرى بعد هذا ما اذا كانت الدولة تتفق مع تلك الحقيقة أو لا تتفق . وعندما لا تكون الدولة متفقة مع تلك الحقيقة الموضوعية يجب أن تزول الدولة المصطنعة لتقوم بدلا منها الدولة التي تتفق مع حقيقة المجتمع الذي ننتمي اليه . 
فكيف يمكن أن نكتشف تلك الحقيقة اللازمة لتحديد مدى التزامنا النضالي من أجل الاشتراكية ؟ 
يقول القوميون أن الوجود القومي ( الأمة ) مسلمة علمية وذات خصائص يسهل معها تحديد نطاق الانتماء ، ويقدمون في التدليل على هذا عديدا من النظريات ، التي أسهم بعض الاشتراكيين في وضعها عن خصائص الأمة : وحدة اللغة ، وحدة الأرض ، وحدة المصالح ، وحدة الشعور النفسي ، وحدة الارادة ..الى آخر النظريات التي قيلت في خصائص الأمة . وينتهي القوميون من هذا الحوار الى أن الأمم هي " المجتمعات" التي ينتمي اليها الناس ، وأن لكل انسان أمة متكونة أو في طور التكوين ينتمي اليها . وان التزامه النضالي يمتد الى أن يشمل كل أمته وطنا وبشرا ، وان حقه في حياة كريمة أفضل يمتد ليشمل كل امكانيات أمته وعلاقاتها . ثم يضيف العرب القوميون : ونحن أبناء أمة عربية واحدة ، فهي مجتمعنا الذي ننتمي اليه ، وامكانياتها حقنا ، والتزامنا قائم أمام جماهيرها كافة برغم التجزئة الطارئة عليها . 
والى عهد قريب جدا كانت كل الدراسات القومية في الوطن العربي تدور حول هذه الفكرة وتقف عندها . 
ولم يكن هذا كافيا . 
لم يكن كافيا لاذابة الجمود الفكري لدى بعض الاشتراكيين . ولم يكن كافيا لاقناع بعضا آخر من الاشتراكيين بمضاعفة التزاماتهم النضالية والتصدي لسحق الدول الاقليمية وتغيير الحياة في الوطن العربي كله بدلا من المهمة السهلة نسبيا وهي تغيير الحياة في جزء منه . وقد استفز هذا الرفض كثيرا من الاشتراكيين العرب فاحتدمت المعركة بين صفوف الاشتراكيين .  وطبيعي أن الرجعية كانت المستفيدة الأولى من هذا الخلاف . والواقع ما وصل اليه الفكر القومي من بيان لخصائص الأمة لم يكن كافيا ، ولا يمكن أن يكون كافيا لاقناع أي مناضل من أجل الاشتراكية بأن يمد التزامه النضالي الى خارج دولته ، بما يتضمنه هذا من أعباء ثورية مضاعفة ، لمجرد أن يقال له أن اولائك المقهورين خارج الحدود اخوتك أبناء أمتك لأنك تتكلم لغتهم ، وتعيش معهم على رقعة جغرافية واحدة ، ولك معهم مصالح مشتركة .. الخ . ومن باب أولى لم يكن كافيا ، ولا يمكن أن يكون كافيا ، لأي اشتراكي أن يستجيب لدعوة عصبية قومية غير ذات مضمون فيهدر جهده من أجل معان مجردة غير قابلة لأن تتحول الى حياة أفضل خاصة اذا جاءت الدعوة من صفوف القوى الرجعية . ذلك لأن الغاية النهائية للنضال الاشتراكي هو أن يحقق حياة أفضل . 
ولم يكن ثمة أمل في وحدة القوى العربية التقدمية الا باكتشاف العلاقة بين القومية والتقدمية . ومع أن الثبات النسبي للرابطة القومية ، وانعكاساتها على البناء الاشتراكي في المجتمعات التي سبقت الى بناء الاشتراكية ، وصمودها كاطار للتقدم في تلك المجتمعات بالرغم من ادانتها كان يشير الى أن هناك علاقة موضوعية بين القومية والاشتراكية ، فان القومية كانت قابلة للاضعاف كرابطة والذبول كفكرة والفشل كحركة ، في عصر الصعود الاشتراكي ، ما لم يثبت أنها بذاتها رابطة تقدمية أو على الأقل أنها ليست عائقا في سبيل الاشتراكية . 
وقد قدم الاشتراكيون العرب ، تحت الحاح رغبتهم في وحدة القوى العربية التقدمية ، ووفاء منهم بمسؤولياتهم القومية أمام الجماهير العربية ، عديدا من الدراسات التي استهدفت الكشف عن علاقة القومية والاشتراكية ، من جميع الزوايا الفكرية أو التطبيقية التي تهم الاشتراكيين في حوار مفتوح مع القوى التقدمية . وكان ذلك هو الجانب الجاد من الحوار الذي استنفد سنين غالية من حياتنا على أمل لقاء كل التقدميين في وحدة ثورية . حتى فوجئنا بالعدو الصهيوني الامبريالي المشترك يعصف بأحلام الطامعين في بناء الحياة الاشتراكية الأفضل في جزء من الوطن العربي وتبينوا في اسوأ الظروف تلك الوحدة الموضوعية والتفاعل المتبادل بين كل المشكلات التي طرحها واقع الامة العربية ، وتذكروا تلك الكلمة التي قيلت لهم فصفقوا لها ثم نسوها أو تناسوها أو أخفوها " ان التقدم العربي لا يمكن أن يقوم على أساس التجزئة " . 
ونحن نفترض أن الدرس القاسي قد أثمر فنعيد الحوار بدون استغلال لمرارة الهزيمة ونعود بهم الى حيث توقفنا : العلاقة بين القومية والتقدمية . هل القومية رابطة تقدمية ؟ هل تقف عقبة في سبيل الاشتراكية ؟ 
ان الاجابة على هذه الأسئلة ستكون آخر الحوار . والرفض المتعنت لها يضع ادعياء الاشتراكية في الوطن العربي موضع اتهام جاد وصريح يتناول ولاءهم للجماهير العربية واشتراكيتهم ذاتها ، فان الوقت العصيب الذي تمر به أمتنا لم يعد يسمح بمزيد من تدليل المتمردين على أمتهم ولو رفعوا شعارات الاشتراكية . 
لماذا تكونت الأمم :  
قلنا من قبل ، ونقول الآن ، لكل الاشتراكيين الذين يتنكرون لالتزاماتهم القومية ، ويقصرون ولاءهم على جماهير أقاليمهم بحجة أن القومية غير ذات علاقة بالتقدمية ، أو بأن الحركة القومية رجعية : 
أيها الاخوة ،
ان مسألة الأمة كظاهرة اجتماعية غير منكورة ، فالأمم تملأ الارض وهي تطرح اسئلة ثلاثة :
الأول : ما هي الأمة ؟ وفي الاجابة على هذا نظريات عديدة تعرفونها ولا تعنينا في هذا الحديث . 
الثاني : كيف تتكون الأمة ؟ والمتفق عليه أنها تكوين تاريخي يتم على مدى حقبة طويلة من الزمان خلال المشاركة في أحداث تاريخية نعرفها من تاريخ كل أمة على حدة . 
الثالث : الذي يعنينا الآن هو :
لماذا تكونت الأمم ؟ لماذا لم تظل الاسر أسرا ، والعشائر عشائر ، والقبائل قبائل ؟ لماذا تجاوزت المجتمعات تلك الأطوار البدائية حتى وصلت الى طور التكوين القومي ؟ لا يمكن أن يكون قد تم هذا كله اعتباطا . فالاشتراكيون خاصة يعرفون من منهجهم العلمي ألا شيء يتم اعتباطا أو مصادفة ، وأن كل شيء حتى حركة المجتمعات من الماضي الى المستقبل محكومة بقوانين تضبط حركتها واتجاهها . كما يعرفون من منهجهم الجدلي أن التطور تقدم صاعد أبدا ، وأنه لا يكرر نفسه ، بل ينمو من خلال الاضافة نموا جدليا . 
اذن لماذا تكونت الأمم ؟ 
يقول الاشتراكيون العرب أن المجتمعات البشرية قد تطورت من حيث النمو من الأسرة الى العشيرة الى القبيلة الى الشعب المستقر على أرض الى أمة خلال البحث عن حياة أفضل . تلك الغاية التي لا تزال تحرك الانسان في أي مكان مهما اختلف مضمون الحياة الأفضل . فالطور العشائري كان تحقيقا لحياة أفضل عجزت الأسر منفردة عن تحقيقها . والطور القبلي كان تحقيقا لحياة أفضل عجزت العشائر منفردة عن تحقيقها . والطور القومي كان تحقيقا لحياة أفضل عجزت المجتمعات القبلية والشعوبية منفردة عن تحقيقها . وقد تم كل هذا خلال أحداث ومراحل تاريخية مليئة بالصراع والهجرات والحروب بين القوى داخل المجتمعات ومع المجتمعات الأخرى المتماثلة بحثا عن الحياة الأفضل ، استنفذ فيها كل طور مختلف أقصى طاقاته ، على التقدم ، فلما أن عجز عن مزيد من التقدم ، وكان لا بد له بحكم قوانين التاريخ أن يتقدم انتقل الى طور أكثر تقدما . أكثر تقدما من حيث أنه يقدم له امكانيات للتقدم لم تكن متاحة له في طوره السابق . 
وهكذا ، اذا كنا نحن الآن في الطور القومي ، واذا كنا ننتمي الى أمة عربية تكونت تاريخيا ، فان هذا يعني أن تاريخنا قد استنفذ كل مقدرة العشائر والقبائل والأقاليم العربية على التقدم قبل أن تتكون أمتنا ، وأنها عندما تكونت كانت دليلا تاريخيا لا ينقض على عجز المجتمعات الأولى التي تكونت منها على التقدم الاجتماعي منفردة . وأنها هي الرابطة التقدمية التي تتيح لكل جماهير المجتمعات الاولى التقدم الذي لم تكن متوافرة لها .
هل هي آخر طور ؟ 
هكذا يتساءل " الامميون " فنقول لا . فقياسا على حركة التاريخ الجدلية الصاعدة لا يمكن أن يكون الطور القومي آخر مراحل النمو الاجتماعي . بل نعتقد أنه عندما يتم التكوين القومي لكل الأمم التي لا تزال في طور التكوين ، ثم تستنفذ كل الامم أقصى طاقاتها على التقدم سيتم تكوين أو تكوينات اجتماعية جديدة أكثر مقدرة على التقدم . كل ما في الأمر أننا لا نعرف من الآن كيف يكون التكوين الجديد كما لم تكن تعرف القبائل أن مصيرها الى الوحدة القومية . فقد يكون التكوين الجديد جغرافيا ، وقد يكون قاريا ، وقد يكون انسانيا عالميا . ثم اننا لا نعرف متى سيتم هذا على أي من تلك المستويات . ولكننا نستطيع أن نقول أنه قياسا على ما استنفذته المجتمعات القبلية لتصبح أمما ومع ادراك لزيادة سرعة التطور الحضاري فان بين البشرية وبين تجاوز الطور القومي بضعة آلاف من السنين تخرج ذلك الطور الاجتماعي المقبل عن الموضوع الذي يشغلنا وهو ـ حتى نتذكر ـ تحديد المجتمع الذي نلتزم في مواجهته جماهيره بالنضال الاشتراكي ونتحمل أمامها مسؤولية تطويره وتحقيق الحياة الاشتراكية الأفضل فيه . 
الأمة العربية هي اذن مجتمعنا الذي ننتمي اليه ، والقومية هي الرابطة التقدمية التي تجمعنا ، لا مبرر للجمود ولا للخوف ، فان النصر معقود لأية حركة تتناسب مع المعطيات الموضوعية لساحة نضالها . والقومية هي الضمان للنصر الاشتراكي . وان كان ثمة من يرضيهم أن يضيفوا الى التزامهم القومي التزاما أمميا نحو الوحدة المأمولة للمجتمع الانساني ، فلا تثريب عليهم ، ولكن نقول لهم دعونا أولا نوف بمسؤولياتنا القومية نحو الجماهير التي نعرفها ويرتبط مصيرنا بمصيرها الى آلاف السنين ، وان عشتم بعد هذا فافعلوا ما تريدون . وحتى قبل ذلك الحين فان قبولكم حقيقة الوجود القومي هو قبول للوجود القومي للأمم الاخرى ، والتزام بالتعايش السلمي معها , والتحالف مع حركاتها التقدمية ضد الرجعية العالمية المتحالفة . ذلك لأن مجرد القبول بحقيقة الوجود القومي للأمم جميعا لا يعني أن أمتنا ليست جزءا مؤثرا ومتأثرا بالتطور البشري كافة ، لأننا أيضا أمة من البشر . 
تلك هي القومية . 
النظرية القومية :
عند هذا الحد ، حد اكتشاف المضمون التقدمي للقومية تصبح نظرية القومية ذات المضمون الاشتراكي عقيدة ( ايديولوجيا ) كافية لتقييم الواقع العربي وتحديد استراتيجية تغييره ، وتعبئة قواه وقيادة المعارك فيه وتحقيق النصر لجماهيره . أي تكون كافية للتحول الى حركة قومية ثورية ذات منطلقات فكرية واستراتيجية حركية . 
أما المنطلقات الفكرية فيمكن تلخيصها في جانبيها السلبي والايجابي في أمرين : 
1 ـ بما أن المجتمع العربي لا يتطور تطورا متكافئا مع امكانياته الا بحشد كافة امكانياته لتطويره ككل ، فان الاقليمية تجسيد التجزئة فكرا وتنظيما هي حركة رجعية فاشلة : رجعية لأنها تعوق التطور الاجتماعي في الوطن العربي وفي أي جزء منه تطورا متكافئا مع الامكانيات العربية المتاحة ، وفاشلة لأنها محاولة لاعادة الأمة الى طور متخلف عن الطور القومي وهو مستحيل بحكم حتمية التقدم الصاعد في حركة المجتمعات . 
