القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 15 يونيو 2014

بعض الكلام عن العـروبة والإسلام .. (9) .

بعض الكلام عن العـروبة والإسلام .. (9) .

لكلّ زمان جهلة . و جهلة هذا الزمان في الوطن العربي هم الذين يناهضون العروبة بالاسلام  ، فيرفضون ظاهـرة إنسانية لم يفتعلها بشر بل أوجدتها السّـنن الكونية التي وضعها الله ، والتي جعلت المجتمعات البشرية ترتقي من طور الى طور، ممتدّة من الأسرة إلى العشيرة إلى القبيلة ، إلى الأمة .. فـتــمـدّدت في المكان حتى غطت جميع أنحاء المعمورة .. و قد كان حري بهم إن يتأملوا هذه الظاهرة ، ويفهموا أسرارها بدل أن ينكروها .. ليعرفوا أنها ليست مجرد حالة شاذة و معـزولة لا يُعـتـدّ بها ، بل هي ظاهـرة إنسانية عامة غير مقـتصرة على دعاتها من العرب بحكم  هذا التخلف التاريخي الذي وقعوا فيه .. 
واذا كان في تاريخ البشرية ما يثبت أن الامم قائمة فعلا ، فان في تاريخ الأديان أيضا حقائق تثبت أن الأديان لا تتعارض مع الأوطان .. وهي التي جاءت داعية الى عقيدة التوحيد ، ومسايرة  لتطوّر المجتمعات .. ويكفي أن  نتأمل  علاقة الوضع القبلي بالدين لنقيس عليها علاقة الإسلام بالأمم ، باعتبار أن عصر القوميات لم يكن سائدا في عصر الإسلام .. وبهذا  نستطيع أن نحكم عن علاقة الدين بأي وضع اجتماعي قبلي أو قومي  .. 
في البداية كان الوضع القبلي والعشائري هو السائد ، فكانت الأديان موجّهة لأقوام دون غيرهم ( مجتمع قبلي ) ، وقد كان الخطاب الديني ذاته خطابا قبليا خاصّا ، يبلــّــغه رسول خاص .. ( قوم ابراهيم ، قوم نوح ، قوم موسى ، قوم لوط ، قوم عاد .. ) حتى جاء الإسلام بدعوته الإنسانية الشاملة ليكون للناس كافة .. ثم دعاهم بالحجج العـقلية فاعتنقوا هذا الدين وصاروا مسلمين يأمرون بالمعـروف وينهون عن المنكر .. ولما كان الدين وضعا إلهيا قائما على الإيمان فحسب في حين أن القبيلة وضع تاريخي قائم على الانتماء إلى قوم ، فان اعتناق تلك الرسالات السماوية لم يترتب عنه افتعال تناقض بين الدين والوضع القبلي في تلك المرحلة .. ولم يكن الرسل وأتباعهم متعصّبين للدين على حساب انتمائهم لأقوأمهم وقبائلهم  .. 
وهكذا جاءت الأديان مسايرة لوضع الناس في جميع العصور، فآمن من آمن وكفر من كفر ، وتوعد الله سبحانه من خالف رسالاته بالعذاب في الآخرة ، وعاقب بعضهم في الدنيا ، فارسل عليهم ريحا صرصر ، أو أغرقهم في الطوفان أو في البحر .. و بشــّــر من آمن منهم بأحسن الجزاء .. وكان ذلك يتم في الحالتين على أساس معتقدهم وايمانهم الذي يختارونه بأنفسهم ، وليس على اساس انتمائهم الاجتماعي الذي لا دخل للاختيار فيه .. لذلك لم ترد ولو كلمة واحدة تنبه الى ضرورة الفصل بين الدين والوضع الاجتماعي السائد في عصر القرآن ، أو تدعو الى التفاضل بينهما و محاربة أحدهما للآخر كما يعتقد الكثيرون اليوم ، وهو الذي اخبرنا بتفاصيل دقيقة عن تلك الرسالات ، وجوهرها ، فتحدد نوع العلاقات والاحكام التي يجب ان تسود بين الناس .. وهذا ما ينفي كل ادعاء بوجود تناقض أو تعارض بين الدين والقومية ، أو بين الإسلام والعـروبة ، سواء في تعاليم الأديان أو في الواقع .. لان التعدد القومي في عصرنا ظاهـرة لا يمكن إنكارها وهي سمة من سماته ، مثلما كان التعدد القبلي خاصية من خاصيات العصور السابقة .. وقد أشار القرآن بشكل صريح وواضح في العديد من الآيات الى تعدد الأقوام والشعوب والأمم ، وتمايز الناس فيها بألوانهم ولغاتهم التي تنطق بها السنتهم ، كأفضل تعبير عن تطوّر المجتمعات وفقا لسنن الخلق التي لا يمكن الغاؤها أو محاربتها  .. 
والقومية في النهاية لا تمثل خروجا عن الدين أو المعتقد أو العرف ، بل هي مجرد اعتراف بوضع تاريخي متطوّر وغير ثابت ، قائم على الإقرار بأننا امة واحدة مع ما يترتب عن ذلك من سعي لتحقيق تلك الوحدة في اطار هذا الإقرار ... و تـنـتـفي الدعوة إليها وتـنـتهي بتحقـــّــق غايتها ، كما انتهت تلك الدعوات في المجتمعات التي بلغـت وحدتها القومية  ..
أما الإسلام فهو وضع الهي دائم غير مرتبط بالوضع الاجتماعي ، و قائم على الإقرار بان لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله ، مع ما يترتــّــب عن ذلك من التزام بقواعد الإسلام عـند كل مسلم في إطار هذا الإقرار ... دون أن يفقد انتمائه إلى وطنه ، أو مدينته وقريته وأسرته .. أوان يناقض ذلك علاقته بجميع المسلمين في بقية الأمم الأخرى   .. 
لذلك فان اي دعوة في عصرنا تناهض الدعوة الى الوحدة القومية هي دعوة باطلة ، وفاشلة وجاهلة في آن واحدر  ..
هي دعوة باطلة لأنها ليست من روح الإسلام الذي اعترف بالتعدد على خلفية الانتماء القبلي والشعوبي كما كان سائدا في عصر الإسلام فقال تعالى : ( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم ) ، كما اعترف بتعدد الأمم فقال سبحانه : ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ) .. كما اعترف بكل أنواع الاختلاف والتعدد ومنها تعدد اللغات والألوان حينما قال : ( ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ان في ذلك لآيات للعالمين   )  ..
وهي دعوة فاشلة لأنها لا تساير عصرها الذي هو عصر القوميات كما هو ظاهر في مشارق الأرض ومغاربها ..
ثم هي دعوة جاهلة لأنها ناتجة عن جهل بالإسلام وبالقومية معا ، وتلك مصيبة أدهى وأكبر  ..

