القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 3 نوفمبر 2019

التمويل طريق التمكين ..



التمويل طريق التمكين ..

(1) .


حينما اصطدمت القوى الاستعمارية بالمقاومة في الوطن العربي ، اتجهت إلى أسلوب الاحتواء ، وهو ما أدّى في النهاية إلى قيام الأنظمة الرجعية الحالية التي سارت بدورها على ذلك النهج ، متبعة نفس الأسلوب مع القوى والأحزاب الموجودة في كل قطر .. ولما كانت حركة الإخوان المسلمين من بين الحركات التي ظهرت مبكرا على الساحة ( سنة 1928 في مصر ، و 1945 في سوريا والاردن ، و1949 في السودان .. ) ، وبتلك الطبيعة الإصلاحية التي عرفت بها ، فإنها كانت الأقرب للاحتواء والتحالف مع الأنظمة الرجعـية ذات الطبيعة المناقضة تماما للمشروع القومي الذي يهدّد وجودها ومصالحها .. غير أن أول محاولة لاحتواء الاخوان على الساحة جاءت على يد الانقليز في تلك الحادثة التي ذكرها مأسس الجماعة نفسه في مذكرات الدعوة والداعية حينما تبرّعت لهم شركة قناة السويس  بملغ 500 جنيه لبناء مسجد ومدرسة دعوية ومقر للاخوان في الاسماعلية .. وهي أول بذرة نفعية ظهرت في تفكير الجماعات الاسلامية الذين ساروا من بعد قائدهم على هذا النهج لبناء امبراطورية مالية لا يُعرف لها حدود ، سرعان ما تحوّلت الى استثمارات ضخمة ومبادلات تجارية وصفقات ومؤسّسات مصرفية وبنكية في شتى أنحاء العالم .. من الوطن العربي الى اوروبا  ووسط افريقيا وأمريكا اللاتنية ..
ولعلنا من هذه الزاوية بالذات نقف على حقيقة ثابتة تقودنا الى فهم ما يتعلق بانتشار ظاهرة الاسلام السياسي في الوطن العربي خلال العقود الأخيرة ، التي تقف وراءها أطراف عربية في الداخل ، وأخرى خارجية تعمل جميعا على ترويض هذه الحركات واحتوائها واستدراجها لخدمة مخططاتها ..

أما الخطوة الثانية فقد جاءت من المملكة العربية السعودية التي بدأت تستشعر الخطر على وجودها أمام المد القومي المتنامي بداية الخمسينات .. فوجدت في الوهابية خلفية ايديولوجية مناسبة لكي تظهر من خلالها في موقع المدافع عن الدين .. وهكذا بدأت تعمل منذ ذلك الوقت على ايجاد السبل المناسبة لحماية مصالحها .. حتى وجدت في وضع الاخوان الذي بدأ يشهد توترا متزايدا في العلاقة بينهم وبين ثورة يوليو ، فرصة سانحة للشروع في احتوائهم و" تسليفهم " .. فانطلق مشروع التسليف عمليا بابرام عقود الشغل والدراسة من داخل السفارات والقنصليات وعن طريق الوكلاء التابعين للمملكة العربية السعودية ، الذين عملوا على تقديم جميع التسهيلات الخاصة بالتنقل والاقامة من أجل الاستقرار في المملكة ، أين تتم عمليات الاحاطة والتكوين باشراف كبار الشيوخ والدعاة المتخصصين في مجال الدعوة داخل المساجد والجامعات والمؤسسات العامة ، وحتى في الشارع والبيت الذي تطاله العيون ، فيتأثر أهله بنماذج السلوك وطريقة المعاملات  الجارية هناك ، فتتغير العادات والطباع  .. وتتواصل العملية على هذا النحو سنوات طويلة ، حتى تصل الى طور الإنتاج ، فيعود هؤلاء الى أقطارهم ، متحمّسين للتنفيذ .. كل حسب فهمه ، وتأثره ، واستعداده ، ومؤهلاته  ، وموقعه .. فمنهم من يتحوّلون الى" دعاة " و" شيوخ " و" علماء "، وآخرون ينشطون في المساجد والمكتبات ودور النشر والمطابع ، وبين الناس في المعاهد وفي المنابر الاعلامية  .. لذلك لا بد من ضخ الأموال الطائلة التي تغطي كل هذه الأنشطة بكل ما فيها من رواتب ومكافآت ومصاريف تنقل بين العواصم وإقامة في النزل ، وسيارات فخمة ، وطباعة ونشر للمراجع الخاصة بالفكر السلفي الوهابي ، الذي يتم ترويجه باسم الإسلام ، فضلا عن النشاطات الدعوية الأخرى في إطار الجمعيات الخيرية المنتشرة في العالم وفي جميع الأقطار العربية .. وقد ظل هذا النهج متواصلا طوال  فترة السبعينات والثمانينات ، حتى ظهرت الفضائيات في بداية التسعينات ليتم غزو الوطن العربي بالعشرات من الفضائيات الدعوية ومئات الشيوخ المعروفين على الساحة ، والذين تخرّجوا جميعا من المدرسة السلفية السعودية خلال تلك المرحلة .. ولعل الأمر لم يتوقف عند هذا الحد ، اذ انتشرت ظاهرة الانترنات في نفس الفترة تقريبا ، فانتقلت تلك الجهات المحسوبة على التيارات الدينية والدول المناصرة لها ، الى غزو الفضاءات الافتراضية وشبكات الانترنات بالآلاف المؤلفة من المواقع الالكترونية التي تروّج لمرجعيات خاصة ومعينة في الفقه الإسلامي ، فتصدر الفتاوي الغريبة ، وتعمل على نشر مفاهيم محدّدة للإسلام تجعل منه عدوا للقومية والاشتراكية ، بل وتجعل من مفاهيم الحرية وحقوق الإنسان وحرية المرأة وحرية المعتقد واللباس والاختلاط مفاهيم "علمانية" هدّامة منافية لجوهر الاسلام ..  
وفي هذا السياق نجد رصدا شاملا لظاهرة التسلف داخل الاخوان ومراحل تطوّرها في دراسة  مطوّلة للكاتب  حسام تمام بعنوان : " تسلف الاخوان ، تآكل الأطروحة الاخوانية وصعود السلفية في جماعة الاخوان المسلمين " يتحدث فيها عن مراحل " التسلف الهادئ " التي خضع لها الاخوان المسلمون مرة أولى داخل المملكة على يد السلفيين ، ثم مرة ثانية  داخل مصر على يد المتسلفين .. كما يشير الى القدرة على التكيف و" الكمون " للتيار السلفي داخل المجتمعات وداخل الاخوان ، وهي المراحل التي أدت في النهاية ـ بأساليب متعدّدة ـ الى العديد من التغيرات الجذرية على مستوى العقيدة والايديولوجيا الاخوانية .. ويقول الكاتب في سياق العرض للأساليب المتشددة المتبعة داخل المملكة ، شديدة الاثر على الاخوان في تلك الفترة أن " المؤسسة الدينية الوهابية كانت قادرة على ان تفرض رؤيتها الدينية لا سيما في مجال المعتقد السلفي وعلى مستوى العلاقات الاجتماعية في مجتمع سعودي لم ينفتح بعد على تأثيرات الخارج . فكانت تفرض على كل الأئمة والوعاظ والدعاة ومقيمي الشعائر ومدرّسي اللغة العربية الاختبار في العقيدة الوهابية للتأكد من أن الشخص ليس أشعريا في العقيدة  أو متصوفا ، بل يعتقد المعتقد السلفي ، والا كان يتم ترحيله أحيانا ، فكان المدرس أو الامام يدرس هذا أو يتعلمه ويقوله تقية ، بل وصل الأمر أحيانا الى فرض خلع الزي الأزهري على الدعاة والأئمة المنتدبين باعتبار الأزهر معقل الأشعرية .. لذلك اتجهت هذه الموجة نحو تأكيد المعتقد الاخواني السلفي باتجاه يقترب من السلفيبة الوهابية خاصة في نفسها المتشدّد تجاه الآخر الديني حتى داخل الاطار الاسلامي .. " وبمثل هذا الأسلوب عموما " تسربت السلفية الى الاخوان في سياق سياسي واجتماعي دقيق داخل المملكة ، فوجود النساء والاسر الاخوانية في بيئة مغلقة نقل اليها تدريجيا المزاج السلفي وتمظهراته الظاهرة للعيان كمثل النقاب والتشدّد في الملبس بشكل عام ، وقلت مساحات الانفتاح على الفنون والآداب وأنماط الحياة التي كانت معروفة ومقبولة لدى الاخوان .."
وفي مقال آخر لصحيفة الحياة بتاريخ 18 12 / 2010 ، تحت عنوان " الإخوان المسلمون ومسارات التحول نحو السلفية " ، يعود الكاتب الى الحديث عن نتائج تلك المرحلة فيقول أن : " الجماعة الإخوانية اليوم تميل الى السلفية أكثر مما كانت في أي وقت من تاريخها الممتد وهي سلفية في المظهر والسلوك والفكر والمعتقد أيضاً .. " ويضيف الكاتب أن ظاهرة التسلف شهدت تحولا جذريا من سلفية النشأة الصوفية الروحانية على يد مؤسسها حسن البنا ، الى السلفية الوهابية التي بدأت تظهر في مصر حتى قبل هجرة الاخوان الى السعودية من خلال التيار القطبي المتشدّد داخل مصر الذي أدى الى أزمة 1965 .. وقد مثلت تلك الارضية ظرفا ملائما للنشاط الدعوي الوهابي بعد عودة " الكوادر الاخوانية المتسلفة " من السعودية خلال السبعينات والثمانينات ، حاملين معهم " المزاج السلفي العقدي في المظهر واللباس والسلوك .. " فكان نشاطهم بعد العودة  " الأهم والأكثر تأثيراً لأنه حدث داخل مصر وعبر شباب الجامعات  .. " .
وقد كان السعي للاختراق الجماعة على هذا النحو ، هو التفسير الوحيد الذي يمكن أن نفهم من خلاله مبررات الدعم اللامحدود الذي تقدّمه المملكة للجماعة ..
وبالفعل فقد اصبح النشاط بين صفوف الجماعات الاسلامية محكوما بالتجاذبات الفكرية والايديولوجية التي كانت تميل ـ حسب الكاتب ـ الى السلفية الوهابية من خلال اختراقاتها الواسعة للاخوان ، ومن خلال التسريبات الهائلة للمراجع السلفية بين صفوفهم ، فضلا عن القدرة الفائقة للسلفية على ممارسة التخفي والكمون حتى تحقيق أهدافها ..
وهكذا كانت الساحة السياسية في مصر منذ فترة الخمسينات الى اليوم ، ساحة مفتوحة ، لا تعكس فقط ما يحدث في الداخل من تجاذبات سياسية داخلية خاصة بمصر وحدها ، بقدر ما كانت تعكس البعد القومي للصراع باوجه مختلفة قد تكون موجات التدخل الوهابي خير مثال على ذلك ..
وقد ساهم في هذا ـ حسب المؤلف ـ عدة عوامل منها الفورة البيترولية الصاعدة التي عرفتها المملكة ، وانكسار المشروع القومي بعد غياب عبد الناصر ، وانخراط مصر السادات في سياسة الأحلاف الرجعية مع الولايات المتحدة التي وجّهتهم لمواجهة الاتحاد السوفياتي تحت لافتة محاربة الشيوعية ، وتراجع دور مصر البارز من المشهد الديني على المستوى العربي والافريقي بعد شل دور الازهر في نشر الاسلام المعتدل تاركا المجال لبروز الدور الوهابي خارج حدود المملكة بما في ذلك مصر .. 
ثم يواصل الباحث اثارة العديد من التفاصيل والجزئيات الخاصة بالمراحل التي مر بها المجتمع في مصر بشكل خاص كنموذج للنشاط السعودي الوهابي داخل المجتمع العربي عموما ، وهي اساليب اعتمدتها الحركة الوهابية ايضا خارج مصر في العديد من الدول العربية والاسلامية الاخرى التي وقع فيها غزو مجتمعاتها بالفكر الوهابي مثل اليمن ودول البلقان وغيرها ..
وفي جانب العلاقة بين الاخوان والسلفية يبرز الكاتب العديد من الجوانب الحيوية التي ميزت فترات التفاعل بينهما ، بالتعاون ، والتحالف ، والاختراق  .. وهي فترة طويلة يثير فيها الكاتب العديد من التفاصيل التي مكنت الجماعات الاسلامية من التغول على المجتمع في ظل الامكانيات الهائلة التي اتيحت لها ..  

(2) .

