القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 5 مارس 2025

المرافعة في قضية الحزب الشيوعي .

 مرافعة الدكتور عصمت سيف الدولة في قضية الحزب الشيوعي .

القبس عدد 4623 بتاريخ 27 – 3 – 1985 .

ثمة مصادفة .. أن تجيء محاكمة مجموعة من شباب مصر بسبب معارضتهم لسياسة الرئيس الراحل أنور السادات الخاصة بالتفاوض والصلح والاعتراف بإسرائيل وتوقيع معاهدة للسلام معها .. في ذكرى مرور 6 سنوات بالضبط على توقيع تلك المعاهدة في 26 مارس 1979 .

وأمام محكمة أمن الدولة العليا في القاهرة وقف أمس واحد من أبرز المحامين المصريين هو الدكتور عصمت سيف الدولة ليعلن في مرافعته دفاعا عن المتهمين ان هذه المعاهدة أولا وقبل كل شيء خروج صريح على الدستور الذي يحرم أصلا الاتفاق والصلح مع إسرائيل بنصوص صريحة وقاطعة .

استطاع الدكتور سيف الدولة أن يحول الجلسة الى محاكمة لمعاهدة السلام "في عيدها السادس" ومحاكمة لإسرائيل ولأمريكا .. ولأنور السادات نفسه ..

وفي مرافعته دفاعا عن المتهمين قال : ان الأوراق المضبوطة لديهم تتضمن ملحمة رائعة من النضال البطولي بالرأي الصائب والكلمة الصادقة ضد مقدمات ونتائج معاهدة السلام وفيها وصفت الاتفاقيات مع إسرائيل بانها خيانة وبأنها تفريط في السيادة الوطنية .

فقد واصلت محكمة أمن الدولة العليا قي القاهرة أمس نظر القضية السياسية المسماة باسم قضية الحزب الشيوعي المصري غير المشروع والمتهم فيها أحمد نبيل الهلالي المحامي البارز وعضو نقابة المحامين وحسين عبد الرازق رئيس تحرير صحيفة الأهالي الناطقة باسم حزب التجمع وزوجته الكاتبة الصحفية فريدة النقاش واخرون . استمعت المحكمة أمس الى الجزء الأول من مرافعة الدكتور عصمت سيف الدولة المحامي دفاعا عن المتهمين والذي خصصه لتفنيد بند واحد من البنود التي قيل أن الأوراق المضبوطة لدى المتهمين قد تضمنتها وهي معارضة الاتفاق مع إسرائيل ومهاجمة المعاهدة المصرية – الإسرائيلية .

وقال الدكتور عصمت سيف الدولة : ان الحديث عما جاء في الأوراق المقدمة من مباحث أمن الدولة من نقد للاتفاق مع إسرائيل . وهو نقد كثير وحاد نافذ في الصميم ، ضروري ومهم ، لنعرف ما اذا كان مشروعا أو غير مشروع ، فيكون حديثنا عنه هو الحديث عن جوهر هذه القضية ، ذلك لأن الباعث الأساسي لصنع هذه القضية هو عدم رضا حكام ذلك الوقت عن معارضة الاتفاق مع إسرائيل وحساسيتهم المفرطة من أي نقد لمبدأ الاتفاق أو لمضمونه .

ومن هنا نستطيع أن نقول أن هذه الدعوى الجنائية هي عند الذين صنعوها دعوى تأديبية أرادوا بها أن يُروّعوا كل كلمة معارضة للاتفاق مع إسرائيل . والدليل على هذا ثابت في الأوراق . وقد اشرنا من قبل الى أن بلاغات مباحث أمن الدولة وأذونات المراقبة قد تمت على ثلاث مراحل : كانت المرحلة الأولى ما بين 11 يوليو 1978 وحتى 12 أكتوبر 1978 وهي الفترة التي دارت خلالها واستغرقتها المفاوضات التي انتهت بالتوقيع على اتفاقيات كمب دايفد في 17 سبتمبر 1978 ، وقد انتهت المفاوضات الى ما أرضى الحاكمين فتوقفت البلاغات ولم تُجدّد أذونات المراقبة وبقيت المنظمة التي تسميها مباحث أمن الدولة الحزب الشيوعي المصري قائمة كما يقول شهود المباحث دون أن يروا فيها ما يستحق التبليغ أو المراقبة .