( القدس ) .


الأحد، 8 يونيو 2014

اجتياح لبنان .. والجيش الاسرائيلي المقهور ..



لم يكن ما قام به العدو الصهيوني من عمل وحشي خلال اجتياحه للبنان - يوم 6 يونيو1982 وعلى امتداد أشهر متتالية - مجرد تعطش لدماء العـرب الفلسطينيين واللبنانيين .. بل كان لتحقيق أهداف مدروسة مسبقا تتعلق بمستقبل الصراع العـربي الصهيوني ومن ورائه تحقـيق أمن اسرائيل بكل ما يعـنيه ذلك من وسائل ، ودون الالتفات الى ما يقوله الآخرون عما يفعله هذا الكيان الغاصب الذي لا يهمّه  منذ وجوده الا تحقيق أهدافه .. 
 وقد كان لبنان الساحة الوحيدة التي يستطيع من خلالها الفلسطينيون القيام بعمليات فدائية أو حمل السلاح داخل المخيمات و خارجها ممّا جعل العديد من الأطراف اللبنانية - على رأسها حزب الكتائب العميل لاسرائيل وحزب الاحرار -  يرفضون التواجد الفلسطيني ويعملون على التـنسيق المباشر مع العدو لضربه واستـئصاله ..
وقد اتخذت اسرائيل تلك الخطوة بغـزو لبنان في ظروف يغلب عليها الضعف والهوان والانقسامات بين العـرب فضلا عن وقوف الحليف الامريكي بكل ثقـله الى جانب اسرائيل .. 
ورغم ان تلك الحرب المدمّرة قد حصدت آلاف الارواح من الشهداء وتسبّبت في اخراج المقاومة الى الاقطار العـربية وسيطـرة اسرائيل على مساحات واسعة من الجنوب ، وتقوية شوكة العملاء الذين تحرّكهم نزعاتهم الطائفـية ضد الفلسطينيين والطوائف اللبنانية الأخرى .. الا أن ذلك لم يمنع من تكثيف عمليات المقاوة التي أخذت نسقا تصاعديا قي جنوب لبنان استنزف طاقات العدو ، فأجبـر قواته على الانسحاب ذليلا ، لا يقدر على تجاوز خط النار من جديد .. بعد أن تحوّل من جيش لا يقهر ، الى جيش مقهور ..  

 ( نشرية القدس العدد 127 ) .

بعض الكلام عن العـروبة والإسلام .. (8) .

  


