القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 10 أبريل 2020

الكورونا" تعرّي الرأسمالية .


الكورونا" تعرّي الرأسمالية .
جلال معمّر . 
تستفيق الإنسانية يوميا على وقع نتائج وباء " الكورونا " وضحاياه وتداعياته من قوانين وإجراءات توقّي جديدة واجتهادات علمية للبحث في سبل القضاء عليه ، وإن كانت هذه الحالة عامّة فإنّ كل دولة تسعى من جانبها للخروج من هذه الازمة بأقلّ الاضرار بشريا واجتماعيا واقتصاديا وهو ما كشف نسبيا عن أنماط تفكير وسلوك جديدة ونقائص اقتصادية جديدة ورغم أنّه من الصعب تقييم المرحلة قبل نهايتها فإنّه من الممكن الاشارة إلى بعض المظاهر من أهمّها :
ـ مخاطر الخوصصة والتفريط في القطاع العامّ ، والتّأكّد من أنّ كلّ قطاعات الانتاج حيوية ولا تقتصر على الصحّة والتعليم والماء والكهرباء يبرز ذلك في العجز على اتخاذ إجراءات موحّدة تشمل العام والخاصّ من أجل تعميم قواعد التوقّي من الوباء ، وفي حين كانت الإنتظارات تتجه للحدّ من تغوّل الرّأسمالية ودفعها للمساهمة في الحدّ من تبعات أزمة الوباء توجّهت الحكومة لإرضائها وتمكينها من تعويضات ستتحمّل أعباءها المجموعة الوطنية فالرّأسمال المدلّل يجب أن يخرج منتصرا حتّى من الازمات التي تهدّد حياة الناس.
ـ عجز الإعلام - ورغم المجهودات الجبّارة من الإعلاميين - عن توجيه الرّأي العام إلى أساليب التوقّي ومزيد التنظّم تبعا لقواعد الوقاية ، بل إنّه خلق ولا زال يخلق كلّ يوم حالة من الهلع والخوف ومؤشرات المستقبل القاتم ، إذ يكاد يقتصر دوره على المتابعة اليومية وتقديم الاحصائيات وعدد المرضى والوفيات دون التمكّن من رفع معنويات الناس وشحذ عزائمهم وهو دور أساسي للإعلام في الأزمات .
 - انتشار الفردانية وظهور كثير من المجاملات التي لا ترتق إلى الفعل وتبقى في مستوى الخطاب الجميل رغم أنّ ذلك يبرّر في كثير من الأحيان بعدم توفّر امكانيات الفعل المادّي .
 - ظهور نوعية جديدة من قنّاصي الفرص من التجّار أو أشباه المثقفين وكتّاب البلاط وغيرهم من الذين يجتهدون لتجميع رأسمال رمزي أو سياسي لتهيئة الطريق لتموقع أفضل بعد مرور الازمة ، هذا بالتوازي مع أنماط سلوك جديدة تمارس بامتعاض وظهور فئة من الوعاض والمرشدين  .
 - تلاشي مفاهيم التعاون والتضامن العالمي إذ تطفو من حين إلى آخر صراعات حول وسائل التوقّي أو الادوية والبحث العلمي والكلّ يسعى إلى السّبق تحت شعار " فلينجو من يقدر " .
 - هشاشة النظام الاقتصادي العالمي وعجزه عن تحقيق حاجيات الانسانية أو حتّى إيلائها الاهمية التي تستحقّها وظهور حقيقة اعتماده على قواعده الأساسية ومن أبرزها " الغاية تبرّر الوسيلة " . وهذا النظام فشل في إدارة الأزمة حتّى في أعتى معاقله  .
 - كشف كذبة الدّول العظمى ذات القدرات العلمية العالية والاقتصاديات المتطوّرة والشعوب الواعية والمنظّمة ، وبروز حقيقة قدرة شعوب الدّول المستضعفة على البحث العلمي والتصنيع وتحقيق حاجياتها عندما تتحرّر من القيادات الرجعية وأسطورة القوى العظمى ووهم العجز وذهنية الاستسلام .  
 -  تحوّل مفاهيم التطوّر فلم تعد تقاس بمعايير تطوّر الصناعات الثقيلة أو النّاعمة بل بقدرة الشعوب على المناعة وتطوّر مجالات الصحّة والتعليم والبحث العلمي والعمل الجماعي .
 - بروز آليات التخلّف في الدّول المتخلّفة *  :
- 1 -  اقتصاد متخارج قائم على الاستيراد : تسعى الدّول المتخلّفة اليوم إلى البحث في سبل تصدير انتاجها واستيراد حاجياتها خاصّة وأنّها لا تتصدّر أولويات الدول "المتقدّمة " المنغمسة في همومها ولا يمكن أن تتصدّرها حتّى في أيّام انتعاشها ، كما أنها تفتقد لأيّ تصوّر عن كيفية التعامل مع تداعيات الوضع الحالي ونتائجه . ولا يمكن حلّ هذا المشكل إلاّ بتوجيه الإنتاج إلى الدّاخل واعتماد اقتصاد التمحور على الذات والذي لا يمكن تأسيسه في ظرف وجيز.
 - 2 - اقتصاد مفكك : عدم خدمة القطاعات لبعضها البعض فكل قطاع في علاقة بالخارج وهو ما يطرح اليوم صعوبة التنسيق بين القطاعات على المستوى الدّاخلي - ولا يمكن أن يبرر ذلك فقط بالبيروقراطية أو تعطّل الإجراءات الإدارية التي تعاني بدورها بسبب عدم توفّر شرط الوحدة في السلط القياديةوصعوبة التنسيق بين الفلاحة والتجارة ( القدرة على الإنتاج وكيفية توزيعه ) ، وكيفية تمويل الإنتاج العلمي والصناعي تبعا لمقتضيات المرحلة .
ـ 3 ـ اقتصاد أحادي : الاعتماد على الفلاحة وإهمال الصناعة حتّى ما هو ممكن منها ممّا يجعلها تعيق - عن قصد أو غير قصد - أي مبادرة للتصنيع ، وحتّى القطاع الفلاحي يرتكز على الإنتاج الموجّه للتصدير الذي ترتدّ عائداته أو تتحسّن تبعا للعرض والطلب في الأسواق العالمية والحال أنّ مجالات الانتاج يجب أن يتمّ اختيارها تبعا للحاجيات الدّاخلية ثمّ تسويق الفوائض عندما تتوفّر ، أو تخزينها من أجل ضمان الأمن الغذائي.  ومن أبرز المشاكل التي ستطفو على السطح إثر هذه الازمة مشكلة الديون ،إذ أنّ شلل الانتاج سيزيد من أعباء العجز في تسديدها ، والحكومات تتبجّح بإمكانية إعادة جدولتها وأنظارها متجهة لصندوق النّقد الدولي لعلّه - وبعد مؤتمراته ـ يصنفها ضمن الدّول الأكثر فقرا لإعفائها من الفوائد المنجرّة عن إعادة الجدولة . وسواء رتّبت من الدول الفقيرة أو لم ترّتّب فإنّ تأخير التسديد من أكبر عوائق التنمية باعتبار أنّ كلّ البرامج ستؤجّل تبعا لغياب التمويل ، وكلّ تأجيل يفتح المجال لصندوق النّقد الدولي لمزيد التحكّم في هذه البرامج وتعديلها تبعا لمصالح الأطراف المموّلة له .
 صحيح إنّ وباء " الكورونا " يؤرّق الانسانية بدولها العظمى والفقيرة ورأسمالييها ومثقّفيها ولكن لا يمكن أن ننكر أنّ أعباء الفقراء اثقل في ظلّ أنظمة سياسية ليبرالية تتملّص من الاعباء الاجتماعية وتبذل قصارى جهدها لتقديم ليس ما يحررهم بل ما يسكتهم فهي راعية الأثرياء وللفقراء ربّ يرعاهم .  
الاجدر بحكومتنا أن تعتبر من الدّرس وتستغلّ هذا الظّرف للعمل على خلق نظام سياسي جديد يمكّن الشعب من الانعتاق والإيمان بقدرته على التطوّر والاعتماد على الذات ، والبحث عن سبل تقليص التبعية وإنشاء تحالفات جديدة بمعايير مستحدثة تمكّن من الإفلات تدريجيا من قبضة الاستعمار لا الارتماء في أحضانه لأنّ ثغرات التحرّر من المنظومة العالمية لا تتوفّر دائما .
 *أنظر سمير أمين "التراكم على الصعيد العالمي" .

