القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 15 نوفمبر 2015

عروبة فلسطين .. (2)



عروبة فلسطين ( 2 ) .

الصهانة يتكلمون عن الهوية الدينية للارض ، فيدّعون أن اقامة اليهود في فلسطين في عصر الديانة اليهودية يعطيهم الحق في اقامة دولة دينية يهودية ، بقطع النظر عن انتمائهم الى أمم وشعوب لا علاقة تربطها بفلسطين .. بل ويزيدون على ذلك كذبا وخداعا بان العرب هم الذين احتلوا فلسطين ودخلوها غزاة ، فيسمون احتلالهم لفلسطين وقتلهم للابراياء واغتصابهم للارض العربية منذ عشرينات القرن الماضي ، نصرا  وتحريرا .. كما يعتبرون قيام  دولة اسرائيل سنة 1948 استقلالا  .. متناسين أن ادعاءهم القائم على اسس دينية يسحب من تحتهم البساط لان فلسطين نفسها اصبحت بعد ذلك مهدا للديانة التي تلتها وهي الديانة المسيحية .. غير أن هذه الحجة لا يقبلها اليهود فهم لا يقبلون بغير الديانة اليهودية ، ولعل قصتهم مع السيد المسيح عليه السلام خير شاهد على ذلك ..
كل هذا ليس مشكلة ، لان الصهاينة يستطيعون ان يصوّروا الواقع كما يشاؤون ،  لو لا أن بعض العرب يواجهونهم بنفس الاسلوب الديني ، فيعطونهم المبرر للحديث بلغة دينية متعصبة ، تحول الاديان الى مشكلة ، وهذا من طبع اليهود وحدهم ، في حين ينظر الاسلام  الى الديانات الاخرى نظرة اعتراف ، بل ويجعل الايمان بالرسالات السابقة والكتب السماوية جميعا ـ ومنها اليهودية ـ ركنا من أركان الايمان ..
وفي هذا الخصوص ، نجد اصحاب النزعات الدينية المتعصبة عندنا ،  ينفون الهوية القومية لفلسطين ، ويستبدلونها بهوية دينية ظنا منهم أنهم يخدمون قضيتها ، فيجعلون مشكلتهم مع اليهود مشكلة دينية ، في حين ان اليهودية ديانة فيها الصهاينة  وغير الصهاينة .. وفيها الصالحين وفيها الطالحين .. قال تعالى متحدثا عن بني اسرائيل ( اليهود ) في سورة الأعراف : وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ( 168 ) " .. كما أنهم يدّعون مواجهة اليهود بأسلحتهم  ، أي دين بدين ، فيقعون مثلهم بتخلفهم في الاساءة الى الاديان جاعلين منها مسرحا للصراعات الدموية  ، حينما يحوّلون مشكلة فلسطين الى قضية صراع ديني ، في حين ان هذا الصراع لم ينشئ بين المسلمين واليهود قبل اغتصابهم للارض العربية التي لم تكن خاصة بشعب فلسطين وحده لانها فـُصلت  عن جسد الامة العربية في اطار المخطط الاستعماري بعد سقوط الدولة العثمانية وصدور معاهدة سيكس بيكو سنة 1916 ، وبعدها وعد بلفور سنة 1917 ، ثم قيام الانداب البريطاني رسميا على فلسطين بقرار دولي  سنة 1922.. هذا فضلا على أن  الصهاينة كانوا منذ البداية يستهدفون الوجود العربي في فلسطين ، فكان من ضحاياهم كل من رفض الاحتلال وقاومه سواء كانوا متدينن أو رافضين للأديان .. وهكذا قان مشكلة الصراع مع اليهود انطلقت منذ انطلق التخطيط لاغتصاب أرض فلسطين في أول مؤتمر صهيوني في بازل بسويسرا على يد ثلة من اليهود الصهاينة المتعصبين .. حيث جاءت النتائج محرّضة صراحة ومشدّدة على هذا النهج الذي يمكن تلخيصه بالقول أنه : " عدوان على الارض العربية والوجود القومي العربي ينتظر التنفيذ " .. وفي هذا السياق تؤكد التوصيات  الصهيونية في المؤتمر الصهيوني  الاول على  ضرورة اتخاذ خطوات عملية تقود الى اعتراف الدول الكبرى بالمشروع الصهيوني ، كما تشدّد هذه التوصيات على ضرورة احياء اللغة العبرية وانشاء صندوق خاص بشراء الارض من الفلسطينيين .. وكلها خطوات عملية لا علاقة لها بالدين ، بقدر ما تتجه الى الاستيطان واحتلال الارض ... ولعل ما يؤكد هذا الجانب العملي في التخطيط الصهيوني ، ظهور المنظمات الارهابية في فلسطين منذ العشرينات مثل الهاجانا والارجون والشتيرن وغيرها ..     والواقع ان متابعة قرارات المؤتمرات الصهيونية وحدها ، كافية لازاحة اللثام عن طبيعة الصراع العربي الصهيوني كصراع وجود ، تدور رحاه على الارض العربية ومن أجلها ، اجابة عن السؤال : لمن تؤول .. ؟؟  كما يستطيع من يشكك في طبيعة الصراع على هذه الصورة الثابة ، أن يعود  أولا وقبل كل شئ ، الى آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن اليهود ، وعن اصولهم العربية القديمة ، ثم الى التاريخ ، ليتأكد أن اليهودية بكل ما فيها من خرافات وانحرافات هي في الاصل اساطير قبلية ، لا يجب الانجرار وراءها للرد عليها بمثل اسلوبها .. وهي تدل على تخلف اليهود الذين رفضوا الاندماج في القوميات الاخرى والامم التي عاشوا فيها ، وبقوا في عزلة " الجيتو " الذي بنو صرحه على الوهم والاساطير وهم يخلطون بين انتمائهم الديني وانتماءهم القبلي ، حتى جعلوهما شيئا واحدا ، فتحول ذلك الخلط الى عنضرية منعتهم من الاندماج  رافضين الديانات الاخرى والمجتمعات معا .. وهو ما كلفهم تلك المعانات التي يتحدثون عنها ، وهي في الأصل معاملة بالمثل ردا على عنصريتهم اولا وأخيرا .. وهكذا تطوّرت جميع الشعوب قوميا وبقى اليهود بانغلاقهم وتعصّبهم ، متخلفين قبليا .. حتى اصبحوا بالفعل عبءا على تلك الشعوب  والحكومات التي ضاقت بهم ذرعا وباسلوب حياتهم ، فكان مشروع الصهيونية حلا يخلصهم  من عنصرية اليهود أولا ،  ثم يخدم مصالحهم الاستعمارية ثانيا ، ويمنع تقدم الامة  التي يرغبون في نهبها ثالثا ...                                                             