الإسلام دين عالمي ، لذلك يمكن أن يدخل لأي أمة على وجه الأرض ، ليصبح من يشاء من عباد الله عبدا مسلما حينما يلتزم بأوامر ونواهي هذا الدين .. والإسلام بهـذا المعـنى الشامل  يمثل دائرة انتماء واسعة تشمل جميع المسلمين في العالم ، فتكوّن ما يسمّى بالأمة الإسلامية ، التي يتميز أبناؤها في أي مكان ، بكل بما يميز المسلمين عن غيرهم .. كجماعة لها خصوصيات  دينية خاصة ، وتجمعها علاقات وروابط بعضها روحي وبعضها مادي بحكم الالتقاء على تنفيذ شعائر الإسلام .. غير أن مثل هذا الانتماء لا ينفي اختلاف المسلمين الذين ينتمون الى مجتمعات مختلفة تميـز المسلمين بخصوصيات لا يمكن للانتماء الديني أن يلغـيها ، وهي خصوصيات قومية أساسا ، تميزهم  لغة وتاريخا وحضارة ومشاكل أيضا تتطلب المعالجة  المختـلفة لايجاد الحلول المناسبة لكل مجتمع ..
 تلك الخصوصيات التي تتميز بها المجتمعات  تؤدّي الى فرز اللغة القومية والتاريخ القومي والحضارة القومية والمشاكل القومية والحلول القومية أيضا التي تساهم في تطوير ذلك المجتمع القومي حتى وان كانت جميعا أمما مسلمة ..                        ....................................                                                 وفي إطار تداخل دوائر الانتماء نستطيع أن نتجاوز كل ما يثيره الجاهلون من تناقص بين هوياتنا المحلية والجهوية والاثنية والعرقية والدينية ، التي يريدها البعض ان تكون متصارعة بافتعال التعارض بين هذه الدائرة أو تلك ..
فنحن أولا مسلمون ننتمي بإسلامنا إلى الأمة الإسلامية التي يفرض عليها دينها ان يكون الإيمان بالرسالات السابقة  شرطا من شـروط الإسلام ، وبالتـالي فـان تاريخ الاديان بكل ما فـيه من مضامـيـن روحـيـة نقـيــة من كـل الشـوائـب والتحـريف والشبهات يعـتـبـر جـزءا لا يتجـزأ من تاريخـنا منذ آدم ونوح وإبراهيم حـتى الآن ..
ونحن ثانيا مجتمع عربي واحد ، تجمعـنا هويتنا العـربية وتاريخنا العربي الواحد ، فـنـنـتـمي الى الامة العـربية وبالتالي فان تاريخ كل الشعوب والقبائل التي عاشت قبلنا تمثل جزءا لا يتجـزأ من تاريخـنا .. فالحضارة الفـرعونية حضارتـنا ، وكذلك الشئ بالنسبة للحضارة القرطاجية والحضارات العـربية قـبل الإسلام والحضارات البابلية والامازيغـية الخ .. كلها جميعا  حضاراتـنا .. وبهذا يكون المجتمع القومي وعاءا يستوعب كل المكوّنات السابقة على وجوده ، والتي يمثل كل واحد منها دعامة أساسية في بنيته الحالية ، حيث  لا يكتمل وجوده الا بها ، وهذا أيضا ينفي ما يقال على أن جزءا من الأمة يمثل أقـلية داخلها ، سواء كانت دينية أو مذهـبية أو عرقـية كما يقال عن البـربر ( الامازيغ ) فهؤلاء جميعا يمثـلون جـزءا لا يتجزأ من النسيج القومي  الذي أصبح  لا يكـتمل إلا باجتماع تلك المكوّنات .. ولعل ما ينفي صفة الأقـلية عـنها هو عدم وجود قوميات مجاورة مستقـلة في آن واحد يمكن أن تنظمّ إليها أي جماعة من تلك الجماعت التي تحتجّ بتاريخها القبلي السابق على الوجود القومي .. والذي يمكن أن يستمر في ظل المجتمع القومي كما يستمر الانتماء الى القـرية أو الى المدينة  دون تعارض أو تـناقض بـيـن هذا وذاك  ..