2 ـ انه بحكم الوحدة الموضوعية للمشكلات القومية فان أية مشكلة في أي مكان من الوطن العربي هي مشكلة قومية غير قابلة لأن تحل حلا تقدميا متكافئا مع الامكانيات العربية الا من منطلق قومي بأداة قومية في اطار التقدم الاجتماعي لجماهير الأمة العربية ككل . وبالتالي فان الحل التقدمي النهائي لكل مشكلات التقدم في الوطن العربي لا يتم الا في ظل دولة الوحدة العربية الاشتراكية والديمقراطية . 
ان هذا لا يعني أن كل جزء من الأمة العربية عاجز تماما عن تحقيق بعض التقدم لجماهيره ، ولكن يعني تماما أن ما يتحقق في كل دولة اقليمية أقل بكثير مما يمكن أن يتحقق للشعب فيها في ظل الوحدة الاشتراكية والديمقراطية . 
وأما عن الاستراتيجية فهي على اساس تلك المنطلقات الفكرية . تبدأ بالواقع وتنتهي الى غايتها العظيمة " اقامة دولة الوحدة الاشتراكية والديمقراطية " . وبدءا بالواقع العربي يمكن تقسيم استراتيجية الحركة العربية التقدمية الى خمس مراحل : 
المرحلة الأولى : الاعداد الفكري والبشري لقيام اداة الثورة العربية .
المرحلة الثانية : اقامة اداة الثورة العربية تنظيما قوميا اشتراكيا ثوريا . 
المرحلة الثالثة : اشتعال الثورة العربية التحررية الوحدوية الاشتراكية . 
المرحلة الرابعة : اقامة دولة الوحدة النواة العربية الثورية . 
المرحلة الخامسة : تصفية الاقليمية واقامة دولة الوحدة الشاملة الاشتراكية الديمقراطية . 
وطبيعي أن كل مرحلة من هذه تنطوي على مراحل تكتيكية لا داعي لحصرها الأن ولا يمكن التنبؤ بها مستقبلا . المهم أن نعرف أن الحركة العربية التقدمية تعيش الآن في مرحلتها الاستراتيجية الأولى : مرحلة الاعداد الفكري والبشري لقيام الثورة العربية . وانها من موقفها في هذه المرحلة تنظر وتقيم وتتخذ موقفا من أي حدث دولي أو عربي أو اقليمي ، ومن كل القوى ، والصراعات والحروب . وعلى ضوء مقتضيات هذه المرحلة تنظر وتقيم وتتخذ موقفا من الغزو الصهيوني ومن المقاومة . 
فلننظر من هذه الزاوية ولنقدر الموقف العربي من الغزو الصهيوني بما فيه " المقاومة " .
حقيقة الموقف : 
ان حقيقة الموقف من وجهة نظر قومية تتلخص فيما يلي : 
أولا : أن هناك غزوا صهيونيا لجزء من الوطن العربي يستهدف توطين اليهود عليه في دولة تمتد من الفرات الى النيل . بدأ الغزو الصهيوني تسللا قبل سنة 1948 ، ثم مسلحا في ذلك العام ، ثم ما تلاه من توسع حتى سنة 1967 ، وهو غزو في ظل دعم وتأييد الامبريالية العالمية وعلى راسها الولايات المتحدة الأمريكية . 
ثانيا : ان هذا الغزو موجه ضد الأمة العربية بقصد الاستيلاء على جزء من الوطن العربي ، وأنه قد بدأ واتسع ونجح حتى الآن في غيبة أي قوة قومية . ذلك لأن التجزئة التي أقامها ذات الاستعمار المؤيد للصيونية ، والتي تجسدها الدول العربية الاقليمية ، قد حالت ، وتحول بين القوى المعتدية وبين القوى القومية المعتدى عليها بأن حرمت على الجماهير العربية أن تتصدى للدفاع عن وطنها باداة قومية سياسية ( دولة الوحدة ) أو باداة جماهيرية ( التنظيم القومي الثوري ) ، وان الدول الاقليمية على هذا الوجه قد اسهمت وتسهم بقدر في تغطية الغزو الصهيوني للوطن العربي . 
ثالثا : انه في غيبة القوى القومية تصدت الدول الاقليمية لهذا الغزو في حروب دفاعية ثلاث على مدى عشرين عاما ، وانهزمت في كل مرة بالرغم من تفوق امكانياتها المتاحة وان المرجع الاساسي لفشلها هو انها دخلت معركة قومية ـ أو ادخلت فيها ـ بذهنية اقليمية ، من منطلقات اقليمية ، بأدوات اقليمية ، كانت غايتها أن تدحر خطرا يهدد سلامتها الاقليمية ولم تكن لدى أية دولة عربية في أي يوم من الأيام ارادة تحرير الأرض العربية في فلسطين . 
رابعا : ان معركة 1967 قد اسفرت عن غزو الصهيونية لأجزاء من أقاليم بعض الدول العربية . وبذلك تغيرت طبيعة المعركة بالنسبة الى هذه الدول فأصبحت طرفا أصيلا في المعركة ، فلم تقبل الهزيمة كما قبلتها في أرض فلسطين ، ولم تقبل المفاوضة كما فاوضت على أرض فلسطين . وصمدت كما لم تصمد من قبل ، وهي تعد العدة لحرب هجومية لأول مرة في تاريخها .. كل هذا وهي تعلن وتكرر اعلانها بأن حدود معركتها هي ازالة آثار العدوان ، أي تحرير أرضها وليس تحرير الأرض العربية في فلسطين . 
خامسا : الحقيقة الخامسة من حقائق الموقف ان قد اسفرت جولة يونيو سنة 1967 من دخول الجماهير العربية طرفا في القتال المسلح ضد الصهيونية في شكل منظمات فدائية ، صمدت للقتال بينما القوى جميعا منهارة ، وتصاعدت مقدرتها حتى فرضت وجودها على الأطراف التقليديين للمعارك السابقة : الصهيونية من ناحية والدول العربية من ناحية اخرى . تلك هي المقاومة احدى حقائق الموقف الراهن في الصراع ضد الصهيوينة . 
المقاومة من وجهة نظر قومية : 
قلنا أن الحركة العربية التقدمية تمر الآن بمرحلتها الاستراتيجية الأولى وهي الاعداد لبناء اداة الثورة العربية تنظيما قوميا تقدميا ثوريا ، وانها من هذا الموقع تقيم وتحدد موقفها من الأحداث والقوى جميعا . وعلى ضوء ما أوردناه في نقاط خمس من حقائق الموقف في الوطن العربي يمكن تلخيص النظرة القومية على الوجه الآتي : 
أولا : بالنسبة للغزو الصهيوني والامبريالي فانه يتناقض تناقض الحياة والموت مع الحركة القومية لأنه يستهدف الاستيلاء على ذات الارض التي تستهدف اقامة دولة الوحدة العربية عليها ، والقضاء على اي أمل في قيام حياة افضل على الأرض العربية ، وبالتالي فان سحق اسرائيل وتصفية الصهيونية العالمية هي القضية الأولى والاساسية للنضال العربي . 
ثانيا : انه اذا كان ذلك الغزو قد بدأ واتسع ونجح في غيبة القوى القومية ـ الطرف الأصيل في المعركة ـ فانه قابل للاتساع والنجاح طالما كانت القوى القومية بعيدة عن ساحة القتال ، وان التنظيم الثوري القومي الجماهيري والسياسي هو الاداة القادرة على سحق اسرائيل وتصفية الصهيونية . 
ثالثا : ان الدول العربية ، كانت ، وما تزال ، وستظل ، منفردة أو متحالفة غير قادرة على تحرير فلسطين لسبب بسيط هو أن تحرير فلسطين يقع خارج نطاق أهدافها كدول اقليمية ، وبالتالي فان أي مخطط لتحرير فلسطين يجب أن يقوم بعيدا عن أية تبعية لأية دولة عربية سواء كانت تبعية سياسية أو تنظيمية أو مالية أو ادارية . 
رابعا : غير أن الدول العربية التي فقدت أجزاء من أقاليمها في حرب يونيو 1967 قد أصبحت طرفا أصيلا في المعركة الى أن تزول آثار العدوان ، ولهذا فان الموقف القومي يتطلب دعم مقدرتها على الصمود وتنمية مقدرتها على القتال ودفعها الى المعركة والحيلولة دون انسحابها منها أو استسلامها ، ومع التحوط ضد ما تعلنه من أن حدود معركتها تقف عند حدود 4 يونيو 1967 . 
خامسا : أما عن المقاومة كأسلوب فذلك هو المدخل التاريخي لانجاز المرحلة الاستراتيجية الأولى من مراحل الثورة العربية . فقد كانت الحركة العربية التقدمية تواجه صعوبات جسيمة تحول دون بناء تنظيمها القومي . وكانت في حاجة الى مكان في الوطن العربي لا تمتد اليه قوانين وشرطة ومحاكم وسجون الدول الاقليمية . وكانت في حاجة الى ساحة نضال تعبئ فيها قواها وتربي كوادرها وتخوض معاركها بعيدا عن رقابة أو وصاية أو تخريب الدول الاقليمية ، وكانت في حاجة الى تكوين جماهيري ثوري يتم ويقوم ويكتسب شرعية من مقدرته الذاتية على الوجود بعيدا عن جهود الدول الاقليمية . وكانت في حاجة الى الوجود المنظم الذي يمثل الجماهير العربية ككل ، ويحقق وحدتها القومية في ذاته ، بدون اعتداد بالانتماء السياسي لاية دولة عربية . 
كانت ـ باختصار ـ في حاجة الى ممارسة اسلوب القتال الجماهيري المسلح الذي يكون السمة المشتركة بين منظمات المقاومة القائمة في الساحة الآن . الساحة التي هي مكان من الوطن العربي بعيد ـ فعليا ـ أو يمكن أن يكون بعيدا عن قوانين الدول الاقليمية وشرطتها ومحاكمها وسجونها . 
فكأن المقاومة من وجهة نظر قومية تمثل أفضل الامكانيات المتاحة مرحليا لبناء اداة الثورة العربية . 
دعوة الى القوى العربية التقدمية :
هل ينطبق هذا على كل منظمات المقاومة ؟ 
لا يمكن الهروب من الاجابة عن هذا السؤال الدقيق . فلنحاول الاجابة عنه في اطار ثلاثة حدود لا نتخطاها . 
اولها : أننا ندعم المقاومة ككل ضد العدو الرئيسي لأمتنا العربية . 
ثانيها : أننا لا نعرف كثيرا عن حقيقة المنظمات في الساحة . 
ثالثها : ان المقاومة بكل منظماتها لم تتبلور بعد ـ نهائيا ـ لا فكرا ولا تنظيما ، فهي قابلة للتطوير والتطور . 
في هذه الحدود نرى أن ثمة ثلاثة اتجاهات في المقاومة . 
1 ـ اتجاه اقليمي مرتبط ببعض الدول العربية تنظيميا أو ماليا أو سياسيا . 
2 ـ اتجاه اقليمي فلسطيني يشكل الجانب الأكبر من المقاومة يمثل شعب فلسطين ويقاتل من أجل تحرير فلسطين لاقامة دولة فلسطينية . 
3 ـ اتجاه قومي غير متبلور وغير مفرز تماما ومتناثر بين منظمات محدودة الحجم أو في قواعد كل المنظمات تقريبا . 
وكل الاتجاهات تقاتل اليوم معركتها المشتركة ضد الصهيونية ، فهي في وضع يفرض عليها التحالف والتنسيق بين قواها . ولكنا نستطيع بسهولة أن نرى أن الاتجاه الأول سيخرج من المعركة بمجرد انقضاء مرحلة ازالة آثار العدوان ، أي بخروج الدول العربية المرتبط بها من المعركة بعد استرداد ما ضاع من اقاليمها في يونيو 1967 .
أما الاتجاه الثاني الذي يجسد الاقليمية الفلسطينية فانه سيقاتل الى أن تتحرر فلسطين ، لأن غايته أن يحررها وأن يقيم فيها دولته . وهنا قد يبدو أن الاقليمية لا تساوي الفشل . والواقع انه الى أن تزول آثار العدوان قد لا تكون الاقليمية الفلسطينية سببا في اضعاف مقدرة المنظمات التي تجسدها . ولكن لننظر ماذا بعد ازالة آثار العدوان ؟ عندما ينفض حلفاء المرحلة ويعود حراس الحدود الى الحدود ، وتطرح قضايا الأمن الداخلي والالتزامات الدولية ، عندئذ ستكون تلك المنظمات أمام اختبار دقيق . اما أن تصفي قواعدها أو تقبل تصفيتها ، واما أن تستولي على قواعد في الدول العربية ذاتها . ولن تكون حجتها في هذا الا ان لها حقا في الأرض العربية خارج فلسطين ، أي الا اذا لاذت بالمنطق القومي ، عندئذ ستتبين كم أخطأت عندما اختارت الملاذ الاقليمي . ولن تكون لها فرصة كسب المعركة الا اذا قبلت أن تكون للجماهير العربية حقا فيها وفي فلسطين لأن ذلك هو المبرر لالتزام تلك الجماهير بتمكينها من النصر في قلب الأرض العربية خارج فلسطين ، وعندئذ ستتبين أن الاقليمية تساوي الفشل ولو بعد حين . فان قبلت فقد تحولت الى قوة قومية ، ولا بد أن تقبل . نقول لا بد لان الحقيقة الموضوعية لمعركة تحرير فلسطين أنها معركة قومية ، لا تنتصر فيها الا القوى القومية . وبرغم كل قصر النظر ، وكل حسن النية أيضا ، فان المنظمات الاقليمية الفلسطينية ستجد نفسها في وقت ليس ببعيد أنها اما أن تصبح قومية واما أن تهزم . لن يهزمها الاسرائيليون بل ستهزمها الاقليمية ، الاقليمية فيها والاقليمية خارجها . ان ما تواجهه في لبنان نموذج وانذار لما ستواجهه فيما بعد في دول عربية تقف معها الآن ضد الاقليمية البنانية . 