في البداية كان موسم الهجرة الى السعودية ـ كما يقول الكاتب حسام تمام في كتابه " تسلف الاخوان " ـ سببا في تعزيز مواقعهم داخل المملكة في مرحلة أولى ، ثم داخل مصر بعد العودة في مرحلة ثانية ، حيث تمدّد وجودهم في معظم الجامعات السعودية ، وامتدّت مشاركتهم " الى الانشطة الاقتصادية التي استوعبت عددا منهم .. أبرزهم عبد العظيم لقمة ومصطفى مؤمن وغيرهم من الاخوان الذين أسسوا عددا من الشركات العامة في قطاع البناء والتشييد ، بحكم التوسّع العمراني الذي ساعدت عليه الطفرة البيترولية والارتفاع الهائل في أسعار النفط بعد حرب اكتوبر .. كذلك استوعبت أنشطة المصارف والبنوك الاسلامية قطاعا كبيرا من كوادر الاخوان في مجال المحاسبة والتجارة  .. "
ويذكر الكاتب بعض الشخصيات الأخرى التي التحقت بالمملكة مشيرا الى أن السعودية " فتحت أبوابها لاعضاء الجماعة الهاربين ومنحت جنسيتها لعدد كبير من رموزها وقادتها .."  مؤكدا أن المذكورعبد العظيم لقمة " بدأ نشاطا اقتصاديا كبيرا في المملكة حتى صار واحدا من كبار أثرياء الاخوان في العالم .."
كما نجد اشارة لهذا الرجل في تقرير بموسوعة المعرفة ، كواحد من رجال الاخوان المتنفذين في الدولة وفي مجال المال والاعمال ، فهو " صاحب مطعم جروبي بالقاهرة . ورئيس مجلس إدارة شركة المستقبل لصناعة الأنابيب وصاحب شركة مصر لمواسير الصرف الصحي صديق جمال مبارك وعمر طنطاوي " ...
ثم تشير الموسوعة الى ان " أحمد عبد العظيم لقمة المالك والممثل القانونى لـ"الشركة العربية لمنتجات الفايبر"، أحد الشركات المتعاملة مع وزارة الإسكان ، كانت لديه عدد من المشروعات المشتركة مع الجهاز التابع للوزارة في الفترة الماضية ، إلا أن الأخيرة اكتشفت  أن المواسير الخاصة بشركته ، بها عيوب فنية وتنفجر بعد مرور 10 سنوات فقط من استخدامها بالمخالفة لبنود التعاقد والمواسير الخرسانية الأخرى، مما أدى إلى إلغاء التعاقد معه .. " وهو الملف الذي تحدثت عنه روزا اليوسف بتاريخ 29 اوت 2015 تقول بان " الدولة  لم تحاسب حتى هذه اللحظة محمد إبراهيم سليمان وزير الإسكان الأسبق فى عصر مبارك وشريكه الإخوانى أحمد عبد العظيم لقمة عن إهدارهما أكثر من 5 مليارات  جنيه  على الدولة فى خط مياه الشرب الواصل ما بين ( طرة ) و( القاهرة الجديدة ) والذى تقوم القوات المسلحة حالياً بإحلاله وتجديده  خصماً من خزانة الدولة للمرة الثانية  .. " .
والواقع ان  قوة الجماعة  ـ كما يقول تقرير موقع الموجز الالكتروني ـ تتمثل في كونها " ليست مجرد مجموعة أفراد وإنما هي تنظيم كامل تتفرع عنه تنظيمات وقيادات مهمتها توفير الأموال لتحقيق أهدافها مهما كان الثمن " ..
وفي هذا الصدد يعرض التقرير فكرة وافية عن مصادر التمويل سواء داخل مصر أو خارجها وهو ما جاء ايضا في تقرير الدكتور عادل عامر الخبير بالمعهد العربي الاوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية بعنوان رجال الاعمال الاخوان في مصر ، ويأتي في المقدمة من تلك المصادر التبرعات التي يقدمها رجال الأعمال بنسب متفاوتة تصل الى 10%  من ارباح الشركات التابعة لرجال الأعمال المنتمين للاخوان مثل : ابراهيم كامل صاحب بنك دار المال الاسلامي وصفوان ثابت عن مجموعة شركات جهينة ، والراحل عبد المنعم سعودي صاحب توكيل السيارات ، ومدحت الحداد رئيس مجلس إدارة الشركة العربية للتعمير ومدير عام الشركة العربية للاستيراد والتصدير، وممدوح الحسيني صاحب شركات الاستثمار العقاري، وأحمد شوشة الشريك المتضامن في شركة المدائن للإنشاءات والتصميمات وعضو مجلس إدارة شركة الملتقي والتي من خلالها تم تنفيذ العديد من المشروعات الصناعية والمستشفيات والأبنية التعليمية والإدارية والخيرية والمساجد والأبراج السكنية وهو عضو مؤسس وعضو مجلس إدارة شركة الملتقي العربي وعضو مؤسس في شركة الطباعة والنشر ... كما يذكر التقرير حسن مالك وخيرة الشاطر باعتبارهما أهم رجال الاعمال نظرا لاتساع معاملتهما سواء داخل مصر أو في العديد من دول العالم .. " فهناك شركة فيرجيينا للسياحة التي أسسها حسن مالك ، وشاركه فيها مصطفي ندا شقيق الاخواني المعروف يوسف ندا صاحب بنك التقوى ، ثم تنازل له عنها .. وتملك هذه الشركة قرية سياحية تسمّي « الياسمين » في طريق مرسي مطروح، وهناك الشركة المصرية للتجارة والتوريد « رواج » التي تملك توكيل مفروشات وأثاث " الاستقبال" التركي ، ويملكها حسن مالك أيضا ، إضافة إلي توكيل "سرار" للملابس التركية الجاهزة ، وتوكيل ماركة الملابس الكاجوال الشهيرة باسم "داليدرس"، إضافة إلي شركة «حياة» للأدوية ويشترك في ملكيتها خيرت الشاطر وشركاء آخرين .. ويشترك  الشاطر أيضاً في شركة «إم سي آر» للمقاولات وهي تعمل في قطر وجيبوتي .. كما يمتلك أيضاً أسهما في شركة "المدائن " للإنشاءات .. الخ .. وكل هذه الشركات في الواقع لا تمثل ـ كما تقول التقارير ـ الا جزءا يسيرا جدا من امبراطورية الاخوان المالية التي تضخ نسبا عالية من ارباحها  في خزينة التنظيم ، والتي وقع ضبط قائمة طويلة منها ومن ممتلكات الاخوان بشكل عام  بعد ثورة 30 يونيو ليطبق عليها أمر الرقابة والحضر بعد تصنيف الاخوان تنظيما ارهابيا بسبب الأحداث الدامية التي شهدتها مصر، والعمليات الارهابية التي استهدفت الأمن والجيش ...
ففي تقرير اليوم السابع ليوم 19  / ماي  / 2015 المتعلق بالحكم الصادر عن محكمة القاهرة للأمور المستعجلة والخاص بحضر أنشطة الجماعة والتحفظ على أموال قياداتها نجد أن " لجنة التحفظ على ممتلكات الإخوان برئاسة المستشار عزت خميس ، مساعد أول وزير العدل ، نجحت فى حصر ما يقرب من 95 % من إجمالى أموال قيادات الجماعة الإرهابية ، سواء العقارية أو السائلة أو المنقولة ، وكذلك الأسهم والسندات والحسابات السرية بالبنوك والشركات ، التى تقدّر بنحو 30 مليار جنيه يملكها 1200 قيادة إخوانية بعد رفع أسماء 7 منهم بعد تقدمهم بتظلمات على القرار، كما قامت اللجنة بالتحفظ على أموال 1174 جمعية ، تم رفع 41 جمعية منها ، ليصبح عددها بعد ذلك 1133 جمعية . ومن الممتلكات الإخوانية التى قرّرت اللجنة التحفظ عليها المستشفيات والمستوصفات الطبية التى تبين قيامها بتسريب أموال منها لتمويل العمليات الإرهابية التى تقع داخل مصر، حيث بلغ عدد المستشفيات المتحفظ عليها 42 مستشفى ومستوصفا طبيا ، وبالنسبة للمدارس فقد تحفظت اللجنة على 92 مدرسة تم رفع التحفظ على 7 منها ، ليصبح العدد 89 مدرسة ، والتى فيها تم عزل نحو 70 % من مجالس الإدارات القديمة التابعة للإخوان ، وتعيين بدلا منها ، إلا أن باقى المدارس مازالت الإدارات القديمة تعمل بها ، والتى تبين بعد ذلك قيامها بتسريب الأموال للعمليات الإرهابية . ورصدت التحريات الأمنية والرقابية امتلاك الجماعة 460 سيارة تم التحفظ عليها وتسليمها للدولة ، فضلًا عن التحفظ على 415 فدانا ، بينما تم التحفظ على 520 مقرا لحزب الحرية والعدالة و54 من الجماعة على رأسها مكتب الإرشاد بالمقطم "..  وهي أرقام لا تزال تخضع لمطالب التظلم والاعتراض والتحريات والبحث عن اساليب التخفي والتخارج من الشركات وغيرها من الطرق ..
كما نجد تفاصيل هامة جاءت في التقرير المنشور على المواقع الالكترونية لـ " مركز المساعدة والدراسات الإستراتيجية الأمريكية " للكاتب " دوجلاس فرح " والذي يشرح فيه بالتفصيل علاقة التنظيم العالمي للإخوان بالشركات الكبرى ونسبة مساهمته فيها ومصادر تمويل هذا التنظيم ،  يقول : " من المعروف أن تنظيم الإخوان المسلمين الدولي قد أنشأ هيكلاً موازيا في الخارج بعيدا عن الدول الأصلية التي نشأ وتوغل فيها هذا التنظيم ، مثل مصر والأردن وغيرهما ، كأساس لعمليات مصرفية وشركات ومشاريع عملاقة تقدر بمليارات الدولارات ، والتي أصبحت جزءا لا يتجزأ من قدرتها على إخفاء ونقل الأموال من وإلى جميع أنحاء العالم .." كما يضيف هذا التقرير  أن " السجلات العامة الأمريكية تظهر امتلاك شبكة الإخوان المالية للشركات القابضة والشركات التابعة ، والمصارف والمؤسسات المالية التي تمتد إلى بنما ، وليبيريا ، وجزر فرجن البريطانية ، وجزر كايمان ، وسويسرا، وقبرص ، ونيجيريا ، والبرازيل ، والأرجنتين ، وباراغواي ، ودول أخرى كثيرة .. وفي هذا الصدد يذكر دوجلاس أسماء معروفة في التنظيم العالمي للاخوان ودورها في التمويل عن طريق المشاريع الكبرى التي تديرها بكفاءة عالية في العديد من الدول بعيدا عن أنظار المراقبين  فيقول :  " وتلمع أسماء من أعضاء التنظيم الدولي للإخوان كمديري اقتصاد ، مثل " إبراهيم كامل"، وهو مؤسس بنك " دار المال الإسلامي " ، ومقره الرئيسي في ناساو بجزر البهاما ، كما أنشأ كل من يوسف ندى ، وهمت غالب " بنك التقوى" ومقره أيضا في ناساو بجزر البهاما ، وبالمثل أسس نصر الدين إدريس " بنك العقيدة الدولي" في ناساو بجزر البهاما " ..
وفيما يخص بنك التقوى مثلا نجد شرحا وافيا من الدكتور يوسف القرضاوي ورد في موقعه على الانترنات يذكر فيه عددة جوانب بعضها يتعلق بالتسمية ، وأخرى تتعلق بظروف التاسيس ، وبعضها الآخر يتعلق بفروعه وأنشطته والمكتتبين فيه .. فنجده  يعارض طريقة الاعلان عن المسؤولين والمشتركين خوفا من التضييق عليهم مخاطبا المسؤول الأول يوسف ندى قائلا له :
كنت أود ألا تعلنوا على الناس هذه القائمة من الإسلاميين من أقطار شتى، فكأننا نزفهم إلى رجال المباحث وأمن الدولة " .. فيجيبه محدثه : "  أردنا أن نعطي جماهير الملتزمين بالإسلام : أن هذا البنك مؤيد ومشجع من كل شخص غيور على الإسلام ، عامل لخدمته " .
فيجيبه الدكتور القرضاوي : " لا شك أن هدفكم نبيل ، وأن نيتكم كانت صالحة ، ولكنها قدمت خدمة للمتربصين بالدعوة الإسلامية ، والحركة الإسلامية . ولعل الله تعالى يجزيكم بحسن نيتكم ، ويعمي أعين الكائدين للإسلام وأمته عنكم " .. 
ولعل السؤال الذي يمكن أن يخطر ببال اي انسان : لماذا يخاف القرضاوي على هؤلا الناس لو كان البنك بعيدا عن الشبهات .. الا يعني هذا أن البنك مشبوه عند اصحابه قبل غيرهم من الناس  ..؟؟
وبعد نقاش طويل حول موضوع الانظمام الى هيئة الاشراف على البنك ، واقتناع القرضاوي بالانضمام فعلا ، يعرض لنا الدكتور خسارته الكبيرة في البنك هو وافراد عائلته بعد الاعلان عن افلاسه .. !!  حيث يقول : " لقد كانت خسارتي أنا وأبنائي وبناتي كبيرة بخسارة بنك التقوى، فقد وضعنا فيه في النهاية جل مدخراتنا ، وهي مبالغ كبيرة بالنسبة لنا ، ولم يقدر لنا أن نصرف بعض الأرباح ، كما فعل بعض المودعين ، بل ما تحقق لنا من أرباح وضعناه في مضاربات البنك . ولا يسعنا إلا أن نحتسب ما أصابنا عند الله سبحانه ، وندعوه جل شأنه أن يعوّضنا عن خسارتنا ، في الدنيا والآخرة " .
هل هذا ما حصل فعلا ؟؟
قد يكون ..
غير أن هذا الأمر ليس هو المهم .. لان الشبكة العنكبوتية للمشاريع والدعم والتمويل والاستثمارات لا تنحصر في بنك أو مصرف أو مشروع هنا أوهناك .. بل تنخرط فيها دول ومنظومات استراتيجية معدة للمنطقة كاملة تدعمها جهات رسمية إقليمية و دولية على المدى القريب والبعيد ...


(3) .


لهذا تجندت قوى متعددة رغم اختلاف أهدافها لتصفية كل القوى الوطنية والقومية متحالفة فيما بينها للوصول الى تحقيق تلك المصلحة المشتركة : الولاء ، والتمكين .. حيث تتعهد الجهات الطامعة في ثروات الأمة بحماية القوى الرجعية وتمكينها من البقاء على رأس السلطة في كل قطر ، مقابل تعهد تلك الجهات بالطاعة والولاء ، واقتسام المنافع ..
وفي هذا الاطار استسلمت قوى الاسلام السياسي للواقع بعد الوصول الى السلطة سواء في مصر أو في تونس ، فعملت على ايقاف المسار الثوري مكتفية بالنتائج المتحققة التي اوصلتها الى السلطة لتتحوّل بعدها مباشرة الى أنظمة  أسوء من التي قامت عليها الثورات ، انسجاما مع  طبيعتها الرجعية في خياراتها ، وتحالفاتها ، واصطفافها ، وخضوعها ، من ناحية ، وتعويلا على ما تملكه من امكانيات مادية واعلامية تفوق في ضخامتها قدرات بعض الدول من ناحية اخرى ..
وفي سياق الحديث عن الامكانيات المادية ، نجد في العدد 9825 للعرب الدولية ، الصادر بتاريخ 11 / 2 / 2015 ، تقريرا تحت عنوان : " مصادر تمويل الإخوان المسلمين ، جمعيات وتنظيمات عابرة للقارات " جاء فيه : "  كان معرض القاهرة للكتاب فرصة لمناقشة كتاب " اقتصاديات الإخوان في مصر والعالم " ، للدكتور والخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق حيث أبرز أن عناصر ارتكاز الجماعات الإسلامية هو المسجد ، باعتباره مكانا للتعليم والتثقيف الديني والتعبئة ، ومكانا للحصول على موارد من التبرعات ، مشيرا إلى أن أوروبا بها ثلاثة آلاف مركز، وهي مراكز للحركة أيا كان غرضها، وبالتالي فعدد المسلمين السُّنَّة المتردّدين على المساجد يتراوح بين 2 مليون أو 3.6 مليون مسلم طبقا لدراسات نشرت خارج مصر .  
وهذا يفيد أن هذه التنظيمات وهي الإخوان والجماعات الإسلامية تتحرك وسط هذه الكتلة الاجتماعية ، ويصل المتعاطفون معهم من 10 إلى 20 بالمائة تقريبا أي ما يعادل 150 إلى 300 ألف شخص في أوروبا ، والتعاطف يأتي في دفع أموال الزكاة .. " . ثم يضيف التقرير نقلا عن المصدر نفسه : " أما بالنسبة إلى التبرعات فقد بلغت 603 مليون جنيه سنويا، إلى جانب ربع الأرباح إجماليا والتي تحوّل من الشركات المملوكة للإخوان إلى التنظيم ، وبذلك يصل إجمالي الأرباح والتبرعات إلى 500 مليون جنيه سنويا .   
وفيما يتعلق بأموال الزكاة فقد بلغت 188 مليون جنيه سنويا من داخل مصر، أما خارج مصر في أوروبا فبلغت 125 مليون جنيه سنويا  .  
فحجم موارد تنظيم الإخوان حسب إحصائيات عبد الخالق فاروق تبلغ 7 مليارات سنويا ، فيما يبلغ معدل إنفاقه 2 مليار و573 مليون جنيه   .. !!
وتعود الصحيفة ايضا الى تقرير الامريكي دوغلاس فرح مشيرة الى ظاهرة البنوك الاسلامية التي أنشأها التنظيم العالمي للاخوان المسلمين فيقول  :  " ان الإخوان نجحوا بالتوازي مع بداية ظاهرة البنوك الإسلامية الحديثة ، التي عرفها العالم في بداية  الثمانينات من القرن الماضي ، في بناء هيكل متين من شركات “ الأوف شور”، التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من قدرتها على إخفاء الأموال ونقلها حول العالم ، فهي شركات يتم تأسيسها في دولة أخرى غير الدولة التي تمارس فيها نشاطها ، وتتمتع هذه الشركات بغموض كبير، يجعلها بعيدة عن الرقابة .. "
كما يعرض موقع بوابة الحركات الاسلامية الافكار التي جاءت في الكتاب المذكور للدكتور عبد الخالق فاروق، ومنها:
" إن موارد التنظيم تتحدد في 8 موارد : اشتراكات الأعضاء والتبرعات من الأفراد والمؤسسات ، وأموال الزكاة ، وأرباح المشروعات في خارج مصر وداخلها  .. إلى جانب عنصرين ، هما أموال الإغاثة الإسلامية الدولية ، وأموال الجهاد الأفغاني ... " .
وأضاف : "  أن الاشتراكات السنوية بلغت 87 مليون جنيه ، وتصل إلى 187 مليون جنيه بمتوسط 141 مليون جنيه سنويا .
بالنسبة للتبرعات بلغت أقلها 70 مليون جنيه ... بمتوسط 280 مليون جنيه سنويا ، إلى جانب ربع الأرباح إجماليا من الشركات المملوكة للإخوان التي تـُحوّل للتنظيم ، وبذلك تصل إجمالي الأرباح والتبرعات 500 مليون جنيه سنويا.
وبالنسبة لأموال الزكاة وفقا للتقدير بلغت 188 مليون جنيه سنويا من داخل مصر، أما خارج مصر في أوروبا فيدفعها ما يقرب من 200 ألف شخص بما يبلغ 125 مليون جنيه سنويا ، وفي أمريكا يدفع 150 ألف شخص بما يبلغ 375 مليون دولار .
وأشار فاروق إلى أن إجمالي دخل التنظيم بناء على ما سبق بلغ في حدود 6 مليارات و800 مليون جنيه سنويا ، أي حوالي 7 مليارات جنيه سنويا ..".
كما اشار التقرير نقلا عن الدكتور عمار علي حسن الكاتب و الباحث في العلوم السسياسية متحدثا عن الجمعيات قائلا : " أن الجمعية الشرعية لأنصار السُّنَّة تكفل 441 ألف و700 يتيم ولديها 24  مخبز توزعه بالمجان، وجماعة الإخوان تمكنت من السيطرة على هذه الجمعية ..
ولفت إلى أن الجماعة طبقية بامتياز، والأموال التي جُـمعت رسخت ذلك ؛ حيث ظهر أباطرة لرجال الأعمال ، لافـتا إلى أن الإخوان كانوا يستثمرون أيضا في البشر حيث يتبنون طلابا ويصرفون عليهم دراسيا ويفتحون لهم بعض المشاريع ليتم استغلالهم فيما بعد.
وأوضح حسن أن من يتحكمون في أموال الجماعة تحولوا ـ فعلا ـ إلى رجال أعمال، وهذا أعطاهم قوة مالية ونفوذا يتيح لهم الهيمنة على المجتمع ..
وقال حسن إنه لا يرى فرقا بين أموال الفرد والتنظيم ، لافتا إلى أن أموال التنظيم ليس لها مشروعية قانونية، بدليل أنهم قرروا بعد الثورة إنشاء جمعية ؛ ليكون هناك رقابة عليهم ، موضحا أنه لا يمكن مقارنة أموال الكنيسة بأموال الإخوان ، وإنما تقارن بأموال الأوقاف .
ودعا حسن إلى أن يتم إعداد كتاب آخر عن اقتصاديات السلفيين ، والطرق الصوفية ؛ لنعرف كيف تحوّل الدين من السمو الأخلاقي إلى مجرد آلية لتحصيل الثروة والجاه والمكانة في الدنيا  .."  

(4) .
  