السبت، 28 مارس 2020

الفكر القومي وتشييع العولمة الى ذمة التاريخ في زمن الكورونا .


الفكر القومي وتشييع العولمة الى ذمة التاريخ في زمن الكورونا .
د.رضا لاغة .
وصلت العولمة الى قمّة مجدها إلى أن ظهر كوفيد -19 . تذكّرت ماقاله ووترز وهو يناقش كيف سيبدو العالم منصهرا في مجتمع واحد وثقافة عالمية واحدة واقتصاد عالمي متجانس واحد …عالم تتوارى فيه الدولة العائق ،الدولة ـ الأمة القومية. فإذا بكوفيد ـ 19 يأخذنا الى وجهة معاكسة تراجعت فيها العولمة لصالح قيود جغرافية الدولة القومية فتكثّف الوعي لدى المسافرون بكونهم عالقين على أعتاب دولتهم،فتغدو الأماكن عبر العالم منفصلة ومتباعدة . فحيكت علاقات وجهود دبلوماسية للإجلاء على صعيد قارّي وأصبح العالم فجأة رقع جغرافية متمايزة ترى الآخر بعين مغايرة إذ هو مصدرا للعدوى أو بؤرة موبوءة وبالتالي بالمنظور الجغرافي فضاء للإقصاء .
إن كوفيد ـ 19 أعطى الانطباع بأن العالم ارتدّ إلى حالته البدائية المستنسخة من عصائر الطبيعة الأم.لقد اختصرنا وهم الاعتراف بالغيرية في سياق مدركات جديدة : دولة موبوءة ،فهي إذن بؤرة خطرة وإنسان موبوء ، فهو إذن ناقل للعدوى ورمز للفناء والهلاك .
إن هذه الوضعية تجعلنا في مرتبة أنطولوجية صعبة التعريف.وهذا الذي يجري في العالم سيعيد بناء العالم جذريا . ولكننا لا ندري كيف يجب التنظير له ولا مدى تأثيراته وما سينتجه من بحث نظري وتجريبي سيكون مادة لعلوم بيولوجية واجتماعية ونفسية واقتصادية … مقالات مرموقة نُشرت وكلها تؤكد ان العالم ما بعد كوفيد ـ 19 ليس هو ذات العالم ما بعد كوفيد ـ 19 .
إن هذا القياس لا يعطينا الاحساس بالأهمية المتزايدة لما يحدث فحسب، وإنما والأهم من ذلك ، أهمية النقاشات العميقة داخل الحقل الإنساني بكل أبعاده الإيتيقية والأنطولوجية والسوسيولوجية ، لا سيما الحقل المنزلي كفضاء جغرافي محدد يُعاد تشكيله بتفاعلات جديدة داخل الأسرة .
إن هذا التدفق نحو الداخل ترك بتعبير كاستيل ثقبا أسود في جغرافية العولمة يقرع ناقوس تآكل الصلة وانضغاط المكان في مُسمّى ماكلوهن ” العالم كقرية عالمية .
إن النقاش الأكثر واقعية يقول أن الجغرافيا لها حياة جديدة، وموجة الابتكار التي تدّعي على وجه التخصيص بموت الجغرافيا ، تبرهن أنها شيء متأصّل . لقد عدنا أيها السادة الى جغرافية الاختلاف  .
إن وراء الاعتراف بهذه النتيجة البنيوية ،موضوع مركزي تُعيد فيه الدولة القومية أنتاج ذاتها. فهذا هو عصركم يا أبناء الفكر القومي لأن ما حدث ويحدث هو تضمين فضائي يتلخّص في أن ما وُسم في جبين العالق ليس سوى حنين الى الدولة الأم . إنها حقيقة لم تكن في الحسبان قبل نشوب هذا الوباء فيالق من ” الحرّاقة” الى الوطن المخيال ، الى أوروبا الأمل ، وفي زحام حساسيتنا لبلورة هذا المقياس الجديد ولد حنين العودة فولد مفهوم العالق استمرارا عجيبا لما طرحته حنا أرند لمفهوم اللاجئ . رأينا في خضمّ ذلك توقيعا عربيا رائعا يسترشد بتقديرات جغرافية كامنة ولنأخذ مثالا من اجلاء طلبة عرب من يوهان على طائرة مغربية طورا وأردنية وجزائرية طورا آخر . كان دليل الجغرافيا شفرة واحدة : إنه عربيّ .
من غير المرجّح ان يحدث هذا بأجندة دبلوماسية ضيقة ، لأنه يفصح عن خيارات تأكيد السؤال الأصلي : من نحن ؟
ولنتذكر أن عملية إعادة هيكلة العالم في ضوء مخلّفات هذا الفيروس كانت تتم تحت مظلّة : من أين أنت ؟
رأينا ذلك في جبهات المواجهة المكشوفة مع الوباء والتي قامت على تعبئة الشعور القومي بابعاده القيمية والسياسية والاقتصادية في يوهان الصينية . رأينا صورة المجتمع الانضباطي بمشهد خرافي وعجائبي يرقى الى اليوتوبيا الواقعية .
لقد كان الدرس الأول : نحتاج للعدوة الى جغرافيتنا لمواجهة هذا الوباء .
لقد دخلت الجغرافيا في علاقة القوة وأضحى المكان معترك للنزاع والتأمين لا باعتباره مجرد مسرح تجري عليه الأحداث وانما لأن الحدود القومية تشكّل جزءا من ترتيبات الخطة . إن الباب الخلفي المواجهة ، إن جاز التعبير ، يكمن في إيقاف التدفقات الوافدة لأن العلاقة الجغرافية تحدث بمنطق مختلف يقع التمييز فيه بين المنطقة الموبوءة والأخرى الآمنة .
تلك كانت لحظة الانعطاف والمنعرج بمعنى ريكور. ولقد ألمحنا من قبل تأثّر رئيس صربيا الذي أعلن أن كل ما بُني من تقارب أوروبي / أوروبي ليس سوى تقارب ورقي شكلاني وبروتوكولي . وقد استبصرنا من ذلك التصريح المؤثر نموذج جغرافيا ايديولوجيّة الصين الشعبية وهي تنخرط في عمل تضامني لامتصاص صدمة الدول في صربيا وايطاليا ودول افريقيا  
إنه لأمر يُلفت الانتباه أن نشاهد تقلّب الجيوبوليتيكا ما بين أفول وازدهار . وحتى في وعينا العربي الذي كان يستيعد الجيوبوليتيكا كخطاب أكاديمي وضعه الاقليميون في دهاليز السياسة ، أضحى ميراثا مرموقا لجغرافيا سياسية حان وقت انبعاثها. وهي تتخذ في نظرنا ثلاث صيغ أساسية :
أولا  صيغة مختصرة حول ادارة التنافس الكوني في ظل ظروف جديدة تشهد تدهورا في قوة الولايات المتحدة الامريكية واوروبا مقابل صعود الصين كقوة أولى في العالم .
ثانيا : إعادة النظام الرأسمالي بمنظور جيوبوليتيكي موجّه نحو الاقتصاد التضامني . وبالتالي دمج الاقتصاد السياسي في الجيوبوليتيكا . وهو اتجاه بحثي لا يقتصر على المعنى المتغير للعامل الجغرافي وانما نتوقع أنه سيتساءل عن الصيغة التي سيتخذها الوجود العربي في هذا العالم المرتقب .
ثالثا : ان السؤال المهم بالنسبة لنا كعرب لا يستند الى ذات الحجج الكلاسيكية للدولة الإقليمية حول وجاهة التنسيق العربي / عربي وإنما وفق توصيفات سياسة واقعية لعلاقة بينية تفرض .

الخميس، 12 مارس 2020

الكورونا .. في ميزان قوانين التطور ..


الكورونا .. في ميزان قوانين التطور ..