انه مما يحير الفهم الا يرى الشباب الذين بلغت ثوريتهم حد الفداء المأزق القريب الذي هم مساقون اليه . ان كل ما سمعناه تأييدا لشعار " مسؤولية شعب فلسطين عن تحرير فلسطين " هو أن عزل الشعب الفلسطيني عن قضيته طوال عشرين عاما وتصدي الدول العربية للغزو الصهيوني هو الذي أضاع فلسطين . ولا شك في أن عزل الشعب العربي من فلسطين عن معركة تحرير فلسطين وحبسه في مخيمات اللاجئين أحد الأسباب التي مكنت للغزو الصهيوني من أن يستقر فترات طويلة بدون مقاومة . ولا شك في أن تصدي الدول العربية للغزو الصهيوني هو الذي أضاع فلسطين . ولكن الا نتبين بوضوح أنه اذا كانت الدول العربية قد عزلت الشعب الفلسطيني من فلسطين في مخيمات اللاجئين وحالت بينه وبين القتال لتحرير الارض المحتلة فانها في ذات الوقت كانت قد حبست الجماهير العربية في حدودها الاقليمية وحالت بينها وبين القتال لتحرير الارض المحتلة . وقالوا : لقد انقضى عشرون عاما ونحن مشردون ضائعون بلا وطن وبلا هوية ، فنحن نقاتل من أجل تحرير فلسطين ليكون لنا فيها ما نفتقده من وطن وهوية . وهذا صحيح ، ولكن ألا نتبين بوضوح أن الاقليمية العربية هي التي حالت دون أن يكون لكم وطن وتكون لكم هوية يوم أن اعتبرتكم ، أنتم الذين تلقيتم منها الضربة الموجهة الى الامة العربية كلها ، أجانب غرباء في بلادها ؟  الا نتبين بوضوح أن الاقليمية هي التي حاولت وتحاول دون أن يكون لكم في دولة الوحدة وطن وهوية ؟ فلماذا لا تقاتلون في سبيل ما هو اسمى وأشمل ، وتحاكمون القومية بما جنت أيدي الاقليمية ؟ لماذا تصاغ المقاومة صيغة اقليمية فتصطنع بينها وبين الجماهير العربية حدودا بدون أرض وهوية ، بدون دولة ، وتمييزا بدون موضوع ، لكسب الرأي العام العالمي من خلال فكرة " الدولة الفلسطينية الديمقراطية " ؟ ..
هذا حوار افضل ، ولكن هل جربتم كسبه من خلال فكرة " دولة الوحدة الديمقراطية " ؟ الحق انكم لا تكسبونه الا بمقدرتكم على النصر . ومع ذلك فانما نسعى الى كسب الحلفاء والمؤيدين " للقضية " التي نكافح من أجلها والتي نعتقد أنها حق وعادلة . ولكننا لا نغير قضايانا من أجل كسب الحلفاء والمؤيدين . أفلا تعتقدون أن قضية " دولة الوحدة الاشتراكية الديمقراطية " أكثر حقا وعدلا من " قضية فلسطين الديمقراطية " ؟ .
ان الجماهير العربية تعتقد أنها أكثر حقا وعدلا وأولى بأن تكسب تأييد كل القوى التحررية التقدمية في العالم ولو بعد حين . 
اننا نستطيع أن نستطرد الى ما لا نهاية ، ولكن الالتزام القومي يفرض علينا أن نؤيد وندعم المقاومة ككل ، ونؤيد وندعم المقاومة الفلسطينية بوجه خاص . لأننا نتحدث ونحن مشتبكون في المعركة فلا يمكن أن نخذل المقاومة عموما . ولاننا نعرف انه عندما تنسحب القوى العربية الاقليمية من ساحة القتال على اثر ازالة اثار العدوان  ، لن تبقى في الساحة الا المقاومة الفلسطينية التي ستقاتل الى ان تحرر فلسطين ، فهي حليف طويل الامد نسبيا ، للقوى القومية تلك التي يمثلها الاتجاه الثالث .  
هذا الاتجاه الثالث لم يتبلور بعد ، وتتوقف بلورته على التعجيل باقامة التنظيم القومي الثوري الذي تكون منظمته المقاتلة في ساحة المقاومة هي قوته الضاربة  ، وتتحرك تحت قيادته طبقا لاستراتيجيته وفي حماية قواعده المنظمة على المستوى القومي .
كيف يتم هذا ؟ 
اننا نعرف ان شبابا عربيا في صفوف المقاومة يحلم احلاما غير واقعية ، وان شبح " جيفارا " العرب يعبث بمخيلة كثيرا من شبابنا العربي . وان " فلسفة النواة المسلحة " المعزولة عن الجماهير ، غير المبلورة عقائديا ، التي تبني استراتيجيتها عن طريق التراكم التكتيكي ، وتبني قاعدتها الجماهيرية من خلال المعارك ، وتكون عقيدتها الثورية بعد ان تنتصر ، هذه الفلسفة التي روج لها " ريجي دوبرييه " تتداول في صفوف المقاومة . وان اكثر من منظمة قد تعجلت فاختارت اسمها ، ورسمت شاراتعا ، ووضعت مواثيقها ، ورفعت شعاراتها القومية ، وهي تنتظر التحام الجماهير العربية حول قياداتها ، اعتقادا منها بان هكذا يكون التنظيم القومي التقدمي الثوري . اننا نشفق على هؤلاء الشباب من خيبة الامل المريرة التي سيعانونها ، عندما يجدون ان الجماهير العربية وان كانت تعطف عليهم ، لا تلتحم بهم ، ونخشى ان ينزلقوا حينئذ الى اتهام الجماهير بانها لم تستجب الى دعوتهم العجولة .
ويهمنا ان نقول الى كل المناضلين الذين يمثلون هذا الاتجاه ، ويتطلعون الى ان يكونوا القوة الضاربة لجماهير امتهم العربية ، ان عبقرية " جيفارا " البطل كانت على وجه التحديد في استجابته لواقع الثورة في كوبا واختياره الاسلوب المناسب لها بدون تقيد بالاساليب التقليدية ، وان محصلة الخبرة من تجربة كوبا الناجحة هي انها غير قابلة للتكرار بعيدا عن مثل الواقع الذي افرزها . 
ان تحرير فلسطين احدى المهمات الاساسية للثورة العربية ، ولكنها جزء من معركة التحرر العربي . ومعركة التحرر العربي ليست سوى مقدمة لوحدة الوطن العربي . وحتى معركة الوحدة ليست الا جزءا مكملا لمعركة الاشتراكية . والنصر في كل تلك المعارك لازم لتحقيق الغاية النهائية : اقامة دولة الوحدة الاشتراكية والديمقراطية ، التي تقدم للجماهير العربية في كل مكان امكانيات الحياة الافضل . ان شروطها الخاصة لكي تقتحم المعركة ، أن الجانب الاساسي من بناء التنظيم القومي الثوري يقع على عاتق القوى العربية التقدمية وليس على جانب المقاومة . وان مسؤولية النصر في المعركة الدائرة ضد اسرائيل واقعة على عاتق تلك القوى . وهي اذ تتخلى عن مسؤولياتها لن تستحق الا هزيمة اخرى ، ولن يجديها حينئذ البكاء مرة اخرى كما بكت في يونيو 1967 .
ان كتائب " انصار " المعركة يجب ان تشكل في كل مكان من الوطن العربي لدعم المقاومة فكريا وماليا وبشريا وسياسيا وعسكريا تمهيدا للالتحام مع المقاتلين القوميين من خلال مؤتمر قومي ينبثق عنه التنظيم القومي الاشتراكي الثوري ، عندئذ ستتحول المقاومة الى اداة للثورة العربية قادرة على ان تستمر في المعركة حتى النصر .
تلك هي المقاومة من وجهة نظر قومية . 
الموقف القومي من المقاومة : 
" المقامة " من وجهة نظر قومية تعني المقاومة كما يجب ان تكون . اما الموقف القومي من " المقاومة " فيعني موقف القوى القومية التقدمية ( منظمة او غير منظمة ) من المنظمات الاخرى المشتبكة في القتال ضد الغزو الصهيوني للارض العربية . وهذا الموقف يتحدد بالموقف القومي من المعركة وقواها . 
ونحن نرى بوضوح ان لمعركة تحرير فلسطين مرحلتين : 
المرحلة الاولى : 
1) الهدف : ازالة اثار العدوان ( استرداد الارض العربية المحتلة في يونيو 1967 ).
2) القوى الرئيسية : القوى القومية التقدمية المقاتلة والشعبية . 
3) القوى الحليفة : 
أ) المنظمات الاقليمية الجماهيرية المقاتلة .
ب) الدول العرلية .
ج) القوى الماركسية في الوطن العربي .
د) قوى المعسكر الاشتراكي ( دوليا ) .
ه-) قوى الحركة التحررية العالمية .
4) القوى المضادة : 
أ) القوى السرائيلية ( الدولة ) .
ب) القوى الصهيونية ( المنظمة عالميا ) .
5) حلفاؤها : 
أ) القوى الامبريالية ( الولايات المتحدة الامريكية والاستعمار )
ب) القوى العربية المرتبطة بالاستعمار والولايات المتحدة الامريكية .
ج) القوى الداعية الى المساومة او الاستسلام .
د) القوى العاملة على اضعاف المقدرة العربية على القتال .
المرحلة الثانية : 
1 ) الهدف : تحرير فلسطين وتصفية الوجود الاسرائيلي .
2 ) القوى الرئيسبة : القوى القومية التقدمية المنظمة المقاتلة والشعبية .
3) القوى الحليفة : القوى الاقليمية " الفلسطينية " .
4) القوى المضادة :
أ) القوى الاسرائيلية ( الدولة ) .
ب) القوى الصهيونية ( المنظمة عالميا ) .
ج) الامبريالية العالمية بواسطة الولايات المتحدة الامريكية والاستعمار . 
5) حلفاؤها : الرجعبة العربية العميلة للاستعمار والولايات المتحدة الامريكية .
6) قوى تنسحب من المعركة او التحالف : 
أ) المنظمات العربية الاقليمية ( من غير فلسطين ) .
ب) الدول العربية الاقليمية .
ج) القوى الماركسية في الوطن العربي ( من غير فلسطين ربما ) .
د) قوى المعسكر الاشتراكي .
لقد وضعنا الاجابة بهذه الصيغة ليسهل علينا تحديد ضوابط المواقف التكتيكية للقوى العربية التقدمية على ضوء التفرقة الحاسمة بين قوى المعركة في كل من المرحلتين . ويمكن اجمال تلك الضوابط فيما يلي .
اولا : انه لا يجوز تحت اي ظرف اثارة معارك مع القوى الحليفة في كل مرحلة فلن يستفيد من هذا الا العدو المشترك . ان الوقوف موقفا عدائيا ، دعائيا ، او حركيا ، ضد اي قوة مقاتلة ، او مشتبكة ، او مجابهة ، عسكريا او فكريا او سياسيا ، لقوى اعدائنا وحلفائها ، خطأ تكتيكي مدمر في هذه المرحلة . ان اقصى ما يمكن الذهاب اليه هو اتخاذ موقف دفاعي ضد الحلفاء الذين يرتكبون هذا الخطأ ، بدون وعي ، او استغلالا لظروف المعركة قاصدين  تحقيق النصر لحسابهم الخاص . على ان يبذل كل صبر ثوري ضد اي استفزاز ، وتبذل كل محاولة ممكنة لتنمية كل اسباب التعاون وتوثيق التحالف وتصفية اسباب الخلاف . نقول هذا مدركين تماما ان الساحة لا تخلو من تخطيط واع لتخريب العلاقة بين القوى التي تقف معنا لفض تحالفها او تحويلها عن هدفها المشترك . كما اننا ندرك تماما التخريب الذي قد ينتجه الجهل الذي يعربد تحت حماية السلاح ، او الانتهازية التي تبحث عن مكاسبها الخاصة . ولكنا مدركون في الوقت ذاته ان الاستجابة لكل هذا والمساهمة فيه عن طريق قبول الدخول في معارك جانبية بين القوى المتحالفة هو " موضوعيا " وبصرف النظر عن المبررات اضعاف للمقدرة العربية ومساعدة غير مباشرة للقوى المعادية  " .
ثانيا : ان مواقع القوى ستتغير جذريا بعد انتهاء مرحلة ازالة اثار العدوان ، والدخول في مرحلة تحرير الارض المحتلة من فلسطين قبل سنة 1967 وتصفية الوجود الاسرائيلي . وان كثيرا من القوى المشاركة الان في القتال ، والحليفة ،  ستنسحب من المعركة ثم تكتفي بالتاييد الادبي ، او تقف على الحياد ، او تنظم الى تحالف القوى المعادية . انها تلك القوى التي تقبل الوجود الاسرائيلي على الارض العربية او غير مستعدة للقتال حتى تصفية ذلك الوجود . تلك هي اخطر مرحلة سيواجهها النضال العربي ، وفيها ستقع مسؤواية استمرار المعركة على عاتق : 
1) القوى القومية التي تقاتل من اجل تحرير فلسطين لانها جزء من الوطن العربي لتقيم دولة الوحدة . 
2) القوى الاقليمية الفلسطينية التي تقاتل من اجل تحرير فلسطين لانها وطنها الخاص لتقيم فيه كما تقول " الدولة الفلسطينية المستقلة " .
ثالثا : على ضوء هذا فان ضابط الموقف القومي من المقاومة الان ، اي في مرحلة ازالة اثار العدوان تتلخص في امرين : 
1) دعم المقاومة ككل في مواجهة القوى المعادية وحمايتها ، من محاولات الاضعاف او التصغية والوقوف معها ضد اي قيود تفرضها عليها الدول العربية .
2) نقد المقاومة في خصوصية " الاقليمية " عن طريق التركيز على ما تسلبه تلك الاقليمية  ( فكرا ، وصيغة ، وعلاقات ) من اضعاف لمقدرتها على النصر .
 