أما المرحلة الثانية فكانت ما بين 29 مايو 1979 أي بعد سبعة أشهر من الهدوء و27 يونيو 1979 وهي الفترة التي تلت التوقيع على اتفاق 26 مارس سنة 1979 واتخذ فيها الجدل حول ذلك الاتفاق أشكالا حادة أسهمت فيها المعارضة البرلمانية والحزبية وكان فيها رد فعل الحكومة عنيفا الى درجة حل مجلس الشعب واجراء انتخابات جديدة في 7 يونيو 1979 .

وقال الدكتور سيف الدولة في مرافعته أنه في هذه الفترة الثانية التي عاد فيها الجدل حول مبدأ الاتفاق مع إسرائيل وتعارضت المواقف عادت مباحث أمن الدولة أن ثمة جريمة "جاهزة" في ملفاتها منذ 1975 يمكن استخدامها في البطش ببعض الذين يعارضون الاتفاق مع إسرائيل .

أما الفترة الثالثة فكانت من 1 أغسطس 1979 حتى رفع هذه الدعوى وتلك مرحلة تستند مباشرة الى الاتفاق المبرم مع إسرائيل . فقد رأى الذين وقعوا اتفاق 26 مارس سنة 1979 مع إسرائيل ان يلزموا أنفسهم ، لا أدري كيف ، بأن يقدموا الى المحاكمة أي مصري يناهض أو يشترك في مناهضة المصالح الإسرائيلية ثم أضافوا تعبيرا أصبح مصطلحا عند أصحابه .. على الشيوعيين هو : "النشاط الهدام"  .. بدون أن يحدّدوا في اتفاقهم ماهية الجرائم التي تعهّدوا بتقديم معارضي الاتفاق للمحاكمة عليها ..

معارضة الاتفاق .. والقضية

واستطرد الدكتور عصمت سيف الدولة في مرافعته قائلا : انه لولا معارضة الاتفاق مع إسرائيل لما كانت هذه القضية . وأضاف ام الملايين من أبناء الشعب الطيب الصبور الذي جنوا عليه بما حمّلوه من أثقال وقيود تحت عنوان "معاهدة السلام" لم تتح له فرصة من قبل ليستمع القضاء العادل الى دفاع الشعب المؤمن فشاء الله أن يختاركم لتنظروا قضيته . وشاء الله أن نكون لكم معاونين . ولا يزال التاريخ منتظرا قضاءكم العادل في أخطر قضايا مصر من خلال قضائكم فيما اذا كان ما تضمّنته الأوراق المقدمة من طعن "معاهدة السلام" ومُبرميها والموافقين عليها حقا أم بغيا . لا طبقا لأية نظرية أو أي مذهب سياسي ، بل طبقا لتلك النصوص التي لا يُتلى غيرها في محراب عدالتكم : الدستور والقانون .

لقد حُظيت معاهدة السلام التي ابرمها رئيس الجمهورية السابق (يقصد الرئيس أنور السادات) مع المؤسسة الصهيونية المسماة إسرائيل يوم 26 مارس 1979 وما سبقها وأدّت اليها اتفاقيات كمب دايفيد أكبر قدر من عناية محرّري الأوراق المقدمة من مباحث أمن الدولة في الدعوى الماثلة أمامكم . وهكذا جاءت أغلب الأوراق المقدمة متضمّنة ملحمة رائعة من النضال البطولي بالرأي الصائب والكلمة الصادقة ضد مقدمات ونتائج معاهدة السلام وفيها وصف الاتفاقيات مع إسرائيل بأنها خيانة . وبأنها تفريط في السيادة الوطنية ، وبأنها استسلام للعدو ، وبأنها تحالف مع الصهيونية ضد الشعب العربي الفلسطيني ، وبأنها تبعية للولايات المتحدة الأمريكية ، وبأنها فساد لثقافة الشعب واضرار بمصالحه . وفي الأوراق دعوة حارة منذ سنة 1978 الى مقاومة كل هذا تحت الشعار الذي عنوانه "لتسقط المؤامرة الأمريكية الإسرائيلية ولترفع رايات الوطنية المصرية" لمقاومته بالأسلوب الذي اختاره محررو تلك الأوراق وصاغوه على الوجه الاتي :