وهكذا شرع الاخوان في بناء امبراطوريتهم المالية منذ نشأتهم ، حتى صارت أواخر القرن الماضي بلا حدود .. وقد كانت بعض مواردهم معروفة وبعضها الآخر مجهولا تماما حتى للاعضاء والقيادات .. !!  
وفي سياق نفس الحديث عن الامكانيات الضخمة التي مكـنت الحركات الاسلامية  من التغوّل ، والامتداد بالرغم مما اشتهرت به من ارهاب وتطرف وأسلوب دموي ، فاننا  نجد مبررا لكل هذا حينما نعرف ما يمكن ان يفعله المال السياسي بالناس في المجتمعات التي يتفشى فيها الفقر والجهل ، وفي هذا نجد تقريرا وافيا في الموسوعة الحرّة ( ويكيبيديا ) عن علاقة الاخوان بالنظام السعودي الذي يسعى من وراء ذلك ـ كما هو معـلوم ـ الى " تسليفهم " وتحويلهم الى الوهابية ..
تقول الموسوعة بعد التعريف بالتجمع اليمني للاصلاح الذي يصنف كحزب اخواني في اليمن أن " جذور الحزب تعود لما عرف " بالـجبهة الإسلامية" عام 1979، وهي ميليشيا مرتبطة بالإخوان المسلمين ظهرت بدعم سعودي خلال حرب الجبهة مع الجبهة الوطنية الديمقراطية المدعومة من اليمن الجنوبي .." كما يقول التقرير بأن " التجمع اليمني للإصلاح ، مُعروف منذ فترة طويلة كعميل للمملكة  ،  لعلاقة قياداته القبلية والعسكرية والدينية بالسعودية منذ الستينات ، وقد طوّر الحزب علاقة زبائنية خاصة معها وإن لم يكن الوحيد. واعترفت قياداته بتلقي مرتبات من الحكومة السعودية  كما تموّل المملكة العديد من المدارس الوهابية التي يديرها الحزب بشكل غير رسمي . وهي مدارس تــُـتـهـم بتفريخ إرهابيين ومتطرفين .."
وفي جانب التعريف أكثر بالحزب يقول نفس المصدر : " برغم تصنيفه أنه الفرع اليمني للإخوان المسلمين ، ولكنه في الحقيقة خيمة كبيرة تشمل الإخوان والوهابية ومصالح قبلية وتجارية وعسكرية مختلفة ، فهو لا يشبه الأحزاب الإسلامية في المنطقة العربية ، و يمكن تعريفه بأنه ائتلاف معقد بأجندات مركبة " .
و في دراسة أعدها  عمرو  حمزاوي لمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي ، يقول عن مواقف الحزب : " أن مكونات هذا الحزب المختلفة منعته من تطوير منصة نيابية واضحة ، فهو يوازن مصالح قبلية وسياسية مختلفة بصورة رئيسية ، ويتأرجح بين " المعارضة " وموالاة السلطة . لذلك ، لا يعرف أحد ماهية مواقف الحزب الحقيقية والحزب نفسه لا يعرف كيفية تحقيق أي كانت تلك الأهداف التي يريد تحقيقها .. "
كما تكشف الموسوعة جوانب مهمة للعلاقة بين السعودية وأطياف الاسلام السياسي في اليمن تبين بكل وضوح كيف يكون المال السياسي آداة  لصنع العملاء ، والطابور الخامس الذي تحركه الآيادي الخفية عن طريق الاموال المرصودة لخدمة أجنداتها وأهدافها .. ويقول المصدر أن " عبد الله بن حسين الأحمر وهو مؤسس الحزب ،  كان يتلقى قرابة مليون وسبعمائة ألف دولار شهريا من السعودية وهو لم يكن الشيخ القبلي الوحيد الذي يتلقى مرتبات من السعودية ولكنه الأبرز .. واعترف عضو الهيئة العليا للحزب حميد الأحمر بتلقيه رشاوى من السعوديين وقال أن هدفها هو تعبير السعودية عن "وشائج القربى"  .. !!
ويضيف نفس التقرير أن علي محسن الأحمر قد "  تلقى تمويلاً سعودياً جديرٌ بالإعتبار ، عام 1990  وخلال المراحل الأولى لتأسيس الحزب " ..
وأن " المبلغ المقدم من الحكومة السعودية لحزب الإصلاح غير معروف تحديداً، ولكنه يصل إلى 3.5 مليار دولار سنوياً لكل عملاء المملكة داخل اليمن منتمين لحزب الإصلاح وآخرين ويُعتقد أنه تم تقليص المبلغ عقب التوقيع على اتفاقية الحدود عام 2000 .. إذ انخفض راتب الأحمر من مليون وسبعمائة ألف دولار إلى ثمانمائة ألف دولار شهريا .. "
وفيما يخص الآليات يشير التقرير الى أن " اللجنة الخاصة" وهي لجنة تابعة لوزارة الدفاع السعودية،  تقوم بتوزيع الأموال والهدايا على عملاء للمملكة السعودية داخل اليمن ، هدف اللجنة من توزيع الأموال على القبائل عرقلة الحكومة المركزية  في بسط نفوذها على كامل أراض الدولة .."
وعن التغلغل السعودي في اليمن يقول التقرير أن " هناك تسعة آلاف شيخ قبلي في اليمن ، ستة آلاف منهم يتلقون  أموالاً عن طريق " اللجنة الخاصة " نقداً بدون بنوك أو تحويلات  .. "
ثم يضيف : " وفي 2005 ، قدرت أعداد متلقي الرواتب السعودية بحوالي 18,000 شخص والحكومة اليمنية تعرف ذلك بل ان علي عبد الله صالح  ، خلال مفاوضات الحدود مع السعودية ، اشترط عليها أن تدفع الرواتب عبر قنوات تتحكم فيها الحكومة اليمنية ..." !!
وفي ما يخص علاقة الحزب بالسلطة تقول الموسوعة أن " حزب التجمع اليمني للإصلاح كان "معارضة موالية "  لعلي عبد الله صالح وبديلا لحزب المؤتمر الشعبي العام سواء كان في السلطة أو خارجها وهو ما خلق مناخا ديمقراطيا مزيفاً في اليمن ويعد حزب الإصلاح  الضامن الأبرز لبقاء السعودية في هذه اللعبة .  فزبائن السعودية ليسوا حكراً على فصيل واحد ولكن حزب الإصلاح  هو الأوضح  .. ".
ولعل السلطة اليمنية التي كانت تقبل الى حد ما بالتدخل السعودي ، وتعمل على  احتوائه وتاطيره ، كانت تشعـر فعلا بالعجز على مقاومة هذا التدخل الذي أصبح متغلغلا بين صفوف القبائل  الموالية للنظام السعودي ، حيث كان التمويل السعودي للوهابية كما يقول المصدر "  مستعملا  لممارسة ما يشبه  القوة الناعمة على اليمنيين .. " وكانت " المدارس الدينية ( الوهابية ) ، و " دور القرآن والحديث " والمعاهد العلمية كما تُسمى ، تموّل من السعودية ويشرف عليها حزب الاصلاح بشكل غير مباشر .  فتوفر هذه المدارس ميزانية مستقلة للحزب تقدر بثلاثين مليون دولار سنويا  .."
هكذا تتضح ابعاد مخطط نظام آل سعودي الذي شرع في تغيير استراتيجيته مطلع الخمسينات ، من تركيز اسس الدولة الدينية في الداخل ، الى تاسيس قوة سياسية في الخارج  تابعة له فكريا وحركيا ، يواجه بها  المد القومي المتصاعد في تلك الفترة ، والذي امتد كالنار في الهشيم من المحيط الى الخليج ، واصبح  يمثل خطرا حقيقيا يهدد عروش الانظمة الخليجية بالزوال ، باعتبار طبيعته الوحدوية .. فكان الدين ، والمذهب الوهابي هو السلاح ..
ورغم ان التقارب بين الملك عبد العزيز آل سعود و الاخوان قد بدأ منذ الاربعينات ، الا أن اسس التعاون قد اصبحت لا تقتصر على ما يجهر به كل طرف ، بل وأيضا على ما يضمره من عداء للمشروع القومي الذي بدأت تتحدد ملامحه منذ منتصف الخمسينات ، وبداية مرحلة الصدام بين ثورة 23 يوليو من جهة ، و الاخوان والنظام السعودي من جهة ثانية ..
 وتدعيما لهذا الاستنتاج ، يقول عبد الله بن بجاد العتيبي في دراسة  له  بعنوان " الإخوان المسلمون والسعودية : الهجرة والعلاقة " ، متحدثا عن  : " سعي المملكة لمواجهة المدّ الناصري الثوري خصوصاً وأنّ عبد الناصر ناصب الملكيات العربية العداء ، وكان يصفها بالرجعـية ، ويسعى للإطاحة بعـروشها ، ونجح مسعاه في ليبيا واليمن وضربت طائراته المناطق الجنوبية في السعودية ، فتبنّت السعودية دعم التضامن الإسلامي في وجه المدّ الناصري . وكان أقوى خصوم عبد الناصر في الداخل حينها هم جماعة الإخوان المسلمين ،  فكان استقطاب الإخوان على مبدأ عدوّ عدوّي صديقي .. " .
ثم ينهي العتيبي هذه الدراسة بطرح سؤال مهم يقول فيه :
" هل كانوا على وعيٍ بمحاولة عددٍ من الدول استخدامهم في ضرب التيارات القومية واليسارية فاستغلوا ذلك الوضع لبسط سيطرتهم ونفوذهم على المؤسسات وعقول الأجيال وتوفير مصادر الدخل للجماعة ...؟ " .


(5) .                  


لقد كانت العروبة ووحدة الوجود القومي  هما الأكثر استهدافا في الفترة الأخيرة ، نظرا لما شهده الوطن العربي من تصعيد وهجمات على كيانه ومصيره بشكل عام من خلال استهداف مكوّناته الاجتماعية التي استقر عليها بعد فترة طويلة من التطور والتعايش في ظل الاختلاف الديني ، والعرقي ، والمذهبي ، والطائفي مثله مثل كل الكيانات القومية التي نشأت في العالم على تلك القاعدة الجامعة ، التي صارت في المجتمعات المتقدمة علامة  تحضّر وتقدّم وارتقاء بالانسان ، حيث تتحوّل كل مظاهر الاختلاف في المجتمع الواحد الى عناصر ثراء وتنوّع  تماشيا مع سنن الحياة التي سارت على هذا النهج منذ انطلاقها قبل  ملايين السنين ..
والغريب ان الامة العربية التي كانت مركز الفعل خلال حقب طويلة لعبت فيها دورا محوريا في استقطاب وتوحيد شعوب مختلفة تحت راية الاسلام ، صارت فريسة سهلة ولقمة سائغة  لكل الطامعين حينما خرجت السلطة المركزية من يد ابنائها ، بعد فترات صعبة من الضعف والضياع ، واصبحت هي الحلقة الاضعف في دولة الخلافة والاقل قيمة عند العثمانيين الذين كما يقول الدكتور إبراهيم علوش " بفرضهم للتخلف ، وبإعادة إنتاجه على مدى قرون ، لم يحموا الوطن العربي من الأوروبيين بمقدار ما أضعفوه و نخروه ، فلما قرر الأوروبيون أن الدولة العثمانية قد استنفذت إمكانياتها التاريخية وحانت ساعتها ، وأن فائدتها كحاجز جغرافي سياسي في مواجهة روسيا القيصرية ومشاريع النهضة العربية قد نفذت ، راحوا يلتقطون الأقطار العربية كما يلتقط الضبع خرافا بلا راع ، فاحتلت مصر عام 1882 ، واحتلت السودان عام 1898 ، وفرضت اسبانيا وفرنسا الوصايا على المغرب عام 1906 ، وبدأ الاستيطان اليهودي في فلسطين في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر .."  ، وهذا فضلا عن احتلال الجزائر وتونس وليبيا وتقسيم المشرق الى دويلات ووضعها تحت الانتداب الفرنسي أو البريطاني الخ ..
 كل ذلك كما يقول علوش في عهد السلطان عبد الحميد الثاني أحد الشخصيات التاريخية التي يقدسها الاسلاميون .. !! وهي القراءة القاصرة التي لا تزال تحكم مواقفهم الى اليوم حينما يبالغون في التحالف مع تركيا باعتبار دورها القديم الذي يسقطونه على الحاضر وهي التي تتحرك في الواقع وفق ما تتطلبه مصالحها القومية الحالية ، فيضيعون مصالح امتهم بناء على أوهام دولة الخلافة التي تهاون العثمانيون في الحفاظ عليها حينما كانت السلطة بيدهم وليست بيد العرب  ..
وقد كان الخلل في فهم العلاقة بين العروبة والاسلام في مجتمعنا ، والعجز عن استيعاب تلك التحولات التاريخية الكبرى التي شهدتها البشرية ، مدمّرا للكيان القومي العربي ، الذي بقي يعاني من التناقض المفتعل في اذهان البعض بين الهوية الدينية والهوية القومية منذ مطلع القرن الماضي الذي شهد ضعف الامبراطورية العثمانية ، وتفككها ، تحت وطأة وفعالية قوانين التطور التي دفعت بالمجتمعات الى تجاوز عصر الامبراطوريات في العالم معلنة عن انتقال البشرية الى حقبة تاريخية جديدة من التطوّر في ظل موجات التوحيد القومي التي اجتاحت العالم بأكمله لتوحّد كيانات قبلية وعرقية مختلفة تحت راية واحدة هي راية الامة ، بعد أن اكتمل كيانها في هذا العصر بقيام الدولة القومية ... غير ان هذا العجز عن فهم الواقع ، لم يتوقف عند هؤلاء في حدود الجمود الفكري ، بل تعداه الى رفض مطلق لكل مظاهر الحياة العصرية .. مما أدى بالكثيرين الى الانفصال التام عن الواقع والتعامل معه كوعاء يرشح بمواد غير صالحة يجب افراغه منها ، وملأه من جديد بما عندهم من وصفات جاهزة ، وهو ما قاد في النهاية الى حملات التطهير التي واجهوا بها مجتمعاتهم في الفترة الأخيرة حيث تحولت عمليات الشحن الى آداة هدم وتدمير ذاتي لم يعرف لها التاريخ مثيلا من قبل في جميع العصور .. وهو ما حوّل هذه الجماعات الى أكبر عدو من أعداء الامة وأخطره على الاطلاق ، لما يملكه من المواصفات التدميرية الهائلة على كيان المجتمع بعكس كل القوى المعتدية الأخرى رغم وسائل عدوانيتها الحربية وهمجيتها التي عرفها مجتمعنا في بعض الفترات .. وقد تعود خطورة الجماعات الاسلامية الناشطة حاليا على الساحة العربية والعالمية الى عدة عوامل أهمها :    

أولا - اسلوب التخفي الخطير الذي تتبعه داخل المجتمع حيث يصبح النسيج الاجتماعي نفسه حاضنة طبيعية  ، تترعرع داخله ثم تنقلب عليه وتدمّره .. وهي بهذا الفعل تتحول الى وضع شبيه بالخلايا السراطانية التي تنشأ في نقطة ما من الجسم السليم ، ثم تنتشر فيه خلال مرحلة هادئة ، مليئة  بالسكون الخداع ، الذي سرعان ما ينتهي بهجوم المرض على الجسم معلنا تدميره دفعة واحدة ..

ثانيا - الحاضنة الدينية التي يتميز بها مجتمعنا حيث يمثل الحضور الديني عند المواطن العربي المسلم أحد أهم الاسباب التي يقع استغلالها في تجنيد المنتمين الى صفوفهم وبالخصوص مع غياب الوعي الديني الكامل للحدود الفاصلة بين ثوابت الدين كمجال من مجالات المحكم الذي يجب اتباعه ، وبين مجالات المتشابه منه حينما يتحول الى فقه على يد المجتهدين ، وهو الذي يمكن مخالفته دون حرج ، باعتباره مجالا من المجالات الخاضعة للتطور والتغير ، التي يصيبها من الاجتهاد ما يصيب كل مجالات الحياة في كل عصر من العصور ..