 ( القدس عدد 202 ) .

الأحد، 8 نوفمبر 2015

حقوق الانسان بين الشكل والمضمون .. (1)



حقوق الانسان بين الشكل والمضمون .. (1)

بدأت فكرة الحقوق في الظهور كمطلب مقترن بالدفاع عن كرامة الانسان ، منذ زمن مبكر في كل من بريطانيا اثر صدور ما يعرف بشرعة الحقوق سنة 1689 ، وهي وثيقة تطالب الملك وتلزمه بالكف عن ارتكاب التجاوزات ، وتضمن بعض الحقوق للمواطن البريطاني .. وفي الولايات المتحدة اثر صدور اعلان الاستقلال سنة 1776 ، الذي أكد على مبدأ حرية الانسان وتمتعه بالحقوق الطبيعية المتأصلة فيه منذ الميلاد .. ثم في فرنسا ابان الثورة الفرنسية التي صدر فيها اعلان حقوق الانسان والمواطن سنة 1789 ، وقد كان يتجاوز الوثائق السابقة ـ كما يقول الحقوقيون ورجال القانون ، في الوضوح ، والشمولية ، حيث لم يقتصر على حقوق الانسان في فرنسا وحدها ، بل اتخذ بعدا انسانيا عاما ليصبح القانون الفرنسي الذي تضمنه دستورالجمهورية الاولى سنة 1793  وما تلاه من الدساتير حتى الجمهورية الخامسة سنة 1958 ، ركيزة اساسية في جميع دساتير العالم الى الآن ، وخلفية حقوقية لكل المدافعين عن حقوق الانسان ، خاصة بعد صدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي تبنته الامم المتحدة سنة 1948 .. وهذا فضلا عن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية والثقافية من جهة ، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية من جهة ثانية الصادرين في 16 ديسمبر 1966 ..
والواقع ان كل هذه الحقوق والمكاسب تحققت بفضل التضحيات والنضالات التي خاضتها الشعوب في كل مكان لافتكاك الحقوق الفردية والجماعية التي لا تكتمل بدونها حرية الانسان وكرامته .. غير ان الذي يتأمل أغلب الفصول والقوانين المعلن عنها في تلك الحقبة والتي لا تزال سارية ومعمولا بها الى حد الآن ، ثم الى الاطراف التي صاغتها ، والى النقاشات والصراعات التي تواصلت على مدى اكثر من عامين داخل أروقة الامم المتحدة ، يدرك بسهولة ، ووضوح ، الخلفية التي صيغت بها تلك القوانين والمبادئ التي تحولت تدريجيا الى فلسفة شاملة ، ورؤى ، ومفاهيم عامة وأزلية لحقوق الانسان ، يتساوى فيها الناس في كل مجتمع وفي كل عصر  ..  ومن هنا تأتي الثغرات  ، والمغالطات أحيانا على يد الحقوقيين حيث يتم التأكيد على جوانب دون  أخرى ، فلا يكاد هؤلاء يلتفتون الى غيرها وهي لا تقل اهمية ، وقد يكون تاخر لائحة الحقوق الخاصة بالنواحي الاقتصادية والاجتماعية الى سنة 1966 ، وامتناع دول الكتلة الشرقية عن التصويت سنة 1948 أكبر دليل على ذلك  .. هي اذن خطوات هامة ومصيرية حققتها الشعوب بانتصارها على القهر والاستبداد والظلم ، لكنها تظل منقوصة بدون قوانين عملية تضمن الحقوق الحياتية مثل الشغل ، والتغطية الاجتماعية والعلاج والتعليم المجاني ، الخ  ... وللحديث بقية ..

( نشرية القدس العدد 201 ) .

عروبة فلسطين .. (1)



عروبة فلسطين .. (1) .