***

2 - الحوار : 

مدخل :  
سؤال (1) :

يتبع ....


 





الاثنين، 10 سبتمبر 2018

المشروع القومي بين الفكر والممارسة ...


المشروع القومي بين الفكر والممارسة ...  

من المعروف ان الدين به المحكم والمتشابه لان الواقع متغير ومتطور ، لكن شرائح واسعة من القوميين يريدون ان تكون كل القضايا محكمة  اي من الثوابت ، فيغرق الكثيرون في المتشابهات ويبنون عليها صرحا من الافكار والمواقف والتجاذبات فيتحول اغلبها الى مهاترات وخلافات لا يستفيد منها سوى اعداء المشروع القومي ... والسبب كما يبدو في علاقة مباشرة بمفهومين اساسيين متداخلين للمشروع القومي : المشروع النظري (الفكري) ، والمشروع العملي (الحركي) . 
ومن هذه الناحية يفترض ان يقع التمييز بين المشروعين على اساس خصائص كل منهما :  
- المشروع النظري الحاسم المتعلق بالمنطلقات والغايات والاسلوب كمحددات فكرية موضوعية لمشكلات قائمة ومطروحة في الواقع : الاحتلال والتجزئة والتخلف ، من اجل تحقيق اهداف النضال العربي : دولة الوحدة الديمقراطية الاشتراكية ..
وهو نظري بمعنى انه يقوم على مقاربات متداخلة فلسفية وعلمية وتاريخية وغيرها .. تنتهي بصياغة جملة من التعريفات والمفاهيم تكاد ان تكون الواحدة منها نظرية خاصة في المنهج وفي الامة والقومية والحرية والديمقراطية والاشتراكية وغيرها من المجالات .. وهو حاسم بمعنى ان كل المفاهيم الواردة فيه محددة بمنهجية علمية تقطع مع الافكار المثالية والميتافيزقية لتتحول الى ثوابت فكرية وضوابط لازمة لتحديد الاهداف الاستراتيجية الكبرى التي تقود المسيرة النضالية نحو الغايات النهائية المرجوة  .. وقد وردت تفاصيل هذا المشروع الفكري في كتابات الدكتور عصمت سيف الدولة الذي قام فيها بضبط المشكلات والحلول والمواقف الاستراتيجية بمنهجية واضحة : " المشكلة ، الحل ، العمل " في جميع القضايا المطروحة في الوطن العربي ، وهي افكار قديمة جديدة اغلبها قد انضجتها التجارب القومية الى ان صارت شعارات ومواقف واساليب عملية معروفة ومتداولة حتى قبل ان تظهر كتابات المرحوم عصمت سيف الدولة ...
- والمشروع العملي الشامل والنسبي الذي يلتقي فيه الثوريون العرب على مهمات نضالية تمتد وتقصر زمنيا حسب امكانياتهم الذاتية لانجاز ما يجب انجازه في النهاية : دولة الوحدة الديمقراطية الاشتراكية .. 
وهو عملي بمعنى انه يضع المقولات النظرية واصحابها تحت الاختبار لمدة طويلة في الواقع ، فلا تستمر المواقف والتحالفات على حالها  حتى تحقيق الاهداف النظرية كافة .. ونسبي بمعنى انه يواجه كل يوم متغيرات جديدة تقتضي تفاعلا على نطاق واسع مصحوبا باجتهادات ومواقف جديدة غير حاسمة بسب الاختلاف الموضوعي في المقدرة الجدلية للافراد .. وشامل بمعنى انه يشمل كل المراحل النضالية التي تعترض سبيل الحركة القومية خلال حركتها وهي تتفاعل مع واقها كما هو من اجل تغييره ، حيث تبدو كل مشكلة في الوطن العربي تحمل الشيء ونقيضه .. حتى الحركة القومية ذاتها بتناقضاتها الخاصة : قومية - اقليمية .. احزابها اقليمية ، جمعياتها اقليمية ، تنظيماتها  الطلابية اقليمية ، وافرادها المستقلون اقليميون  ، فلا يكاد واحد منهم ينجو - على مستوى الحركة - من صفة الاقليمية .. وهكذا ، تثور المشكلة ..
 ففي الوقت الذي يحاول فيه القوميون التاكيد على الخطاب القومي والثبات على المواقف القومية في كل قضية يشهدها واقعهم ، يحاصرهم الواقع الاقليمي ليجعل حركتهم الاقليمية عاجزة فيختلفون .. ثم لا يستطيعون - وهم يديرون معاركهم على المستوى النظري العام - ان يحسموا خلافات مجال حسمها الاجتهاد الخاص بكل معركة من المعارك المتعددة التي يمكن ان تواجههم على المدى الاستراتيجي في ساحت وظروف ذاتية وموضوعية تختلف من مرحلة الى اخرى .. اي ان ما يميز المراحل النضالية في هذا المشروع هو اختلاف المواقف التكتيكية والتحالفات باختلاف محاورها النضالية وقواها المتصارعة وامكانياتها ، فتتغير خلالها المعايير المحددة للموقف القومي – في الداخل والخارج – بتغير مواقف ومواقع القوى النشيطة على الساحة قربا او بعدا من الاهداف المرحلية والاستراتيجية للمشروع القومي في كل مرحلة من مراحله .. وهي مشكلة قائمة بالفعل لا تستوي وضوحا في اذهان القوميين ، فلا يتخذون منها نفس المواقف ويحصل الاختلاف ..
 ففي حين يفترض ان يتم الحكم على المواقف في الداخل قياسا الى الاهداف الاستراتيجية ، يكون من الانسب الحكم على مواقف الاخرين قياسا الى الاهداف المرحلية ، حيث يمكن ان تدخل وتخرج اطراف متعدة من دائرة التحالفات بانتهاء المهمات المرحلية ، بينما تستمر العلاقة بين القوميين حتى النهاية ، بكل مواقفهم المتنوعة من المشاكل الظرفية وبكل تفرعاتها الثانوية ، الى غاية بناء دولة الوحدة الديمقراطية الاشتراكية ..
وهكذا يكون المشروع النظري مشروع وحدة فكرية هدفها تحقيق الوحدة التنظيمية بما تهيئه من ارضية سليمة لخدمة القضايا الرئيسية على مستوى فهم المشكلات في بعدها القومي وعلى مستوى ايجاد الحلول المناسبة لها خلال كل مرحلة من مراحل النضال العربي .. فهو مشروع قائم على اساس فكري ايديولوجي دقيق ومفصل لكل النواحي الفكرية في اطارها المبدئي الحاسم في كل ما يتعلق بوحدة الوجود القومي ، وبحرية الوطن والمواطن ، وبعلاقة الكل بالاجزاء ، وباستغلال الثروات .. وبالمكون الحضاري للامة العربية وعلاقاتها التاريخية والمستقبلية بمن حولها ... فهو النقيض - على المستوى الفكري - من المشاريع الفكرية الاقليمية والاخوانية واليمينية بشكل عام .. وهو في النهاية مشروع منجز من ناحية البنية الفكرية ، ومتحقق ولو على مستوى الافراد المؤمنين به ، لكنه يبقى مجرد ترف فكري لا يغير شيئا من الواقع طالما انه لم يتحول الى حركة منظمة وتخطيط محكم  لمشروع واضح ، فلا يوظف توظيفا سليما حسب متطلبات كل مرحلة وكل معركة من معارك النضال القومي .. وهو اذن على هذا المستوى وحده لا  يتجاوز – على اهميته وضرورته – الجانب السلبي في الموضوع .. 
بينما المشروع القومي كمشروع للمستقبل هو مشروع عملي ثوري يحوّل تلك الافكار والمقولات والمبادئ والنظريات والدروس المستفادة  الى واقع حي حينما يلتحم من خلاله الثوريون العرب في اداة نضالية واحدة هدفها تفجير الثورة العربية لتحقيق تلك المبادئ في الواقع المعاش خلال مسيرة نضالية طويلة لا تستمر فيها الادوار والمهمات والمواقف والتحالفات على وتيرة واحدة في كل مرحلة من مراحل النضال ، ولن تكتمل اهدافها ببناء دولة الوحدة الديمقراطية الاشتراكية قبل ان يكون القوميون العرب قد تحولوا الى قوة ضاربة منظمة .. فهو النقيض على مستوى الممارسة والفعل من المشاريع الرجعية الصهيونية الامبرالية في الوطن العربي .. وعلى هذا الوجه يمثل المشروع القومي الجانب الايجابي في هذا الموضوع من حيث انه لا يتوقف عند المقولات النظرية المتبلورة فحسب بل يتجاوزها الى مستوى الفعل الذي يسهم في تغيير الواقع من جهة ، وفي تطوير المقولات النظرية وتحيينها وتخليصها من الجمود عن طريق الممارسة النضالية من جهة ثانية حتى تكون قادرة فعلا على الاسهام في تحقيق هذا المشروع الحضاري المستقبلي بنجاح ..  
من هنا نفهم تكامل المشروع الفكري مع المشروع الثوري ولا نخلط بين المضامين والخصائص المميزة لكل منهما حين الاحتكام الى الضوابط الفكرية والمنهجية لتحديد الاهداف الاستراتيجية للمشروع القومي وحين الحكم على المواقف التكتيكية خلال الممارسة .. ويبقى القول جائزا ان التمييز غير الفصل ، لان المشروع القومي المستقبلي واحد ، فكرا وممارسة  ..
في الجانب الفكري العقائدي تحوّل المشروع النظري على يد المفكر القومي عصمت سيف الدولة الى سلاح نظري فعال بيد القوميين يستطيعون من خلاله حسم كل المعارك الفكرية ذات الصلة بمستقبل الحياة في الوطن العربي ، فكان الهدف الاساسي من وراء هذا المشروع اختصار الطريق للمستقبل ، فهو مشروع وحدة فكرية نضالية لبناء دولة الوحدة الديمقراطية الاشتراكية .. وفي هذا الاطار قدم الاجابات الحاسمة لكل الاسئلة المطروحة على الساحة الفكرية في اطار بنية مفاهيمية موحدة مبنية على اساس واحد " منهج جدل الانسان " . لذلك يصعب على من لا يعرف المنهج الذي استعمله في كل اجتهاداته ، ان يفهم مشروعه سواء على مستوى الفكر او الممارسة ..
وفي اطار هذا المشروع النظري الايديولوجي تتنزل كل المقولات الفكرية الواردة في نظرية الثورة العربية وتتبلور كل المواقف الحاسمة من القضايا الاساسية لمشكلات الحياة في الوطن العربي ، حيث تكون المواقف النهائية واضحة فيما يتعلق بالعديد من الثنائيات : الاحتلال والتحرر ، الاستغلال والاشتراكية ، التجزئة والوحدة ، الاستبداد والديمقراطية ، الرجعية والتقدمية الخ ... اي ان متطلبات صياغة الاسس النظرية تقتضي تقديم مواقف حاسمة من جملة هذه القضايا على المستوى النظري ، بحيث يكون القوميون دائما وحتى النهاية مع وحدة الوجود القومي وضد اي محاولة للرجوع بالمجتمع القومي الى المراحلة السابقة على تكوينه ، اي ضد التجزئة الحالية والمواقف الاقليمية وضد اي مشروع يجزئ المجزأ ليعود بالوجود القومي الى المراحل السابقة  كالطائفية والقبلية والشعوبية .. وهم مع الحرية  والتحرير والمقاومة وضد الاستسلام والتسوية والقبول باي مشروع احتلالي قائم او بصدد التخطيط للتوسع او الاقدام على احتلال جديد على اي شبر من الارض العربية .. وهم ايضا وعلى الدوام مع التكامل والتقارب والوحدة وضد  التجزئة والاقليمية فكرا وممارسة حتى تتحقق الوحدة الشاملة وتزول الدويلات الاقليمية المصطنعة .. كما انهم مع الديمقراطية الشعبية والاشتراكية وضد الاستبداد والقهر المادي والمعنوي حتى يتحرر المواطن العربي نهائيا من كل القيود في دولة قومية مدنية اشتراكية ديمقراطية ، بقطع النظر عن الانظمة القطرية القائمة ، سواء كانت رجعية او تقدمية ، اقليمية او قومية ، اشتراكية او راسمالية طالما انها لا تخطو خطوة نحو الغايات القومية التكتيكية والاستراتيجية .. فهي مواقف عامة مبدئية ثابتة من وجهة نظر قومية ..
اما في الجانب العملي من المشروع ، فان الدكتور عصمت سيف الدولة لم يدخل في اي تفاصيل خاصة بالمهمات المرحلية والخطط التكتيكية للحركة القومية لانه ببساطة مشروع تغيير تجري احداثه في الواقع الاقليمي والدولي يتطلب تفاعل مباشر مع الاحداث ، ومواجهة ميدانية لا يمكن توقعها . فهي مجالات خلافية مفتوحة على الاجتهاد والحسم عن طريق الجدل والحوار داخل الاطر الديمقراطية لصياغة الموقف القومي من القضايا المطروحة كما تقتضيه طبيعة كل مرحلة .. فلا يخضع فيها نصيب كل واحد من الخطا او من الصواب سوى لمعيار واحد : المقدرة الجدلية لكل فرد . فلا يستهان فيها براي او بموقف مهما كانت قيمته بالنسبة للاخرين ، ولا يفترق فيها القوميون الصادقون مهما اختلفت اراؤهم طالما يعود فيها الحسم للاسلوب الديمقراطي  وعدم الحياد عن الثوابت القومية ..
قد تبدو المسالة محسومة بالنسبة للعديد من القوميين ، لكنها ليست كذلك بالنسبة للبعض الاخر وهم يشددون ويؤكدون على فرز الصفوف بناء على مواقف متذبذبة من احداث جارية ومتغيرة ، والمشكلة دائما في علاقة بين الفكر والممارسة .. اذ ان الفرز اذا كان بين التقدميين ، لا يتم على اساس المتغيرات الظرفية والتاويلات المتعلقة بفروع كل مشكلة ، بل على اساس الثوابت المتعلقة بالخيارات الكبرى للمشروع القومي ككل .. اي لا يكون الفرز على اساس الموقف من الاهداف التكتيكية المتعلقة بالمشكلات الظرفية ، بل على اساس قرب المواقف او بعدها من الهدف الاستراتيجي في كل جانب من جوانبه . 
واذا كان الفرز على مستوى المجتمع ككل فهو يتم بين التقدميين والرجعيين بحسب المحاور النضالية المطروحة في كل ساحة من الساحات وبحسب الملابسات التي تحف بكل مشكلة وانعكاساتها على مستقبل الصراع وتاثيرها على الاهداف الاستراتيجية ، فتاخذ التاويلات والاولويات مكانها في الجدل .. وقد يكون الفرز احيانا شاملا فئات مختلفة من القوى السياسية سواء من الانظمة او من صف المقاومة او من الاحزاب والسياسيين والاعلاميين وغيرهم تبعا لمتطلبات كل مرحلة اي قياسا على الاهداف المرحلية ، كأن يكون الفرز احيانا بين التحرريين والمستبدين ، وبين انصار الوحدة والاقليميين ، وبين انصار المقاومة والمستسلمين ، وبين الاشتراكيين والراسماليين ، وبين العملاء والوطنيين .. الى غير ذلك  من المعارك التي يمكن ان تؤدي الى الاشتباك بين اطراف هذه الصراعات في كل مرحلة من مراحلها ، وكلها مراحل مهمة من مراحل الثورة العربية والمشروع القومي ككل وبالخصوص قبل امتلاك الآداة القومية ..  وكل هذا من اجل رص الصفوف المقاومة – اي مقاومة – لهزيمة المشروع الرجعي الصهيوني  الامبريالي في الوطن العربي ، في الاقطار ، وفي المدن والارياف وفي الجامعات وفي النقابات ، وفي الخارج وفي كل مكان .. اي بمعنى اخر ان كل ما يكتب خارج هذا السياق مراهقة سياسية ومهاترات لا تكون نتائجها سوى اثارة معارك جانبية لا يستفيد منها الا اعداء المشروع القومي ...  