ثالثا ـ الساحة العالمية المفتوحة التي أصبحت مجالا واسعا وخصبا لتفريخ الفكر الوهابي بين أبناء الشعوب المسلمة الجاهلة تماما بلغة القرآن ، وبتاريخ الاسلام ومذاهبه وظروف نشأته ، حيث يحل الدعاة والايمة المتطرفون بين ابناء المسلمين في مساجد أوروبا ، ودول البلقان والاتحاد السوفياتي ، وافريقيا ، والهند ، وماليزيا ... وفي كل أنحاء العالم ، أين تكون السلطة المركزية في أغلب تلك الدول عاجزة عن مراقبة المساجد أو التدخل فيها وهي لا تملك مرجعية دينية ، ولا مؤسسات خاصة للقيام بتلك الوظيفة .. فيجد هؤلاء المتطرفون فرصتهم كاملة للسيطرة على المساجد ، واستغلالها في نشر أفكارهم المذهبية المتطرفة ، ذات النزعة العدوانية ، الاستئصالية التي ينسبونها  للاسلام ، فيشوّهون بها عقيدة المسلم .. وهو ما جعل للحركة الوهابية حاضنة عالمية في جميع المجتمعات .. وفي هذا الصدد نجد شاهدا على ما يجري لدى بعض الشعوب المسلمة من أنشطة دعوية متطرفة يذكرها الكاتب
 الروسي رومان سيلانتيِف الأستاذ المساعد في جامعة موسكو للألسنية في مقال بعنوان "  الحركة الوهابية في شمال القوقاز ، النشأة ، والصعود والمستقبل ، نشره موقع " الأوان " بتاريخ 25 آذار / مارس 2010 ، يورد فيه تفاصيل مهمّة عن التغييرات المذهبية التي حصلت في تلك الربوع بسبب النشاط الوهابي المكثف ، ففي الأصل ـ كما يقول التقرير ـ " ينتمي مسلمو شمال القوقاز أساساً إلى اثنين من مذاهب الإسلام السنّي ، هما المذهب الحنفي ( المنتشر في كلّ مكان ) ، والمذهب الشافعي ( الذي يعتنقه أساساً الشيشان والإنغوش وأكثر سكان داغستان) ... غير أن البداية كما يقول الكاتب ـ لم تكن بنت الأمس ... " فقد كانت هناك معلومات موثوقة منذ خمسينات القرن الماضي حول وجود خلايا وهّابية في داغستان ... تمثِّل قوّة ذات وزن ، ثم لم تلبث أن أعلنت عن نفسها بصوت عالٍ عام 1989. يومها تمكّن الوهابيون في بلدان آسيا الوسطى وداغستان من القيام بانقلابات في الإدارات الدينية في تلك المناطق وإبعاد المفتيين عن مراكزهم هناك . وسرعان ما أدّى ذلك في شمال القوقاز إلى سقوط دار الفتوى، وانشقاق المسلمين في داغستان وفقاً لانتماءاتهم القومية .. ويرتبط التزايد العاصف في عدد الوهابيين خلال أواسط التسعينات بعودة المجموعات الأولى من أولئك الطلاب الذين كانوا يدرسون في الخارج . ومن جهة أخرى، ساعد على انتشارهم نشوب الحرب الشيشانية الأولى التي قدّمت لهم عوناً جباراً في هذا المجال، وشارك فيها مئات من الوهابيين المرتزقة .... كما أنّ الوهّابيين، الذين كانوا يفضِّلون أن يسمّوا سلفيين ، أفادوا من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد ، إذ كانت تصلهم من المسلمين في الخارج معونات مالية لا يستهان بها ساعدتهم على تجنيد أنصار جدد بسهولة . على أنّ عملية إرسال الشباب إلى المدارس الدينية في البلدان العربية وتركيا هي التي لعبت الدور الحاسم في تقوية الإسلام غير التقليدي هناك .." .

رابعا ـ الحاضنة الاجتماعية داخل المجتمع المتّسمة في أغلبها بالجهل والفقر معا ، وهما العنصران اللذان يسهل بهما اختراق تلك الفئات البسيطة من الناس ، تحت وطأة الحاجة ، حينما يتم استغلال سلاح المال من طرف تلك الجماعات .. وهو ما يعيدنا في النهاية الى مصادر التمويل ..

وبالفعل فقد كان الحديث في الحلقات السابقة في مجمله عن التنظيم العالمي للاخوان المسلمين ، ووسائله المختلفة في جمع المال ، في حين تتحدث العديد من المصادر عن موارد أخرى بالنسبة للجماعات المتطرفة قد تكون أكثر سخاء عليهم لغزو المجتمعات بالمال الفاسد ، حيث يبدو أن العبرة بالنسبة لهم تكون بالنتائج التي تتحقق في الواقع ، لا بالأخلاق .. فما هي اذن مصادر التمويل عند هذه الجماعات ..؟؟


(6) .
                                     

لم يبق من هذا الحديث المطول عن الحركات الدينية غير النهاية ، بعد أن عرضنا جزءا مهما وغامضا من تاريخها وهو المتعلق بمصادر تمويلها التي استطاعت من خلالها أن تغزو العالم باكمله ، غير أننا لا يمكن أن ننهيه دون الحديث عن مصادر أخرى قد تكون أكثر اهمية من ناحية خطورتها على السلم العالمي من جهة ، ومن ناحية ضخها للاموال بطريقة خيالية من جهة ثانية ، مثلما  تقول العديد من التقارير ..
ففي ملف تمويل الارهاب على موقع بوابة الحركات الاسلامية نجد تفاصيل مهمة تتحدث عن بعض المصادر الأساسية للتمويل عند الجماعات الارهابية ومنها تجارة المخدرات التي تضخ امولا طائلا حيث ترتبط هذه الجماعات بعصابات التهريب عبر الحدود ، وبشبكات المافيا التي تروج المخدرات في جميع انحاء العالم ..  ويعرض الملف في هذا الجانب قول الارهابي وعضو تنظيم القاعدة أيمن العولقي : " ان هناك 44 طريقة لدعم ما أسماه " الجهاد "، كانت على رأس هذه الوسائل 10 إستراتيجيات ركزت على المال " ..
وفي هذا الخصوص ايضا حسب نفس المصدر فانه وفقاً لـ "إدارة مكافحة المخدرات" الأمريكية ، فإن 19 منظمة ، من بين 43 منظمة تم تصنيفها كمنظمات إرهابية أجنبية ، ترتبط فعليا بتجارة المخدرات العالمية ، غير أن 60% من هذه المنظمات ترتبط بصناعة المخدرات أيضاً بخلاف التجارة  فيها .. "   
 وفي تقرير صادر عن الامم المتحدة ورد بنفس المصدر ـ يقول الملف ـ أن " عائدات تجارة المخدرات كنشاط غير مشروع  قدرت بـنحو 322  بليون دولار، لذلك اعتبرت المخدرات التجارة الغير مشروعة الأكثر ربحاً في العالم قبل حتى التجارة في الأسلحة .. " . وبنفس الطريقة تقريبا سعت الجماعات الارهابية  لدعم مداخيلها عبر وسائل الارهاب التي تتخذ منها وسيلة اساسية في الحصول على المال منها ايضا اختطاف الاجانب كرهائن يقع تحريرها بمالغ خيالية أو قتلها بدم بارد ، للمزيد من الضغط على الحكومات والجهات المعنية  في المرات اللاحقة  .. وفي هذا الصدد نجد على موقع الشرق العربي وموقع رويترز تقريرا للخارجية الامريكية حول الارهاب  يتحدث عن عدد الضحايا والمخطوفين  في سوريا خلال السنة الماضي يقول : " إن عدد الهجمات الإرهبية بلغ 13463 هجوما بزيادة 35 في المئة على 2013 أسفرت عن سقوط 32700 قتيل بزيادة 81 في المائة "... ثم أضاف " أن أكثر من 9400 شخص خطفوا أو احتجزوا رهائن بأيدي المتشددين وهو ثلاثة أمثال المعدل بالمقارنة بالعام السابق . "  ويذكر مركز ( DW ) الاعلامي الالماني في تقرير بعنوان أموال القاعدة من أين أن"  ندوة مكافحة تمويل الإرهاب في  9 سبتمبر 2011 التي استضافتها وزارة الخزانة الأميركية ، قد شهدت تركيزا على أساليب المنظمات الإرهابية الجديدة في البحث عن مصادر تمويل ، من خلال خطف السياح وطلب الفدية والسطو على البنوك والاتجار في المخدرات والبشر " . وحسب التقارير الامريكية والدولية فان تنظيم القاعدة الذي وقعت محاصرته بسبب سياسة " تجفيف منابع الارهاب المضروبة حوله بجميع  المؤسسات المالية في العالم ، فانه قام  بنقل انشطته الى عدة مواقع في افريقيا مثل السواحل الصومالية والمناطق الصحراوية التي يتم فيها اختطاف الاجانب مقابل فدية طائلة كما يقول  مايكل جاكوبسون  ، المتخصص في  تمويل الإرهاب في الخزانة الأمريكية : " لقد أصبح هناك العديد من الخلايا على اتصال بتنظيم القاعدة ، ولكنها تقوم بتمويل عملياتها من خلال الخطف والاحتيال وتهريب المخدرات ، وتشير التقديرات إلى أنه منذ عام 2007 استطاع تنظيم القاعدة في المغرب العربي تحقيق تمويل ضخم وصل إلى حوالي 130 مليون دولار من أعمال الخطف ومساعدة تجار المخدرات ... "
وبحسب تصريحات مستشار الرئيس الجزائري " كمال رزاق بارة " كما يقول تقرير البوابة الاسلامية " فإن عمليات الاختطاف التي استهدفت غربيين في الساحل الإفريقي جلبت للإرهابيين أكثر من 150  مليون يورو في الخمس سنوات الأخيرة فقط في منطقة الساحل المغربي ..  وهو ما يتكرر بشكل مستمر في بلاد ، مثل اليمن  وليبيا ، حيث سبق للتنظيم في اليمن أن حصل على 6 ملايين يورو عند إطلاقه سراح 3 من الرهائن الفرنسيين عام 2011 ، والحصول على 10 ملايين دولار من الحكومة السعودية ، مقابل الإفراج عن الدبلوماسي السعودي عبد الله الخالدي عام 2012 ، وتعتبر هذه مجرد أمثلة بسيطة للأرباح الطائلة التي تجنيها القاعدة من عمليات الخطف وحدها . 
وفي مجال المخدرات أيضا ، ينقل المركز الالماني للاعلام تفاصيل ما يسمى بـ " عملية نيسي " في اسبانيا حيث تمكنت الشرطة هناك من ضبط 22 طنا من الحشيش ومليوني يورو واعتقلت مائة شخص من الخلية  التي تم كشفها وتفكيكها خلال العملية .. ويقول الخبير في شؤون الإرهاب كارلوس ايشفيريا  في حوار مع " أي آر دي" ( القناة الألمانية الأولى) بأن " الحشيش يزرع بكميات كبيرة في شمالي المغرب حيث توجد مجموعات إسلامية متطرفة ، تزداد شعبيتها باستمرار" ويتابع بأن الإسلاميين لا يترددون في تمويل نشاطاتهم من المخدرات ، رغم أن ذلك مخالف للشريعة الإسلامية " ..  ويواصل التقرير قائلا : " ان أكثر ما يثير قلق الخبراء في شؤون الإرهاب هو مدينتا سبتة ومليلة  ، حيث تعتبر سبتة مركزا  لتجارة المخدرات ، ففي هذه المدينة الصغير التي لا يتجاوز عدد سكانها الـ 80 ألف نسمة تم عام 2013 التبليغ عن 900 عملية تهريب للمخدرات ، وعلاوة على ذلك تعتبر سبتة معقلا للجماعات الإسلامية .."
أما في أفغانستان الموقع الرئيسي لتنظيم القاعدة وطالبان ، فانها ـ حسب تقرير البوابة الاسلامية ـ البلد الذي " يتصدر قائمة الدول الأكثر إنتاجاً للحشيش في العالم في العام 2010 .. وفي تقرير صدر عن منظمة الأمم المتحدة تم رصد احتلال أفغانستان المرتبة الأولى لإنتاج الحشيش ، إلى جانب مركزها الأول كمنتج  للأفيون ، العنصر الاساسي  في إنتاج الهيروين ، والجدير بالذكر أن كيلو الهيروين يتكلف من 4000 إلى 5000 دولار، بينما يتم بيعه بسعر خيالي يبلغ ما بين 250 ألفا إلى 300 ألف دولار .. وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن محصول الأفيون سيصل إلى 6100 طن سنويًّا ، والنسبة الأعلى منه تأتي من جنوب البلاد الخاضعة لسيطرة حركة طالبان المتحالفة مع تنظيم القاعدة ، ولا يخلو في أقاليم أفغانستان الـ34 من زراعة الأفيون سوى 6 أقاليم فقط ، ما يعني أن البلاد كلها تزرع الخشخاش وتصدره للعالم .ويكفي معرفة أن تفجيرات قطار مدريد في عام 2004 التي قتل فيها 191 شخصاً والمتورط فيها تنظيم القاعدة ، تم تمويلها بصورة جزئية من مبيعات التنظيم للحشيش ، إلى جانب تهريب " الأقراص المضغوطة " المزيفة .." 
وبالاضافة الى ذلك فان جل شبكات التهريب في العالم لا تخلو من ناشطين تابعين للتنظيمات الارهابية بجميع انواعها ، يعملون في مجالات مهمة منها تجارة الاسلحة وتهريب التبغ .. وحسب  تقرير بوابة الحركات الاسلامية   فان " تنظيم  " القاعدة " يعتمد بشكل أساسي على زراعة التبغ وتهريبه خاصةً في منطقة شمال إفريقيا ، ففي  الجزائر ومصر وليبيا  والمغرب  وتونس  فقط  تبلغ نسبة المستخدمين للتبغ نحو 44 % من الاستخدام الكلي لإفريقيا ، وهو ما فتح أكبر الأسواق السوداء للتنظيم للتجارة في التبغ المهرب ، وقد نشرت صحيفة " الأوبزرفر" البريطانية تحقيقا حول تأثير تهريب السجائر على إشعال عنف المتطرفين في إفريقيا ، يقول : إن تجارة التبغ غير المشروعة تحقق مليار دولار في شمال إفريقيا وحدها  ..  
 وقد لمع في هذه التجارة عضو تنظيم القاعدة في الجزائر "مختار بالمختار" الذي لقب بـ" السيد مارلبورو" ، بسبب تكوينه لثروة طائلة من هذا النشاط .. "
وفي مجالات أخرى ، وحسب التقرير السنوي للخارجية الامريكية الذي نقله مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية ، فان تنظيم داعش استطاع جمع  مبالغ  مالية طائلة من جميع انحاء العالم متبعا " نظام تمويل معقد ومتنوع ، يبدأ من منظمات “واجهة ” تعمل تحت غطاء مؤسسات خيرية ليصل إلى عمليات بيع النفط في السوق السوداء وفرض ضرائب على سائقي الشاحنات المحليين وأصحاب الأعمال وموظفي الحكومة السابقين . ولسوء الحظ ، تنبثق غالبية إيرادات الجماعة من موارد محصنة بمعظمها من التدابير التقليدية المعتمدة لمحاربة تمويل الإرهاب . على سبيل المثال، كان تنظيم «القاعدة» يعوّل بشدة على مانحين أثرياء في الخليج ، مما جعله عرضة لإجراءات وزارة الخارجية الأمريكية المتخذة من خلال الأنظمة المصرفية الرسمية.
 وفي المقابل ، يجمع تنظيم « الدولة الإسلامية » الجزء الأكبر من أمواله من داخل الأراضي الخاضعة لسيطرته. فمن الصعب استهداف العائدات من الأراضي المحلية – عن طريق أنشطة متنوعة مثل الابتزاز والجريمة وفرض الضرائب على السكان المحليين ، وبطبيعة الحال ، عن طريق بيع النفط والقطع الأثرية ,, كما وسع تنظيم « داعش » إلى حد كبير قاعدة إيراداته ، عبر “استيلائه على أراضي في العراق وسوريا على نحو غير مسبوق” . وقد حقق أعظم مكسب مفاجئ له على الأرجح من خلال استيلائه على الموصل في حزيران / يونيو  2014 ، الأمر الذي سمح له بنهب المصارف بحرية وفرض ضرائب على العمليات التجارية وابتزاز السكان . وفي حين من المستحيل معرفة الأرقام الدقيقة ، تقدّر وزارة الخارجية الأمريكية أن “ تنظيم «الدولة الإسلامية» قد حصل ما يصل إلى عدة ملايين من الدولارات شهرياً بواسطة شبكات الابتزاز المتنوعة والنشاط الإجرامي في الأراضي التي نشط فيها " .. وفي مجال تهريب النفط فان عائدات تنظيم داعش تقدر بارقام خيالية ، خلال السنوات الاخيرة التي سيطر فيها على مناطق واسعة من العراق وسوريا ، يقول تقرير جريدة الغارديان البريطانية المنشور بتاريخ 20 نوفمبر 2014 على موقع " التقرير" حول موضوع التهريب ، بأن هذا التنطيم الارهابي قد شدد قبضته " على  موارد النفط في العراق ، وترأس  إمبراطورية معقدة من التهريب مع تصدير غير قانوني لتركيا والأردن وإيران ، بحسب مهربين ومصادر عراقية رسمية .. " ثم يضيف نفس التقرير بأن المسلحين الذين يسيطرون على عدد هام من حقول النفط  ، قد  " استطاعوا تشغيلها خلال مدة قصيرة ، ثم استطاعوا عمل شبكات تجارية في شمال العراق ، حيث كان التهريب حقيقة حياتية هناك لسنوات .. ومعظم هذا النفط  يذهب الى كردستان العراق .. ثم  يباع مجددا لتركيا وإيران " وهو ما جعل تنظيم داعش يخصص رواتب عالية تقدر بـ "  500 دولار للمقاتل ، و1200 دولار تقريبًا للقائد العسكري .. !!   
 وفي تقرير صحفي لصوت روسيا نشر على موقعها في 1 اكتوبر 2014 " فإن داعش تستمر باستخراج نفط العراق وتنقله علناً عبر الشاحنات إلى تركيا ومنها إلى إسرائيل .."
وحتى ننهي هذا الملف الشائك فاننا يمكن ان نعرّج على تدفق الاموال من الدول الخليجية بشكل رئيسي كما تقول التقارير الدولية المتابعة لنشاط الجماعات الارهابية .. حيث يمكن تصنيف هذا الدعم الى صنفين :
صنف تدعمه الدول والحكومات اما بشكل مباشر عن طريق المساعدات المالية والاسلحة كما تفعل الدول الخليجية مثل قطر والسعودية والكويت والامارت مع اختلاف في الجهات التي تتولى دعمها ، أو بشكل غير مباشر كما تفعل بعض الدول الاخرى عن طريق تسهيلات الدخول والايواء وجلب المتطوّعين والتبادل التجاري معها مثل بيع النفط وشراء الاسلحة والتهريب ، وغيرها من المعاملات التي تقوم بها دول مثل تركيا والاردن والكيان الصهيوني .. 
أما الصنف الثاني من الدعم  فهو يأتي من الحاضنة الشعبية في الدول الخليجية وغيرها التي تقوم بتنشيطها الخلايا النائمة والداعمة للارهاب في هذه الدول والتي ينخرط فيها ممولون وداعمون للارهاب على أعلى مستوى ، من الوزراء ، واعضاء مجالس نيابية ، وكبار المسؤولين في الدولة فضلا عن الشرائح الاجتماعية الأخرى  ..
وفي هذا الصدد يقول تقرير صوت روسيا المذكور أن : " الأمير عبد الرحمان السعودي  يعتبر المموّل واللاعب الأساسي للتنظيم فهو شقيق وزير الخارجية وشقيق سفير الممكلة السعودية في واشنطن .. "
 كما تتناقل اغلب المواقع الالكترونية تقرير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الذي جمع عدة معلومات مهمة حول تورط بعض الشخصيات البارزة في قطر المورطة في تمويل الارهاب ، ويذكر منها التقرير عبد الرحمان النعيمي الذي كان يرأس " المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" في الدوحة ، والذي يرأسه حاليا "  عزمي بشارة " .. وهو ـ كما يقول التقرير ـ  من مؤسسي مجموعة " الكرامة " الحقوقية بجنيف ، ومن المشاركين في عدة حملات ومنظمات خيرية ورياضية ..  ويعتبر النعيمي حسب هذا التقرير الامريكي ، من بين كبار الشخصيات الممولة للارهاب ، فهو الذي " حوّل ملايين الدولارات ، خلال أكثر من عشر سنوات ، إلى مجموعات تابعة لـ" القاعدة " في العراق ، وسوريا ، واليمن والصومال ... كما موّل " عصبة الأنصار" في لبنان المرتبطة بـ" القاعدة " والموضوعة على اللائحة السوداء منذ عام2001 .. وأعطى مبلغ مليوني دولار شهرياً لـ" القاعدة في العراق" .
وفي الفترة الأخيرة أرسل مبلغ 600 ألف دولار إلى " أبو خالد السوري" مبعوث أيمن الظواهري في سوريا .. وأعطى كذلك في وقت سابق 250  ألف دولار لقادة حركة " الشباب " الصومالية ... كما يذكر التقرير احد أرفع موظفي الدولة  القطرية وهو محمد تركي السبيعي الذي كان يعمل في المصرف المركزي القطري وهو متهم من طرف واشنطن بأنه قام بـ " تقديم دعم مالي لخالد الشيخ محمد  أحد مهندسي هجمات 11 سبتمبر 2001  " ،  كما تتهمه واشنطن بـ  « نقل الإرهابيين الذين يتمّ تجنيدهم  بمراكز تدريب «القاعدة» في باكستان . كذلك عمل كصلة وصل دبلوماسية بين « القاعدة » وأطراف أخرى في الشرق الأوسط " .. 
وبعدها ـ يقول التقرير ـ " وضعته الأمم المتحدة بدورها على لائحة «القائمة» السوداء . ورغم تعهّد السلطات القطرية بـ « إبقائه تحت السيطرة» ، تمّ عام 2014 القبض على شخصين أردنيين يحملان الهوية القطرية وقالت واشنطن إنهما عملا مع السبيعي عام 2012  وقاما بنقل مئات آلاف الدولارات إلى « القاعدة » في باكستان ..."