نقرأ في كثير من الدراسات والكتب اجتهادات الكتاب والباحثين العرب والمسلمين في اثبات عروبة فلسطين من خلال سرد التاريخ القديم للجماعات التي عاشت وأسّست بعض الحضارات والدويلات منذ ما قبل المبلاد .. مع محاولات تبدو احيانا متعسفة على التاريخ ـ لدى البعض ـ من خلال التأكيد على نفي أي علاقة لليهود بفلسطين ، أو جعل تلك العلاقة عابرة ، لا أثر يذكر لها في التاريخ القديم .. وفي كثير من الأحيان نسمع التهجم على بني اسرائيل الذين عاشوا في تلك الفترة وكأن هؤلاء هم الذين اغتصبوا فلسطين اليوم .. وهذا كله مجانب للحقيقة .. وهو قائم على خلط كبير في فهم مراحل التطور التي مرت بها البشرية .... كما نجد قراءات تاريخية موضوعية تتحدث عن أحداث التاريخ على غرار ما ذكره الدكتور رأفت النبراوي ، العميد بكلية الآثار جامعة القاهرة ـ مجتهدا ـ في احدى الندوات المنعقدة في مصر تحت عنوان " القدس عربية " لاثبات عروبتها : (القدس شيَّدها الملك الصادق ، أحد ملوك اللوسيين الأوائل عام 3000 ق . م ، وهم إحدى بطون العرب في مدينة يوبوس ، وخضعت بعد ذلك لحكم فراعنة مصر خضوعًا تامًا عام 1479 ق . م ، وجاء المصريون القدماء وسموها « أورسالم » ، ويلفت إلى أن هذه الكلمة لها شقان هما « أورو» ومعناها مدينة و« سالم » ومعناها السلام ، فسموها « مدينة السلام » ، ومن هنا اشتقت عبارة «أورشاليم » ، وفي ذلك الوقت خرج بنو إسرائيل من مصر سنة 1292 ق . م متوجهين الى فلسطين فاستوطنوها واستولوا عليها وقتلوا 10 آلاف رجل وامرأة من سكانها ، ولم يرحموا كبيرًا ولا صغيرًا ثم تخلوا عنها وتركوها تحت ضغط اليبوسيين ، وجاء الكنعان في ذلك الوقت وترك اسمها «أورسالم » ولم يغيره وتم تشييد الهيكل المنسوب إليها عام 1007 ق . م .. ويواصل النبراوي سرد الوقائع للتأكيد على عروبة القدس بقوله : في عام 18 ق . م رمَّم الإمبراطور الروماني هيرودوس الهيكل ، ولكن تاتانيوس خرَّب بيت المقدس وأخلى القدس من بني إسرائيل ، وجاء أدرينانوس وأخذ عرش الإمبراطور وعقد العزم على القضاء على اليهود ، فشتتهم ودمَّر مدينة القدس بل حرقها تمامًا بما فيها ثم بنى بعد ذلك.. مدينة إيليا ، نسبة للأسرة الحاكمة ، ولا توجد. بقايا للدولة غير بقايا من هيكل سليمان المزعوم ، ولم يتبق لليهود شيء في القدس ، مما يجعل مزاعمهم لا تقوم على أساس من الصحة ومزاعم كاذبة .. "
والواقع ان كل هذه الاجتهادات مفيدة وهامة ، بذل فيها المجتهدون جهدا يذكر فيشكر ، سعوا من خلاله لاثبات حق العرب في ارضهم التاريخية التي يحق لهم تعميرها.والاقامة عليها وحدهم لا ينازعهم فيها أحد من الغرباء ، الا في نطاق ما تسمح به القوانين المعروفة في شتى انحاء العالم .. بداية بالاقامة والشغل والتنقل والعبور .. وصولا الى قوانين الجنسية ، وحق المواطنة طبقا للشروط التي يحدّدها القانون الخ  ..