تهجم الكرونا على المجتمع الانساني ، فيحدث شلل عام وتام في جميع مرافق الحياة ، تعليم ثقافة ملتقيات علمية وندوات ، سفرات بين الدول وبين المدن والقرى ، ويهجر الناس الأماكن والفضاءات العامة التربوية والرياضية والصحية والتجارية وغيرها .. فتسقط من الحسابات كل الاحتياجات المكملة للحياة الانسانية ، ويتدخل الأطباء والمختصون في الامراض الجرثومية بالنصائح الوقائية والحلول التي تبدأ بحرمان الناس من أبسط  أدوات التواصل المعبرة عن المشاعر الانسانية كالمصافحة وتبادل القبلات ، حتى تصل الى فرض أنماط  جديدة  من السلوكات الغير عادية في التعامل اليومي داخل المجتمع .. وقد تتدخل الدولة بالقوانبن الزجرية لالزام الناس بقواعد الصحة الوقائية الغير معهودة لتدخل ارباكا عاما في سير الحياة العادية داخل المجتمع ، كالمنع من السفر ، والحجر في المنازل والمستشفيات ، وفرض العزلة بين المدن والقرى ، وغلق المعاهد والفضاءات العامة الرياضية والترفيهية ، والغاء الملتقيات والندوات .. ليصبح الهدف الانساني الوحيد في مثل هذه الوضعية هو الحفاظ على الوجود كشرط أساسي لتحقيق كل الاستحقاقات الأخرى والاحتياجات المكملة للحياة بكل أبعادها .. وفي هذا السياق لا يسعنا الا ان نقول  رحم الله الدكتور عصمت سيف الدولة صاحب نظرية جدل الانسان .. والمبدع لتلك المقولة الرائجة " الوجود شرط التطور " ، وهي مقولة ذات خلفية فلسفية وعلمية عميقة تعتبر ان التطور ظاهرة انسانية صرفة خاصة بالمجتمعات الانسانية وحدها .. فحينما يكون وجود الانسان مهددا تصبح الأولوية في التفكير والنشاط الانساني عموما منحصرة في البحث عن سبل البقاء والحفاظ على سلامة المجتمع أولا وقبل كل شيء ، كما يصبح الحديث عن تلبية الحاجيات الخاصة بالمجالات العلمية والثقافية والحريات وغيرها حديثا عبثيا لا معنى له في مثل هذه الحالات  كالاوبئة ، والحروب ، والارهاب ، والمجاعة ، والكوارث الطبيعية وغيرها ..
وفكرة جدل الانسان عند الدكتور عصمت سيف الدولة بسيطة للغاية لكن قوتها تكمن في امكانية اختبارها كل لحظة من طرف أي انسان ، وهي مؤسسة على منهجية نقدية للمناهج السابقة : المثالية والمادية ، مقترنة بتاملات فكرية واسعة لعصارة الفكر الانساني وتجاربه ، الى جانب دراساته المعمقة لتاريخ الاديان وجوهرها ، ومنها اساسا رسالة الاسلام وتاريخه الطويل ودوره الهام في تكوين الامة العربية خاصة ، وأثره على الشخصية الحضارية لسائر الامم المسلمة عامة .. وهي الدراسات التي اسهمت في دعم اطروحاته وبلورتها على نطاق واسع تتجاوز اهتماماته الخاصة بالواقع العربي .. وعلى هذا الاساس لا يمكن فهم تلك الاطروحات والاجتهادات فهما صحيحا دون النظر الى منهجه الذي  يضبط  كل أفكاره واجتهاداته ..
- يقوم منهج جدل الانسان على مسلـّمة بسيطة : تتمثل في كون الانسان وحدة من المادة والفكر (الذكاء)  لا ينفصلان ، فهو على هذا الاساس ، الكائن الوحيد القادر على استرجاع الماضي (الظروف)  من اجل  تغييرها  في المستقبل ...
- والظروف المعبرة عن واقع الانسان الذي يشهد أحداثا متسارعة ، تفلت تماما  من امكانية الالغاء بمجرّد وقوعها ، فلا يستطيع كائنا من كان ان يلغي ما حدث .
- والماضي كتعبير سلبي عن  واقع  الانسان  يمتدّ  تلقائيا في المستقبل ، فيتحوّل الى مشكلة ، لا تلبث ان تصبح عائقا امام تطوّره .
 - وان  أي مشكلة  يعيشها الانسان  لا يمكن حلـّـها الا بتدخـّـل واع منه ، فهو القادر وحده دون الكائنات جميعا  على تصوّر الحلول   .  
-  ثم ان  تصوّر الحلول دون تنفيذها لا يحلّ المشكلة  مطلقا .
- فلا بدّ اذن  من العمل بعد تشخيص المشكلة وايجاد الحلول الصحيحة .
- ان هذا التصوّر لترتيب حركات الجدل : المشكلة ـ الحل ـ العمل ـ يتـّـفق تماما مع مضمون الآية الكريمة التي تؤكـّد على دور الانسان في تغيير الظروف . قال  تعالى :  " إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ". وهم طبعا لا يستطيعون تغيير ما  بأنفسهم  الا اذا فهموا واقعهم  وفكروا  في الحلول والادوات المناسبة لتغييره  ثم  نفذوها  بالعمل اللازم  للتغيير ..
ـ بهذا المضمون الايجابي الذي يوكل امكانية التغيير للانسان وحده يصح الاقرار بأولوية الانسان التي يمكن اختصارها في مقولة بسيطة : " الانسان أولا .. " ..
- الاّ ان حل أي مشكلة  وفي أي مجال من مجالات الحياة لا ينهي معاناة الانسان ، لان الحاجة الانسانية  متجدّدة ابدا  ولا تتوقف ..
- لذلك  كان هدفه  دائما  الحرّية ،  ثم المزيد من الحرية .. من خلال بحثه المتواصل عن الحلول التي تخلصه من القيود ..
ـ وبمثل هذا المضمون المتجدد في نشاط الانسان سعيا الى الحرية يصح القول تأكيدا على هذه الناحية : " الحرية أولا  وأخيرا .. " ،  ويصبح التطور حاملا لمضامين تحررية بشكل دائم ..
- كما ان الانسان لا يتطور الا بقدر ما ينجح في حل مشاكله ، لا اكثر ولا اقل ..
- ويمثل الصراع بين واقعه الذي يعيشه ، ومستقبله الذي يريده ، الجدل الدائم الناتج عن هذا التناقض داخله  ،  ويكون الانسان  تبعا لذلك ، الكائن الجدلي الوحيد الذي يتطور من خلال حل مشكلاته المتجددة  والمتزايدة  أبدا .
- ولهذا يكون التطوّر بشكل خاص ظاهرة انسانية بحتة .. تخص الانسان وحده ، وهو يحصل كثمرة لحل ذلك التناقض ، لا يلبث ان يُحدث عنده تغيّرات هامة كمية وكيفية لازمة وملازمة لتطوره .
ففي حين يكون الانسان قادرا وحده على تغيير واقعه وتلبية حاجياته المتجددة على الدوام من خلال قانون الجدل ، تظل الظواهر الطبيعية والمادية عموما ، تتغير وتتحول طبقا لقوانينها النوعية متأثرة بالقوانين الكلية الخالية جميعا من أي تناقض (وهي معروفة في تراث الفكر الاسلامي بالنواميس)  لينفرد الانسان وحده بالمقدرة على التطور من خلال حركات الجدل الثلاث وايقاعها المتكرر ..
ـ من هذا المنطلق المتصل بمضمون الجدل تتحول حركات الجدل الى حقوق مقدسة متصلة بتطور المجتمع ذاته ، فيصح من خلالها ادانة أي تعطيل يمس بايقاعها الذي يجب أن يظل متحررا من أي تعويق حتى يصل التطور الانساني الى أقصاه داخل المجتمع ..
ـ لذلك أيضا يُعتبر الزيف والكذب والنفاق ، من المظاهر المضللة التي تحجب الحقائق عن الناس ، وتغيّب وعيهم بمشاكلهم الحقيقية فلا يهتدون الى حلها حلولا صحيحة ، ويتحول كل ذلك الى معيقات حقيقية أمام تطور المجتمع وتقدمه .. وقد تأتي على هذه الخلفية الحكمة ذاتها من تجريم القرأن الكريم للنفاق حينما صرح بشكل قاطع بجعل المنافقين في الدرك الاسفل من النار ..
- وفي مستوى متقدم ، وبما ان الانسان لا يعيش منفردا اينما كان  ، فان التطوّر لا يكون بمعزل عن المجتمع ..   
ولا تُحلّ المشاكل حلولا صحيحة الا في اطارها الاجتماعي ، أي بالنظر الى مصلحة المجتمع .
ـ اذ ان بعض الحلول الفردية قد تكون على حساب بعض الناس فتخلق ـ ان آجلا او عاجلا ـ  مشكلات جديدة  ، لا تلبث بعد ذلك ان تعيق تطوّرهم فتصبح مشكلات  اجتماعية بعد ان كانت حلولا لمشاكل فردية .. لذلك فان الجدل الفردي حينما يمتد على أبعاد المجتمع يصبح جدلا اجتماعيا وقانونا نوعيا لتطوره ككل ، وهو ما يعبّر عنه بالديمقراطية ..
ـ بهذه الخلفية تكسب الديمقراطية مضمونا وقيمة اجتماعية تجعلها شرطا أساسيا للتقدم  ، وتتحول بها الى اسلوب للتطور داخل المجتمع ..
ـ أما الصراع الاجتماعي فهو ظاهرة عارضة غير لازمة لتطور المجتمع ، وهي تطفو على السطح بوسائل واساليب مختلفة كلما تعرض المجتمع لتعطيل قانون تطوره : الجدل الاجتماعي  ...
ـ هذا طبعا يعيدنا الى منطلق الحديث ، لاننا اذا فهمنا التطور كظاهر خاصة بالمجتمعات الانسانية ، عندها نفهم قيمة الوجود السابقة على التطور ، ثم عندما نفهم قيمة الوجود في بعده الاجتماعي نفهم أولوية المصلحة الاجتماعية على المصلحة الفردية ، وهو المبرر الوحيد لقبول القوانين الزجرية في حق الافراد .. أو الذي تصبح  بموجبه التضحية بالنفس حلاّ من الحلول المطروحة للمحافظة على الوجود ذاته ..!!

