القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 17 فبراير 2013

ان الذكرى تنفع المؤمنين ..

ان الذكرى تنفع المؤمنين ..


هل نحتاج في مثل هذا الوقت ان نذكّر بان فـتح مكة قد وقع في العام الثامن للهجـرة سنة 630 م وان فـتح شمال افريقـيا كان في السنة الـ50  هـ ، الموافق لـسنة 670 م ، اي بعـد اربعـين سنة فقط عـلى ذلك الحدث العـظـيم  ليصـبح أجدادنا الاوائل مسلـمون .. ؟
وهل نحتاج ان نقول بان الاصل في الاشياء ان مجتمعـنا مسلم ، و اننا جميعا مسلمون منذ ذلك العهد البعـيد .. وأن  الفاتحـين الاوائل عـندما أرادوا نشر هذا الديـن في ربوعـنا ، قد اتـّـخذوا من بلادنا نقطة ارتكاز لهم ، فأقـبل عـليهم اسلافـنا مستـبشرين ، ودخلوا في دين الله أفواجا ثم اسّـسوا معهـم اوّل منارة اسلامـية في شمال افريقا بمدينة القـيـروان ، التي أصبحت منطـلقا للجهاد والدعـوة في آن واحد .. ؟                 
اذا كانت هذه حقيقة مجتمعـنا التي لا تحتاج الى تأكـيد ، فما هو الخطاب الذي يجـب ان نوجّهه للناس ؟ هل نوجّه لهم في مثـل هذه المرحلة الدقـيقة خطابا يعـتبرهم جمـيعا مسلمين ويدعوهم للتوحد حول كلمة لا اله الا الله ، والعمل الصالح .. ام نخاطبهم بلهجة متـشنّجة  ، وغـيـر موضوعـية ، توحي بأن الكفار بيـن صفوفهم أكثر من المؤمنين ؟
الا يستدعي الظرف الحالي الحرج في المجالات الامنـية والاقـتـصادية ان يكون خطابنا رصـينا ، مُطمْـئنا ، يهتم بالمشاكل الحـقـيقـية التي يعـيشها المواطـن ؟
يبدو اننا نحتاج فعلا الى فهم عــميـق بخـطورة المرحلة ، حيث لا يمكـن ان يؤدي الشحـن ، والشحـن المضاد الا  لوقوع الكارثة ، كما وقعـت يوم 6 فـيفري باغـتيال الشهـيد  شكـري بالعـيد .. والتي يمكـن أن تـتـجه الى الاسوء بمزيد من التصعـيد كما حصل بالدعوات الغـيـر مسؤولة للمسيـرات المضادة ..
ويـبدو اننا في حاجة ماسة الى الفهم والادراك بان بلادنا تقع على فـوهة بركان بعـد ان وصلت الى الاغـتيالات السياسية الداخلية التي لم يمارسها ضدنا الا المستعـمر البغـيض .. وهي بالتالي لا تحتاج الا لحديث صادق يدعـو الناس جمـيعا  للـتهـدئة ورص الصفوف ونبذ العـنف وتجريم الاعـتداء على النفـس البشرية ... كما يـبـدو اننا في حاجة أكـيدة للا نتباه والالتفات للمشاكل اليومـية للمواطـن الذي لا يهـمّه في مثـل هذه الظـروف الا الحديث الجاد عـن كـيـفـية تحـقـيـق الامـن والحصول على شغـل يضمـن له العـيش الكريم .. قال تعالى : "وَذَكِّـرْ فَإِنَّ الذِّكْـرَى تَـنفَعُ الْمُؤْمِنِـيـنَ " ..  

 ( نشرية القدس العدد 59 ) .

الأحد، 10 فبراير 2013

اغتيال الثورة ..



اغتيال الثورة ..