ان على طلائع هذا الشعب السياسية أن تنهض الى واجبها في مقاومة هذا التضليل وفي اضاءة الطريق للشعب مهما كانت شراسة النظام . اننا نخاطب الوفديين والاشتراكيين وأعضاء حزب الجبهة الوطنية والتجمع التقدمي ورجال الحزب الوطني القديم . نخاطب كل قيادة طبقية في موقعها النقابي أو الاجتماعي . نخاطب كل مخلص للوطن . اننا نطالب كل هؤلاء جميعا بالنهوض الى واجبهم والى تعبئة شعبنا السلمية كلها ، عمّاله وفلاحيه ومثقفيه الوطنيين وجنوده وضباطه البواسل ورأسماليه الذين لا يقبلون السحق تحت الاقدام الامريكية الصهيونية ، فلننهض جميعا لنسقط المؤامرة وننقذ كرامتنا الوطنية ونسترد لشعبنا شرفه الوطني والقومي ..

وتساءل الدكتور عصمت سيف الدولة في مرافعته قائلا : فهل في ذلك خطأ أو أنه نموذج للفعل المشروع !

واستطرد : نحتكم الى الدستور .. المقياس الوحيد للمشروعية ومصدر كل فعل أو أمر أو نهي أو قانون . نتذكر بعض الوقائع المسلمة ونذكر بعض أحكام الدستور وبعض نصوص القانون التي أبرمت في ظلها الاتفاقيات مع إسرائيل وحُرّرت في ظلها الأوراق المقدّمة (التي ضُبطت مع المتهمين) والتي حدّد أمر الإحالة فترتها الزمانية بأنها ما بين 1977 ويوم 16 مارس 1980 .

حرب 5 يونيو بإذن أمريكا

مما يدخل في نطاق العلم العام وما هو مسلم به في الوقت ذاته أنه في يوم 5 يونيو سنة 1967 شنت إسرائيل ضد مصر وسوريا والأردن حربا هجومية خاطفة ثبت أنها كانت بإذن ودعم ومشاركة الولايات المتحدة الامريكية بقيادة ليندون جونسون . وأن غايتها كانت إيقاف ثم تصفية دور مصر القيادي للأمة العربية وعزلها داخل حدود اقليمها وإيقاف وتصفية التحول نحو الاشتراكية في مصر وفتح سوقها للبضائع الأمريكية .. في النهاية تصفية العلاقات العربية السوفيتية وفرض سيطرتها على مصادر البترول في الوطن العربي .

أما بالنسبة لإسرائيل فقد كانت غايتها أن تفرض على الدول العربية وعلى رأسها مصر انهاء حالة الحرب والاعتراف بها وضمان مرور سفنها والاساطيل الامريكية في قناة السويس وكف مساعدتها للمنظمة الثورية الفلسطينية الناشئة في ذلك الوقت "فتح" ولم تكن أحلام إسرائيل لتمتد – في ذلك الوقت – الى حد تبادل السفراء والتعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي و"الصداقة" .

وتساءل الدكتور عصمت سيف الدولة : من قال هذا ؟ وأجاب عن سؤاله قائلا : قاله رئيس الجمهورية السابق (ويقصد أنور السادات) .

قال في خطابه في أسيوط يوم 11 يناير سنة 1981 " ان أمريكا نفت ونسبت وتجاهلت ابلاغها الرسمي لنا قبل حرب 1967 بضمانها السلام وانها ضد من يبدأ العدوان ، لكن أحنا مش ناسين .. وله حساب .. ضروري له حساب .. وعلى أمريكا أن تعلم أن الذي أعطى إشارة البدء بالحرب هو الرئيس الأمريكي جونسون ولن ننساه . ان أمريكا تقف خلف إسرائيل بان لا تجلو عن أي شبر والأمريكان هم الأعداء الاصليون وليس الإسرائيليين لأن إسرائيل خط الدفاع الأول لصالح أمريكا بالمنطقة" .