(القدس)


الثلاثاء، 18 فبراير 2020

عن الحكومة التونسية وعوائق منح الثقة .

عن الحكومة التونسية وعوائق منح الثقة .
د.سالم لبيض .
18 فبراير 2020
أكثر من ثلاثة أسابيع مرت على تكليف الرئيس التونسي ، قيس سعيد ، الوزير السابق ، إلياس الفخفاخ ، بمهمة تشكيل الحكومة ، مانحا إياه شهرا لعرضها على البرلمان لنيل الثقة. وجاء اختيار الفخفاخ ، بعد أن فشل الحبيب الجملي ، مرشح حركة النهضة ، الحزب الأول في الانتخابات التشريعية ليوم 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 ، في تأمين أغلبية برلمانية تساوي أو تفوق 109 من النواب ، وذلك التزاما بالفقرة الثالثة من الفصل 89 من الدستور التونسي التي تنص على "إجراء رئيس الجمهورية مشاوراتٍ مع الأحزاب والائتلافات والكتل البرلمانية لتكليف الشخصية الأقدر من أجل تكوين حكومة في أجل أقصاه شهر". واجه الفخفاخ الذي رشحه حزب تحيا تونس (14 مقعداً)، الشخصية الأقدر، لتولي رئاسة الحكومة، وأيده في ذلك حزب التيار الديمقراطي (22 مقعداً)، منذ البداية ، إشكالات ذات طبيعة ديونطولوجية صرفة ، مأتاها ترشّحه للانتخابات الرئاسية لسنة 2019 وحصوله على قدر ضعيف جداً من الأصوات ، أي في حدود 11532 صوتا، من ثلاثة ملايين وعشرة آلاف ناخب ، بنسبة 0.34%، محتلا المرتبة 16 من ضمن 26 مرشحا ، وعدم فوز حزبه ، التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات ، وهو الذي يتولى رئاسة مجلسه الوطني ( أعلى سلطة حزبية بين مؤتمرين) بأي مقعد برلماني في الانتخابات التشريعية. ومن ذلك الرميم أو الرماد السياسي ، انبعث إلياس الفخفاخ مكلفا بتشكيل الحكومة التونسية ، مستثمرا رأسمال انتخابيا جاء بقيس سعيد رئيسا ، ومنحه شرعيةً شعبيةً هي الأعلى في سلالم نتائج الانتخابات غير المزيفة التي لم تعرفها تونس إلا بعد سنة 2011 . نبتت شرعية الفخفاخ في قيادة الشأن العام الحكومي من سوء إدارة حركة النهضة ، الحزب ألأغلبي لمفاوضات تشكيل الحكومة التونسية ، وفشلها الذريع في إقناع فُرقاء السياسة التونسية من العائلات الفكرية والسياسية الدستورية واليسارية والقومية العربية والليبرالية في الدخول إلى حكومةٍ غلب لونها الإسلامو ـ سياسي ، فلم تحظ إلا بثقة حزب النهضة وائتلاف الكرامة. دخل المكلف بتشكيل الحكومة عالم السياسة التونسية من بوابة حكومة الترويكا الأولى سنة 2011 برئاسة حمادي الجبالي، وزيرا للسياحة ، ثم للمالية في حكومة الترويكا الثانية سنة 2013 برئاسة علي العريض ، قادما من عالم الهندسة وإدارة الأعمال والشركات الكبرى التي اشتغل فيها ، على غرار شركة "هاتشينسون" المتخصصة في صناعة المطّاط والتابعة لشركة توتال الفرنسية ، ومجمع "أوتوموتيف كافيو" الذي تولى إدارته العامة بعد عودته إلى تونس بداية سنة 2006 . 
أشارت المذكرة التعاقدية من أجل ائتلاف حكومي (13 ص) ، وعنوانها "حكومة الوضوح وإعادة الثقة"، وهي الإعلان السياسي للحكومة المرتقبة ، إلى الالتزام بقيم الثورة واستكمال تحقيق أهدافها وترسيخ المسار الديمقراطي وتحقيق العدالة الاجتماعية وتطبيق الدستور وقيم الجمهورية وتعزيز مكتسبات الدولة الوطنية ، واستكمال مؤسّسات الدولة وأخلقة الحياة السياسية ، والانتقال إلى دولة العدالة الاجتماعية الآمنة والعادلة والمنصفة والاقتصاد الناجع ذي القيمة المضافة العالية ، وإشراك المواطنين وتكريس اللامركزية والسلطة المحلية ، مع تحديد جملة من الأولويات العاجلة ومتوسطة المدى وآليات ممارستها.
أجرى الفخفاخ مشاورات طويلة ومرهقة ومضنية مع مجموعة من الأحزاب السياسية ، اتفق معها على وثيقة التعاقد الحكومي أرضيةً سياسية للحكم ، وعلى أن تتكون حكومته من 28 وزيرا تتقاسمها أحزاب التيار الديمقراطي وحركة الشعب وحركة النهضة وحزب تحيا تونس ومجموعة أخرى من الأحزاب الصغيرة ، بحسب تمثيليتها البرلمانية مع بعض الوزراء غير المنتمين . وقد مكّنت التوزيعية الحكومية حركة النهضة من النصيب الأوفر من الوزراء بست حقائب ، النقل والتجهيز والإسكان والشباب والرياضة والصحة والتعليم العالي والبحث العلمي والشؤون المحلية ، مع حقيبتين لكل من منجي مرزوق أحد مرشحي "النهضة" لرئاسة الحكومة إثر الانتخابات التشريعية والوزير في الترويكا الأولى والثانية ، وأخرى لأسامة الخريجي عميد المهندسين التونسيين، المحسوب بدوره على الإسلاميين . وكان نصيب التيار الديمقراطي ثلاث وزارات ، هي الإصلاح الإداري وأملاك الدولة والشؤون العقارية والتربية ، وحركة الشعب بوزارتين ، التكوين والتشغيل والتجارة ، ومُنحت حركة تحيا تونس وزارتي البيئة والتنمية والتعاون الدولي ، واقتصر نصيب حزب بديل تونس على حقيبة السياحة ، وكذلك الأمر بالنسبة لحزب نداء تونس الذي منح حقيبة العلاقة مع البرلمان . أما بقية الوزارات وكتابتا الدولة فقد اختار لها إلياس الفخفاخ شخصيات نسائية ورجالية مستقلة ، على الرغم من الماضي السياسي والحزبي لبعضها ، وذلك بعد التشاور مع رئيس الجمهورية فيما يتعلق بحقيبتي الدفاع والخارجية ، وكذلك الأمر بالنسبة لوزارة الداخلية التي رُشّح لها المستشار برئاسة الجمهورية هشام المشيشي . إلا أن حركة النهضة نقضت العهد النهائي الحاصل بين الفخفاخ والأحزاب السياسية الذي جرى في الساعات الأخيرة من يوم 15 فبراير/ شباط الجاري ، وقبل ساعة من تقديم قائمة أعضاء الحكومة إلى رئيس الجمهورية وفق الأعراف الدستورية ، معلنة انسحابها  من مشاورات تشكيل الحكومة ، وسحب وزرائها المقترحين . وعلل الحزب الإسلامي انسحابه بعدم موافقته على تمشي تشكيل الحكومة والمقاربة المعتمدة التي أدت إلى إقصاء حزب قلب تونس ، وتمسّكه بوزارة تكنولوجيا الاتصالات الممنوحة للبنى الجريبي ، القيادية السابقة بحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات ، ورغبته في البقاء على رأس وزارة الجماعات المحلية موحدة مع البيئة الممنوحة لحزب تحيا تونس . وتبدو المبرّرات التي سوقتها "النهضة للانسحاب" من حكومة الفخفاخ وعدم منحها الثقة في البرلمان واهية ، فهي من دفع الرجل إلى استثناء حزب قلب تونس منذ البداية ، فقد وصفه رئيس الحركة ، راشد الغنوشي ، بحزب المكرونة الفاسد ، وتعهّد بعدم التحالف معه تحت أي مبرر، وإنْ أدّى الأمر إلى الذهاب إلى انتخابات سابقة لأوانها . و"النهضة" هي من طلبت من مرشحها السابق لرئاسة الحكومة ، الحبيب الجملي ، عدم الحوار مع حزب قلب تونس ، لعدم انتمائه لقوى الثورة ، التي تقتصر، وفق المدونة النهضاوية المعلنة ، على "النهضة" نفسها والتيار الديمقراطي وحركة الشعب وائتلاف الكرامة.
يعلم خبراء السياسة التونسية والعارفون بخفاياها ولعبة مصالحها أن الارتكاز على عدم تشريك الفخفاخ "قلب تونس" مجرّد مسوغ للتعمية وإجهاض ولادة حكومة "النهضة" أولى بتكوينها وفق ما هو مستبطن في خطابها وبيانها للناس . أما السببان الحقيقيان فهما ، من ناحية ، عدم ثقتها في حزب التيار الديمقراطي وحركة الشعب ، وهما حزبان راديكاليان ، شريكان في الحكم ، وهي التي تعودت بشراكة أحزاب نداء تونس وتحيا تونس والوطني الحر وغيرهم من التنظيمات السياسة خفيفة الوزن والمعنى ، ممن لا يعطي أهمية للشفافية ومقاومة الفساد وللمسائل السيادية ، ويشتركون مع "النهضة" كذلك في انحيازهم إلى الخيارات الاقتصادية النيو - ليبرالية التي انتهت إلى خيارات تنموية فاشلة ، سمتها التدخل الأجنبي في القضايا الوطنية والمديونية العالية وانتشار البطالة والفقر والتضخم والجريمة المنظمة، ما يفترض في حكومة الفخفاخ تغييرها والحدّ من آثارها ، وفق ما ورد في وثيقة التعاقد الحكومي . ومن ناحية أخرى ، جموح "النهضة" الضارب للحكم والسلطة ، وما يوفرانه من غنيمة ومكاسب ومنافع ومزايا ، يبدو أنها ذاقت حلاوتها إبّان مختلف فترات حكمها منذ 2011 ، هذا بالإضافة إلى الأخطار التي تتهددها إذا ما آلت بعض الوزارات إلى أحزاب أخرى، وفتح فيها الوزراء المرتقبون تحقيقاتٍ جدّية ، على غرار وزارة تكنولوجيا الاتصالات التي تتمسّك بها حركة النهضة إلى درجة أنها تكاد تجهض مسار تشكيل الحكومة برمته لأجلها ، والذهاب إلى انتخاباتٍ سابقةٍ لأوانها ، ستكون عالية الكلفة والمخاطر، ستواجه فيها حركة النهضة هذه المرة ، علاوة على منافسيها التقليديين ، الرئيس قيس سعيد وجمهوره الانتخابي الطامح إلى اجتياح البرلمان ، وإيجاد التناغم الضروري بين مؤسّسات الحكم في تونس .