 الاغـتيال السياسي في أي بلد وفي اي عـرف وفي أي دين هوعـمل جبان مهما كانت الجهة التي يستهدفها .. وهو في بلد آمن مثل تونس ، تـتمـتع فيه جميع مكوناته بالـتعايش السلمي ، والمواطـنة والاخـوّة بين أفراده كـما زرعها فـيهم دينهم الحـنيف منذ قرون ، فانه مؤامرة دنيئة وتحريض على الفـتـنة والاقـتـتال الداخلي الذي يؤدّي الى تـفـتـيـت وحدة المجتمع ، فـتـزهق فـيه أرواح الابراياء ، والفـتـنة على هذا الوجه أشد من القـتل كما علمتـنا تعاليم الاسلام السمحة حيث الدين رحمة للعالمين .. لذلك لا نجد فيه آية واحدة تحرّض على القـتل وسفـك الدماء ، الا للذين يتعـرّضون للعدوان .. بل عـلى العكس من ذلك فانه  يجرّم تجريما واضحا و يحرّم تحريما كاملا قـتل النفس مهما كان السـبب .. قال تعالى :  من قـتـل نفسا بغـيـر نفس أو فساد في الأرض فكأنما قـتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جمـيعا " ( المائدة آية 32 )  . و النفس في هذا السياق تعـني الانسان دون تمـييـز ..
وعـن ابن عـباس أن النبي صلى اللَّه عـليه وسلم نظـر إلى الكعـبة فقال : " ما أعظمك وأعظم حرمتك ، والمسلم أعظم حرمة منك قد حرّم اللَّه دمه وماله وعرضه وأن يُظـن به ظـن السوء".
بل ان ديننا يحرّم حتى ادنى من ذلك وهو التعذيب ، قال صلى الله عليه و سلم : " إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا . " يقول المفسرون  وكلمة الناس عامة تشمل المسلمين وغـير المسلمين ، فما بالنا بالقـتل والعياذ بالله الذي حكم فيه الله حكما واضحا وجليا وهو كما جاء في الآية الـكريمة : " ومن يقتل مؤمنا متعمّدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عـليه ولعـنه وأعد له عذابا عظيما (النساء 93 )  "  .
ثم ان المقصود  بجريمة اغتيال الشهيد شكري بالعيد رحمه الله ، هي في النهاية  اغـتيال لثورة الشعـب التي تلاعـب بها البعـض كما يشاء ، و يريد ان يجهضها نهائيا البعض الآخـر ..
 ولا حول و لا قوة الا بالله ..

 ( نشرية القدس العدد 58 ) .

الأحد، 3 فبراير 2013

الحرية أولا وأخيرا ..



الحرية أولا وأخيرا ..

" الحرية اولا و اخيرا "  تعـني ان الحرية منطلق وغاية .. وهي حقيقة  موضوعـية يستطيع كل انسان ان يختبـرها في نفسه ، مفادها انه لا يستطـيع ان يكف عن السّعي الى تحقـيق مزيد من الحريات ، حيث يشعـر دائما ان حاجته متجددة وضرورية ..
الحرية منطلق لان الانسان لايستطيع ان يتطور الى الافضل الا اذا كان حرا ، لذلك عـليه ان يتحرّر من كل القيود المادية والمعـنوية التي يمكن ان تسلبه حريته . وهي من هذا المنطلق حق مقدّس وضرورة حياتية لا يستطيع أي انسان ان يفرّط  فيه او يتنازل عـنه ..
والحرية غـاية لان سعي الانسان الدائم لتـلبية حاجاته المتجددة على الدوام هو تحـقيق لمزيد من الحـريات . لذلك نجد أن أي حاجة للإنسان لا يقع تلبيتها تتحوّل الى مشكلة في حياته .. و بقدر ما تكون تلك الحاجة ضرورية ، تكون المشكلة عـميقة .. فيكون كل عمل ينجـزه الانسان لحل تلك المشكلة هو مضمون جديد لحرية جديدة في مجال من المجالات ..   
وبما ان كل حاجات الانسان ذات علاقة مباشرة بالمال ، فان الشغـل  يعتبر شيئ مقدّس ، وحق ضروري من حقوق الانسان الأساسية .. كما ان الذي يسلب ذلك الحق  لاي سبب ، يكون بلا شك  قد ارتكب جريمة في حق الآخرين باعتبار ما يسلبه منهم من حريات حين يحرمهم من تسديد تلك الحاجيات الضرورية في حياتهم ...
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه منذ 14 قرنا : " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا .." 