وقال أمام مجلس الشعب في 11 نوفمبر 1981 : "اننا نعتبر الولايات المتحدة المسؤول الأول عن إسرائيل . ان سيل الأموال الذي يتدفق في الاقتصاد الإسرائيلي والسلاح الذي تمسك به إسرائيل يجيء كله من الولايات المتحدة الامريكية . ان طائرات الفانتوم التي أغارت على مدننا ومصانعنا وعلى مدارسنا ليست مجرد صناعة أمريكية وحسب ولكنها عطاء أمريكا لإسرائيل " . وقال في الخطاب ذاته : "ان أوضح الأهداف الامريكية في المنطقة هي : 1 – اخراج الاتحاد السوفييتي منها . 2 – عزل مصر عن الامة العربية ونحن لا نستطيع القبول تاريخيا ومصيريا بمثل ذلك لأن مصر جزء من الأمة العربية قدرا ومستقبلا . 3 – ضرب التجربة الاشتراكية في مصر ونحن نؤمن بطريقنا في التطور ونصمّم عليه الى اخر مدى " .

وتعرّض الدفاع لحق مصر دولة وشعبا في تحرير أراضيها . وعرض فقرات مطوّلة لجميع خطابات الرئيس السادات وأحاديثه الصحفية التي كان يعلن فيها رفضه التام للتفاوض مع إسرائيل أو الصلح معها أو الاعتراف بها . وقال ، ان كل هذا الذي قاله رئيس الجمهورية السابق ، عن رفض المفاوضة مع العدو المحتل في ظل الاحتلال كان مشروعا طبقا لدستور مصر . وبه كان رئيس الجمهورية السابق معبرا تعبيرا صادقا عن ولائه لليمين الدستورية التي أقسمها وكانت تسانده في موقفه نصوص القانون الدولي أيضا .

رئيس الجمهورية غير رأيه

واستطرد الدكتور عصمت سيف الدولة في مرافعته قائلا :

ان التجربة المرة .. شديدة المرارة قد ساندت ذلك الموقف المعقول المشروع دستوريا ودوليا . وبعد حرب أكتوبر 1973 غير رئيس الجمهورية السابق رأيه في شرعية المفاوضة مع العدو في ظل الاحتلال وظن - رحمه الله - أن المسالة كلها مسالة نفسية قد تعالجها المجاملة فاتصل بالعدو ورتّبا معا زيارة مذهلة في جسارتها الى القدس المحتلة يوم 19 نوفمبر 1977 كانت فاتحة المفاوضات التي جرت بعد ذلك . ثم بين سيادته بعد شهرين فقط من الزيارة أن المفاوضات مع العدو في ظل الاحتلال ليست غير مشروعة فحسب بل "مهزلة" كما عبر هو عنها في احدى خطبه .

فيما بعد غير السادات موقفه مرة أخرى وفاوض واتفق واصطلح ولكن دستور اول سبتمبر 1971 لم يكن قد تغير ، والاحتلال الإسرائيلي كشرط مسبق للمفاوضات لم يكن قد تغير . وحقيقة أن إسرائيل قد فرضت الشروط التي لم تستطع فرضها بعد هزيمة 1967 لم تتغير . كذلك لم تتغير مواقف المواطنين الذين لم يروا أنفسهم ملزمين دستوريا أو قانونيا أو وطنيا أو سياسيا أو أخلاقيا بتغيير مواقفهم أو آرائهم كلما غير رئيس الجمهورية مواقفه واراءه ، فظلوا يعبّرون عن ذات المواقف والآراء التي كان يعبّر عنها رئيس الجمهورية قبل أن يغير موقفه ورأيه .

وقال الدكتور سيف الدولة : ان من بين هؤلاء المواطنين محرر المنشور الذي قال فيه : ان معاهدة السلام هي معاهدة سلام مقابل مجرد وعد وهي صك استسلامي اذ أن على مصر أن توقع معاهدة السلام مقابل ماذا .. وعد .. مجرد وعد تضمنه الولايات المتحدة الأمريكية فهل عرف التاريخ شيئا من هذا الا في حالة دولة منتصرة تفرض شروطها على دولة مهزومة ! أليس هذا استسلاما سافرا لإسرائيل !