هذا " غيض من فيض " ... وقد يصدق هذا المثل على كل المعلومات التي جمعناها حول مصادر تمويل حركات الاسلام السياسي التي اصبحت معروفة على نطاق واسع ، وقد كان هدفنا منذ البداية الوصول الى نفي فكرة واحدة منتشرة لدى العامة ، مفادها ان هذا المشروع الظلامي يلقى الرواج لأنه ـ فقط ـ يقنع الناس ..

( القدس (                               
                                

السبت، 20 يوليو 2019

التوجهات الاجتماعية لجمال عبد الناصر .

التوجهات الاجتماعية لجمال عبد الناصر .

محمد نور الدين .
مدير البحوث الاقتصادية بالبنك العربي ( مصر ) سابقا .


يتراوح الحديث عن جمال عبد الناصر في معظم الأحيان بين حبّ العاشق الذي يرى الكمال في محبوبه والقبول المطلق لشخصيته وأفكاره وممارساته، أو حديث المعترض دائما الذي ينظر فقط إلى جزئية سلبية من الصورة، ويقوم بتعميمها على كل شيء ، فلا يرى إلاّ السواد والظلام. ولا شك أن مثل هذا الحب الشديد وهذا الحقد الشديد يتساويان في عدم إدراك الصورة الحقيقية، خاصة إذا كنا نتطلع إلى المستقبل ونريد الاستفادة من التجارب ومن التاريخ. ومن الطبيعي أن يكون لكل فكرة وتوجه أو إجراء معين من يستفيد منه وهناك من يتضرّر منه أو لا يوافق عليه. وطبقا لهذا يصعب أن ينظر أحد إلى تجربة عبد الناصر وبالتالي إلى توجهاته الاجتماعية من موقع الحياد المجرّد.
يمكن القول من البداية أن التوجهات الاجتماعية لجمال عبد الناصر قد تولدت من عدة عوامل أهمها : 
1 – الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي كان سائدا في مصر قبل الثورة والذي كان يعكس تباينا شديد في توزيع كل من الثروات والدخول، أدت إلى درجة عالية من التمايز الطبقي لصالح أقلية كانت تملك المال والأرض والثروة العقارية، ولها الكلمة الأولى في حكم مصر بالضرورة.
في تلك الظروف تفجرت الثورة، وعندما تسلم عبد الناصر الحكم كانت مصر دولة فقيرة متخلفة صناعيا، محصولها الزراعي الأساسي هو القطن الذي كان المستفيد الأكبر منه هم كبار الملاك والمضاربين والأجانب. وكان هناك 960 شخصا فقط يسيطرون على كل الوظائف الأساسية في مجالس إدارات الشركات الصناعية، من بينهم 265 مصريا فقط. كما كانت البنوك الأجنبية تسيطر على معظم النشاط المصرفي وبالتالي تستحوذ على معظم الودائع وتوجهها إلى ما تراه من أنشطة. هذه الظواهر كلها دعت اقتصاديا ليبراليا هو الدكتور عبد الجليل العمري أن يوصف الوضع بكلمات بسيطة : كان الاقتصاد المصري كبقرة ترعى في أرض مصر ، ولكن ضروعها كانت كلها تحلب خارج مصر.
2 - انتشار الأفكار الإصلاحية في مصر خاصة فيما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، متمثلة أساسا في جماعة النهضة وأفكار إبراهيم شكري ومحمد خطاب وغيرهم من المفكرين والمؤسسات، ممن طالبوا بوضع حد أقصى للملكية الزراعية يقتصر عند بعضهم على 50 فدلنا ، وبالاتجاه نحو التصنيع باعتباره الوسيلة الأساسية لتحقيق نهضة اقتصادية.والى جانب هؤلاء كانت هناك أيضا الأحزاب والاتجاهات الاشتراكية والشيوعية التي كانت متواجدة بقدر ملموس في كل الساحة الفكرية والشارع والعمل النقابي، والتي كانت تطرح بدائل للنظام الرأسمالي القائم.
3 - انخراط أو اقتراب جمال عبد الناصر بأشكال ودرجات مختلفة من تنظيمات سياسية كانت لها رؤى اجتماعية متمايزة : الشيوعيون – مصر الفتاة – الإخوان، الأمر الذي ساهم في نوع من بلورة أفكاره وتوجهاته الاجتماعية وتصوراته التي كان يحلم بها لمصر ( سأله أحد الصحفيين إبان حصاره في الفالوجا عام 48 عما يتمناه بعد انتهاء الحصار فقال ببساطة ” أن أرى مصر بلغت ما أرجوه لها ” ).
ويلاحظ هنا أن تنظيم الضباط الأحرار لم يكن متناسقا من حيث التوجهات الفكرية والاجتماعية لأعضائه، فهم وان اتفقوا على القيام بالثورة ضد الملك وتطهير الجيش والبلاد من الفساد وإجلاء الانجليز ، لم يكن يجمعهم رابط فكري أو نظرية حتى لكيفية تحقيق أهداف الثورة التي تم صياغتها بعد الثورة بشهور.
4 - أن عبد الناصر كان شخصا مثقفا و قارئا ومهتما بالاطلاع على المراجع التاريخية والسياسية والإستراتيجية وكتب السير الذاتية للمفكرين والزعماء، فضلا عن الأدب. ويتضح ذلك من سجلات الاستعارة بمكتبة الكلية الحربية وكلية أركان الحرب، ومن شهادات زملائه في الدراسة الثانوية ، بل وفي أثناء حرب فلسطين ، و من تردده على دار الكتب بباب الخلق ورغبته التي صرح بها في 1952 في تجديدها وبناء مقر جديد لها يطل على النيل. كما تتضح أيضا من استشهاده في كثير من خطبه بآراء ووقائع تعكس حرصه المبكر على تكوين قاعدة معرفية، ومن استعارته في مناقشاته مع زملائه وكبار المسئولين لأجزاء وأفكار من أعمال أدبية وتاريخية.
فما الذي قرأه عبد الناصر وساهم في تكوين اتجاهاته الاجتماعية؟ نجد مجموعة كبيرة من الكتب ليس من السهل المرور عليها دون التوقف والتأمل، لأنها تعكس القضايا التي اهتم بها في فترات مختلفة من حياته.
فقد قرأ عن نابليون والإسكندر ويوليوس قيصروغاندي وقرأ رواية البؤساء لـ “فيكتور هوجو” وقصة مدينتين لـ “شارلز ديكنز. وكان معجباً بأشعار أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وقرأ عن سيرة النبي محمد وعن أبطال الإسلام ومصطفى كامل، كما قرأ لتوفيق الحكيم خصوصاً رواية عودة الروح التي تشير إلى ضرورة ظهور زعيم يوحد صفوف المصريين ويقودهم في النضال من أجل الحرية والبعث الوطني.
و قرأ في مرحلة تالية عن جاليباردى و بسمارك و أتاتورك وكرومويل وتشرشل. وكتبا تعالج شئون الشرق الأوسط والسودان ومشكلات الدول التي على البحر المتوسط وفي التاريخ العسكري خاصة عن الحرب العالمية الأولى وعن حرب فلسطين، وعن تاريخ ثورة 1919. وقرأ لكبار المؤلفين في الاستراتيجة من أمثال ليدل هارت و كلاوزفيتز.
ومن الواضح من ذلك أن الرئيس جمال عبد الناصر في الغالب لم يقرأ كثيرا في الموضوعات الاجتماعية والاقتصادية، على الأقل قبل الثورة.
5 - أن الفترة التالية للحرب العالمية الثانية بصفة خاصة شهدت صعود الدول الاشتراكية في أسيا وشرق أوربا، وبروز انجازاتها بشكل أغرى الكثيرين بدراسة تجاربها والاستفادة منها. وارتبط بذلك قيام الحرب الباردة بين الدول الرأسمالية والدول الاشتراكية، والتي كانت مناسبة تاريخية لكثير من دول العالم لاستفادة من هذا الوضع بما في ذلك المحاورات الفكرية أو التي تناولت تحيلا لنمطي الإنتاج الرأسمالي والاشتراكي في تطورهما. يشار بصفة خاصة إلى العلاقة التي نشأت في إطار عدم الانحياز بين الرئيس عبد النا صر والرئيس اليوغوسلافي تيتو ورئيس الوزراء الهندي نهرو بصفة خاصة والتي كان من شانها الاستفادة من تجارب يوغوسلافيا والهند في كثير من النواحي الاقتصادية والاجتماعية ، بل وتنسيق المواقف السياسية أيضا.
6 - كان عبد الناصر فخورا بانتمائه للطبقة الوسطي، وان والده كان موظفا بسيطا لا يتجاوز مرتبه الشهري 25 جنيها. ولعل في هذه النقطة بالذات ما يمكن أن يفسر كثيرا من التوجهات الاجتماعية لعبد الناصر التي تمت من خلال الممارسة الفعلية وليس فقط بالكلام عنها. كما أنه كان يفخر دائما بأنه يشتري الملابس والمنتجات المحلية بما فيها السلع المعمرة. الانتماء للطبقة الوسطي يجد له سندا في إتباع عبد الناصر لكثير من التوجهات والسياسات التي تستهدف زيادة وتحسين وضع هذه الطبقة.
عبد الناصر إذن كان قائداً تحررياً على مستوى مصر والعالم العربي والعالم الثالث، ولم يكن صاحب فلسفة خاصة أو مبتدع لنظرية فكرية واجتماعية متكاملة، وقد أكّد بنفسه ذلك في “الميثاق الوطني” عام 1962 وفي مناسبات أخرى عديدة. ولكن مع ذلك يمكن القول أنه كان يقف على أرضٍ فكرية محسوم فيها جانب الإيمان الديني والجانب القومي و تأكيدٍ للهوية العربية. كما أنه كان منشغلا بقضايا الحرية والعدالة والاستقلال والتحرر الوطني، وكان يقوا انه إذا كان صحيحا أن الفقراء لهم الجنة، فانه يجب أن يكون لهم أيضا نصيب من الدنيا.
وقد ارتبط ذلك لدى عبد الناصر بإعلانه دائما عن نبذ العنف كوسيلة لحل الصراع الطبقي أو كأداة للتغيير الاجتماعي أو السياسي، فهو يعلن ببساطة أن الهدف هو إزالة التناقض الطبقي، وألا تبقى الملكية في يد فئة قليلة من الناس. ويطرح بدلا من الصراع الطبقي حلا سلميا يقوم على إذابة الفوارق بين الطبقات، ثم تحالف قوى الشعب العامل الذي يتكون من العمال والفلاحين والمثقفين والجنود وما سمي آنذاك بالرأسمالية الوطنية. ويتأكد هذا الموقف سياسيا بتخصيص نصف مقاعد البرلمان للعمال والفلاحين، كمحاولة لإشراكهم في عملية التشريع والرقابة على السلطة التنفيذية، ولكن بالأساس بالحصول على تأييدهم باعتبارهم أكثر الفئات المستفيدة من الثورة.
التجربة والخطأ و صياغة بعض التوجهات الاجتماعية لعبد الناصر :
لم ينكر جمال عبد الناصر أن الثورة لم يكن لديها برنامج عمل واضح ومحدد سواء فيما يتعلق بما تتطلع إلى تحقيقه في الداخل أو الخارج، أي أن توجهاته بما فيها التوجهات الاجتماعية ربما كانت عناوين عامة أو مجرد أحاسيس تنتظر أن تتجسد. وبالتالي كان التجريب وسيلة أساسية تم اللجوء إليها، بمعنى أن كثيرا مما يمكن اعتباره حاليا توجهات ناصرية كانت نتيجة دروس الواقع وليس انطلاقا من بناء فكري متكامل أو ناضج بشكل مسبق:
1 - فقد بدا عبد الناصر على سبيل المثال بتجربة إمكانية تحقيق أهداف الثورة من خلال نوع من العزلة الإقليمية ، حيث لم تتضمن أهداف الثورة أية أهداف تتجاوز حدود مصر، وأن كانت قضية فلسطين والموقف من إسرائيل كعدو رئيسي لم يغيبا عنه. إلا أنه في مواجهة مشروعات الغرب وخاصة الولايات المتحدة للسيطرة على المنطقة من خلال مشروع أيزنهاور ثم حلف بغداد، أدرك أن هذه العزلة لن تساعد في تحقيق أهداف الاستقلال السياسي والاقتصادي ، ومن ثم كان التوجه للشعوب العربية والاعتماد أساس على فكرة القومية العربية وفكرة عدم الانحياز.
2 - ولإقامة جيش وطني قوي، اتجه عبد الناصر لشراء السلاح من الولايات المتحدة باعتبارها من اكبر موردي السلاح المتقدم آنذاك، وباعتبار أن موقفها من الثورة لم يكن معاديا ، ولكنه سرعان ما اكتشف أن التبعية لأمريكا هي شرط أساسي للحصول منها على السلاح ، ومن ثم كان قراره بتنويع مصادر السلاح وإبرام صفقة الأسلحة التشيكية في 1955 ، والأهم هو قراره ببناء صناعة سلاح مصرية يتم تطويرها تدريجيا بما يكفل تحقيق حد أدني من الاستقلالية للقرار السياسي المصري ويحمي جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وتعد محاولة اقامة الصناعات الحربية المصرية نموذجا للعلاقة بين البحث العلمي والصناعة لم يلق الدراسة الجادة التي يستحقها بعد.
3 - ونفس الأمر نجده عند محاولة بناء السد العالي اعتمادا على البنك الدولي والمعونات الأجنبية، حيث كان الأمل كبير في تغطية التمويل اللازم لإقامة هذا المشروع الضخم آنذاك والذي أعطاه عبد الناصر أهمية كبيرة نظرا لآثاره الضخمة على الزراعة والصناعة في مصر ، فضلا عن آثاره الاجتماعية الكبيرة. ومن ثم كان الرفض الأمريكي ثم رفض البنك الدولي مبررا لاتخذ خطوة كبيرة إلى الأمام متمثلة في تأميم شركة قناة السويس وتوجيه مواردها لإقامة السد من خلال الموازنة العامة للدولة، واللجوء إلى الاتحاد السوفييتي للحصول على معونته في إقامة هذا المشروع الضخم الذي أدى إلى زيادة الأرض الزراعية بنحو 15 % لأول مرة في تاريخ مصر، فضلا عن تحويل مساحات هائلة من ري الحياض إلى الري الدائم والمساهمة في توفير الكهرباء اللازمة للصناعة..
4 - وبالمثل كان هناك أمل أن يتوجه رأس المال الخاص الفردي الى قطاع الصناعة بعد أن تم تضييق الخناق عليه في قطاع الزراعة والقطاع العقاري بقوانين الإصلاح الزراعي وتحديد الإيجارات، إلا أن ذلك لم يتحقق حتى بعد أن أتيحت له الفرصة من خلال قوانين التمصير في 1957 لشراء ممتلكات الأجانب . إلا أن رأس المال الخاص الفردي استمر في الاتجاه إلى العقارات والأنشطة التجارية إلى جانب عملية مقصودة للحد من التراكم عن طريق زيادة الأرباح التي توزع على المساهمين وهو ما حرم البلاد من زيادة الأموال الموجهة للاستثمار اللازم للتعجيل بالنمو.إزاء ذلك تبنت الدولة برنامج السنوات الخمس للصناعة حيث تولت مباشرة استكمال البناء الصناعي الذي أقيم في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي خاصة علي يد بنك مصر وطلعت حرب. وقامت الحكومة بإنشاء المشروعات التي لا يرغب أو لا يقوى رأس المال الفردي الخاص على إقامتها ( صناعات الحديد والصلب والأسمدة والكيماويات وما يرتبط بها وغيرها )، مع مساعدة الأخير في نفس الوقت بتوفير التمويل اللازم له للمشاركة في مشروعات البرنامج. واقترن ذلك بإتباع سياسات تجارية ونقدية مشجعة للصناعة خاصة في إطار ما عرف بسياسة إحلال الواردات.
وهكذا بدأت الدولة تمارس دورا مباشرا في العملية الإنتاجية مما استلزم تأميم البنك الاهلى المصري الذي كانت ملكيته موزعة على كثير من جنسيات العالم وبنك مصر بمشروعاته الصناعية والتجارية والخدمية ، ثم تنظيم الجهود في إطار خطة خمسيه للتنمية الاقتصادية بدأت في يوليو 1960 وآلت إليها بقية مشروعات برنامج التصنيع واستهدف أن يتحمل رأس المال الخاص نصيبا منها ( حوالي 49 مليون جنيه في العام الأول بنسبة 20% من الاستثمارات ). إلا أن التجربة أثبتت مرة أخرى أن رأس المال الخاص غير قادر وغير راغب موضوعيا في استكمال مهام البناء الصناعي أو في تحقيق حد أدنى من المشاركة في التنمية الاقتصادية المستقلة ، وأنه لا سبيل سوي تجميعه تحت سيطرة الدولة ، فكانت حركة التأميمات التي امتدت تدريجيا من 1960 حتى 1963 لتشمل كل البنوك وشركات التأمين ومعظم المشروعات الصناعية الكبيرة وكثير من شركات النقل والتجارة والمقاولات والخدمات، مع سيطرة الدولة تماما علي التجارة الخارجية سواء باحتكار الاستيراد ومعظم التصدير أو بالرقابة على النقد الأجنبي التي مورست بأساليب تتفق مع هدف تحقيق استقلال نسبي عن السوق الدولية ، إلى جانب التوسع في إبرام اتفاقات التجارة والدفع مع كثير من دول العالم كسبيل للحصول على الواردات وزيادة الصادرات .