الجمعة، 17 يناير 2020

ستبقى حيّاً في ذاكرة العرب يا ناصر / صبحي غندور .


ستبقى حيّاً في ذاكرة العرب يا ناصر ..
د.صبحي غندور .
خمسون عاماً تقريباً مرّت على وفاة جمال عبد الناصر، ورغم طيلة هذه الفترة الزمنية، فإنّ لهذا القائد العربي الكبير، الذي عايشته مصر والأمّة العربية في حقبتيْ الخمسينات والستّينات من القرن الماضي، محبّة خاصّة لم يشهد مثلها التاريخ العربي المعاصر. ومنتصف شهر يناير هذا العام هو الذكرى 102 لميلاد عبد الناصر الذي نجح، وهو في بدايات سنّ الثلاثينات، أن يقود تغييراً كبيراً في مصر وفي عموم المنطقة العربية. صحيح أنّ المصريين عرفوا ناصر كحاكم لحوالي 16 سنة جرت فيها الكثير من الإيجابيات والسلبيات كمحصّلة لتجربة حكم قامت على أسلوب "التجربة والخطأ"، لكن العرب غير المصريين نظروا إلى جمال عبد الناصر كقائد تحرّر قومي وملهم وداعم لثورات عربية تحرّرية في مشرق الأمّة ومغربها.    
ورغم مرور نصف قرنٍ من الزمن على غياب ناصر، فإنّه استمرّ حيّاً في ذاكرة معظم العرب الذين عاصروا فترة قيادته للأحداث العربية بحلوها ومُرّها. فيكفي لهؤلاء أنّ ناصر كان رمزاً لوحدة الهموم والآمال العربية، ولصرخة الكرامة والعدل والحرّية ضدّ الاستعباد والاستعمار والظلم والاستغلال. ويكفي شهادة لمقدار قيمة عبد الناصر ومحبّته في عموم المنطقة العربية ما حدث في مناسبتين: يوم استقالته بعد حرب 1967 (مظاهرات 9 و10 يونيو/حزيران)، ويوم وفاته في 28 سبتمبر/أيلول 1970، حيث خرجت ملايين من الجماهير العربية إلى الشوارع، من المحيط إلى الخليج، ومن دون دعوة من أيّ جهة، لتؤكّد تأييدها وحبّها الجارف لجمال عبد الناصر.
لكن المشكلة بثورة 23 يوليو التي قادها عبد الناصر أنّ ساحة حركتها وأهدافها كانت أكبر من حدود موقعها القانوني، أي مصر، وكانت قضاياها تمتدّ لكلّ الساحة العربية، وأيضا لمناطق أخرى في إفريقيا وآسيا، بينما هي دستورياً وقانونياً تتعلّق بمصر وحدها. وواقع الحال هو أنّ "ثورة يوليو" بدأت ثورةً مصرية فقط تتعامل مع جانب محلّي داخلي هو أساساً مبرّر حدوثها عام 1952 (المبادىء الستّة للثورة كانت كلّها محلّية مصرية)، ثمّ نضجت كثورة عربية، ثمّ ارتدّت إلى حدودها المصرية بعد وفاة ناصر.
كذلك من المهمّ النّظر إلى تجربة عبد الناصر في إطار الأوضاع التي كانت سائدة مصرياً وعربياً، وفي إطار الظروف الدولية التي كانت تهيمن على العالم كلّه (الحرب الباردة وصراع المعسكريْن)، وفي إطار طبيعة النظام السياسي في مصر الذي قام على "جبهة ضبّاط" وليس على تنظيم سياسي موحّد الانتماء والفكر والأهداف، علماً أنّ معظم "الضبّاط الأحرار" كان في مطلع الثلاثينات من العمر. فناصر قاد الثورة وله من العمر 34 سنة، وواجه أزمة السويس والعدوان الثلاثي وهو في عمر ال38 سنة، وكان رئيساً لمصر وسورية معاً وزعيماً عربياً ودولياً وهو في عمر الأربعين، ثم وافته المنية وهو في مطلع الخمسينات من عمره.
ويخطئ كثيرون حينما لا يميّزون المراحل في تاريخ التجربة الناصرية، أو حينما ينظرون إلى السياسة التي اتّبعها جمال عبد الناصر وكأنّها سياقٌ واحد امتدّ من عام 1952 حينما قامت ثورة 23 يوليو، إلى حين وفاة ناصر عام 1970.
فقد جعل عبد الناصر من هزيمة عام 1967 أرضاً صلبة لبناء وضعٍ عربيّ أفضل عموماً، وكرّس ذلك في قمّة الخرطوم التي شهدت توافقاً عربياً على كيفية استعادة الأراضي المحتلة وعلى دعم دول المواجهة مع إسرائيل، كما أشرف ناصر على إعادة بناء القوات المسلّحة المصرية وخاض حرب الاستنزاف ممّا مهّد الطريق أمام حرب عام 1973.
"عاش من أجل فلسطين ومات من أجلها"… كان هو الشعار الذي رفعه شعب فلسطين عقب وفاة جمال عبد الناصر عام 1970. ففي 28 أيلول/سبتمبر 1970، مات عبد الناصر بعد أيامٍ طويلة من الإرهاق والسهر المتواصل لوقف سيلان الدم العربي في شوارع الأردن آنذاك نتيجة الصراع بين الجيش الأردني والمنظمّات الفلسطينية، ومن خلال جهدٍ قام به ناصر لجمع القادة العرب في قمّة طارئة بالقاهرة.
وكان ناصر يردّد دائماً: "القدس والضفّة قبل سيناء، والجولان وغزّة قبل سيناء"، و"لا صلح ولا اعتراف بإسرائيل ما  لم تتحرّر كلّ الأراضي العربية المحتلّة عام 1967، وما لم يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة".
فعبد الناصر أدرك هدف حرب 1967 الذي أشار إليه وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك موشي ديان والرئيس الأميركي السابق جونسون، بضرورة تخلّي مصر عن دورها العربي، وإعادة سيناء لها مقابل ذلك، فرفض ناصر استعادة الأرض عن طريق عزلة مصر وتعطيل دورها العربي التاريخي. كما أدرك عبد الناصر  مخاطر الصراعات العربية/العربية التي كانت سائدة قبل حرب 67، فأوقف تدخّل الجيش المصري في اليمن وأقام "تحالف المدفع والنفط" الذي تأكّدت أهميّته في حرب عام 1973.
عبد الناصر أكّد بعد حرب عام 1967 حرصه على تعميق الوحدة الوطنية في كلّ بلدٍ عربي، وعلى رفض الصراعات العربية البينية التي تخدم العدوّ الإسرائيلي (كما فعل في تدخّله لوقف الصراع الداخلي في لبنان عام 1969 بعد صدامات الجيش اللبناني مع المنظّمات الفلسطينية)، فإذا بالأرض العربية بعد غيابه تتشقّق لتخرج من بين أوحالها مظاهر التفتّت الداخلي والصراعات المحليّة بأسماء مختلفة، ولتبدأ ظاهرة التآكل العربي الداخلي كمقدّمة لازمة لهدف السيطرة الخارجية والصهيونية.
نعم يا جمال عبد الناصر، فنحن نعيش الآن نتائج "الزمن الإسرائيلي" الذي جرى اعتماده بعد رحيلك المفاجئ عام 1970، ثمّ بعد الانقلاب الذي حدث على "زمن القومية العربية"، والذي كانت مصر تقوده في فترتيْ الخمسينات والستّينات من القرن الماضي. فاليوم يشهد معظم بلاد العرب "حوادث عنف تقسيمية" و"أحاديث طائفية ومذهبية وإثنية" لتفتيت الأوطان نفسها.. لا الهويّة العربية وحدها!.
هو "زمنٌ إسرائيلي" نعيشه الآن يا ناصر على مستوى العالم أيضاً. فعصر "كتلة عدم الانحياز لأحد المعسكرين الدوليين"، الذي كانت مصر رائدته، تحّول إلى عصر صراع "الشرق الإسلامي" مع "الغرب المسيحي"، بينما يستمرّ تهميش "الصراع العربي / الصهيوني"، وفي هاتين الحالتين،  المكاسب الإسرائيلية ضخمةٌ جداً!.
رحمك الله يا جمال عبد الناصر، فأنت رفضت إعطاء أي أفضلية لعائلتك وأولادك، لا في المدارس والجامعات ولا في الأعمال والحياة العامّة، فكيف بالسياسة والحكم!! وتوفّيت يا ناصر وزوجتك لم تكن تملك المنزل الذي كانت تعيش فيه، فكنتَ نموذجاً قيادياً عظيماً بينما ينخر الفساد الآن في معظم مؤسّسات الحكم بالعالم.
اليوم، نجد واقعاً عربياً مغايراً لما كان عليه العرب في أيامك يا ناصر.. فقد سقطت أولويّات المعركة مع إسرائيل وحلّت مكانها "المعاهدات" والمعارك العربية الداخلية. اليوم أُستبدلت "الهويّة العربية" بالهويّات الطائفية والمذهبية ولصالح الحروب والانقسامات الوطنية الداخلية. اليوم تزداد الصراعات العربية البينية بينما ينشط "التطبيع مع إسرائيل "!!.
اليوم، وجد البعض في المنطقة العربية الحلَّ بالعودة إلى "عصر الجاهلية" وصراعاتها القبلية، تحت أسماء وشعارات دينية!. وبعضٌ عربيٌّ آخر رأى "نموذجه" في الحلّ بعودة البلاد العربية إلى مرحلة ما قبل عصرك يا ناصر، أي العقود الأولى من القرن العشرين التي تميّزت بتحكّم وهيمنة الغرب على الشرق! فهكذا هو واقع حال العرب اليوم بعد غيابك يا عبد الناصر، ما يُقارب نصف قرن من الانحدار المتواصل!. لكن ما لم يتغيّر هو طبيعة التحدّيات المستمرّة على العرب منذ مائة سنة، هي عمر التوأمة والتزامن بين وعد بلفور وبين تفتيت المنطقة وتقسيمها لصالح القوى الكبرى.
ما يحدث الآن في البلاد العربية هو تأكيدٌ جديد على أهمّية إعادة قراءة "المشروع الناصري" الذي لم يمنحه القدر الفرصة الزمنية الكافية لإثبات جدارته. وهناك الكثير ممّا هو صالح للحاضر وللمستقبل معاً كخلاصات من تجربة وفكر جمال عبد الناصر، وما هو مهمٌّ للعرب الآن من ترشيدٍ فكري وسياسي. فلقد كانت ثورة ناصر حركة تغيير شعبية ترفض التغيير عن طريق العنف أو الصراع الطبقي، وتؤمن أنّ الشعب هو "تحالف قوى الشعب العاملة" المؤلفة من: العمّال، والفلاحين، والمثقّفين الوطنيين، والجنود، والرأسمالية الوطنية غير المستغلّة. وكان فكر جمال عبد الناصر مزيجاً من أساساتٍ فكرية شخصية عنده، عبّر عنها في مبادىء ثورة 23 يوليو وفي كتاب "فلسفة الثورة" وفي خطبه بالخمسينات، ثمّ تبلورت حصيلة التجربة والخطأ في إعداد "الميثاق  الوطني" وتقريره عام 1962.
ولقد تَعزّز وتَعمّق فكر جمال عبد الناصر (بدعوةٍ منه أصلاً للمثقّفين) من خلال كتاباتٍ عديدة ساهم بها مفكّرون عرب، ومن مصر تحديداً، لبلورةٍ أكثر عمقاً لما وضعه عبد الناصر من خلاصات أهداف وغايات للأمّة العربية:
  • حرّية بمعناها الشامل لحرّية الوطن ولحرّية المواطن.
  • حرّية المواطن التي تستوجب الجمع بين الحرّية السياسية والحرّية الاجتماعية.
  • العدل الاجتماعي الذي كان يُعبّر عنه كمطلبٍ باسم الإشتراكية.
  • الوحدة بمعناها الوطني الداخلي، وبمعناها العربي الشامل شرط الإجماع الشعبي عليها ورفض العنف كوسيلةٍ لتحقيقها.
  • الاستقلال القومي في مجال السياسة الخارجية ورفض التبعية الأجنبية.