قول مشروع أم غير مشروع

وتساءل الدفاع : هل هذا القول مشروع أو غير مشروع ؟ ان كان الدستور وما يفرضه على كل المواطنين من واجب الدفاع عن استقلال الوطن وسلامة أراضيه هو مقياس الشرعية ومصدرها فهو قول مشروع . أما اذا كانت اراء رئيس الجمهورية هي مقياس الشرعية ومصدرها فقد كان هذا القول مشروعا حتى يوم 21 يناير 1978 تاريخ خطاب رئيس الجمهورية السابق الى مجلس الشعب ثم أصبح بعد ذلك غير مشروع . فانظروا أنتم - أعضاء المحكمة – كيف تحكمون .

واستطرد في دفاعه : ما بين مشروعية نقد قبول المفاوضة في ظل الاحتلال ومناقشة مدى مشروعية نقد الاتفاق الذي أسفرت عنه المفاوضة قفزة لا نريد أن نقفزها ، فمهما يكن التزامنا بالدفاع عن المتهمين فان التزامنا بالصدق ذو أولوية مطلقة . ولن يكون صادقا القول بأنه ما دام رئيس الجمهورية السابق قد استسلم لشروط إسرائيل بالتفاوض في ظل الاحتلال ، فان ما أسفرت عنه المفاوضة يتضمن بالضرورة تفريطا أو مساسا بسيادة مصر . ان هذال الاستنتاج اللفظي لا يصلح للتدليل أمامكم على مشروعية معاهدة السلام . هذا بالإضافة الى أنه سيكون ظلما للتاريخ ولذكرى رئيس جمهورية مصر العربية السابق أن يقال أن المفاوضة غير المشروعة قد أدت الى تفريط وتنازل غير مشروعين .

لا . العبرة هي مشروعية نفد المعاهدة أو عدم مشروعيته بما قبله في المفاوضة وارتضاه وليس بإقدامه على المفاوضة في ظل الاحتلال . العبرة بما جاء في معاهدة السلام وليس بكون هذه المعاهدة جاءت نتيجة مفاوضة غير مشروعة . العبرة بالمضمون مع التمسك بأن الشكل كان باطلا . فلنعد الى معاهدة السلام لنرى بماذا جاءت الى مصر .

وعاد الدكتور سيف الدولة يعدّد مواقف وأراء وتصريحات الرئيس السادات قبل توقيع الاتفاقية مباشرة ومنها قوله : "الطبيعي انه من غير الممكن أن يُطلب من أحد تقديم التنازلات منفردا ولكن الحقيقة تظل أننا قد أعلنا عن استعداد مخلص للوفاء بكل التزاماتنا في ظل التعريفات الخاصة بضرورات السلام وذلك بالاتفاق مع قرار مجلس الأمن رقم 242 والتسوية الشاملة لهذا القرار كما هو الحال في أي صراع اخر يتضمن توازنا دقيقا في مجموعتين من الالتزامات التي تقبل الوفاء بها ومن بينها انهاء حالة الحرب والسماح بالمرور البريء خلال مضايق تيران" . ثم قال مخاطبا مستمعيه في نادي الصحافة القومي في واشنطن : "وانني أثق في أنكم توافقونني على ذلك أيها الأصدقاء ، انه يظل على الطرف الاخر أن يُقدِم على عمل مماثل وذلك بإظهار رغبته وتحمّل التزاماته داخل اطار التسوية الشاملة وبطريقة أكثر تحديدا فهو مطالب بقبول الاتي : 1 – الانسحاب من كل الأراضي العربية المحتلة من 5 يونيو . 2 – وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه الطبيعي في تقرير مصيره . 3 – توفير الضمانات اللازمة لأمن الدول العربية" .  