وقد مثلت البيروقراطية المصرية أحد العوائق الكبيرة التي حالت دون تحقيق إدارة جيدة للقطاع العام، خاصة مع توسعه السريع في الستينات ربما بمعدل أكبر من القدرة على إدارته إدارة رشيدة من وجهة نظر المجتمع ككل. وقد كانت معظم قيادات القطاع العام خاصة في سنواته الأولى تتمثل في بعض ملاكه ومديريه القدامى في فترة ما قبل التأميم ، إلى جانب الضباط الذين تم التوسع في اختيارهم لشغل هذه الوظائف وغيرهم ممن أطلق عليهم ” أهل الثقة ” في مواجهة أهل الخبرة الذين لم يكن لهم حظا كبيرا في تولي هذه المسئوليات. وبعد نكست 1967 تراخت قبضة الدولة نسبيا على القطاع العام مما أدي إلى ظهور فئات مستفيدة منه سوء من قياداته أو من المتعاملين به توريدا وشراء.
5 - ونفس الأمر يمكن قوله بالنسبة للاستثمارات الأجنبية ، فرغم الهيمنة الاقتصادية للأجانب على الاقتصاد المصري قبيل الثورة، كانت هناك أمال في مشاركة رْوس الأموال الأجنبية في التصنيع بصفة خاصة وصدر قانون للاستثمار الأجنبي في 1953 لتشجيعها على القدوم إلى مصر. ويبدو أن عبد الناصر قد تخلى عن آماله في مساهمة رءوس الأموال الأجنبية بشكل جدي في التنمية بعد العدوان الثلاثي على مصر الذي شكل موضوعيا هجمة لرأس المال الدولي على تجربة عبد الناصر لتحقيق قدر من الاستقلال النسبي في إطار السوق الرأسمالية الدولية.
فقد أوضحت حرب السويس خطورة الملكية الأجنبية للبنوك وشركات التأمين وكثير من المشروعات الهامة ، فكانت حركة التمصير التي قام بمقتضاها رأس المال المحلي في 1957 بالحصول على حصص الأجانب في ملكية بعض البنوك وشركات التأمين والشركات الأخرى خاصة ما كان مملوكا لرعايا الدول التي اعتدت على مصر ، إلى جانب بدء وجود القطاع العام بشكل ملموس من خلال إنشاء المؤسسة الاقتصادية كنوع من الشركات القابضة المملوكة للدولة والتي آل إليها الجانب الأكبر من الممتلكات التي خضعت للتمصير .
وهكذا كان جوهر التجربة الاقتصادية لمصر الناصرية إقامة قطاع عام قوي ينتج ما يشبع الحاجات المحلية للسكان بأسعار تتناسب مع دخولهم وفق خطة محددة ، وتحقق وحداته نوعا من التكامل فيما بينها لم يكن الأفضل بطبيعة الحال في ظل هيمنة البيروقراطية ومن ثم غابت عنه المشاركة والرقابة الشعبية. إلا أن هذه التجربة رغم كل ما يمكن أن يوجه إليها من نقد استطاعت تحقيق معدلات نمو معقولة بالمقاييس العالمية خاصة في النصف الأول من الستينات ، والأهم أنها مكنت الحكومة من التوسع في اتخاذ القرارات المستقلة نسبيا عن السوق الدولية ومن ثم كان ما يعرف برفض المعونات المشروطة ومواجهة الضغوط الدولية. ورغم هزيمة 1967 وتباطؤ النمو وكثرة المشاكل التي تعين مواجهتها ، فان هذه التجربة هي التي مكنت من الصمود طوال سنوات حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973وهي التي ما زلنا نحتمي بانجازاتها حتى الآن رغم التطورات الكثرة التي حدثت وأضعفت هذا الكيان الكبير.
القضاء على دولة الملكيات العقارية الكبيرة :
في محاولة لحل المشكلة الزراعية وسيطرة كبار الملاك العقاريين لجأ عبد الناصر إلى إعادة تنظيم الإنتاج في الريف بالقضاء على سلطة كبار الملاك ونفوذهم ، عن طريق قوانين الإصلاح الزراعي التي صدر أولها بعد الثورة بأسابيع قليلة. وقد أدي ذلك ليس فقط إلى تقليص الدور الاقتصادي لكبار الملاك وإنما نزع منهم ما كانوا يتمتعون به من سلطة نفوذ وسطوة في الريف المصري، سواء من شغلهم لوظائف العمد والمشايخ أو عضوية مجالس إدارة الجمعيات الزراعية ، فضلا عن دورهم من خلال الأحزاب السياسية والجهاز الحكومي. كما تم حظر ملكية الأجانب للأراضي الزراعية وانتقلت السلطة على الريف تماما وبشكل كامل تقريبا من كبار الملاك والمرابين وتجار المدخلات الزراعية والسماسرة إلى الدولة بمؤسساتها المختلفة ، حيث أصبحت هي من يقدم المدخلات ويحصل على معظم المخرجات وينظم العملية الانتاجية ويحدد شروطها سواء فيما بين العاملين في الزراعة وبعضهم البعض أو فيما بينهم وبين الدولة.
كما كان قرار تحديد الملكية الزراعية وسيلة لدفع كبار الملاك والمضاربين العقاريين إلى توجيه جزء من أموالهم للصناعة، ولتضييق دائرة الفقر في الريف، وتوسيع السوق اللازم لاستيعاب منتجات الصناعات الوليدة التي كان لابد من إقامتها سواء للإسراع بمعدلات النمو أو لاستيعاب جزء كبير من العمال الزراعية التي تزيد عن الحاجة الفعلية للزراعة. أي أن الإصلاح الزراعي لم يكن بحال من الأحوال عاكسا لاتجاه اشتراكي تبناه عبد الناصر ولكنه كان إجراء يستكمل في الواقع عملية التطور الرأسمالي التي بدأت منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر والتي لم تنجح ثورة 1919 والبرجوازية المصرية في حلها.
على أن الأهم فعلا كان هو التغير الذي طرأ على أوضاع الفلاح المصري وأسرته حيث تم إنشاء المدارس والوحدات الصحية وارتفعت نسبة الوعي و معدلات التعليم وتحسنت الأوضاع الصحية والاقتصادية في الريف بفضل الثورة .
التدرج في تطبيق الإصلاح الزراعي :
نلاحظ هنا أن توجهات عبد الناصر كانت تميل إلى التدرج في التطبيق، فلم يتم النزول بالحد الأقصى للملكية الزراعية مرة واحدة وإنما استغرق الأمر 17 عاما ، كما تم الإقرار في البداية بحق الملاك في التصرف في أراضيهم الزائدة ثم الغي هذا الحق بعد عام من التطبيق ، كما تم في البداية الإقرار بتعويض الملاك الذين نزعت ملكياتهم بسندات على الدولة ولكن في النهاية اقتصر الأمر على تعويضات جزئية فقط.
1 - فقد صدر قانون الإصلاح الزراعي الأول في 9 سبتمبر 1952 مقررا أن الحد الأقصى للملكية الزراعية هو 200 فدان للفرد، وسمح للمالك أن يهب أولاده مائة فدان وأن يبيع أراضيه الزائدة عن الحد الأقصى لمن يريد، خلال فترة زمنية معينة. وقرر القانون توزيع الأراضي الزائدة على صغار الفلاحين بواقع (2 إلى 5 أفدنة) على أن يسددوا ثمنها على أقساط لمدة ثلاثين عاما وبفائدة 3% سنويا.
2 - وتضمن القانون إنشاء نوع جديد من الجمعيات التعاونية الزراعية للمنتفعين بالأراضي الموزعة ( جمعيات الإصلاح الزراعي )، بحيث تكون هي مع الجمعيات التعاونية الزراعية العادية أداة الدولة لتنفيذ سياستها الزراعية، من خلال توفير التمويل النقدي للمزارعين وإمدادهم بالمدخلات الزراعية بما فيها البذور والأسمدة والمبيدات. وخلال الفترة من 1962 حتى 1967 كانت هذه الجمعيات هي المسئولة عن تقديم جميع القروض في الريف المصري وبدون فائدة. وكانت هذه القروض النقدية تستخدم أساسا ( 30 % – 40 % منها) لتمويل استئجار العمالة وشراء خدمات أخرى، الأمر الذي يشير إلى تحيز هذا النظام نسبيا لصالح المزارعين الرأسماليين الذين يستعينون بالعمل المأجور على نطاق واسع. كما قامت هذه الجمعيات بتجميع المحاصيل الزراعية في إطار ما عرف بالتسويق التعاوني، الذي كان يعني تحديد الدولة لأسعار المدخلات ، ثم تحديدها لأسعار المحاصيل التي كان توريدها إجباريا سواء كليا أو كحصة من المحصول .
وطبيعي أنه بذلك أمكن للدولة من خلال فصل الأسعار المحلية عن الأسعار الدولية التي يتم بها التصدير و أن تعبئ جزءا من الفائض الاقتصادي الذي تم إنتاجه في قطاع الزراعة ، بحيث يتم استخدامه بعد ذلك في الصناعة . 
كما أن الملاحظ أن الجمعيات التعاونية الزراعية بأنواعها لم يكن لها حظ حقيقي من مسماها فكانت بمثابة جزء من الإدارة الحكومية ينفذ تعليماتها ولا يقوم أعضاؤها بأي نوع من المشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالإنتاج أو التسويق أو الرقابة الشعبية المرتبطة بفكرة التعاون. وبالتالي كان التسويق التعاوني للمحاصيل من الناحية الفعلية نظاما للتسويق الإداري.
3 - كما نظم القانون العلاقة بين الملاك والمستأجرين للأرض الزراعية، بحيث تكون القيمة الايجارية معادلة لسبعة أمثال الضريبة العقارية المفروضة على الفدان ، وبشرط أن يكون المستأجر ممن يزرعون الأرض بنفسهم. ولم يضع القانون حدا أقصى لمدة الاستئجار، كما قام بتثبيت الأساس الذي تستحب عليه القيمة الايجارية ونظم الزراعة بالمشاركة بحيث لا تكون أكثر عدالة ( تقاسم النفقات و الإنتاج )- الأمر الذي يعني في النهاية تحيزا لصالح صغار المزارعين .
4 - ونص القانون تشكيل لجنة لوضع حد أدنى لأجور عمال الزراعة، تضم ممثلين عن الملاك والمستأجرين من ناحية والعمال الزراعيين من ناحية أخرى ويرأسها ممثل لوزارة الزراعة، كما منحهم الحق في تنظيم نقاباتهم الزراعية، إلا أن وضع العمال الزراعيين المعدمين رغم تحسنه الذي لاشك فيه، كان يعكس أن هذه الفئة كانت اقل الفئات استفادة من الإصلاح الزراعي وتنظيم الزراعة المصرية نظرا لعدم فاعلية ما تقرر من حد أدنى للأجور إلا حين تستأجرهم مزارع الدولة ، وعدم تفعيل النص الخاص بالنقابات.وتشير الدراسات إلى أن الفائض في العمالة الزراعية ارتفع من 42% في 1947 إلى 47% في 1954مما حال دون تنفيذ قرار زيادة أجورهم إلي 18 قرشا يوميا طبقا لما قرره وزير الزراعة، بل و كثيرا ما انخفض عما كان عليه قبل الثورة. وقد بلغ متوسط اجر هذا النوع من العمالة 83 مليما يوميا في 59/60، وعندما ارتفع لم يتعد 122 مليما في 64 /65.
ثم صدر قانون الإصلاح الزراعي الثاني في 1961 جاعلا الحد الأقصى لملكية الفرد 100 فدان، يضاف إليها 50 فدانا لبقية الأسرة (الأولاد) للانتفاع فقط، القانون، ثم صدر قانون الإصلاح الزراعي الثالث عام 1969 والذي جعل الحد الأقصى لملكية الفرد 50 فدانا. على أن هذا القانون الأخير لم يجد فرصة للتطبيق في واقع الأمر.
وتشير الإحصائيات إلى أنه حتى سنة 1969 تم توزيع 939 ألف فدان على الفلاحين معظمها مما تم الاستيلاء عليه وفقا لقوانين الإصلاح الزراعي وبلغ عدد المستفيدين نحو 362 إلفا. وزادت مساحة الأراضي المملوكة لفئة صغار الفلاحين من 2, 1 مليون فدان إلى حوالي 4 مليون فدان.
التصنيع  :
وعى عبد الناصر أن الطريق الحقيقي لإحداث تنمية اقتصادية في مصر لابد أن يتحقق عن طريق التصنيع. فالإنتاجية في قطاع الصناعة أعلى ارتفاعا من نظيرتها في قطاع الزراعة حيث يكون للعوامل المناخية دورا أكب يصعب معه السيطرة على شروط الإنتاج ولم تكن الجهود التي تمت في هذا الصدد خاصة فينا يتعلق بإقامة بناءات صناعية للإحلال محل الواردات في فترة مابين الحربين ، كافية لقيادة النمو الاقتصادي في مصر . ويمثل موقف جمال عبد الناصر من التصنيع ضربة شديدة للآراء المحلية والخارجية التي كانت تردد بصوت عال وبدون توقف أن مصر بلد زراعي لا يمكن أن تقوم به صناعة قوية، بحيث جعلت من هذه المقولة الفارغة من المضمون حقيقة غير قابلة للمناقشة.
كان الإنتاج الصناعي لا يزيد عن 282 مليون جنيه سنة 1952 وبلغ 2424 مليون جنيه سنة 1970, مسجلا نموا بمعدل 11.4% سنويا,ووصلت مساهمته في الدخل القومي إلى 22% سنة 1970 مقابل 9% سنة 1952,ووفرت الدولة طاقة كهربائية,ضخمة ورخيصة,وزاد الإنتاج من 991 مليون كيلو وات/ساعة إلى 8113 مليون كيلو وات/ساعة .
التعليم مجاني وللجميع :
حقيقي أن التعليم المجاني نادى به الدكتور طه حسين منذ وقت مبكر ، وأدخلته حكومة الوفد قبل الثورة، إلا أن الطفرة الحقيقية في التعليم جاءت على يد ثورة يوليو. فقد امتد التعليم المجاني إلى كافة مراحل التعليم بما فيها التعليم الجامعي، وأصبحت الفرصة متاحة أمام الجميع لتحصيل العلم وفقا لقدراتهم العلمية وليس وفقا للإمكانيات المادية لأسرهم. واقترن بذلك زيادة كبيرة في عدد الفصول والمدارس في مختلف مراحل التعليم بحيث أنه كان يتم بناء مدرستين جديدتين كل ثلاثة أيام.
وبذلك تجاوزت نسبة الاستيعاب لمرحلة التعليم الإلزامي 75 %, وارتفع عدد تلاميذ المرحلة الابتدائية من 1.6 مليون إلى 3.8 مليون, وعدد تلاميذ المدارس الإعدادية والثانوية من 250 ألف إلى 1.500.000 وعدد طلاب الجامعات من 40 إلف إلى 213 ألفا، وذلك بين عامي 1952 و1970.
ومن ناحيتها انعكس هذا الاهتمام على الموازنة العامة للدولة في شكل ارتفاع إنفاق الدولة على التعليم من أقل من 3 % من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي في 52 /53 إلى ما يقرب من 5 % في 1969 /1970، كما زاد الاستثمار العام في التعليم 13 مرة بين عامي 52/53 و 64/ 65.
هذا التوسع في التعليم أتاح الفرصة لتوسيع القاعدة الاجتماعية للطبقة المتوسطة التي تعتمد عليها الثورة لشغل الوظائف في الجهاز الإداري للدولة وفي شركات القطاع العام، وهو ما تم الحرص عليه من خلال سياسة التشغيل القاضية بتعيين الخريجين فور تخرجهم.
إلا أن التجربة تشير أن الزيادة في عدد الطلبة لم يواكبها زيادة ملائمة في أعداد المعلمين والتجهيزات المدرسية بصفة خاصة ، مما اثر بشكل سلبي على نوعية الخدمات التعليمية وعلى الأخص في النصف الثاني من الستينات، الأمر الذي نشأت معه ظاهرة المدارس التي تعمل لأكثر من فترة، وهبط بمستوى الخريجين.
وبالنسبة للمدرسين ، فانه بين عامي 1952 و1970 ، زادت نسبة التلاميذ إلي المدرسين من 29 % إلى 39 % في المدارس الابتدائية ، ومن10 % الى20% في المدارس الثانوية الفنية، وانخفضت من 22 % إلى 14 % في 1964 قبل أن تعود تدريجيا إلي معدلها السابق.
إلا أن هناك جانب آخر يتعين الإشارة إليه ، وهو انتشار المدارس الليلية ومدارس القوات المسلحة كي تتيح الفرصة لمن لم يتمكن من استكمال دراسته أن يكملها. وينطبق نفس الشيء على فصول محو الأمية التي كانت تستخدم مقار كثير من المدارس بل والنقابات والنوادي، في إطار محاولة خفض نسبة الأمية و ” وإنقاذ ” من يتسرب من التعليم الإلزامي.
العمل والأجور والتامينات الاجتماعية :