وقد ارتبطت هذه الغايات لدى عبد الناصر بمسائل ثلاث:
- الأولى : من حيث نبذ العنف كوسيلة للتغيير الاجتماعي أو السياسي أو للعمل الوحدوي القومي.
-  الثانية : من حيث الاستناد الى العمق الحضاري الديني والدور الإيجابي للرسالات السماوية عموماً وللقيم الروحية في المجتمع.
-  الثالثة : من حيث مفهوم ناصر للدوائر الثلاث التي تنتمي إليها مصر: العربية والإفريقية والإسلامية، وبحالٍ من التفاعل والتكامل بين الوطنية والعروبة والانتماء الحضاري الإسلامي.
وفي مناسبة ذكرى ميلادك يا ناصر، ما زال شعب مصر وأمّته العربية يفتقدونك بينهم، ولديهم الحنين لماضٍ عاشوه في ظلّ قيادتك، لكنً الكتابة عنك ليست ابتعاداً عن الحاضر أو تجاهلاً للمستقبل أو مجرّد حنينٍ لماضٍ، بل هي دعوةٌ للاستفادة العربية والمصرية من نهجٍ "ناصري" واجه أزماتٍ وصراعات لعقدين من الزمن (1952-1970)، وما زالت هذه التحدّيات والصراعات تنخر في جسد الأمَّة العربية. وهاهي الأمّة العربية الآن تعاني من انعدام التضامن العربي ومن الانقسامات والصراعات، ومن هشاشة البناء الداخلي في معظم البلاد العربية مما سهّل ويسهّل الهيمنة الخارجية على بعض أوطانها.
مصر تغيّرت، والمنطقة العربية تغيّرت، والعالم بأسره شهد ويشهد في عموم المجالات متغيّراتٍ جذرية.. لكن رغم كلِّ تلك المتغيّرات تبقى يا ناصر في ذاكرة العرب بأنّك كنتَ رمزاً لحقبة زمنية عاش فيها الإنسان العربي مرفوع الرأس، حقبة الكرامة والعزّة والتوحّد.


السبت، 4 يناير 2020

"الثورات العربية" بين موقف القوى القومية والموقف من وجهة نظر قومية .

"الثورات العربية" بين موقف القوى القومية والموقف من وجهة نظر قومية .