 ( القدس ) .




الثلاثاء، 28 أغسطس 2018

غاب ماكاين .. فمن الخاسرون ؟


 غاب ماكاين .. فمن الخاسرون ؟ 

لو اردنا ان نبدأ بالجواب مباشرة سنقول دون تردد ان الخاسرين في الوطن العربي هم اصدقاؤه .. واولهم الاخوان المسلمون ..حيث لا يستطيع أحد انكار او اخفاء الروابط القوية والعلاقات المتميزة بين جون ماكاين والاخوان . فكل من تابع تحركاته ولقاءاته خلال السنوات الاخيرة في جميع الساحات العربية  بعد سنة 2010 يلاحظ دون عناء كبير علاقاته المتينة بقادتهم ورموزهم ، التي تعبر عن المدى الذي وصله جون ماكاين في اقناع الادارة الامريكية بدور الاخوان كبديل للانظمة المتهالكة والمتعنتة على الامريكان في ان واحد .. فمن هو جون ماكاين ؟ وماهي مواقفه من العرب والمسلمين ؟ 
 جون ماكين هو ضابط الطيران الامريكي المشارك في قـتـل الاطفال وقصف المدن الفيـتـنامية خلال الحرب الامريكية على فيتنام والذي وقع اسقاط طائرته في احدى طلعاته سنة 1967 حيث بقي في الاسر حـتى سنة 1973 . وهو الصديق الشخصي لسفاح الشيلي " بينوشي " المستبد المتهم بجرائم القتل والتعذيب للابراياء .. وفي بداية الثمانينات بعد تقاعده ، بدأ نشاطه السياسي ففاز في انتخابات مجلس النواب سنة 1982 ثم فاز بعد ذلك بمقعد في مجلس الشيوخ سنة 1986 حيث بدأ  المشاركة في صنع القرار الامريكي و التاثير في السياسة الامريكية التي ظهرعليها التشدد تجاه قضايا العرب والمسلمين بفضل الصقـور المسيطرين على الادارة الامريكية خلال العـقـود الاخيـرة ، وخاصة في التسعـينات اذ ظهر ماكاين من أكبر الداعمين للحصار على العـراق ، ومن اكبر الداعمين للحرب على افغانستان سنة 2001 ، ثم للعدوان على العراق سنة 2003 ..  كما عـرف عن ماكاين ولاؤه الشديد ودعمه اللامشروط للكيان الصهيوني . فهو الذي أعلن سنة 2008 من تل ابيب :  " إن هذا هو الوقت المناسب لإعلان مدينة القدس عاصمة أبدية لـ " دولة إسرائيل " ويجب على المجتمع الدولى الاعـتـراف بهذا الحق " ، كما ظهر في محيط القدس وهو يمارس تلك الطقوس اليهودية بالتباكي على حائط البراق .. وهو المعروف ايضا بتلك المقولة الشهيرة : " لو استطعت قصف الكعبة لفعلتها وانتهينا " .. 
وجون ماكاين هو الذي عمل صحـبة الصهـيوني برنارد هـنري ليفي على دعم العدوان الاطلسي على ليبيا الذي وصل بموجبه الاخوان وحلفاؤهم الى الحكم هناك ، وهو الذي قدم لهم الدعم الكامل في سوريا  ممثلا للدور الامريكي الذي عـبر عـنه قائلا : "  ان هذا الدور الأكبر المنتظـر ضرورى جداً وهو بمثابة خدمة لإسرائيل الديمقراطية "  !.. ( اليوم السابع عن صحيفة يدعوت احرنوت يوم الاحد 7 يوليو 2013 ) .  
وقد ظهر التناغم بين الامريكان والاخوان في تونس ايضا  بعد الثورة ، سواء من خلال زيارة ماكين الى تونس ، او من خلال الزيارات المتكـررة لقيادات الاخوان الى واشنطن ، التي يأتي على رأسها زيارات راشد الغـنـوشي التي صرح في احداها حين سئل عن الدستور قائلا بانه " لن يذكر في الدستور الا ما يهم تونس " ، وهي اشارة واضحة لعدم ادراج فصل تجريم التطبيع المقترح في ذلك الوقت ، لطمأنة المسؤولين الامريكان والصهاينة الذين زارهم في معاهدهم المتخصصة ، ومراكـز بحـثهم الاستراتيجية المعـروفة بانحيازها لاسرائيل وتاثيرها الشديد على صنع القرار في امريكا وتوجـيه الراي العام العالمي والاعلام ، مثل معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى (The Washington Institute for Near East Policy) الذي زاره راشد الغنوشي في 30 نوفمبر 2011 اثر انتخابات المجلس التاسيسي ، وهو " معهد بحـث أمريكي تأسس سنة 1985 من قبل لجنة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية المعـروفة اختصارا بأيباك .. وينقل موقع تقرير واشنطـن إن الهدف من تأسيسه كان دعم المواقف الإسرائيلية من خلال قطاع الأبحاث ومراكز البحوث وأن أيباك كانت المؤسسة الأم للمعهد حيث أن مديره المؤسس هو مارتن إنديك رئيس قسم الأبحاث السابق باللجنة " ( ويكيبيديا ) .
 كما زار راشد الغنوشي  في 30 ماي 2013 مجلس العلاقات الخارجـية بواشنطن المتخصص في تحليل العلاقات والسياسات الدولية ، والذي يشبهه في اهدافه مجلس العلاقات الخارجية البريطاني او المعهد الملكي للشؤون الدولية المسمى ايضا مركز  " تشاتام هاوس "  للدراسات الذي زاره كذلك راشد الغنوشي في 26 نوفمبر 2012  لتسلم جائزالمركز السنوية الممنوحة له صحبة الرئيس المنصف المرزوقي  .  ويقوم هذا المعهد بنفس الدور الذي يقوم به مركز واشنطن تقريبا حيث يقدم نفسه على انه " منظمة غير حكومية ،  محايدة مهمّـتها الأساسية هي تحليل الأحداث الدولية الجارية ومراقبتها وتقديم حقائق عـنها لكل المهتمين مما قد يساهم إيجابا في تعميق فهم العالم لما يجري من أحداث وتطورات " .. ويُـعـتبـر المركـز طبقا لنفس المصدر من " أهم المراكز البحثية المهتمة بالقضايا السياسية في العالم " ( ويكيبيديا ) .
 ثم زار ايضا  أحد ابرز المراكز الداعمة لاسرائيل في 31 ماي 2013 وهو " مركز سابان لدراسات الشرق الأوسط (Saban Center for Middle East Policy) ، وهو مركز تفكير  في  الولايات المتحدة ،  يديره مارتن إندك  " . الذي انتقل اليه بعد أن اشتغل سفيرا للولايات المتحدة في تل أبيب .." ويأتي مركـز سابان في مقدمة أقسام الأبحاث بمعهد بـروكينغـز .. تأسس المركز في 13 ماي 2002  وسُمّي باسم المتبـرّع الأساسي لإنشائه رجل الأعمال اليهودي  الأميركي  حاييم سابان وقد دفع 13 مليون دولار أميركي لانشاء المركـز... " ( ويكيبيديا ) . 
 وقد كان راشد الغنوشي محل ثقة واهتمام من قبل مجلة " تايم " التي صنّـفته ضمن 100 شخصية عالمية ، و هي المجلة التي يظهر بوضوح انحيازها للاخوان في الكثير من المناسبات ، على غـرار مساندتها الواضحة لهم خلال محـنتهم الاخيـرة في مصر ودفاعها عـنهم باستمرار كما ورد في المقال المنشور بتاريخ 19 جويلية 2013 بعـنوان : اين مرسي ؟ جاء فيه حول الاعتقال : " كلما طالت مدة احتجازه ، ترسّخ الاعـتقـاد بأنه معـتقـل سياسي ، أو «سجين ضمير»، وهو مفهوم يجب على الحكومة الانتقالية تجـنّـبه  » ..   
أما عن العلاقات قبل الثورة فانها تشمل العديد من التسريبات حول الوساطات التي أجراها رضوان المصمودي رئيس مركز الاسلام والديمقراطية في واشنطن بين الاسلاميين والسفارة الامريكية في تونس سنة 2006 والتي شارك فيها العديدة من الشخصيات على راسها صلاح الدين الجورشي و سعيدة العكرمي زوجة سمير ديلو و حمادي الجبالي .. بالاضافة الى اللقاءات والرسائل المبعوثة لبن علي للاعلان عن التوبة " وطي صفحة الماضي " حسب تعبير حمادي الجبالي في تلك التقارير . (  the hilal post مقال بتاريخ 7جويلية 2013 بعنوان les relation sionistes du parti tunisien Ennahdha   ) .. وهي تقريبا نفس التسريبات التي أفصح عـنها منذ سنوات والمعـروفة بوثائق ويكليكس حول العلاقات بينهم وبين السفارة الامريكية في تونس في تلك الفترة .. هذا فضلا عن علاقاتهم المشبوهة قبل الثورة ، بمنظمة هيومن رايتس التي تـنشط في العالم تحت مسميات حقوق الانسان وهي تدعم في الواقع شخصيات تختارها و تصنع منها زعامات في بلدانها تروّج للسيسات التي لا تـتـنـاقض مع السياسة الامريكية  ، والتي كان وزير حقوق الانسان سميـر ديلو على علاقة متينة بتلك المنظمة ..                                                                         
ولعل المتتبع لكل هذه العلاقات والاهتمامات المتبادلة ، يتساؤل  من ناحية حول سر اهتمام راشد الغـنـوشي بتلك الدوائر البحثية ذات المرجعـية الصهـيونية المتخصصة في صنع القرار وتوجيه الرأي العام  ورجال السياسة والإعلام  لخدمة القضايا الحيوية للولايات المتحدة و حليفتها اسرائيل ..  ولماذا يلهث وراءها  ويسعى للتقرّب منها ؟ ومن ناحية ثانية حول اهتمام تلك الدوائر به شخصيا ، الى درجة أن أغرق مارتن أنديك في تقديمه للحاضرين خلال زيارته  لمعهد واشنطن  لمدة 4 دقائق بين الشكر والثناء عـليه واصفا إياه بـ " الإسلامي العـزيـز " .. !!                                                           
طبعا لا شك في ان المصالح والحسابات الخاصة والمنافع المتبادلة  تحكم كل العلاقات السياسية بين الاطراف المتقاربة ..
فالسيد راشد الغنوشي  يريد تبليغ رسائل وتطمينات  لنيل الرضا والقبول داخل الأوساط الامريكية التي لا تزال  تنظر بعين الريبة والشك  لجماعات الاسلام السياسي الصاعدة بعد ثورتي مصر وتونس .. وفي نفس الوقت نجد الجانب الأمريكي الذي خاض صراعات طويلة مع أجنحة مختلفة من تلك الجماعات في افغانستان والعراق ، يحاول ترويض الاخوان  لتكون حركتهم على شاكلة الانظمة العربية التقليدية في مواقفها وعلاقاتها بالامريكان  ، وجون ماكاين هو احد مهندسي هذا الترويض ...
من هنا تتضح ملامح  العلاقة من خلال هذه التوجهات والنوايا المستقبلية في بناء علاقات تخدم أهداف الطرفين على قاعدة " الولاء مقابل التمكين " .. وهو ما ستكشف عنه الايام في المستقبل .. أما بالنسبة للحكم على ما يجري الان ،  فيكفي أن نعـرف اهداف أمريكا في المنطقة ، ومواقفها المعادية للمصالح العربية والإسلامية ، ويكفي أن نتذكر فعلها الإجرامي في تدمير العراق واحتلاله ، ويكفي كذلك أن نذكر علاقاتها  بإسرائيل ، وما تقدّمه  من دعم لا محدود لهذا الكـيان الغاصب منـذ قــيـامه ، لكي يكـون قـادرا دائما على  قـتـل العرب و تشريدهم ، حـتـى نـعــرف طـبـيعة حـلفـائها  واصداقائها من ناحـية ..  ونفهم كـذلـك اسرار تـلـك العلاقات بينهما من ناحـية ثانية  .. فـالمثل يقول  : " قل لي من أصدقاؤك أقول لك من أنت " ..
والمؤكّد أن أمريكا لا ترضى الا عن الحلفاء الأوفياء الذين لا يرفضون سياساتها .. والذين يعملون طواعـية على تحقـيق أغراضها وهم  يفكـّرون فقط في تحـقـيق مصالحهم  التي تجعلهم دائما مستـعـدين لـتقديم التنازلات ..  وهو ما يذكّـرنا بما قاله الزعـيم الراحل جمال عبد الناصر في هذا الخصوص " اذا رأيتم امريكا راضية عـني فاعـلموا اني اسير في الطـريق الخطأ ".. وهي حكمة حقـيقـية تجعلنا نتساءل بجدية : اذا كان الذي ترضى عـنه امريكا يسـيـر في الطريق الخطأ ، فماذا نقول عن أصدقاء ماكاين ، وبرنارد ليفي ، ومارتن انديك ، وغيرهم من الصهاينة البارزين ..؟ !!