تعكس التصرفات الأولي للثورة وعبد الناصر ما رأته من تناقض بينها وبين الطبقة العاملة التي تطالب بحريتها وحقوقها العمالية، في حين كانت السلطة الجديدة تعطي الأولوية لإحكام سيطرتها على البلاد. وبعد القيام بكبح وتقييد نشاط النقابات العمالية، حاولت الثورة استرضاء الطبقة العاملة، وعلى الأخص برفع الحد الأدنى للأجور إلى 25 قرشا في اليوم في عام 1953. لكن هذا لم يطبق في الواقع حني بداية الستينات حين تقررت مجموعة واسعة من المزايا للعمال شملت تخفيض ساعات العمل من 48 ساعة إلى 42 ساعة أسبوعيا، وإقرار حق العمال في التأمينات الاجتماعية الإجبارية ، مع زيادة مساهمة صاحب العمل من 7 % إلى 17 % ، وإقرار العديد من المزايا بالنسبة للأجازات، وإقرار نصيب للعمال في أرباح الشركات التي يعملون بها ( 25 % من الأرباح السنوية منها 10 % توزيعات نقدية ). كما التزمت الدولة منذ 1962 بتعيين جميع الخريجين و أصبح فصل العامل في حكم المستحيل من الناحية القانونية.وطوال هذه السنوات مارست مكاتب العمل دورا نشطا ليس فقط في تشغيل الخريجين ولكن في الرقابة على سوق العمل والمنشآت العامة والخاصة لضمان تطبيق القانون. وتم وضع حدود دنيا وعليا للأجور والمرتبات بالنسبة للعاملين في الحكومة والقطاع العام، حيث كانت النسبة بين الحدين لا تتجاوز 1: 30، الأمر الذي حد بالفعل من تفاوت الدخول.
وفي حين كانت مصر قد عرفت منذ أوائل القرن الماضي بعض نظم التامين الاجتماعي الجزئي سواء على العاملين بالحكومة أو في بعض المهن والذي كان يتم غالبا عن طريق شركات التأمين الخاصة، فان أحد التوجهات التي تذكر بشدة لعبد الناصر هي قيامه بتعميم نظام التأمينات الاجتماعية منذ 1964 ليشمل كل العاملين بالحومة والقطاع العام والقطاع الخاص المنظم.وبذلك فان المؤمن عليه كان يدفع إقساطا شهرية تتناسب مع مرتبه الشهري، يقابلها نسبة أخرى تتحملها جهة العمل، ليحصل في نهاية خدمته على معاش بقيه شر الحاجة ويتناسب مع مستوى مرتبه وعدد سنوات عمله. ويغطي هذا التأمين حالات العجز والشيخوخة .
وفي نفس الوقت، فان الحكومة قامت بالاستفادة من الأقساط التي يدفعها العامل ورب العمل، حيث كانت تقوم باقتراضها عن طريق بنك الاستثمار القومي لتوجيهها لتمويل استثمارات الخطة. ويلاحظ أن الحكومة لم تكن تدفع عوائد على هذه الأموال تتناسب مع أسعار الفائدة السائدة في السوق، بل كان سعر الفائدة يدور عادة حول4 % سنويا. وقيل في تبرير ذلك انه مرتبط بضمان الحكومة لسد العجز بين الإقساط السنوية المحصلة والمعاشات المنصرفة أذا حدث. وعلى أي الحالات فقد كان ذلك تمويلا رخيصا حصلت عليه الحكومة لتمويل الاستثمارات.
الدعم :
عرفت مصر دعم أسعار السلع الغذائية ( خاصة الخبز ) منذ بداية الحرب العالمية الثانية واستمر بعدها لتوفير حد أدني من الغذاء بأسعار منخفضة للطبقات الفقيرة والمتوسطة. إلا أن التوسع الكبير فيه تم بعد ثورة يوليو، في إطار الجهود الرامية لرفع مستويات المعيشة وكنوع من إعادة توزيع الدخل ، عن طريق زيادة الدخل الحقيقي بمعدل أكبر من زيادة الدخول النقدية خاصة للعاملين بالحكومة والقطاع العام وقد شمل الدعم سلعا كثيرة مثل اللحوم والدواجن والأسماك المجمدة ، بالإضافة إلى الدقيق و السكر والشاي وزيت الطعام والكيروسين والصابون والأرز والعدس والفول والحلاوة الطحينية.
وفي هذا الإطار اتسع أيضا مفهوم الدعم ليغطي إلى جانب أسعار بعض المواد الغذائية دعما يقدم إلي قطاع الزراعة خاصة في شكل قروض ميسرة، وكذا بالنسبة لقروض الإسكان، والي النقل العام للركاب للمحافظة على التكلفة التي يتحملها مستخدمو وسائل النقل العام خاصة في القاهرة والإسكندرية ، والى بعض الشركات الصناعية كي تظل أسعار منتجاتها رخيصة بما يقل في كثير من الحالات عن التكلفة المباشرة، حيث كانت تتحدد أسعار كثير من المنتجات إداريا بغض النظر عن تكلفتها وهو ما يسرى بصفة خاصة على كثير من السلع الغذائية والمنسوجات والسلع الوسيطة .وكان الدعم وسيلة للقيام بنوع من التعقيم لمنع انتقال ارتفاع الأسعار الدولية لبعض السلع إلى السوق المحلية، للحيلولة دون ارتفاع معدل التضخم.
وقد استخدمت سياسة الدعم غير المباشر ليس فقط من أجل رفع مستوى معيشة الفقراء ، ولكن لتحقيق أهداف أخرى متمثلة أحيانا في قيام شركات القطاع العام بتوفير السلع المعمرة كالثلاجات والغسالات وافران الطهي وأجهزة التكييف بل والسيارات ، بأسعار منخفضة نسبيا وذلك تلبية لاحتياجات الشرائح البيروقراطية الجديدة التي أصبحت الذراع الأول للحكومة سواء في الجهاز الإداري للدولة أو القطاع العام.
الحراك الاجتماعي :
في ظل سياسة نشر التعليم المجاني وتقليل الفواق بين الطبقات وإلغاء الألقاب المدنية والامتيازات الأخرى التي كانت تتمتع بها الطبقات القديمة ، أصبحت قيمة العمل قيمة أساسية في المجتمع . وأتيحت الفرصة للخريجين للالتحاق بالعمل في الحكومة وشركات القطاع العام طبقا لمؤهلاتهم وخبراتهم وبغض النظر عن نشأتهم الطبقية وأحوالهم الاجتماعية.كما سرى الأمر نفسه بالنسبة للالتحاق بالكليات العسكرية والشرطة والقضاء والنيابة والسلك الدبلوماسي وغير ذلك من الجهات التي كان التعيين فيها مقصورا على أبناء الطبقات العليا فقط.
وقد أدى ذلك إلى تولي الكثير من أبناء العمال والفلاحين والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطي وظائف ومهام مرموقة، انتقلت بهم وبأسرهم إلى أعلى من الناحية الاجتماعية، ليشكلوا جزءا من الطبقة الجديدة التي كانت الثورة حريصة على إنشائها لتتولى قيادة القطاع العام والوظائف العليا في الدولة.
المرأة :
كان من أكثر توجهات جمال عبد الناصر وأبقاها أثرا ما تقرر بالنسبة لوضع المرأة في المجتمع المصري ، بدأها من عدم التفرقة بينها وبين الذكر في الحق في التعليم ، بل وفي إلزام أسرتها بتعليمها حتى نهاية المرحلة الإلزامية على الأقل، وتعرضها لدفع غرامة في حالة عدم التزامها بذلك تماما مثلها مثل الذكر كما أتيحت الفرصة لها للالتحاق بالتعليم الجامعي بكل الكليات والجامعات ، بما في ذلك جامعة الأزهر التي لم تكن تسمح بالتحاق الإناث بكلياتها.
وبعد التعليم ، كان منطقيا أن تتاح الفرص للمرأة لتولى كثير من المناصب والالتحاق بكافة الأعمال بالحكومة والقطاع العام. ولم تعد المرأة المصرية تشغل مجرد وظيفة عاملة في مصانع الغزل والنسيج أو المواد الغذائية وغيرها من الصناعات التي تتطلب عمالة كثيفة ورخيصة نسبيا، بل شغلت منذ سنوات الثورة الأولى وظائف هامة في الجهاز الإداري وأعطيت حق الانتخاب والترشيح لمجلس الأمة، وأصبح هناك بالفعل عضوات بالمجلس ثم وزيرات في مرحلة تالية.
والواقع أن عمل المرأة وحصولها على حقوقها اقترن بإقرار مجموعة من الضمانات الهامة منها المساواة التامة في الأجر مقابل أداء نفس العمل سواء في الحكومة أو القطاع العام، وعدم التمييز بينها وبين الرجل حين الترشيح لشغل وظائف اعلي، وضمان ألا يؤثر عملها على التزاماتها الأسرية بوضع ضوابط وشروط لصالحها فيما يتعلق بالعمل الليلي.
على أن النقطة الهامة والتي تغيب كثرا عن ذهن المحللين والباحثين أن القانون ألزم جهات العمل التي يعمل بها أكثر من 50 امرأة بتوفير دور للحضانة، وبمنحن ساعة يوميا لإرضاع أطفالهن خلال وقت العمل الرسمي. وبقدر ما أدى ذلك إلى تيسير عمل المرأة في كثير من الجهات التي أقامت فعلا دورا للحضانة أو اكتفت بسداد تكاليف هذه الدور، فان كثيرا من المنشآت كان لا يتوسع في تشغيل النساء كي لا يلتزم بتوفير هذه الخدمة.
الرعاية الصحية والعلاج :
لا شك أن الاهتمام بصحة المواطن وتقديم الرعاية الصحية سواء الوقائية أو بعد المرض ، وتوفير العلاج اللازم له ، هي من القضايا تحقق فيها انجاز كبير وملموس في ظل عبد الناصر . والدلالة الاجتماعية لذلك تتمثل في المواطن مكتمل الصحة يكون قادرا ببساطة على العمل والانتاجن وقادرا بشكل خاص على زيادة انتاجيته ، التي تتكامل مع زيادة الاستثمار لتكون المحصلة زيادة في معدل النمو الاقتصادي .
وقد تمكنت مصر في الخمسينات وبالذات في الستينات من القرن الماضي من إنجاز هيكل طبي احتفت به منظمة الصحة العالمية واعتبرته بحق ثورة بالنسبة لدولة من دول العالم الثالث حينما تمكنت من إنشاء هيكل للمستشفيات يغطى الجمهورية كلها. لقد كانت مصر تنقسم إداريا وقتها إلى 25 محافظة بتا ما مجموعه 125 مركزا، وتم إقامة 100 مستشفى مركزي في كل المراكز بسعة 100 سريرا لكل منها في المتوسط و25 مستشفى عام في عواصم المحافظات بسعة300 سريرا لكل منها .وبذلك أصبح أبعد مكان عن تلقى الخدمة الطبية لا يزيد عن المسافة بين القرية والمركز الذي تتبعه. هذا بخلاف غير شبكة تغطى الجمهورية أيضا من المستشفيات المتخصصة (حميات، رمد، نفسية وغيرها). أما الرعاية الصحية الأولية فقد مستهدفا في الخطة إنشاء وحدة صحية ريفية( بدون أٍسرة) بكل قرية من قرى مصر والتي كانت تبلغ وقتها 3000 قرية، بالإضافة إلى وحدة صحية مجمعة( بعد محدود من الأسرة )بكل عشرة قرى. وتم إنجاز حوالي 40% من الوحدات الريفية و90% من الوحدات المجمعة (أكثر من 1200 وحدة ريفية و273 وحدة مجمعة) أي كانت هناك وحدة صحية تخدم كل 3 قرى على الأكثر. ومثلت المستشفيات الجامعية الخمس وقتها، بالإضافة إلى عدد من المعاهد التي تم إنشاؤها في الستينات (معهد السرطان، معهد القلب ، معهد تيودور بلهاورس… الخ) هيكلا قويا للرعاية الصحية المهارية المتقدمة (الثالثية). إلا أن خطط استكمال هذا الهيكل تضررت بعنف من تقليص ميزانية الخدمات في أعقاب هزيمة 1967، ليتوقف تقريبا بناء أي وحدات ذات وزن
إلى جانب ذلك حدث تطور كبير في نظام التامين الصحي الذي نشا قبل الثورة بقليل ليغطي إصابات العمل( 1942 ) والأمراض المرتبطة بالمهنة ( 1950 )عن طريق شركات التامين التجارية في ذلك الوقت.
وقد كانت الخطوة الأولي في 1959 حين صدر قانون العمل الموحد ملزما صاحب العمل بتوفير الرعاية الطبية للعمال الذي يعملون بمؤسسات يعمل بها 100 عامل فأكثر، تلاها إنشاء المؤسسة الصحية العمالية في 1961 لتقدم خدماتها من خلال 4 مستشفيات كبيرة ( صيدناوي والمقطم وحلوان وكرموز ) تعتبر هي النواة الفعلية للهيئة العامة للتامين الصحي التي أنشئت في 1964 وامتلكت وادارت العديد من المستشفيات والالاف من العيادات التي تقدم خدماتها للعاملين بالحكومة والقطاعين العام والخاص ، سواء من خلال العيادات الشاملة ( الرعاية الأولية )أو العيادات المتخصصة ( الرعاية الثانية )أو المستشفيات ( ألجراحة والأمراض المزمنة )، فضلا عن تقديم الأدوية دون أن يتحمل المريض أية أعباء مالية. وقد تقرر ذلك مقابل اشتراك شهري يؤديه كل من العامل ( 5ر1 % من ا لمرتب الشهري ) وصاحب العمل .
وبذلك فان التوجهات الاجتماعية لعبد الناصر شملت إقامة نظام صحي يغطي جميع مناطق الجمهورية وجميع السكان الراغبين في الحصول على الخدمة، بغض النظر عن غناهم أو فقرهم وبغض النظر عمنا ذا كانوا يعملون أو يتلقون العلم أو لا يعملون.
كان من الضروري لتنفيذ ما طالب به عبد الناصر من تذويب للفوارق بين الطبقات أن يتم اتخاذ إجراءات تحول دول حدوث زيادات كبيرة في دخول الطبقة الغنية ، إلى جانب ما اتخذ من إجراءات لزيادة دخول الطبقات الفقيرة. وتتعدد الإجراءات التي اتخذت في هذا الصدد ومنها :
1 - فرض ضرائب تصاعدية على الدخول، تحابي الدخول الناتجة عن العمل وتزيد بمعدلات كبيرة تصل إلى حد المصادرة بالنسبة للشرائح العليا من الدخول الناتجة من رأس المال والملكية. وفضلا عن الضرائب النوعية التي كانت تخضع لها كل الدخول تقريبا ( باستثناء الدخل من الإنتاج الزراعي ) كانت هناك ضريبة عامة تصاعدية تصل شريحتها العليا إلى 80 % من إجمالي الدخل الخاضع لها.
2 - وضع حدود قصوى للأرباح السنوية التي يمكن أن توزعها الشركات على المساهمين، بحيث يتم تجنيب هذا الجزء من الأرباح ويتم توجيهه للاستثمار.
3 - وضع حدود قصوى للعمليات التي يقوم بها شركات القطاع الخاص ، وعلى ألأخص شركات المقاولات، بما يحول دون الاحتكار من ناحية ، ويفتح الباب أمام قيام مزيد من الشركات الجديدة التي يمكن أن يتوسع معها سوق العمل ويتم امتصاص الخريجين الجدد.
4 - حظر شغل الشخص الواحد لأكثر من وظيفة في الحكومة و القطاع العام .
استقر الأمر إذن في مصر الناصرية على وجود تعاقد بين الدولة وبين المواطنين ينظم مشاركتهم في الحياة الاقتصادية  بصفة خاصة، أي فيما يتعلق بالثروة والدخول وكيفية إنتاجها وكيفية توزيع هذا الناتج. بمقتضى هذا التعاقد التزمت الدولة بأن ترعى سكانها لتمكينهم من أن يصبحوا قوة عاملة مؤهلة تشارك بكفاءة في العملية الإنتاجية، فقررت أن تعلم أبناءهم مجانا حتى الجامعة وأن توفر لهم فرص العمل الملائمة والرعاية الطبية المجانية أو منخفضة التكاليف، وأن تضع حدا أدنى للأجور ونظاما تأمينا اجتماعيا يعنيهم عن العوز بعد التقاعد ، وأن توفر لهم حدا أدنى من السلع والخدمات الأساسية اللازمة لهم ولأسرهم بأسعار منخفضة ، ليكونوا قادرين على العمل والإنتاج، وأن ترفع عنهم سطوة كبار الملاك والرأسماليين . وفي مقابل ذلك كان على الطرف الآخر أي العاملين أن يقبلوا بأجور منخفضة نسبيا لكنها تزيد سنويا بما يكفل حد ادني من مستوى المعيشة المعقول. كما كان على ما سمي بالرأسمالية الوطنية أن تمارس نشاطها في حدود لا تتجاوزها من حيث حجم النشاط ومعدل الربح ، لتتيح الفرصة للآخرين ليمارسوا النشاط في مشروعاتهم دون احتكار .وتضمنت المعادلة بالضرورة تغاضي المواطنين عن غياب الديمقراطية والمشاركة السياسية وحق التنظيم وتغاضي العمال عن حق تنظيم النقابات المستقلة وعن حق الإضراب والتظاهر من أجل مشروع قومي دغدغ أحلامهم في التنمية والعدالة وفي تحقيق كرامة الوطن وتبوء مرتبة متقدمة بين دول العالم وامتلاك صوت عال للدفاع عن حرية الشعوب واستقلالها.
28 سبتمبر 2010 .
دراسة قدمت يوم 30 سبتمبر 2010 في الحلقة النقاشية المهداة لروح جمال عبد الناصر بمناسبة مرور 40 عاما على رحيله، والتي عقدت بمكتبة خالد محيي بالقاهرة