يقول الدكتور عصمت سيف الدولة في مرافعته : فيما بعد غيّر رئيس الجمهورية السابق وجهة نظره . فبدون انتظار وبدون مقابل وبدون ضمان وبصرف النظر عما اذا كان الاتفاق سينفذ أو لا ينفذ تضمّنت الوثائق الموقعة يم 26 مارس 1979 المسمّاة معاهدة السلام التزاما صريحا ينفذ ويصبح أمرا واقعا فور تبادل التوقيعات على المعاهدة مضامينه هي : انهاء حالة الحرب مع إسرائيل . والامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد إسرائيل على نحو مباشر أو غير مباشر . وكفالة عدم صدور أي فعل من أفعال الحرب أو الأفعال العدوانية أو أفعال العنف أو التهديد بها من داخل مصر حتى لو لم تكن صادرة من قوات خاضعة لسيطرة مصر أو مرابطة على أراضيها اذا كانت تلك الأفعال موجهة ضد سكان إسرائيل أو مواطنيها أو ممتلكاتها والامتناع عن التنظيم أو التحريض أو المساعدة أو الاشتراك أو أي فعل من أفعال الحرب أو أفعال العدوان أو النشاط الهدام أو أفعال العنف الموجه ضد إسرائيل ومحاكمة أي مصري يقيم في أي مكان في العالم أو أي أجنبي في مصر ينظم أو يحرض أو يساعد أو يشترك في أي فعل عنف ضد إسرائيل والامتناع عن أية دعاية ضد إسرائيل ،  وفتح قناة السويس لمرور السفن والشحنات الاسرائيلية وفتح مضايق تيران للملاحة البحرية والجوية لإسرائيل .

وقال ان هذه المعاهدة أولا وقبل كل شيء خروج صارخ على الدستور . الدستور الذي يحرم أصلا الاتفاق والصلح مع إسرائيل بنصوص صريحة وقاطعة .

ولم ينته بعد د.عصمت سيف الدولة المحامي من مرافعته وتأجلت القضية لاستكمال المرافعة .



الثلاثاء، 4 مارس 2025

ملامح القرار الفلسطيني المقبل .

  ملف القبس : المحور الثاني .

ملامح القرار الفلسطيني المقبل .

د.عصمت سيف الدولة :

- اعلان حكومة فلسطينية مؤقتة الغاء فعلي لمنظمة التحرير وانجازاتها .

- استثمار الانتفاضة بتطويرها لمرحلة ثورية أكثر فاعلية وليس بيعها .

القبس عدد 5917 بتاريخ 1 نوفمبر 1988 .

يقال أن الساحة الفلسطينية تمر بحالة من "المخاض" القوي ، وتقف أمام "منعطف جذري" وهناك "ملامح" قرار قادم لم يعد سرا .. وأنه لا بد من "استثمار" فرصة الإستعاضة التي لن تتكرر قبل جيل كامل ، ويريد القائلون تشكيل حكومة مؤقته بشخصيات "معتدلة" وبرنامج سياسي "معتدل" "يكسر" الفيتو الأمريكي الصهيوني ويغتنم فرصة الوفاق الدولي لقطف الثمار بالذهاب إلي "مؤتمـر دولي" بانت إمكانيات انعقاده كبيرة .. فماذا نقول :

نقول باسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ول قوة إلا بالله ونعوذ به من شر ما خلق . إني أسمي مثل هذه التجمعات اللفظية حديثا عنقوديا إذ هو من أخطر ما يقال ولا حدّ لتأثير كلماته القابلة للانتشار والتأثير لأنها تبدو كما لو كانت معقولة فمقبولة . ويقبلها المختلفون أساسا لأنها قابلة ليفهمها كل من يشاء على ما يريد . تصفية خطر هذه الكلمات التي وضعنا أمثلة منها بين أقواس تكون بتصفية دلالة كل كلمة منها ومعرفة مفهومها بدون شوائب .