 ( القدس ) .
    
    

 

الأحد، 19 أغسطس 2018

مجلة الحريات .. حق يراد به باطل ..


 مجلة الحريات .. حق يراد به باطلا ..

 
بالرغم مما يبدو في المجلة من فائض ايجابي للحريات الفردية لكنها لا تخلو من عديد الاسقاطات لكثير من الحلول التي تنتفي مشاكلها في الواقع ، كما انها تتجاهل عمدا طرح حلول كثيرة لمشاكل ذات صلة مباشرة بالحريات مطروحة بالفعل وبقوة في المجتمع . وهذه بعض الملاحظات العامة حولها :
- الحكم على مجلة الحريات بالسلب او بالايجاب ( قبولا او رفضا ) ، لا يجدي التركيز فيه على نواحي منها دون نواحي اخرى ( انتقاء ) ، او على الاشخاص بقصد النيل من اعضائها ( انتقاص ) للطعن  في جديتها او جدية اصحابها ، فالعملية اكبر من الشخصنة .. لانها تاتي في اطار نسق ايديولوجي كامل وضعت من خلاله المجلة من اجل فرض مشروع مجتمعي يطرح تصورا كاملا للدولة والمجتمع من وجهة نظر ليبرالية موغلة في القيم الفردية تتستر برؤية دينية مشفوعة بمؤيدات من القرآن والسنة ، فتستغل الاجتهاد الديني دون ان تعتمده ولو جزئيا في البناء على اسسه واصوله وثوابته في اي مجال من مجالات التشريع المقترحة ..
- كل الامثلة من الآيات والاحاديث الواردة في الاسشهاد منتقاة للتاكيد على ظاهرة التطور وهي مسالة محسومة تقريبا يسلم بها الجميع ، ولكن ياتي ذكرها والتاكيد عليها من اجل تمرير فكرة التجاوز الزمني كمبرر لتجاوز النص الديني قصد استبعاده من حياة الناس ( مثل الاستشهاد بظاهرة اختفاء الرق والعبيد وتجاوزه في التشريع ) .
- مرجعية قوانين المساواة تعتمد بالكامل على القوانين المتعلقة بحقوق الافراد الواردة في القوانين الدولية ذات المنابع الليبرالية الاوروبية التي ازدادت تكريسا لطغيان النموذج الغربي في اطار المفهوم الجديد للعولمة دون اي اعتبار لخصوصية المجتمع وشخصيته الحضارية .
- حسب مشروع القوانين الوارد في المجلة فان التوجه العام الذي يقود وجهة اصحابها والجهات المحيطة بهم يتجه نحو ارساء اسس جديدة للتشريع في تونس قاعدتها الوحيدة المفهوم المجرد للحريات الفردية والمساواة التامة بين الجنسين مما يقتضي لاحقا تغيير كل القوانين الجاري بها العمل ، كما يجعل من مجلة الاحوال الشخصية التي دار حولها جدلا واسعا داخل تونس وخارجها ، مجلة " رجعية " طبقا لمفهوم " الحداثة " الذي يدعيه الفرنكفونيون  . 
- في  المجلة تضخم واضح للحريات الفردية وتجاهل كامل لعلاقة الفرد بالمجتمع ( الفرد فوق المجموعة ، حرية الفرد فوق القضايا العادلة ) .
- في مجلة الحريات تجاهل كامل للمساواة وعدم التمييز في النواحي الاقتصادية والاجتماعية وقد ورد مرارا في المجلة سلسلة من الامثلة المعتمدة في تطبيق المساواة ومنها عدم التمييز من حيث الجنس اواللون اوالعرق .... او الثروة .. ( مساواة بين الغني والفقير ، وبين العليل والسليم ، وبين القوي والضعيف ، وبين العاطل عن العمل والمشتغل ، وبين المحروم من التعليم والمتعلم  ، وبين المستغل وضحية الاستغلال ... وهي من اهم انواع  التمييز التي تتجاهلها المجلة ) ...
- تقدم المجلة في تبريرها لاقرار مبدا المساواة وعدم التمييز بين الافراد عموما وبين الرجل والمراة بشكل خاص بعض الفصول الواردة في الدستور ، ومنها التي تؤكد على مبدا المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات ومدنية الدولة ثم تقدم تأويلا لها على انه يفيد بان مصدر التشريع الوحيد هو ارادة الشعب ( في اشارة لنوابه ) ، وان المساواة يجب ان تشمل كل مجال الحقوق والحريات بما فيها الميراث ، ولكنه يتناسى الفصل الذي ينص على الهوية الدينية للمجتمع . ( تاويل فصول من الدستور يتعارض فيها الاجتهاد مع تاويل فصل اخر منه ) .
- الاعتماد على المفاهيم الليبرالية للمساواة وعدم التمييز بين الجنسين كمرجعية وحيدة في تحديد العلاقات العامة في المجتمع وعلاقة الرجل بالمراة ووضعهما في الاسرة وعلاقتهما بالابناء والفروع وفي قضايا عديدة تطرحها المجلة ( رئاسة العائلة ، المهر ، الولاية على الاطفال ، الميراث ، اللقب العائلي ..... مقترح تغيير قوانين العدة ... مقترح الغاء قانون غلق المقاهي في شهر رمضان ، مراجعة القوانين الخاصة ببيع المشروبات الكحولية ..  ) ، كل هذا يؤدي بالضرورة الى استبعاد المرجعية الدينية بالكامل ( تشريع يخلو تماما من روح الاسلام ) وينسف اي علاقة للمجتمع بهذا الدين ، مما يجعل المرجعية المعتمدة في تناقض صارخ مع الفصل الذي ينص في الدستور على ان تونس دولة دينها الاسلام . وقد ورد معنى الاستبعاد بشكل ضمني وشبه صريح  في المجلة  ..
- تحتوي المجلة على تضارب في اقتراح القوانين الردعية ( عقاب بالسجن او بخطية مالية ) من حيث اهمية القضايا وتاثير ضررها الذي يقع على الفرد او على المجتمع وقضاياه الكبرى ، حيث تكون عقوبة فتح رسالة ثلاثة اشهر سجنا وخطية ب 1000 د ، وتعاطي البغاء والعلاقات الشاذة  500 د فقط .. الاحتجاج على اعمال ذات علاقة بالتطبيع يؤدي الى عقوبات سجنية تتراوح بين سنتين وخمس سنوات وعقوبة مالية تتراوح بين 10 الاف و20 الف دينار مع الحرمان من الحقوق المدنية  ، في حين تخفف عقوبة السب والشتم والاعتداء على الاخلاق الحميدة ( التعري وكشف العورة عمدا والفواحش بانواعها ) من السجن ستة اشهر والف دينار الى 500 د فقط .. الغاء عقوبة الاعدام في المطلق دون اعتبار القتل عمدا وحالات الارهاب .. الخ .
- اخلاء الحريات الفردية في مجال الفن والادب والانشطة الفكرية عموما من اي ضوابط  اجتماعية تهم كل ما هو مشترك بين شرائح واسعة من المجتمع ، او من اي ضوابط اخرى  في علاقة بالقضايا القومية ، من شانه ان يكون غطاء لانشطة معادية لقضايا المجتمع واستهدافا لهويته ، وفي الحد الادنى استفزاز لمشاعر الناس ومعتقداتهم ، او تمرير سياسات معادية لقضاياهم العادلة ، فضلا عما يلقونه من عقوبات اذا حاولوا الرد على الاستفزاز ( القضية التي رفعتها حركة الشعب ( ورد ذكرها بالاسم في المجلة ) وادت الى ايقاف الشريط السينمائي عن العرض ) ..