الأحد، 14 يوليو 2019

إنقاذ الحليف: دوافع تصاعد الانخراط التركي في ليبيا / أحمد عبدالعليم .

انقذ الحليف : دوافع تصاعد الانخراط التركي في ليبيا .
أحمد عبد العليم .
تصاعد الانخراط التركي في الصراع الليبي، وذلك عبر تكثيف عمليات تهريب الأسلحة والمقاتلين من تركيا إلى ليبيا، سواء كان ذلك جوًّا أو بحرًا، خاصةً في ظل الهزائم المتتالية لميليشيات حكومة الوفاق في مواجهة الجيش الوطني الليبي. وارتباطًا بذلك، فقد أعلن اللواء "أحمد المسماري" -المتحدث باسم الجيش الليبي- في 10 يوليو الجاري، عن قيام سلاح الجو الليبي بتنفيذ ضربات جوية على مخازن للأسلحة والذخائر في مدينة غريان غرب البلاد. وفي هذا الإطار، يستعرض التحليل مؤشرات هذا الانخراط، ودوافعه، وانعكاساته.
تهريب الأسلحة التركية:
كشفت تقارير نشرتها العديد من الصحف في مطلع يوليو الجاري، عن رصد مسار عددٍ من الطائرات التابعة لشركة أوكرانية، وهي مُحمّلة بأسلحة ومتطرفين قادمين من سوريا، مُتجهة من كييف ثم إلى مطار إيسنبوجا التركي في أنقرة، وصولًا إلى مدينتي طرابلس ومصراتة في ليبيا، حيث إن تلك الطائرات لا يتم تحديد وجهتها النهائية كما تستدعي الترتيبات المعمول بها عالميًّا، وذلك بهدف إخفاء طبيعة الرحلات أو حمولتها خاصةً مع تعمُّد إغلاق أجهزة التتبُّع الخاصة بالطائرات أثناء الدخول إلى الأجواء الليبية، حيث لا يتم تشغيلها مرةً أخرى إلا بعد دخول الأجواء التركية.
ولا تُعد هذه الممارسات التركية بالأمر الجديد، إذ لم تتوانَ أنقرة على مدار السنوات الماضية عن محاولات تهريب الأسلحة إلى ليبيا بما يُعدّ خرقًا لقرار مجلس الأمن رقم 1970 الصادر في مارس 2011، وهو القرار الذي تمَّ تجديده بإجماع أعضاء مجلس الأمن في 10 يونيو الماضي، حيث تمَّ ضبط حمولة تركية بها حوالي 32 مليون طلقة ذخيرة للبنادق الهجومية والرشاشات، كانت في طريقها إلى الميليشيات المُسلَّحة في طرابلس في نوفمبر 2014، وكذلك في ديسمبر 2014 تمَّ اعتراض أربع حاويات من الأسلحة قادمة من تركيا، وفي يناير عام 2018 أعلنت اليونان عن ضبط سفينة تركية كانت متجهة إلى ليبيا، وعلى متنها حوالي 500 طن من المتفجرات، وفي ديسمبر 2018 تمَّ ضبط حاوية تحوي أسلحة وذخيرة قادمة من تركيا، ومن ضمن الأسلحة المضبوطة 4.3 ملايين رصاصة وحوالي 400 بندقية و3000 مسدس.
وفي منتصف مايو الماضي، وصلت سفينة "أمازون" التركية إلى ميناء طرابلس قادمة من أحد الموانئ التركية، وعلى متنها صواريخ "ستنيجر" المضادة للطائرات، وخمس حاملات صواريخ، بالإضافة إلى حوالي أربعين مدرعة وصاروخًا. وقد أعلن المتحدث باسم الجيش الليبي اللواء "أحمد المسماري" في ذلك الوقت عن قيام تركيا بتهريب طائرات بدون طيار إلى جانب أسلحة أخرى بهدف دعم ميليشيات حكومة الوفاق.
ويمكن القول إن النصف الأول من عام 2019 شهد نقلة في نوعية التسليح الذي تقوم به تركيا للميليشيات المُسلَّحة المسيطرة على العاصمة طرابلس، بما يعكس تصاعد اتجاهات التهريب إلى ليببا، وهو ما تجلّى بشكل بارز في معركة غريان جنوبي طرابلس، إذ تمكنت الميليشيات من استعادة قاعدة غريان الاستراتيجية من قبضة الجيش الوطني الليبي في أواخر يونيو 2019. وفي هذا الإطار، صرح اللواء "أحمد المسماري" -المتحدث باسم الجيش الليبي- عن مشاركة أكثر من 8 طائرات تركية بدون طيار في الهجوم على قوات الجيش في تلك المعركة.
لماذا ليبيا؟
تتعدد الأسباب التي دفعت تركيا إلى تكثيف دعمها العسكري واللوجستي لحكومة الوفاق خلال الفترة الأخيرة، لا سيما فيما يتعلق بتهريب الأسلحة. وفي هذا الإطار، يمكن تناول أبرز الدوافع التركية فيما يلي:
1- إنقاذ الحليف: يحاول "أردوغان" إنقاذ حليفه رئيس حكومة الوفاق "فايز السراج"، وقد أشارت عدة تقارير صادرة عن موقع "أفريكان إنتلجنس" (African Intelligence) نقلًا عن مصادر استخباراتية إلى أن زيارة "السراج" الأخيرة إلى إسطنبول في 5 يوليو 2019، كانت في الأساس بهدف طلب مزيد من الدعم العسكري التركي، حيث طلبت حكومة "السراج" تسليم دفعة جديدة من الطائرات بدون طيّار، وذلك عبر استمرار مسارات التهريب التي تستخدمها تركيا وصولًا إلى طرابلس، وكذلك إلى مصراتة، وذلك بالرغم من استمرار الحظر الدولي على توريد الأسلحة إلى ليبيا.
2- تصدير الأزمات: تحاول تركيا إعادة إنتاج النموذج السوري في ليبيا، حيث يلاحظ أن سياستها الخارجية قد تغيرت من تصفير المشكلات إلى تصدير الأزمات، وذلك عبر محاولة نقل مزيدٍ من مقاتلي الجماعات الإرهابية، وبالتحديد جبهة النصرة، إلى طرابلس، من أجل نقل الأزمات من الجوار التركي المتمثل في سوريا إلى جوار خصوم إقليميين آخرين، ويعكس تصاعد تهريب الأسلحة والمقاتلين تلك الرغبة التركية الحثيثة خاصةً مع تزايد مستوى ونوعية التسليح، وهو ما دفع الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، في 4 يوليو 2019، إلى انتقاد تدفُّق المقاتلين من محافظة إدلب السورية إلى ليبيا، وهو انتقاد ضمني له دلالات هامة تتمثل بالأساس في تحذير تركيا من الاستمرار في تهريب المقاتلين إلى ليبيا، ورفض المقاربة السياسية التركية القائمة على حلحلة الوضع السوري عبر تأزيم الوضع الليبي أو "سورنة" ليبيا.
3- دعم الاقتصاد التركي: تهدف تركيا إلى استثمار التدهور في الوضع الليبي من أجل انتشالها من أزماتها الاقتصادية المتفاقمة عبر تعزيز العوائد المالية لتدفُّق الأسلحة المُهرّبة إلى ليبيا، حيث إن الحكومة التركية تسعى إلى زيادة صادراتها من الصناعات الدفاعية خلال عام 2019 إلى نحو 3 مليارات دولار، بعد أن بلغت في عام 2018 حوالي 2.2 مليار دولار فقط. وفي هذا الإطار، فإن ليبيا الغنية بالموارد الطبيعية، تعتبر فرصة سانحة من أجل زيادة مبيعات الأسلحة جنبًا إلى جنب مع وجود مخططات تركية من أجل الاستفادة من اكتشافات الطاقة في البحر الأبيض المتوسط، خاصةً في ظل الإخفاقات الكبيرة للاقتصاد التركي الذي حقَّق معدل نمو منخفض للغاية خلال عام 2018 بلغ 2.6% فقط وفق بيانات معهد الإحصاء التركي في مقابل 7.4% في عام 2017. كما يشير تقرير صادر عن وكالة "بلومبرج" في 8 يوليو الجاري، إلى أن تركيا تستهدف من دعمها حكومة "السراج" استئناف مشاريع البناء التي تبلغ قيمتها حوالي 18 مليار دولار.
4- مساومة الخصوم: يحاول الرئيس "أردوغان" تعويض هزائمه الداخلية، المتمثلة في خسارة انتخابات مدينة إسطنبول مؤخرًا وتراجع شعبية حزبه، وكذلك هزائمه الخارجية، في ظل زيادة الضغوط والخسائر في معركة إدلب السورية، خاصةً مع ارتفاع أعداد الضحايا من الجنود الأتراك بها، وقد عكس تكثيف التوجهات التركية نحو تهريب مزيد من الأسلحة والمقاتلين إلى ليبيا خلال الفترة الأخيرة إدراكًا تركيًّا لتحوُّل الوضع الليبي من مرحلة "التوازن" إلى مرحلة "القائد المُسيطر"، وذلك في ظل النجاحات المتتالية التي حققها المشير "خليفة حفتر" خاصةً مع إطلاقه معركة طوفان الكرامة في أبريل الماضي من أجل القضاء على الميليشيات المُسلَّحة الموجودة في طرابلس، حيث إن إسقاط طرابلس يعني سقوط ورقة المساومة التركية في الملف الليبي.
انعكاسات سلبية:
تصاعد اتجاهات التهريب -سواء للأسلحة أو المقاتلين باتجاه ليبيا- من شأنه أن يؤدي إلى انعكاسات خطيرة، خاصةً في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي، وذلك على النحو التالي:
1- تأجيل الحسم: تدفق الأسلحة والمقاتلين من أجل دعم حكومة الوفاق يُعزّز استمرار قيام الميليشيات المُسلَّحة المنتشرة بطرابلس في تأجيج الصراع الليبي في ظل توفير غطاء سياسي لهم من جانب "السراج" وحكومة الوفاق، وهو ما يعرقل جهود الجيش الوطني الليبي في التخلُّص من هذه الميليشيات، وما يستتبعه ذلك من تأجيل حسم معركة طوفان الكرامة التي انطلقت منذ حوالي ثلاثة أشهر.
 2- تمدد التنظيمات الإرهابية: يشكل تدهور الأوضاع في ليبيا بيئة خصبة لتمدد أنشطة التنظيمات الإرهابية الفارّة من سوريا والعراق، ولا سيما تنظيم "داعش" الذي يبحث عن إعادة التموضع من جديد في ليبيا بعد هزيمته وطرده من سرت في أواخر عام 2016، وهو ما يمكن التدليل عليه بتزايد الهجمات الإرهابية التي ينفذها تنظيم "داعش" خلال الشهرين الأخيرين على قوات الجيش الوطني الليبي، ولعلَّ آخرها هجوم "داعش" على حقل نفطي في جنوب شرقي ليبيا في العاشر من يوليو الجاري، وقبل ذلك ببضعة أيام قام عشرات المقاتلين التابعين لتنظيم "داعش" في ليبيا ببث فيديو مُصوَّر يُجدّدون فيه البيعة لزعيم التنظيم، ويتوعدون فيه الجيش الوطني الليبي بعمليات انتقامية.
وترتكز استراتيجية الميليشيات المُسلَّحة والتنظيمات الإرهابية في الوقت الحالي على تشتيت جهود الجيش الوطني، وإثنائه عن هدفه الرئيسي لتحرير العاصمة طرابلس، وذلك عبر نقل المعركة إلى المناطق الأكثر استقرارًا الواقعة تحت سيطرة الجيش، وهو ما تجلّى بشكل كبير في تصاعد العمليات الإرهابية، سواء في شرق ليبيا أو في جنوبها، ولعلَّ آخرها الهجوم الإرهابي في بنغازي شرقي ليبيا في 11 يوليو الجاري، الذي استهدف قيادات عسكرية تابعة للجيش الوطني الليبي، وقد سبق ذلك، وبالتحديد في 8 يوليو الجاري، تصدّى الجيش الوطني لهجوم من مرتزقة أجانب موالين لحكومة الوفاق على مدينة مرزق في أقصى الجنوب الليبي.
3- تعزيز الاستقطاب: تزايد الانغماس التركي في الصراع الليبي من شأنه أن يُعزِّز من حالة الاستقطاب الداخلي في ظل إمداد أحد طرفي الصراع بمزيدٍ من الأسلحة والمقاتلين، كما أن ذلك من شأنه أن يزيد حالة الاستقطاب الإقليمي والدولي حول ليبيا، خاصةً في ظل تباين المصالح بين أغلب الدول المنخرطة في ذلك الصراع، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى إطالة أمد الصراع بشكل أكبر، واستبعاد الحلول السياسية التي يمكن أن تؤدي إلى إعادة بناء الدولة الليبية، خاصةً في ظل ضعف الدور الأممي وعدم حياديته. ولعلَّ عدم خروج أي إدانة رسميّة من جانب المبعوث الأممي إلى ليبيا "غسان سلامة" بخصوص تهريب تركيا للأسلحة والمقاتلين إلى ليبيا، يُعد مثالًا واضحًا في هذا الشأن.
وختامًا، فإن اتجاهات تهريب الأسلحة والمقاتلين إلى ليبيا مُرشّحة للتصاعد بشكل أكبر خلال المرحلة المقبلة، انطلاقًا من تكثيف عمليات التهريب، ورفع مستوى التسليح عبر تكتيكات متباينة من المراوغة والتخفّي، جنبًا إلى جنب مع تراخي الأطراف الدولية الفاعلة عن القيام بمسئولياتها تجاه منع استمرار تلك التدفقات، وهو ما ينعكس بشكلٍ رئيسيّ على تزايد حدّة العسكرة في الصراع الليبي.