والواقع فان ما يثار من جدل حول كل هذه المواضيع لا يمكن فهمه الا في اطار نظرة تاريخية شاملة ترصد من ناحية تطور المجتمعات الانسانية عامة ، وترصد من ناحية أخرى تطور المجتمع العربي خاصة ..
وفي اطار القراءات التاريخية الخاطئة ، نجد ذلك الفهم الذي ينظر الى دولة الخلافة خارج سياقها التاريخي كدولة امبراطورية لم تكن خاصة بالمسلمين وحدهم ، لا من حيث البناء الهيكلي والعلاقات في الداخل ، حيث شهدت نفس البنية التي عرفت بها كل الدول في تلك الحقبة ، ولا من حيث علاقاتها بالخارج حيث اتبعت نفس الاسلوب في الدفاع عن نفسها من خلال التمدّد والتوسّع على حساب الشعوب الاخرى التي سعت الى ضمها حتى وصلت ـ مثلما وصلت كل الامبراطوريات في عصرها ـ  الى ما خلف البحار ، والى  قارات أخرى مجاورة للقارة التي انطلق منها الزحف ..
وهكذا ، نجد ـ في جانب العلاقة بالخارج  ـ أن ما قام به العرب المسلمون الفاتحون لا يمكن فهمه الا في اطار تلك المرحلة التاريخية التي عاشتها البشرية ، وهي التي قامت على مسلمة معروفة في عصر الامبراطوريات ، تتمثل في ما يسمى بـ " حق الفتح  " الذي يقبل به الغالب حينما يضم مجتمعات جديدة تحت سيطرته ، كما يرضى به المغلوب  الذي يبقى تحت السيطرة حتى تاتي ظروف جديدة تحرّره من ذلك الوضع ، على غرار ما حدث في اسبانيا تحت  الحكم العربي الاسلامي ، او بالنسبة لمجتمعات اخرى في اروبا كانت خاضعة للدولة العثمانية ، ومثلما حدث ايضا لابناء الشام والعراق وشمال افريقيا وغيرهم الذين كانوا خاضعين للهيمنة الرومانية والبزنطية والفارسية .. ومن هذه الزاوية يمكن أن نعتبر الفتح العربي الاسلامي تحريرا لهم من نير العبودية التي ظلوا يعانون منها قرونا طويلة  ..  وهذا من حيث الشكل الذي كان يحكم الصراع بين المجتمعات في ذلك العصر ويتحكم فيه .. اما من حيث المضمون فلا أحد يستطيع ان ينكر المضمون الحضاري الذي جاء به الاسلام وهو يمارس عملية " الفتح "  للمجتمعات المجاورة في اطار الدفاع عن الوجود حيث ان الجماعات التي تنكفئ على نفسها ياتيها الغزو من حيث لا تدري ، وهو ما فرض عليها منطق العصر  : " خير وسيلة للدفاع هي الهجوم  " .. لان من لا  يغـزو ، يُعـزى .. وهكذا كانت الفتوحات بالنسبة للمسلمين ذات وجهين : وجه دفاعي ، ووجه تبشيري ـ جهادي محكوم بضوابط هي نفسها ضوابط الاسلام ونواهيه :  " لا تقتلو شيخا ، ولا تقطعوا شجرة  .. " ـ  على عكس الاسلوب الذي كان جاريا بالنسبة لجماعات اخرى غازية .. ولم ينته هذا الوضع الا في نهاية الحرب العالمية الاولى حينما اتفقت الدول المنتصرة في الحرب على انشاء ما اسموه " عصبة الامم " ايذانا بقيام الهيمنة بطرق جديدة   ..