الموقف من الثورات العربية يثير لغطا كبيرا منذ 2011 الى الآن الى درجة اننا صرنا نرى العديد من القوى التي لا يوجد في قاموسها السياسي كلمة واحد عن الثورة تتحدث اليوم باسهاب كبير عن هذا المنجز الجماهيري العظيم ، بل اننا لو رجعنا الى كل تاريخها السياسي منذ نشأتها لوجدناها مجرد قوى رجعية لا يتعدى هدفها المشاركة في السلطة ولو مع أعتى الانظمة استبدادا وتخلفا في الوطن العربي وأولها قوى الاسلام السياسي التي تحالفت تاريخيا مع كل انواع الأنظمة وقبلت مهادنتها من أجل السلطة ، وحتى بعض صراعاتها مع بعض الأنظمة لم تكن باي حال من الأحوال من أجل الثورة التي تخوضها القوى التقدمية عادة من أجل شعوبها ، وهذا ما لمسناه بوضوح بعد " ثورة " 17 ديسمبر في تونس حيث اتجهت حركة النهضة مباشرة بعد تسلمها السلطة اثر انتخبات 2011 الى اصدار قوانين العفو التشريعي العام التي وظفتها بالكامل من أجل التعويضات لأتباعها وعقدت الصلح مع جلاديها بتوقيع قانون المصالحة ثم تحالفت معهم لتشاركهم الحكم بنفس السياسات ونفس الخيارات التي انتهت صلاحيتها بقيام الثورة ، مؤكدة نظرتها السياسية الضيقة وطبيعتها الاصلاحية الغنائمية التي تحدّد هدفها المصلحي من المشاركة في الحكم .. وقد كان هذا واضحا منذ زمن من تجارب الاخوان المسلمين الذين كانوا أكثر القوى استعدادا للتنافس مع أكثر الأنظمة فسادا وجورا واستبدادا في جميع الدول العربية التي قبلت انظمتها بفسح المجال أمامهم لخوض الانتخابات والاكتفاء بتمثيل نسبي هش في العديد من الدول بعد فترة الثمانينات مثل المغرب والاردن والكويت ومصر والسودان .. حيث كانوا يتعايشون معها دون أي حرج وهم يساهمون في اضفاء الشرعية عليها وتبييض فسادها ، ولعلنا لا نكون مغالين حينما نقول انهم مستعدون لما هو اكثر سوءا من ذلك وقد شاهدنا احدى الفصائل الاخوانية تقبل بلعبة السياسة في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق بعد الغزو في ظل دستور بريمر ..
وقد اختلط هذه الأيام التخبط الفكري والنفاق السياسي بالأكاذيب المغرضة والتشويه للحركة القومية ، حتى اصبحنا نسمع ان حفتر والسيسي محسوبين على القوى القومية .. ورغم ان بشار الاسد والشهيد معمر القذافي يحضيان بتأييد واسع من الشرائح القومية سواء على خلفية ما سمّي " بالربيع العربي " الذي دبر في هذين القطرين بتدخل سافر من القوى الخارجية أو قبل ذلك ، ولكنه من المؤكد انهما ليسا محل تأييد مطلق بخصوص كل السياسات الداخلية والمواقف المعلنة من جميع القضايا المطروحة على الساحة السياسية العربية والدولية ليس فقط في علاقة بالديمقراطية وحقوق الانسان ، بل حتى في جوانبها المتعلقة بالقضايا ذات الاهتمام المشترك بين القوميين انفسهم كقضية الوحدة والعلاقات العربية العربية والمحاور الدولية وغيرها من القضايا التي شهدت تذبذبا في المواقف من فترة الى أخرى بعضها أضر بالقضايا القومية أكثر مما أفادها .. وهذا يعني ان ترويج فكرة التاييد المطلق التي تحيل الى الفهم بان غاية القوى القومية هي تثبيت سياسات الأنظمة التي تنسب نفسها الى المرجعية القومية وتكرار فشلها وخيباتها وعجزها انما هو ليس من باب الجهل بالمواقف القومية فقط ، بل أيضا ـ وحينما يُحشر المشير خليفة حفتر عمدا ضمن المؤيًّدين ـ فهو من باب المغالطات والتضليل الذي يُستعمل أولا وأخيرا لتشويه الموقف القومي .. فما هو الموقف السليم للقوي القومية من الثورات العربية عموما وما هو الموقف من وجهة نظر قومية ؟
بداية فان المسألة تحتاج الى توضيح عام يهم الموقف القومي الذي شهد تبلورا ونضجا واضحا في أهداف الثورة العربية الشاملة وأدواتها منذ الستينات وما تلاها من مراجعات ، وصل الى حالة من الاجماع العام لدى جميع المرجعيات والفصائل القومية المعروفة على الساحة العربية تتلخص في ناحيتين مهمتين تكاد تكون كلاهما من الثوابت القومية للحركة القومية العربية الى حد الآن :
أولا : اهداف الثورة العربية : وهي بناء دولة الوحدة الديمقراطية الاشتراكية ، التي تعبر عنها مختلف الفصائل القومية بشعار " الحرية والوحدة والاشتراكية " مهما كان الترتيب الذي عرف اجتهادات مختلفة حسب الأولويات التي يمكن ان تشهدها مراحل الثورة العربية الشاملة .
ثانيا : آداة الثورة العربية : وهو قيام ما عرف في ادبيات الفكر القومي بـ " الحركة العربية الواحدة " والتي تحضى باجماع عام تقريبا من جميع الفصائل والمرجعيات القومية بالرغم من وجود اختلافات في مستوى آلية البناء ومراحله في ظل التشتت التنظيمي الذي فرضه واقع التجزئة على الاقل من الناحية الموضوعية فضلا عن بعض النواحي الذاتية المتعلقة بالقوى القومية ذاتها .
اذا كان هذا مهما وواضحا فان تحديد مبرراته الواقعية تعتبر أكثر أهمية في حديثنا عن الواقع العربي وتقييمنا لآداء الحركة القومية على امتداد الساحة العربية منذ سقوط الخلافة العثمانية وما تلاها من فترات الاستعمار الى اليوم ، في واقع قومي قائم الذات يفتقر الى أي جهة رسمية تدافع عن وجوده ومصالحه وتتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية كما يحددها دورها التاريخي مثل ما هو موجود في سائر الأمم : فمن ناحية اولى يعيش الوطن العربي حالة التجزئة التي فرضت غياب الدولة العربية المركزية المدافع الطبيعي عن المصالح القومية والمسؤول الوحيد عن التخطيط والفعل السياسي كطرف مسؤول يحاسب قوميا على سياساته وخياراته ، ومن ناحية ثانية غياب الحركة القومية الواحدة كطرف ثوري مسؤول أمام جماهيره على رسم السياسات العامة لتنظيم يفترض انه ثوري ، يبني التحالفات ، ويخوض المعارك السياسية والميدانية على المستوى القومي والدولي بثقل قومي وامكانيات قومية بكل ما يعنيه ذلك من اضافة للقدرات النضالية عكس ما تتيحه الامكانيات الاقليمية لتحقيق اهدافه القومية . بمعنى أن كل ما ينسب للحركة القومية أو لأي دولة تسمّى قومية نسبة لقيادتها في بعض الأقطار وفي بعض المراحل التاريخية من فشل انما هو منسوب لأطراف غائبة عن الساحة . فلا الدولة القومية المركزية وجدت ، ولا الحركة القومية الجماهيرية موجودة ..