طبعا ان يقع كل هذا وتونس لم تقدر بعد على حل مشكلات البقاء على قيد الحياة بالنسبة لشرائح واسعة من المجتمع معناه الذهاب بها الى صراعات لا علاقة لها بواقع الناس وهمومهم اليومية  .. وقد كان من الاجدى تقديم مقترحات تتتعلق بالمساواة وعدم التمييز بين المراة في المدينة والمراة في الريف ، او بالمساواة وعدم التمييز في الجانب الاقتصادي والاجتماعي والتنموي قبل أي حديث اخر متصل بهذا الموضوع ..
 ثم ان تركيز  المعارضين للمجلة على شخص رئيس اللجنة لا يعني شيئا بالنسبة لمضمونها خاصة ان اللجنة تضم شخصيات ذات مرجعيات دينية " اسلامية " وحقوقية التقت حول مفاهيم الحريات الليبرالية مع الجهة المدبرة ، وهو ما يفسر التقاء الاحزاب اليمينية بكل اطيافها على خيارات عديدة مشتركة في تصور مفهوم الدولة ومؤسساتها ،  تجسدت عمليا تحت مسمى التوافق سواء في المرحلة الاولى بعد 2011 او في المرحلة الثانية بعد 2014 .. وان كان جزء كبير من المنتمين لهذه القوى قد استفاق على وقع مشروع القوانين المستفزة لمشاعرهم الدينية فانه قد فاتهم بان قوانين كثيرة كان يجري الترتيب لها قصد تمريرها على مراحل وتحويلها الى امر واقع من خلال  المصادقة على الاتفاقيات الدولية في ظل حكم هذه الاحزاب منذ سنة 2011 (  وقع سحب مبدأ التحفظ على قوانين المساواة في الولاية والوصاية على االاطفال طبقا لمبدا المساواة خلال سنة 2011 ) ، وفي سنة 2014 ( تم اعلام الامم المتحدة بسحب التحفظ في افريل 2014 ، كما وقع في نفس التاريخ سحب الاحتراز والتحفظ على مبدا المساواة التامة وعدم التمييز بين الرجل والمراة  ، وهو المبدأ الذي يحاول انصار المجلة تعميمه على كل مجالات الحياة بما فيها الارث .. ) ، وفي سنة 2015 ( تم خلالها اقرار حق المراة في استخراج جوازات سفر للاطفال وخروجهم معها دون ترخيص من الاب طبقا لقانون المساواة وعدم التمييز بين الاب والام .. ) وآخرها انظمام تونس الى بروتوكول الميثاق الافريقي لحقوف الانسان سنة 2018 الذي الحق به برتوكول حقوق المراة في افريقيا ويتضمن اشارات صريحة للمساواة ومنها الميراث  .. وكلها التزامات تستدرج تونس ودول كثيرة للقبول بما جاء في مشروع القوانين الواردة في مجلة الحريات والمساواة ، وحصر مفاهيمها لدى شعوبها في مضامينها الفردية المجردة التي يسهل استيرادها وتركيبها باسم الاشتراك في الانسانية ..
في المقابل بالنسبة للقوى الرافضة لتعميق الانقسامات المجتمعية ، وخلق صراعات ثانوية تتمحور حول مضامين الهوية واستغلالها  في تحريك الشارع وتحشيد الناس مع كل دورة انتخابية جديدة ، فان انسحابها او ترددها في خوض مثل هذه المعارك  ، اضافة الى كونه يمكن ان يفسر بالهروب من معارك مستحقة ، فهو تعبير واضح عن حالة الضعف وعدم القدرة على التخطيط المسبق للتحكم في سير الاحداث ولو بسحب البساط من تحت اقدام القوى اليمينية التي تبدو في نظر الناس بانها الاقدر والاقوى دائما على شد انظارهم اليها وحدها ... والمطلوب في مثل هذه المعارك وقبل اي رد احتجاجي ميداني ، ان  ترد بتقديم المشاريع البديلة واظهارها للناس في وقتها .. الم يكن باستطاعة القوى التقدمية تكوين لجنة مماثلة تشتغل على نفس المحاور لتطرح  بدائلها للناس في علاقة بواقعهم  وظروفهم المعيشية ، من اجل التقدم  بالصراع نحو صراع المشاريع والبدائل الحقيقية التي تستجيب للواقع وتقدم افكارا جديدة لمفهوم الحريات الاجتماعية  ،  بدل فرض مفاهيم الحرية اللبرالية التي يقودها وكلاء الراسمال العالمي في تونس .. وهو ما يتطلب تحيين مستمر لقراءة الواقع والتخطيط المحكم لافشال مخططات القوى اليمينية المستعدة دوما لاخذ الناس حيث تريد ..
في النهاية لا بد ان نسجل كم المغالطات الواردة في مشروع مجلة الحريات والمساواة حيث نجدها تدقق في اي فكرة ذات صلة باي قانون قديم او اي منشور يتضمن انتقاصا او تضييقا على الحريات الفردية " من وجهة نظر حداثية ليبرالية " او تفرقة وعدم مساواة بين الجنسين ، ليجعل منها قاعدة مطلقة ووحيدة لمفهوم الحداثة والديمقراطية تفرز بالضرورة مناصرين للمجلة وهم الحداثيون الديمقراطيون ، مقابل المعارضين لها وهم الرجعيون واعداء الحداثة ، متناسين - من ناحية - التوافقات الحاصلة في الواقع بينهم وبين شريحة واسعة من معارضي المجلة ، ومن ناحية اخرى الجوانب المهمة التي يتجاهلها اليمين الليبرالي بكل اطيافه الحداثية والاسلامية والحقوقية بالنسبة للفرد والاسرة والمجتمع ، وهي المساواة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعيىة والتنموية والتي تشمل كل الثنائيات في المجتمع : بين الرجال من ناحية اولى وبين النساء من ناحية ثانية ثم بين الرجال والنساء من ناحية ثالثة .. 
من بين المغالطاة الاخرى والدهاء الموجود في المجلة  اسلوب الترغيب الذي يحمل الناس على القبول بمحتواها دون ان يضمن لهم شيئا ملموسا .. فأصحابها يسعون الى ضبط كل شاردة وواردة من حياة الناس في الاسرة والمجتمع بقوانين صريحة الكثير منها يعرّض مخالفيها للعقاب بالسجن والخطايا المالية ، او يجبر الناس على الامتثال للقوانين الواردة فيها حينما يلتجئون للقضاء ، ثم يوهمونهم بانها غير ملزمة لمن لا يرغب في تطبيقها .. !! ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا لا يطبق العكس ؟ اي ان تبقي المسائل الخلافية على حالها وتترك الحرية لمن لا تعجبه القوانين الحالية  في ممارسة قناعاته بالاتفاق مع اسرته .. ؟ 
من الدهاء ايضا في هذه المجلة العجيبة الاستشهاد بايات قرانية او بسيرة الصحابة ( تجاوز حكم العبيد ، تعطيل نص المؤلفة قلوبهم ، تعطيل حد السرقة ...) تاكيدا على سنة التطور فقط من اجل استبعادها والخروج نهائيا من مجال التشريع الاسلامي ، ثم الدخول في مجال الخبط العشوائي والتلفيق دون اعتبار لطبيعة المجتمع ومعتقداته وهمومه اليومية .. والا فماذا يعني الغاء مشروع قوانين غلق المقاهي في رمضان ، ومراجعة قوانين بيع المشروبات الكحولية ، والغاء العدة ،  وتجريم الاعتراض على انتهاك القضايا العادلة ، وتهوين جرائم الاعتداء على الاخلاق الحميدة وارتكاب الفواحش علنا مقابل تجريم من يفتح رسالة قد تكون مفتوحة اصلا منذ ارسالها .... ؟ وما علاقة كل هذا بالمساواة والتطور .. ؟؟ وكيف يمكن استبعاد كل الايات القرانية القطعية الآمرة الناهية الضابطة للحدود المتوعدة لكل من يتعداها او يرفض القبول بها كمرجعية للحكم بين الناس كما جاء في العديد من الآيات حسب المجالات :
1) في مجال التشريع والتزام الحدود :
- ان انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله ولا تكن للخائنين خصيما . ( النساء 105 ) .
- الم تر الى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يدعون الى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون . ( ال عمران 23) .
- وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه . ( البقرة 213 ) .
- ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون . ( المائدة 44) .
- ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الظالمون . ( المائدة 45) .
- ومن لم يحكم بما انزل الله فاولائك هم الفاسقون . ( المائدة 47 ) .
- فاحكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع اهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا شرعة ومنهاجا . ( المائدة 48 ) .
- وان احكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع اهواءهم واحذرهم ان يفتنوك عن بعض ما انزل الله . ( المائدة 49 ) .
- افحكم الجاهلية تبغون ومن احسن من الله حكما لقوم يوقنون . ( المائدة 50 ) . 
- وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه الى الله . ( الشورى 10 ) .
- ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها ولا تتبع اهواء الذين لا يعلمون . ( الجاثية 18 ) .
- تلك حدود الله فلا تقربوها . ( البقرة 187 ) .
- تلك حدود الله فلا تعتدوها . ( البقرة 229 ) .
- ومن يتعد حدود الله فاولائك هم الظالمون . ( البقرة229 ) .
- ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله . ( المجادلة 4) .
- وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون .  ( البقرة 230 ) .
- تلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه . ( الطلاق 1 ) .
- ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها . ( النساء 14 ) .
- ان الذين يحادون الله ورسوله اولئك في الاذلين . ( المجادلة 20 ) .
- ولا تتخذوا ايات الله هزوا . ( البقرة 231 ) .
2) في مجال الطلاق والعدة والحاضانة والنفقة : 
- الطلاق مرتان فامساك بمعروف او تسريح باحسان . ( البقرة 229 ) .
- فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره . ( البقرة 230 ) .
- فان طلقها فلا جناح عليهما ان يتراجعا ان ظنا ان يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون . ( البقرة 230 ) .
- واذا طلقتم النساء فبلغن اجلهن فامسكوهن بمعروف او سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ، ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه . ( البقرة 231 ) .
- والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ان كن يؤمنّ بالله واليوم الآخر . ( البقرة 228 ) .
- يا ايها الذين آمنوا اذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل ان تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا . ( الاحزاب 49 ) .
- يا ايها النبي اذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة واتقوا الله ربكم . ( الطلاق 1 ) .
- وان كن اولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فان ارضعن لكم فاتوهن اجورهن  واتمروا بينكم بمعروف وان تعاسرتم فسترضع له اخرى .ِ ( الطلاق 5 ) .
- والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا يتربصن بانفسهن اربعة اشهر وعشرا . ( البقرة 234 ) .
- والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين لمن اراد ان يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس الا وسعها . ( البقرة 233 ) .
3 ) مجالات اخرى :
في القرآن الكريم مجالات عديدة من الحياة الاجتماعية تضبطها احكام صريحة وواضحة من خلال الآيات التي يظهر فيها جليا نفاذ حكمها واستمراريته وملازمته للتطور لتنظيم الحياة داخل المجتمع المسلم في كل زمان ومكان تشمل حدود المعاملات والعلاقات بجميع انواعها بالامر او بالنهي او بالتحريم ومنها مجالات الارث ، البيع والشراء ، صلة الرحم ، الزواج ، المهر ، شهادة الزور ، السلوك والاخلاق العامة ، حرية العقيدة ، الطعام ، الشراب ، السرقة ، الاستغلال ، اليتامى ، وغيرها ...
وبالتالي فان القاء نظرة بسيطة على الآيات القرانية في شتى المجالات من جهة ، ومشروع المجلة من جهة ثانية ، يبين مدى هوّة الانفصال بينهما .. فماذا يعني تجاهل كل هذا الكم من الآيات الصريحة من عند الله الداعية للوقوف عند حدوده واتباع اوامره واجتناب نواهيه .. ؟ 
انه يعني ببساطة الخروج من مجال التشريع الاسلامي في علاقته بالهوية العربية الاسلامية للمجتمع والدخول في مجالات عديدة مفتوحة على التبعية والخضوع للهيمنة  التي تفرضها العولمة ، ومن ابرز سماتها في هذه المجلة :
- المخالفة الصريحة لدستور دولة مدنية دينها الاسلام .
- اسقاط التشريع الغربي بتوجهه العلماني على مجتهع يعتبر الاسلام مكون اساسي لشخصيته الحضارية بخلاف تلك المجتمعات .
- تحويل النص القرآني الى مجرد نص تاريخي جامد يمكن تجاوزه واسقاطه بالتقادم ومرور الزمن .
- افتعال مشكل بين هوية المجتمع وقيمه الحضارية وبين مفهوم " الحقوق والحريات والمساواة " التي تعتبر قيم ثابتة في الاسلام .
- ايهام الناس بان المرجعية الاسلامية في التشريع تقف عقبة امام " الحداثة " بمفهومها الليبرالي الغربي ، وان الحرية والمساواة مطلقة دون قيود باعتبار علوية الفرد على المجتمع .
- ايهام الناس بان الحرية والمساواة تقوم فقط على سن القوانين دون بناء المؤساسات التشريعية والقضائية السليمة وتطهيرها من الفساد والمفسدين .
- ترويج مفهوم مظلل للحرية والمساواة بين الناس يستبعد الجوانب الاقتصادية والاجتماعية بكل مضامينها الانسانية حيث لا حرية ولا مساواة دون شغل وتعليم وصحة .. ورعاية كاملة في ظل الاسرة والمجتمع ...
- عكس قاعدة التشريع من الاغلبية الى الاقلية وفتح مجالات واسعة لانتهاك الحدود والقيود الاجتماعية التي تنظم الحياة في المجتمع وتفجر الصراعات وتقود الى التطرف .
- تحويل وجهة الصراع الاجتماعي من مجالات التنمية ومحاربة الفساد وبناء مؤسسات مستقلة تضمن الحريات والمساواة بجميع ابعادها الفردية والاجتماعية الى مجالات الصراع حول الهوية وتفرعاتها ... الخ .
خلاصة القول ، كل هذا ليس له الا معنا واحدا : مشروع الحريات والمساوة في مجتمعنا حق .. يراد به باطلا ..
الحق بيّن في حاجة المجتمع الى الحريات والمساواة على جميع المستويات التي تكرر ذكرها وبيانها .. لكن الباطل بيّن وواضح ايضا في محاولة فرض توجهات ايديولوجية صرفة على المجتمع وزرع قيم مستوردة من المجتمعات الغربية ذات الايديولوجيا الليبرالية الفردية باسسها الاقتصادية الراسمالية المتوحشة لتعميق الاغتراب وتنمية الشعور الاقليمي بين افراده استكمالا للخطوة التي بدات منذ فجر الاستقلال ، لكنها لم تنجح تماما في عزله عن محيطه الطبيعي بقيمه الحضارية  الجماعية في ظل السياسات السابقة ، مما استوجب استبدالها بوسائل جديدة تعمل على اجتثاثه نهائيا من جذوره خدمة لمشروع الهيمنة الاستعمارية الذي تفرضه سياسة الولاء والخضوع للاملاءات الخارجية ، تحت مسمى " الحرية والديمقراطية والمساواة " .. 
 ( القدس ) .
 

الأحد، 5 أغسطس 2018

المقاومة العربية بين الموقف القومي وحالات الاستقطاب ..


 المقاومة العربية بين الموقف القومي وحالات الاستقطاب ..  