أما في جانب العلاقة بالداخل ، فان الخلط امتدّ الى اثارة تناقضات حادة تتعلق اساسا بمفاهيم خاطئة حول الهوية تحديدا .. ومنها تلك القضايا التي أصبحت سببا مباشرا لكل الصراعات العنيفة داخل الامة ذات الابعاد الطائفية والعرقية والمذهبية ، بسبب سوء الفهم لطبيعة العلاقات داخل المجتمع الواحد الذي لا يمكن ان يُـلغى فيه التنوّع والاختلاف باي شكل من الاشكال ..
ولعل من بين تداعيات تلك المشكلة ، ما يطرح من مفاهيم  للاقليات داخل المجتمع العربي على غرار " الامازيغية " التي يتم طرحها حاليا بتحريك  من الدوائر الخارجية ، ومنها الفرنسية تحديدا  ، وهو حديث يبدو فيه كثير من الافتعال ، باعتبار أن  المجتمع الذي تعيش فيه تلك الجماعة أو غيرها ، تعيش فيه ـ في الأصل ـ جماعات متنوّعة ومتعدّدة ، ككل المجتمعات .. لذلك  فان هذا الاهتمام المبالغ فيه ، يخفي في واقع الأمر نوايا كثيرة منها محاولات التفجير داخل المجتمع ، على غرار ما كان يحدث فعلا في اماكن عديدة منذ عقود ، مثل السودان ، والعراق ولبنان ، وهي الآن تستهدف سوريا ، ومصر ، والجزائر ، ولا تتوقف عند اي منها ، بل تتواصل باشكال مختلفة بعضها  ظاهر وأغلبها  خفي ، أو مندس تحت شعارات براقة باسم حقوق الانسان وحقوق الاقليات ، لكنها في الواقع ،  تهدف لتحقيق أغراض باتت غير خافية على الجميع  ..
وتأكيدا على وجود تلك الخلفيات ، فان المتأمل في حياة الامازيغ ، لا يجد أنهم يقعون فعلا تحت  اي نوع من أنواع القهر المادي او المعـنوي الموجه اليهم  بشكل خاص ، مستهدفا اصولهم العرقية أو الثقافية ، ولا نجد أن مطلبهم يعبر عن مشكل حقيقي يشعر به كل الامازيغ .. فهؤلاء ان كان يهمهم احياء تراثهم ، فلا احد ينهاهم عن ذلك ، وان كانوا يريدون التخاطب بلغتهم القبلية البائدة ، فلا أحد يلجمهم ، ونحن نرى ان كل الخصوصيات الثقافية المتنوعة في مجتمعنا تعبر عن نفسها بحرية  سواء في الافراح او في الاطراح ، وفي الحياة العادية دون تدخل من أحد .. وحتى ان وجد تعسف عليها ، فهو لا يخصها وحدها لان حرية التعبير وحرية النشاط الثقافي والسياسي مكبلة في الوطن العربي تحت وطأة الاستبداد الذي يذهب ضحيته كل ابناء الشعب دون استثناء ..  
فاين امشكل اذن ...؟؟
المشكل هو كما يقول الجابري ، في طرح الاحياء الثقافي من خارج سياقه التاريخي المرتبط باتجاه التطور من خلال " ربط الماضي بالحاضر في اتجاه المستقبل " .. والمشكل ايضا كما يقول الجابري ايضا ، هو في الاختراق الثقافي والحضاري الذي يبحث عن ارضية مناسبة تمكنه من تحقيق أغراضه في الهيمنة التي تتمظر في عصرنا باستهداف الوجود القومي للامم من خلال تحريضها على احياء خصوصياتها الحضارية القبلية والشعوبية و الطائفية والعرقية ، وجعلها في مواجهة كيانها الجامع وهو الامة أو المجتمع القومي ، رغم ان تلك الخصوصيات موجودة ايضا في المجتمعات الاخرى الغازية لمجتمعنا .. ومن هنا تكون الدعوة الى طرح الامازيغية بهذا المفهوم ، هي دعوة رجعية فاشلة تعود بالمجتمعات الى الوراء ، ولا تحل