 ( نشرية القدس العدد 57 ) .

الى اين ..؟



الى اين ..؟

هل تهنا فعلا و فقدنا البوصلة ، فسرنا الى الضياع و حِدنا عـن الطريق ؟
ولماذا بتـنا نشعـر بالخوف والحذر ولم يعد أحدنا يثق في الآخر ، فلا يصدّقه اذا استمع اليه ،  ولا يصدقه القول اذا تحدث معه  ثم لا يصدق معه اذا تحدث عـنه ، حتى صرنا نرى بعضنا أعداء بعض ، الكل يتهم بعضه ، والكل ينتظر سقطة الأخـرين حتى صارمجتمعـنا على فوهة بركان  ، نسوق بعضنا الى الهاوية ، ونحـن نكابر ونصمّ آذانـنا ، واحيانا  نضع رؤوسنا في الرمال .. !!
ثم عـندما نستـفـيق ونعود الى رشدنا من حين الى حين ، تجدنا نبرّر أقوالنا وافعالنا كأنها منزّهة ، أو منزّلة من السماء .. وعـندما تعُـوزنا الحجة على الاقناع ، نتحصّن جميعا  بالمقدّس ، فنتجاذبه بيننا ليكون ملك أحدنا وحده يواجه به الآخرين .. والحال أنه القائل سبحانه : " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ " ( سبا 28 ) .
والغريب ان من يريد منا ان يكون مدافعا عن الدين ، ينسى انه في مواجهة مجتمع مسلم جاءه الاسلام منذ خمسة عشر قرنا .. وأنه ليس في مجتمع جاهلي كالذي واجهه المسلمون عـند بدأ الرسالة .. و ان الدين لا يجعـل البشر مهما كانت أجناسهم وألوانهم في مواجهة بعضهم بعضا مهما اختـلفوا ، بل على العكس من ذلك فانه يدعوهم للتعارف والتعاون في اطار المعروف والتقوى : قال تعالى مخاطبا جميع الناس : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقـْنَاكُم مِّن ذَكَـرٍ وَأُنثَى وَجَعَـلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِـندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَـلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات13 ) .
ثم نجد من يعـتـقد ان الدين ملكه وحده ، فيسمح لنفسه - و هو في مجتمع مسلم - باتباع اساليب لم يـُسمح بها حتى للرسول وهو يواجه أعداء الاسلام . قال تعالى :" ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين " ( النحل 125 ) . وقال : قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَـنِي ( يوسف 108 ) . وجاء في تـفسير بن كثير بأن قوله " على بصيرة  " أي " على يقين و برهان "،  كما ورد نفس المعـنى في تفسيـر الجلالين : أي" على حجة واضحة " .. كما أكد الله لرسوله صلى الله عـليه وسلم  بقوله تعالى : " وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك " (آل عمران 159 ) .
ان الاستجابة للمنطق والشرع والمصلحة العامة تستدعي فعلا ان تسعى جميع الاطراف  لتغـلـيب حجة العـقـل ونبذ العـنـف بجميع انواعه وتجـنب الفـتـن ما ظهر منها وما خفي ، حفاظا على وحدة المجتمع وسلامة ابنائه الذين نسجوا على مدى قرون طويلة نماذج يُحـتـذى بها من العلاقات الانسانية المبنية على التعايش والتآلف بين جميع مكوناته فاصبحت مكسبا ليس في تونس فحسب بل وفي الوطن العربي والعالم .

( نشرية القدس العدد 56 ) .

الأحد، 27 يناير 2013

صراع مع الذاكرة ..



صراع مع الذاكرة ..