ولكن المشكل أن القرآن الكريم يذكر في العديد من آياته الصريحة المحكمة بني اسرائيل كما يذكر جوانب عديدة من حياتهم ، والانبياء الذين بُعثوا اليهم ، حتى أن الله يعتبر جزءا منهم من الصالحين ، قال تعالى في سورة الاعراف  :  " وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك (168) " . بل يقول في سورة الجاثية "  وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) ".. وهي معضلة حقيقية لا تجدي معها اساليب الانكار والنفي للوقائع التاريخية الثابتة بان بني اسرائيل عاشوا فعلا على ارض فلسطين .. وهنا يتوقف الفهم الصحيح للمشكل على المنهجية المتبعة في قراءة التاريخ ، والتي يجب أن تتطابق دائما مع الطرح القرآني .. قال تعالى متحدثا عن " اسرائيل وهو النبي يعقوب في سورة الاسراء : " ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3)  .
ما المشكل اذن ان تكون قبائل بني اسرائيل المنحدرة من اصول عربية وانبياؤهم من الانبياء الصالحين الذين بعثهم الله للهداية والتوحيد مثلما بعث غيرهم من الانبياء ، قد عاشوا قبل الف ومائتي عام من ميلاد المسيح او أكثر على ارض فلسطين ، .. وما المشكل ان كان من بينهم قوم ظالون ذكرهم الله بمثل ما ذكر به أو اقل أحيانا اقوام سابقة عليهم واخرى لاحقة بهم من العرب انفسهم الذين تصدوا للاسلام ، وحاربوا الرسول صلى الله عليه وسلم الخ .. ولكن قد يكون من المهم ان نسأل : هل أن بنو اسرائيل الذين ذكرهم القرآن هم الصهاينة الحاليين .. ؟؟ هل هؤلاء هم الذين جلبتهم الحركة الصهيونية في مطلع القرن العشرين بعد وعد بلفور، من روسيا ورومانيا والمانيا وافريقيا وامريكا وآسيا وغيرها ..؟ ابدا ... فبنو اسرائيل الذين قصدهم القرآن هم شعوب المنطقة الاصليين الذين عاشوا في تلك الفترة وبعدها ، ودخل من دخل منهم في المسيحية ثم في الاسلام ، ومات من مات ، وتشرد من تشرد مثلما روى الدكتور النبراوي ، ثم تعرّب الباقون واصبحوا من اليهود العرب الذين شمل الرسول الكريم بعضهم بالمواطنة حينما ذكرهم في الصحيفة فاصبحوا يهودا عربا بغثهم وسمينم على غرار ما في العرب المسلمين من غث وسمين ..
والواقع ان المشكلة مع اليهود لم تكن لتطرح بمثل ما هي مطروحة عليه اليوم لولا اغتصاب ارض فلسطين من طرف الغزاة ، وهي التي تشهد السموات والارض بعروبتها .. لان بعد تلك الفترات القبلية التي ارادها الله مرحلة من مراحل تطور البشرية ، والتي كانت تتميز بالروابط الدموية والترحال الخ .. جعل سبحانه الانصهار والاستقرار عوامل جديدة لتكوين الشعوب ، قال تعالى في سورة الحجرات : " وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13) " . وهكذا فان فلسطين دخلت منذ الفتح العربي الاسلامي مرحلة التكوين القومي لتكون جزءا من الامة العربية ولم يعد ماضيها القبلي حجة على حاضرها ، مثلما يجري في جميع الامم ..