مشكلة حقيقية في الواقع الذي يتجه في مجتمعات اخرى متقدمة الى النمو والاضافة على تلك القاعدة المرتبطة بالهوية كما عبر عنها الدكتور صبحي غندور تعبيرا دقيقا قال فيه : " للإنسان ، الفرد أو الجماعة ، هويّاتٌ متعدّدة ، لكن الهويّات ليست كأشكال الخطوط المستقيمة التي تتوازى مع بعضها البعض فلا تتفاعل أو تتلاقى ، أو التي تفرض الاختيار فيما بينها ،  بل هذه الهويّات المتعدّدة هي كرسوم الدوائر التي يُحيط أكبرها بأصغرها ، والتي فيها ( أي الدوائر) " نقطة مركزية " هي الإنسان الفرد أو الجماعة البشرية . هكذا هو كلّ إنسان ، حيث مجموعةٌ من الدوائر تُحيط به من لحظة الولادة ، فيبدأ باكتشافها والتفاعل معها خلال مراحل نموّه وتطوّره : من خصوصية الأم إلى عمومية البشرية جمعاء  . "
وفي هذا الاطار فان الانتماء الامازيغي لا يعبر عن انتماء مستقل بذاته عن الانتماء الذي استقر عليه المجتمع العربي منذ الفتح العربي الاسلامي الى اليوم والذي تحول به من مرحلة الوجود القبلي الذي ميز تلك العصور ، الى المجتمع القومي الذي يعتبر اضافة وليس انتقاصا من المجتمعات القبلية التي اشتركت من خلال تفاعلها في بناء هذا المجتمع الجديد ، متخطية تلك المراحل السابقة التي لم تعد تجد لها تعبيرا في الواقع الا بعض المظاهر الحضارية القديمة المعبرة عن حضارتها القبلية البالية ، في حين انتقلت بمرور الزمن وهي تتفاعل مع جماعات جديدة في بناء حياة مشتركة ، هي حياتها الحالية ، وساهمت في انتاج  حضارة جديدة هي الحضارة العربية الاسلامية المميزة لمجتمعنا في الوقت الراهن .. وفي هذا الاطار الجامع للمجتمع القومي الواحد تتحول كل المراحل التاريخية الخاصة بتلك المجتمعات الى خصوصيات قومية تهم كل افراد المجتمع القومي دون استثناء ..
أما الحل فهو بالتأكيد لا يكون بالخروج عن السياق التاريخي الذي نشأت فيه تلك الجماعات ، بل بالقبول بما انتهت اليه صيرورة التطور وقوانينه الحتمية التي فرضت تلك التحولات العامة والشاملة على المستوى البشري ، فلم يعد ممكنا الرجوع الى الوراء تلبية لرغبة هذه الفئة او تلك  الا بتدمير وحدة المجتمعات .. والسبب كما قال الاستاذ حبيب عيسى " إن الأمة العربية ليست تكويناً عرقياً ، أو عنصرياً ، أو قبلياً ، أو دينياً على الانفراد ، وإنما هي حصيلة تفاعل حضاري بين مكونات متعددة الأرومات ، والحضارات ، والعقائد ، لا امتياز لواحد منها على الآخر ، ولا طغيان لأحدها على سواه ، فتلك المكونات على قدر المساواة في الحقوق ، والواجبات في إطار من المواطنة الحقة " .. ومنه نتعلم أن الحل لا يكون بمحاولة الافلات من المصير المشترك ، بل بالعمل على ارساء الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والقبول بالاختلاف والتنوع في جميع مظاهره ، في اطار المصلحة العامة  داخل المجتمع الواحد .. وفي اطار النظرة المستقبلية التي تحرر الانسان من الانغلاق ، وتدفعه الى التحليق في فضاء الانسانية الرحب ..