الملاحظة الثانية التي لا تقل أهمية هو ان كل هذا الكم من الفشل يعتبر حجة على الاشكال النضالية الاقليمية التي يحذر منها الموقف القومي حتى وان كانت ممثلة في دول وأحزاب وقيادات ذات مرجعية قومية ، وليس على دولة الوحدة أو على الحركة القومية بتلك المعاني والمفاهيم والمضامين القومية الغائبة الى حد اللحظة ، فالمعارك التي خاضتها الانظمة القومية كلها معارك قطرية بامكانيات الدول الاقليمية ومؤسساتها التي تعمل لحساب الدولة القطرية طبقا لدساتيرها  وليس لحساب المصلحة القومية ، وهي معارك تُحسب فيها جل الحسابات لفائدة الدولة الاقليمية والمصلحة النظامية في السلطة على حساب المصلحة القومية ، وهو ما يجعل الموقف القومي دائما ضدها سواء لطبيعتها الاقليمية أو لانحرافها عن الأهداف القومية مهما كانت مرجعيتها ..
وأمام هذه الثنائية والتداخل في الأدوار بين القوى القومية كما هي موجودة في واقع التجزئة وبين الحركة العربية الواحدة كما يفترض أن تكون لتغيير ذلك الواقع  فان المسألة تحتاج الى توضيح خاص لبيان الفرق بين موقف القوى القومية  والموقف من وجهة نظر قومية من الثورات العربية :
الموقف من الثورات العربية من وجهة نظر قومية يعني الثورة العربية كما يجب ان تكون بالنسبة للقوى القومية حينما تشارك في الثورة أو تفجرها من موقع الطرف الفاعل حتى تصل الى أهدافها المعلنة : دولة الوحدة الديمقراطية الاشتراكية عبر مسيرة طويلة ممثلة في تنظيم قومي واحد وقيادة واحدة واستراتيجيا واحدة ، فهو الذي يرسم سياساته بعيدا عن وصاية الدول الاقليمية ، ويبني تحالفاته ويختار اصدقائه وحلفائه ويحدد أعدائه ، فيحاسب على فشله أو نجاحاته .. 
أما موقف القوى القومية الحالية ممّا يسمّى " الثورات العربية " وهي تفتقد الفاعلية المطلوبة للتأثير المباشر في الأحداث الجارية التي تجبرها على اختيار تقاطعات وتحالفات قد لا تلقى اجماعا كاملا وهي تفتقد حاليا الى وحدة التنظيم ووحدة الممارسة الديمقراطية التي تحسم خلافاتها ، يفترض أن يتحدّد على ضوء طبيعة القوى النشيطة ميدانيا وأهدافها المستقبلية قياسا على المصلحة القومية من حيث نتائجها المحتومة كما يجري التخطيط لها في الواقع وليس استنادا الى ما ترفعه من شعارات أو ما تصرح به قياداتها ، فتخرج عن سياق الثورة كل القوى الغريبة عن الواقع المتدخلة من الخارج ، وكل القوى التي تستهدف تدمير الدولة والمجتمع وتغيير نسيجه ونمطه المجتمعي بالقوة الغاشمة على غرار ما وقع في سوريا وليبيا وبقطع النظر عن أي مسؤولية للسلطة ـ أي سلطة مستبدة ـ في اساليبها ومناوراتها ، اذ لا تنتظر القوى الثورية عادة من أنظمة الاستبداد غير ذلك الرد ، وفي هذه الحالة وحينما تتهدد المجتمع والدولة أخطارا خارجية تستهدف وجود المجتمع وتسيء للثورة ـ اذا تجاوزنا الخلاف حول المفاهيم ـ مثلما حدث في سوريا وليبيا تصبح من مسؤولية الثوار الحقيقيين تطهير الثورة مما يسيء اليها ويحرفها عن أهدافها النبيلة قبل استئناف عملها الثوري لتجنيب مجتمعها مخاطر الوقوع في مشكلات أكبر من مشاكل الاستبداد .. ومثل هذا الموقف الذي عبرت عنه أغلب الفصائل القومية ـ وبقطع النظر عن مواقفها من الأنظمة ـ يستند الى حقيقة علمية مهمة تقول بأن " الوجود شرط التطور " أي أن كل ما يهدّد المجتمع في وجوده يصبح ذا أولوية ، فوجود المجتمع وأمنه وسلامته مقدمة على مطالب الديمقراطية والحرية وغيرها من الشعارات ، وهذا ينطبق على أي حالة أخرى أينما وجدت في الساحة العربية ، فلو حدث مثل هذا في تونس قبل الثورة أو في قطر أو في السعودية وكلها أقطار يعارض القوميون أنظمتها بشدة ، لما تغير الموقف كثيرا بالنسبة للغالبية العظمى .. وهو ما يعني ان معارضة اسلوب التدخل في تغيير الأوضاع الداخلية للمجتمع مثلما حدث على يد حلف الناتو في ليبيا لا يعني بالضرورة مطلق المعارضة للثورة في أي قطر اذا كانت بوسائل شعبية صرفة مثلما حدث في تونس ومصر .. وواجب القوى القومية حينما تكون غير قادرة على قيادة الجماهير لبلوغ أهدافها ان تبحث عن التحالفات والتقاطعات المرحلية التي تستطيع من خلالها تحقيق الحد الأدنى الممكن بأخف الأضرار على السلم الاجتماعي والحفاظ على وحدة المجتمع وسلامته واستقلاله وتحقيق المكاسب الحقيقية في جوانبها السياسية والاقتصادية مع التركيز على أولوية الاشتباك مع الأعداء الاستراتيجيين للمشروع القومي ..
وفي النهاية فان مواقف القوى القومية اليوم وتقاطعاتها السياسية واساليبها النضالية وهي في المرحلة الأولى من البناء لآداة الثورة العربية الشاملة كما تراها القوى الصادقة منها ـ سواء كانت على هذا الموقف أو ضده ـ تعتبر بمثابة حالات الضرورة البعيدة كل البعد عن الاسلوب القومي كما يجب ان يكون ، فهي لا تمثل بأي صغة أو صفة كانت الموقف القومي من وجهة نظر قومية ، فلا الدول ولا الأنظمة ذات المرجعية القومية تمثل الدولة العربية المركزية ، ولا الفصائل المختلفة ، ولا القيادات تمثل الحركة القومية الواحدة .. وهو ما يجعل الموقف القومي القائم على الثوابت القومية وجماهيره المؤمنة بها في حل من تبعات أي فشل يصادف مسيرتها ، ويحملها المسؤولية الأخلاقية والقومية في تدارك العجز والجمود الذي يهدد وجودها ذاتهه أمام الأخطار المحدقة بالوجود القومي ، وهي تدرك منذ البداية ان الاقليمية فاشلة ، وأن المعارك القومية لا يتم فيها النصر الا بوسائل وامكانيات قومية .. 


القدس