( القدس عدد 201 ) .

الأحد، 1 نوفمبر 2015

أحداث جامع اللخمي : لعبة السياسة .. في جبة الدين ..



أحداث جامع اللخمي : لعبة السياسة .. في جبة الدين ..

تعيش مدينة صفاقس أزمة حقيقية منذ اسابيع ، لم تشهدها المنطقة سابقا .. وفي الظاهر ، يبدو أن عزل الامام الخطيب في جامع اللخمي ، هو سبب الأزمة ، وهو ما تريد الأطراف المدافعة عنه ، تصويره وتبليغه للرأي العام ..
وطبعا ، ومثلما لا يخفى على أحد فان من قام باقصائه هي السلطة الرسمية ، متمثلة في وزير الشؤون الدينية  ، أما الأطراف المدافعة عنه ، فهي قواعد الحزب الشريك في الحكم وهو حزب حركة النهضة ، وبعض الأطراف الأخرى من نفس الخلفية الايديولوجية ، وقد باتت جميعا تسعى الى تصعيد الموقف مركزة هجومها على الوزير وكأنه قادم الى الوزارة دون علم الحركة  .. وهذا في حد ذاته مثير للعديد من التساؤلات ..
لعل أول تساؤل يمكن طرحه ، هو كيف تكون قيادات حركة النهضة راضية عن تشكيل الحكومة ، وتعتبر نفسها شريكا في الحكم ، بكل هياكله وممثليه ، ووزير الشؤون الدينية واحد منهم ، في حين أن قواعدها تتهم هذا الوزير دون غيره من الوزراء أو من النواب بانتمائه للتجمع وعدائه للاسلام .. ؟؟ والواقع أن مثل هذا التسويغ يمكن مواجهته بسؤال بسيط من جنسه : اذا كان عزل الامام هو سبب الازمة ، فما هو سبب العزل اذن ؟؟
السلطة تتهم الامام بانه يحرّض على الفتنة ، ويسيّس المساجد باثارة الخطب السياسية والتهجم على اطرافر سياسية ونقابية دون غيرها ، فضلا عن انتمائه النقابي لمنظمة موازية لاتحاد الشغل دون فصل بين نشاطه خارج المسجد وداخله ..  والامام ومؤيدوه يقولون أن تعيين الايمة يجب ان يكون خاضعا لاختيار المصلين ويستشهدون في ذلك ببعض الاحاديث  المتداولة مثل ما جاء في حديث بن عباس : " ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً ، فذكر فيه رجلا أمّ قوماً وهم له كارهون .. "
ويقولون أيضا أن الاسلام دين ودولة ، وبالتالي يمكن للامام الخوض في الشأن العام ، وان الوزير يريد ان يحصر دور الايمة والمساجد في مدح السلطة وآداء الشعائر على غرار ما كان يحدث قبل الثورة ..
وأن الحياد المطلوب هو حياد عن الانتماءات الحزبية داخل المسجد ، ولا يعني الكف عن الحديث في القضايا العامة الخ .. ورغم أن السلطة ممثلة في مواقف وزيرها المكلف بالشؤون الدينية تحمل فهما رجعيا للدين ، وتعمل على التوظيف السياسي له ، فان الامام ومؤيديه لا يقلون فهما رجعيا عنهم ، ولا ينقصهم التوظيف السياسي  للدين مثلهم ..  كما أن ما يثار من لغط من طرف أنصار الامام ، لا يخلو من الفهم الخاطئ والتوظيف السياسي المفضوح للأحاديث  والقواعد الشرعية  ، الى جانب المغالطات المتعمدة  للرأي العام  في نفس الوقت ..  اذ أن من ينفي الخلفية الايديولوجية للامام الخطيب بجامع اللخمي بمدينة صفاقس ، انما يتصرف كمن يريد اخفاء الشمس بالغربال كما يقولون في المثل الشعبي .. لأن الخطب المسجلة والمتداولة في كل مكان هي التي تأكد هذه الحقيقة ، حيث يتكرر تهجمه من اعلى المنبر على كل الاطراف السياسية التي يذكرها  بالاسماء ولا يستثني منها الا طرفا واحدا يمثل " الفرقة الناجية " عنده ، المتمثلة في الحركات الدينية التي ينتمي اليها ايديولوجيا ، وهو القائل في احد الخطب : " فليسمع الجميع ، لن يعود التجمع ، لا متستر بالنقابة ، ولا متستر بالشيوعيين ، ولا بالقوميين ، ولا بمافيا الفساد المالي .. "