اليس ديننا انسانيا خالصا .. ؟؟


 ( نشرية القدس العدد 127 ) .

الأحد، 1 يونيو 2014

كذبة البورقيبية تتواصل .. والبورقيبيون هم التجمعيون ..


لم يجد التجمعـيون - اليوم - غــيـر الذكريات لتـرميم علاقـتهم المبـتـورة منذ 7 نوفمبر 1987  بالمرحوم الحبيب بورقـيـبة ، وذلك ليس حـبا في " الزعـيم الملهم " كما يحلو لهم وصفه الآن بعـد نسيان دام ثلاثة وعشرون عاما ..  ولا لولاء أولقـناعة أو لمشروع يحملونه بعده ويدافعون عـنه كما يدّعون اليوم أيضا ، وهم الذين  أداروا له ظهـورهم جميعا وتعاموا عن محـنـتـه حين وضعه كبيـرهم - ذات خريف - في الاقامة الجـبـرية بمـرناق ثم في  المنستيـر ، ليمنع عـنه حتى الزيارات على مدى ثلاثة عشر سنة وهم صم بكم لا يتكـلمون ..
هم يبحثـون - اليوم - عن أي مناسبة مرتبطة بحياة بورقـيـبة الشخصية أو بتاريخ تونس وهم الذين تـنكـّروا  منذ ظهور بيان 7 نوفمبر  لعهد بورقـيـبا ، فلم نعد نسمع منهم الا حديثـا مقـتضبا عـنه في المناسبات البارزة ، التي يستحيل تجاهلها وتجاهله معها مثل تاريخ الاستقـلال وحـرب بنزرت وعيد الشهداء .. حتى لا يبـرز زعـيـم حي أو ميّت في حضرة الجـنـرال .. !! 
لقد صار التجمعـيـون اذن يبـذلون قصارى جهدهم  ليبـعـثـوا فكـرة " الزعـيـم التاريخي " من جديد وهم الذيـن خذلـوه وغـدروا به ، حـيـنما سارعـوا جمـيـعـا " الى قـلبان الفـيستـة " مؤدّيـن ولاء الطاعة لرئيس عصابتهم الجديد ، وشرعوا منذ ذلك الحين  يصنعـون صنما يعـبدونه مردّديـن جميعـا " الله وحد الله وحد ، بن علي ما كـيـفـو حد " ..
لقد عاش التجمعـيون طوال حياتهم يخادعون وينافقون ، وهاهم اليوم يمارسون نفس الاسلوب الرخـيص : النفاق ولا شئ غـيـره .. اذ هم يعلمون قـبل غـيـرهم ، أن ركوبهم على زعامة  بـورقـيـبـة في هذا الوقت بالذات ، انما يريدون  بها إخفاء صفـتهم التجمعـية القـبـيـحة ، حاملين الناس على التمييز الخدّاع بين عهدين ، عهد التجمعـييـن وعهد البورقيبيين ..!!