قال تعالى :  " ادْعُ إِلَى سَبِـيـلِ رَبِّكَ بِالْحِكْـمَةِ وَالْمَوْعِـظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّـتِي هِيَ أَحْسَـنُ إِنَّ رَبَّكَ هُـوَ أَعْـلَمُ بِمَنْ ضَـلَّ عَـنْ سَبِـيـلِهِ وَهُـوَ أَعْـلَمُ بِالْمُهْـتَـدِيـنَ، وَإِنْ عَـاقَـبْـتُـمْ فَعَاقـِبُوا بِمِثْـلِ مَا عُـوقِـبْـتُـمْ بِهِ وَلَـئِنْ صَبَـرْتُـمْ  لَهُـوَ خَـيْـرٌ لِلصَّابِرِينَ ". هكذا يأمرنا ديننا  بما أمر به رسولنا ، أن تكون الدعوة الى الله بالحكمة والموعـظة الحسنة ، والصبر على الناس و المخالفين ، وان يكون منهج التغـيير هو اتباع اسلوب الجدل و ليس العـنف والقوة الظالمة ، و ان يكون  ذلك على الملأ وليس بالتسلل ليلا والتخفـّـي عـن انظار الناس ، حيث يفاجئ المجتمع من حين الى آخـر بأعمال تطال الاضرحة ومقامات الاولياء الصالحين في كثير من الاماكن من طرف اشباح لا يتركون اثرا غـير المشاهد المرعـبة من حـفـر للقبور و مصاحف محروقة كتعبير عن الهمجـية والجهل ، وهي هجمة منظمة اقل ما يقال فـيها انها جبانة لان الذين يفعـلون ذلك لا يتحـرّكون الا  ملـثــّـمـيـن ، على عجل من امرهم  وتحت جنح الظلام مثل الخفافـيش .. وهذا يعـني انهم يدركون منذ البداية ان عـملهم غـير مقبول ، لذلك لا يستطـيعـون الجهـر به  ، ولا يقدر احد منهم ان يـُـنسبه لنفسه فيكذبون عندما يتكلمون .. و لعـل الامر قد يتعـدى الكذب الى النفاق ، عندما نراهم يخـفون اعـمالا هي من صميم معـتقداهم ، مما يجعل كل ما يصرّحون به للناس محل شك و ريـبة .. و الواقع ان الهجوم على الاضرحة هو عمل منظم تقوم به جهات معـروفة بانتمائها الى الوهابية ، لم يقع في تونس فحسب ، بل انه وقع في العديد من البلدان من افغانستان الى مصر والمغـرب والجزائر ومالي .. وبنفس الاسلوب ،  مستهدفين بالدرجة الاولى  وحدة المجتمع من خلال استهداف تيار الصوفية الذي يرابط  في تلك المواقع و ينشط داخلها في اطار رؤية خاصة تربط الاف المواطنين بطـقوس ورثوها منذ قـرون طويلة ، ولا يمكن باي حال من الاحوال ان نحاربها بالعـنف او ان نسئ لشريحة كبيرة من المواطنين ، بل عـلينا ان كنا نفهم ديننا حقا ان نعـمل على تغـيير قـناعات الناس بالعلم والتربية وتغيير المناهج والصبر ، خاصة وان اسلافنا الذين فـتحوا بلدانا تمتـدّ مـن مشرق الارض الى مغـربها ، لم يتعاملوا مع ما وجدوه من ارث حضاري بالهدم والحـرق ، وحفـر القـبور .. ولعل بقاء اهـرامات مصـر أكبر دليل على  عظمة الصحابة الذين لم يتوجـّـهوا الى ما تركه الفـراعـنة بالهدم او بالمحو من الذاكـرة ، ولم يفتعـلوا صراعات وهمية مع الماضي ، بل تركوا ذلك التراث الحضاري شاهدا على تاريخ من شيتّـدوه  وهو الماضي الجامد الذي لم يعد له اي اثر في حياتنا سوى ما يبعثه فينا من شعور عميق بالانتماء الحضاري والتاريخ العريق  ...    

 ( نشرية القدس العدد 56 ) .