لا تزال حالة الاستقطاب متواصلة بين اطياف متعددة من السياسيين من خلال المواقف والمواقف المضادة من الصراع الدائر في سوريا رغم مرور سبع سنوات كاملة ، كانت كافية لكشف العديد من الخفايا في هذا الصراع الذي رأيناه يتمدّد ويتقلص حسب موازين القوى داخل سوريا وخارجها في ساحات متعددة .. وبقطع النظر عن اوجه الاختلاف وتفاصيل السجال ، فان حقيقتها واحدة وهي حالة من حالات المقاومة العربية ضد الغزو الخارجي والهيمنة والتفتيت لنسيج المجتمع . ونتائجه واحدة أيضا بالنسبة لجميع الاطراف الغائبة ميدانيا عن ساحات المعارك ، فاما استقطاب للجانب السوري الذي يواجه القوى الخارجية المعتدية عن طريق الحشد والتأييد الدعائي والاعلامي والمواقف التي تطفو خلال النقاش امام الراي العام ، واما استقطاب ومراكمة للجانب الاخر تحت عنوان المعارضة الدعائية والاعلامية للنظام  بكل وسائلها .. لا وجود لامكانية ثالثة لاستقطاب ثالث مهما كانت الحجج والدوافع . اما امكانية الوقوف على الحياد مهما كانت خلفياتها ، وهي في الغالب خلفيات اقليمية ، فهي اكثر المواقف هروبا من المسؤولية  والواقع  الذي تهدّد فيه مثل هذه الحالة جميع الاقطار .. وما يهمنا من الحديث في هذا الموضوع هو الجدل الدائر بين القوميين على امتداد ساحات الوطن العربي التي لا تخلو بدورها من ثنائية الاستقطاب ، في ظل الفراغ وعدم القدرة على الفعل .. 
ما يلاحظ في العديد من النقاشات بين القوميين حول مسالة الثورات في علاقة بالديمقراطية من جهة وبالتدخل الخارجي والتحالفات وغيرها من جهة اخرى على غرار ما يجري في سوريا هو غياب ناحيتين مهمتين : 
الناحية الاولى متعلقة بالجانب الحركي للقوميين الذين يهاجمون ويحاكمون ويخوّنون بعضهم البعض وهم خارج المشهد تماما ، يعانون من الضعف والتشتت في غياب التنظيم الديمقراطي الواحد الذي يجمع شتاتهم ويوحّد كلمتهم ويحسم خلافاتهم ، اي انهم موضوعيا لا تتوافر لهم ظروف الجدل الداخلي الذي يؤطر الاختلاف بينهم ليحتكموا في النهاية الى راي واحد هو راي الاغلبية للابقاء على وحدة الحركة . اضافة الى ذلك – وفي ظل هذا الوضع - هم يسعون الى المستحيل حين يعتبرون ان اي اختلاف في اي نقطة ثانوية متعلقة بالمتغيرات هي بمثابة نقطة اللاعودة التي يمكن ان تؤدي الى افتراق المسارات بينهم متناسين اولا ، ان الفكر القومي الذي يجمعهم هو الثوابت وليس المتغيرات .. اي انهم يتجاوزون حتى الدين نفسه الذي ضبط ثوابت للمتدينين سماها المحكمات ، وترك لهم مساحة واسعة للاختلاف والاجتهاد سماها المتشابهات .. ومتناسين ثانيا ، ان منهجهم ذاته ، تقوم حركاته كلها على التفكير والاجتهاد : الاجتهاد في فهم المشكلات والظروف ، والاجتهاد في ايجاد الحلول المناسبة للواقع ، والاجتهاد في تنفيذها بالعمل بما يلائمها من ضمانات للنجاح .. وهو ما يعني – حتى في ظل امتلاك المنهج – امكانية الاختلاف والوقوع في الخطا ، لان المسالة تعود بالدرجة الاولى للمقدرة الجدلية لكل انسان ، فيكون الجدل الاجتماعي الارضية الانسب للاتفاق وتجنب الاخطاء لما يوفره من امكانيات تجعل المقدرة الفردية تتضاعف بالاشتراك في الجدل ..   
الناحية الثانية بالنسبة لمن يستند الى مواقف الدكتور عصمت سيف الدولة من الديمقراطية ومقاومة الاستبداد التي قدمها في نظرية الثورة العربية والتي يبني عليها الكثيرون مواقفهم من التحالفات واطراف الصراع ، تتعلق بالمنهجية والتوظيف والاسقاط على الواقع ، حيث قدم الدكتور افكاره واجتهاداته في علاقة مباشرة بالواقع العربي ومشكلاته التي حددها في ثلالث : الاحتلال والتجزئة والتخلف ، فجاءت الحلول المناسبة كما يعبر عنها الشعار القومي المتداول – وبقطع النظر عن الترتيب – الحرية والوحدة والاشتراكية ، كاهداف نضالية استراتيجية يقودها تنظيم واحد باستراتيجيا واحدة وقيادة واحدة ، مقسمة على مراحل خلال مسيرة نضالية قومية طويلة لتحقيق دولة الوحدة الديمقراطية الاشتراكية الخ .. وهكذا فان كل ما جاء في هذه الكتابات والاجتهادات باسسها ومنطلقاتها وغاياتها واسلوبها قائم على اساس حسم جزء مهم من المعارك الفكرية التي تستنفذ طاقات هائلة من جهد القوميين ، للمرور مباشرة الى مراحل الاعداد لقيام التنظيم الطليعي الذي سيقود الثورة العربية حتى تحقيق اهدافه .. فكان الحديث عن طبيعة الانظمة الاقليمية وتجاربها الفاشلة واستبدادها والثورة عليها حتى اسقاطها جميعا ياتي في اطار المواجهة معها وجها لوجه ، في ظروف غير الظروف التي تحدث في سوريا الان .. مما يعني ان الموقف القومي من قضية الديمقراطية ومن الانظمة الاقليمية بجميع انواعها واحد ، لكن التعامل مع الظروف يختلف ...   
وفي هذا الجانب بالنسبة لمن يريد العودة لمواقف الدكتور عصمت سيف الدولة تحديدا عليه ان يبحث عنها فيما كتبه في كتابات اخرى تتطرق الى اوضاع مشابهة لما يحدث في سوريا ، اي في علاقة بمشكلة الديمقراطية والثورة والوحدة العربية في ظل التدخل الخارجي ، ومنها ما ورد  في دراسة معروفة بعنوان " الديمقراطية والوحدة العربية " ذكر فيها اولا بيانا مفصلا للفرق بين الديمقراطية كما يطرحها اليوم الحقوقيون في علاقة بالشعب ، وهم يقصدون شعوب الدول الاقليمية فيزايدون على القوميين بالديمقراطية ، وبين الديمقراطية كما يطرحها القوميون ، حيث لا يتوقف السقف عندهم بتحقيق الديمقراطية الانتخابية في الاقاليم ، بل يتعداه من ناحية الى وجهها الاجتماعي مطالبين بالديمقراطية الاجتماعية ، ثم الى الوحدة ، لان مفهوم الشعب عندهم محدد بمفهوم الامة وهي ذات وجود سابق على الدولة التي يتحدث عنها الاقليميون ، مما يجعل للقوميين سقفا  اعلى  واسبابا اكثر وجاهة واهمية لرفض الحكام في الدول الاقليمية - حتى ولو كانوا قوميين - من هؤلاء المتشدقين بالديمقراطية ..  
يقول عصمت سيف الدولة في الدراسة المذكورة :  " العبرة في دراسة الدولة كما يطرحها الفقه الليبرالي تكون "بالشعب" وليس "بالأمة" والفارق بينهما أن الشعب عنصر من عناصر الدولة يتحدّد بحدودها بينما الأمة تكوين اجتماعي سابق على الدولة " . وهو ما يعني ان العبرة بالنسبة للديمقراطية كاسلوب لتطور المجتمع تكون باثرها على الامة باكملها وليس على الدولة الاقليمية وحدها . فاذا كان التغيير في اي قطر عربي يتم بادوات شعبية محلية للقضاء على الديكتاتورية وحكم الفرد او العائلة او القبيلة ويجلب الديمقراطية السليمة  للشعب فالموقف القومي سيكون بالضرورة مع التغيير والثورة ، اما اذا كان التغيير يتم بادوات اجنبية ومرتزقة ملثمين لا صلة لهم بالواقع ولا علاقة لهم بالشعب فهو تخريب واحتلال وعدوان متخفي تحت عباءة الديمقراطية  ، فيكون الموقف القومي مع مقاومة العدوان ، وتكون الاولوية – موضوعيا -  للدولة في ادارة المعارك والتحالفات مع قوى المقاومة والقوى الحليفة التي يفرزها الصراع ، لا مفر من ذلك للانتصار على القوى الغاشمة بمثل ما تعرضت له سوريا قوة وعددا وعدة وعتادا ومعتدين .. 
كما ذكر ثانيا في نفس الدراسة فقرة اخرى مهمة وحاسمة تتعلق بموضوع الحديث قال فيها : " إن الدولة  والديمقراطية من حيث هما نظام إدارة وتطوير المجتمع المشترك ، يفترضان ابتداء ، إن هذا المجتمع ، بإمكاناته كلها ، متاحة لكل الشعب فيه حتى تبدأ عملية التنظيم والتطور، أما إذا لم تكن إمكانات المجتمع متاحة للشعب ، بأن كانت محتلة أو مغتصبة أو مستغلة أو تابعة لدول أخرى، فإن المشكلة التي تثور أولا تكون مشكلة تحرر قومي . وهي قابلة للحل ديمقراطيا مثل كل المشكلات ولكنها حينئذ ستكون ديمقراطية الثورة التحررية التي يلتزمها الثوار فيما بينهم ، فيعرفون أفضل السبل الثورية لتحرير مجتمعهم . أما رفع رايات الديمقراطية عالية وعريضة لتخفي مشكلة الاستيطان والاستعمار الظاهر والخفي والتبعية المفروضة أو المطلوبة ، فهو تواطؤ ضد الشعب ، وضد الديمقراطية ، وضد الوحدة ، مع أعدائهم جميعا ".  اي ان الدكتور يؤكد مرة اخرى بانه لا يفهم الديمقراطية فهما صحيحا الا في علاقتها بسلامة الوجود القومي ، ليكون طرحه متفقا تماما مع مقولته الشهيرة " الوجود شرط التطور " ..
شيء من هذا نجده ايضا في دراسة اخرى شهيرة ومعروفة تحت عنوان " المقاومة من وجهة نظر قومية " تؤكد وجهات النظر المؤيدة للدولة السورية في الدفاع عن اراضيها وهي تتعرض لغزو خارجي بيّن وواضح وضوح الشمس من خلال هوية المعتدين والجهات الخارجبة الداعمة لهم .. يقول الدكتور عصمت سيف الدولة بعد ان يستعرض خصائص الحركة القومية واهدافها الاستراتيجية والمرحلية في جميع المراحل النضالية وتحديد موقفها من القضايا القومية والمقاومة بشكل خاص ، فيذكر ضوابط الموقف القومي من كل ما له علاقة مباشرة باقامة دولة الوحدة الديمقراطية الاشتراكية كأن يقوم اعتداء او عدوان يستهدف الوجود القومي ارضا وبشرا ليكون حائلا في المستقبل امام تلك الغاية  : " اذا كان ذلك الغزو ( يقصد الغزو الصهيوني الامبريالي ) قد بدأ واتسع ونجح في غيبة القوى القومية – الطرف الاصيل في المعركة – فانه قابل للاتساع والنجاح طالما كانت القوى القومية بعيدة عن ساحة القتال .. " .  
ولكن ما العمل حينما تاخذ الدولة الاقليمية زمام المبادرة في التصدي للعدوان  كأن تقرر استرداد اراضيها المحتلة من اي طرف خارجي مثل العدو الصهيوني فتتحول من حالة الدولة الاقلمية السلبية الى حالة مقامة ؟  
يجيب الدكتور بكل وضوح عن الموقف القومي : " ان الدول العربية التي فقدت اجزاء من اقاليمها في حرب يونيو 67 قد اصبحت طرفا اصيلا في المعركة الى ان تزول اثار العدوان ، ولهذا فان الموقف القومي يتطلب دعم مقدرتها على الصمود وتنمية مقدرتها على القتال ودفعها الى المعركة والحيلولة دون انسحابها منها او استسلامها .. "
 طبعا السؤال الذي يطرح نفسه على الذين يقفون ضد الارهاب وضد النظام في آن واحد ، كيف سيتحقق دعم المقدرة على الصمود وتنميتها على القتال ودفعها الى المعركة والحيلولة دون انسحابها منها دون دعم – ولو معنوي – للدولة والجيش والنظام بالذات ؟ 
ولكن ما العيب في ذلك اذا كان قبولنا بدعم الحالة السورية مبني على اساس انها حالة مقاومة ؟  
الجواب نجده واضحا مرة اخرى في نفس المرجع عند الدكتور عصمت سيف الدولة وهو لا يخص فقط دعم الطرف المقاوم بل يتعداه الى الحلفاء والمناصرين للقضية ، فيقول في دعم المقاومة :" .. ولكن الالتزام القومي يفرض علينا ان نؤيد وندعم المقاومة ككل ، ونؤيد وندعم المقاومة الفلسطينية بوجه خاص . لاننا نتحدث ونحن مشتبكون في المعركة فلا يمكن ان نخذل المقاومة عموما .." كما يقول في معارك التحرير : " ان تحرير فلسطين احدى المهمات الاساسية للثورة العربية ولكنها جزء من معركة التحرر العربي . ومعركة التحرر العربي ليست سوى مقدمة لوحدة الوطن العربي .... والنصر في كل تلك المعارك لازم لتحقيق الغاية النهائية : اقامة دولة الوحدة الاشتراكية والديمقراطية . " ويضيف : " تجاهل هذه الوحدة الموضعية بين مشكلات الحياة في الوطن العربي لن يؤدي الا الى الفشل . ان الجماهير العربية مع كل المناضلين ضد الاعتداء الصهيوني الامبريالي " .  
ولكن كيف يمكن استثمار تلك المعارك وتوظيفها في الاتجاه الصحيح لكي تكون مراكمة النضال في خدمة اهداف المعركة ؟  
هنا يطرح الدكتور سؤالا ليذهب بالجواب ابعد من ذلك فيقول :" ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ، هو الى اي مدى ؟ " . ثم يجيب بسرعة : " لن تنتصر الثورة العربية الا اذا كانت الجماهير العربية في كل مكان ملتزمة بدعمها والمساهمة فيها حتى الموت . ليس الموت في معركة المقاومة ضد الصهاينة فقط ، بل الموت حتى بعيدا عن الجبهة ضد القوى الاقليمية والامبربالية والرجعية والانهزامية " . 
اما عن الموقف من المقاومة والحلفاء فيقول بكل اسهاب وتدقيق : " انه لا يجوز تحت اي ظرف اثارة معارك مع القوى الحليفة في كل مرحلة فلن يستفيد من هذا الا العدو المشترك . ان الوقوف موقفا عدائيا ، دعائيا ، او حركيا ، ضد اي قوة مقاتلة ، او مشتبكة ، او مجابهة ، عسكريا او فكريا او سياسيا ، لقوى اعدائنا وحلفائها ، خطأ تكتيكي مدمر في هذه المرحلة . ان اقصى ما يمكن الذهاب اليه هو اتخاذ موقف دفاعي ضد الحلفاء الذين يرتكبون هذا الخطأ ، بدون وعي ، او استغلال لظروف المعركة قاصدين  تحقيق النصر لحسابهم الخاص . على ان يبذل كل صبر ثوري ضد اي استفزاز ، وتبذل كل محاولة ممكنة لتنمية كل اسباب التعاون وتوثيق التحالف وتصفية اسباب الخلاف . نقول هذا مدركين تماما ان الساحة لا تخلو من تخطيط واع لتخريب العلاقة بين القوى التي تقف معنا لفض تحالفها او تحويلها عن هدفها المشترك . كما اننا ندرك تماما التخريب الذي قد ينتجه الجهل الذي يعربد تحت حماية السلاح ، او الانتهازية التي تبحث عن مكاسبها الخاصة . ولكنا مدركون في الوقت ذاته ان الاستجابة لكل هذا والمساهمة فيه عن طريق قبول الدخول في معارك جانبية بين القوى المتحالفة هو " موضوعيا " وبصرف النظر عن المبررات اضعاف للمقدرة العربية ومساعدة غير مباشرة للقوى المعادية  " .  
ماذا يعني كل هذا التفصيل والتدقيق والتأكيد وتقليب المسائل على اوجه عديدة ؟ الا يعني - في الحد الادني –  الحرص على المراكمة للنصر وحرمان العدو من حالة الاستقطاب السلبية التي تراكم لصالحه ؟ ثم ماذا يضيف عصمت سيف الدولة خلاف ذلك ؟   
انه يضيف بعد اعادة التاكيد على الوقوف دون شروط الى جانب المقاومة – اية مقاومة – شيء واحد مهم : " نقد المقاومة في خصوصية " الاقليمية " عن طريق التركيز على ما تسببه تلك الاقليمية ( فكرا وصيغة وعلاقات ) من اضعاف لمقدرتها على النصر " ..  
بالمختصر الشديد ، المشكلة قائمة في ظل ظروف معينة ومعروفة مختلفة عن بداياتها : استهداف سوريا والوطن العربي جميعا وليس النظام في سوريا وحده . فلو استمر الامر في سوريا في شكل حراك شعبي او ثورة داخلية يقودها ابناء الشعب السوري وحده دون تدخل خارجي لاختلف الامر . ومن ناحية اخرى لو كان هناك اي حاكم عربي آخر من الحكام العرب على رأس القيادة في سوريا ، او لو استهدفت أي دولة عربية اخرى بمثل ما تستهدف به سوريا الان لما اختلف الامر كثيرا في ظل هذه الحالة ، ولبقيت الاولوية في الموقف دائما لرد العدوان ، ثم لكل حادث حديث .. اما الذين يتحدثون عن الديمقراطية ويختزلون المشكلة في رأس النظام بعيدا عن الواقع والمخططات والتسليح والاساطيل والمرتزقة ، فهم يراكمون – بوعي او بدون وعي – لقوى العدوان ، فيغلّبون – ان احبوا او كرهوا - جانب الاستقطاب للقوى المعتدية ..   

( القدس ) .