  فمن هم التجمّعـيون ومن هم البورقـيـبـيـون ؟ ! وهـل هـناك  بـورقـيـبـيـيـن أصلا ؟ فمن أنـزل صورة بورقيبة بيده اليسرى لـيضع مكانها صورة قائـده الجـديـد بـيـده الـيمنـى في ذلـك الصبـاح النـوفـمبـري بعـد قـراءة البيان التاريخي ؟ ومن الذي خرج في تـلك المسيـرات المؤيدة للانـقـلاب في جميع الولايات ؟ ومن الذي أطـّـرها وكـتـب شعـاراتها ورفع  لافـتـاتها وصورها ؟ ألم يكـن اولائـك البـورقـبـيـون وحـزبهم الدستـوري العـتـيـد ؟ فهل كان ذلـك جـبـنا أم نفـاقـا ، أم عملا بذلك الشعـار الانـتهـازي المتـداول بـيـنهم " الله يُـنـصـر من صـبـح " ؟ 

وهل حزب التجمّع يمثل حزبا آخر صاحب مشروع جديد حـتى نتحّث عن التجمّعـيين والـبورقيبيين  ؟ 
 كلاّ .. 
والثورة قامت اذن على التجمّعـيـين والبورقيبيين معا .. لأن البورقيبيين بكل بساطة هم التجمّعـيـون .. ألم يبق " الحـزب الاشتراكي الدستوري" في ظل حكم بن علي إلى غاية 27 فيفـري 1988 حين صار بذلك الاسم سيّئ الذّكر " التجمع الدستوري الديمقراطي " ؟ ألم يستمر قادة الحـزب القديم في قيادة التجمّع في جميع هياكله العليا والوسطى والدنيا ؟ ألم يكن الحـزب القديم مثـل الافعى التي يتغـيّـر جـلـدها ولا يتغـيّـر طـبعها وسلوكها وتعطّشها لنفـث سمومها ؟ " 
بلا .. 
و" البورقـيبـيـون أوالتجمّعـيون " هم الذين ثار عليهم الشعـب ورفضهم حين قام شباب الثورة بإحراق مقراتهم مردّدين بصوت واحد دون تفـرقة أو تمييـز بـينهما " يسقط حـزب الدستور ، يسقط جلاد الشعـب " وهؤلاء الذين يتصيّدون المناسبات - الآن - للحديث عن بورقيبة مثل مناسبة عـيد" النصر" انما يستمروّن في خداع الشعـب كما خدعه بورقـيبة من قبل حين أراد أن يصنع من تلـك المناسبة مجده الزائـف اثر عودته في 1 جوان 1955 مكـتـفـيا بالاستقـلال الداخلي الذي رفضه الثوار معلـنين وقتها عن مواصلة الكفاح المسلح فكان نهج المقاومة سببا في حصول بورقـيبة على قيادة دولة مستقـلة فرّط هو في استقـلالها حينما رضي بالتبعـية لفرنسا بعد الاستقلال التام الذي تحقق بدماء الشهداء ، ثم تنكّـر لرفاق دربه الذين فـتح لهم السجون وعلـّق لهم المشانق أوغدر بهم ودبّر لهم الاغـتيالات ..

( نشرية القدس العدد 126 ) .