بالنسبة للتاويل الخاطئ ، فان اهل الذكر يؤكدون ان كراهة الامام ( المعين من طرف السلطة ) لا تبرر في المطلق ، ولا توجب تكرار الغاء الصلاة بمثل ما وقع ، خلال ثلاث اسابيع متتالية ، وبالاسلوب الذي يمارس داخل المسجد .. يقول الامام الشافعي عن كره الناس للامام  : " يكره أن يؤم قوما وأكثرهم له كارهون ، ولا يكره إذا كرهه الأقل ، وكذا إذا كرهه نصفهم لا يكره ، صرح به صاحب الإبانة ، وأشار إليه البغوي وآخرون "  .(عن المكتبة الاسلامية ) ، فكيف سنتبين اذا كان النصف كارهين أم أكثر ؟؟ كما قيل : " إنما تكره إمامته إذا كرهوه لمعنى مذموم شرعا كوال ظالم ، وكمن تغلب على إمامة الصلاة ولا يستحقها ، أو لا يتصون من النجاسات ، أو يمحق هيئات الصلاة ، أو يتعاطى معيشة مذمومة ، أو يعاشر أهل الفسوق ونحوهم أو شبه ذلك فإن لم يكن شيء من ذلك فلا كراهة ، والعتب على من كرهه ، هكذا صرح به الخطابي والقاضي حسين والبغوي وغيرهم .. (المصدر السابق ) .
أما بالنسبة للمغالطات فهي عديدة وأولها أن النهضة هي التي أعادت التجمعيين ، وهي التي خاضت معهم رحلة طويلة من الحوار ، والتنازلات بدءا بقوانين تحصين الثورة ، التي أدى سحبها الى تمكينهم من الرجوع الى الساحة السياسية ، والفوز في الانتخابات ، فهي اذن التي قدمت لهم السلطة على طبق من ذهب ، ثم تحالفت معهم لتصبح شريكا لهم في الحكم ، وهاهي الآن تقف  الى جانبهم لتمرير قوانين المصالحة .. فعن أي تجمعيين يتكلم الامام ، وعن أي أطراف أرجعتهم الى الحكم ؟؟؟
وثانيها مقولة الاسلام دين و دولة ، التي هي حق يراد به باطل .. اذ كون الامام يحق له التعاطي مع الشأن العام لا يجعله ينقل داخل المسجد وجه نظره الخاصة على أساس أنه موقف الاسلام ، بل يجب عليم من موقع اطلاعه على آراء الفقهاء والمجتهدين ، نقل آرائهم واجتهادتهم الى المصلين ليختاروا منها ما يرونه صالحا ، دون التضييق عليهم وحصر اختياراتهم  في زاوية الراي الواحد الذي هو في الواقع راي حزبي صريح .. وثالها هو مسالة اختيار الايمة ، التي هي جزء من مشكلة عامة تخص استقلال المؤسسات عن السلطة التنفيذية ، وهي التي رفضتها النهضة في التشريعات خلال وضع الدستور ، لعل التضييق على هيئة القضاء والاعلام جزء من منها ..
ورابعها هي مسألة الانتماء والدعاية الحزبية ، فماذا يعني اذن ، التهجم على كل الاطراف السياسية باستثناء طرف واحد ..؟؟ ألا يعني أن هذا الاستثناء دعاية غير مباشرة للطرف المستثنى من التهجم ..؟؟
وخامسها  يمثل نموذجا صارخا للاستخفاف بالعقول ، وهو حشد قواعد النهضة من كل الجهات في شوارع صفاقس تاييدا للامام ، والادعاء أنهم غير متحزبين .. !!

 ( نشرية القدس العدد 200 ) .