أولا : الحكومة هي المؤسسة التي تقوم بممارسة السلطة في الدولة . هذا لا خلاف عليه في علم القانون الدولي والقانون الدستوري . الدولة إذن شرط سابق ولازم لوجود الحكومة . ومع ذلك يعرف الكافة من الكهول أو الشيوخ أن خلال الحرب العالمية الثانية تشكلت في "لندن" مؤسسات محاربة حليفة للمحاربين أسميت حكومات المنفى لتجميع المقاتلين وتوجيههم في كل دولة أخلتها الدولة النازية . كما يعرفون أنه في مرحلة الإنتقال من الثورة المنتصرة إلى إعلان الإستقلال تكونت في الجزائر حكومة مؤقتة لتتلقى من فرنسا الإعتراف بانتصار الثورة وتتفق معها على سبيل حل مشكلات ترحيل المستوطنين . وقد كانت مؤقتة لأن الحكومات غير المؤقتة لا تقوم إلا استنادا إلى إرادة شعبية تختارها طبقا لإجراءات معينة لا تتوافر إلا بعد الاستقلال . فما هي الحكومة التي يراد تشكيلها لفلسطين ولا نقول في فلسطين المتحررة أن تكن حكومة في المنفى ، فحكومات المنفى لم تكن مؤسسات حكم بل كانت مؤسسات إعلامية ورموزا لإرادة الاستمرار في القتال إلى أن تتحرر أرض الوطن . وقد انتهت جميعا وتلاشت بمجرد التحرير وتشكلت الحكومات الحقيقية فوق الأرض المتحررة . وللثورة الفلسطينية مؤسسة مماثلة تؤدي دور تلك الحكومات في المنفى وأكثر منها فاعلية إسمها منظمة تحرير فلسطين وقد كسبت دوليا الإعتراف بها كقائدة لحركة تحرير وطني ولها في أنحاء كثيرة من الأرض دول حليفة تعترف بها ممثلة شرعية لشعب فلسطين . أما الحكومة المؤقتة فسيأتي دورها حين يقع على عاتق الثورة التحررية المنتصرة التعاون الدولي على حل مشكلات الصهاينة الذين قدموا من بلادهم إلى فلسطين وليس قبل ذلك ، وهي مؤقتة لأن مهمتها مؤقتة بطبيعتها .

المهم ما هو العائد الفعلي من تشكيل حكومة مؤقتة أو حكومة في المنفى الآن .

أولى نتائجه إسقاط الشرعية الدولية عن منظمة تحرير فلسطين وانتقال الإعتراف الدولي بالشرعية من المنظمة إلى الحكومة . النتيجة الثانية إعادة فتح باب الإعتراف أو عدم الإعتراف بالقيادة الفلسطينية الحكومية . ولما كانت السيطرة الفعلية على الأرض والشعب شرط دولي للإعتراف بشرعية أية حكومة فإن الحكومة المقترحة غير قابلة دوليا للإعتراف بها . النتيجة الثالثة أن الحكومة الفلسطينية ستكون مقيدة بما يقيد الحكومات من قواعد القانون الدولي . عدم التدخل في شئون الدول الأخرى ، عدم شرعية ضم أرض بالقوة وهذه القواعد لا تفيد الآن منظمة تحرير فلسطين إذ تتمتع بامتيازات حركات التحرر الوطني التي يعترف بها المجتمع الدولي بشرعية استعمال القوة لتحرير الأرض . إذن فالحكومة الفلسطينية هي إلغاء فعلى لمنظمة التحرير الفلسطينية ولكل ما حققته ويمكن أن تحققه في ظل الشرعية الدولية لنشاطها التحرري . وهذا ما هو المقصود من فكرة الحكومة . إنهاء الثورة وأساليبها لحساب حكومة لا تملك من الأساليب إلا "الكلام" ، وعلى وجه محدد المقصود حذف كلمة الثورة وكلمة التحرير من قاموس التاريخ الفلسطيني ، إلى من يكون في شك من هذا يقدم اقتراحا إحراجيا فليكن اسم منظمة تحرير فلسطين "حكومة تحرير فلسطين" أو حتى "حكومة فلسطين الحرة" كما فعل ديجول ، حينئذ سيمتعض الذين يلوكون كلمة "حكومة" ولعلهم سينفعلون ويقولون ولماذا كلمة تحرير أو حرية .. فينكشف المستور من دوافعهم .

ثانيا : استثمار الإنتفاضة . الإنتفاضة مرحلة ثورية متقدمة ومتطورة عن مراحل قبلها وهي وإن كانت ثمرة نضال قاس سبقها إلا أنها تصحيح جذري لمسار الثورة . فالأصل أن تكون الإنتفاضة هي بداية الثورة لتحرير الأرض ولكنها جاءت متأخرة لأسباب أسهمت فيها الدول العربية بأكثر مما أسهمت المقاومة الفلسطينية . على أي حال . وعفا الله عما سلف ، يستطيع المؤرخون فيما بعد أن يقولوا أن ثورة تحرير فلسطين قد بدأت عام 1987 بانتفاضة شعبية في الأرض المحتلة بعد أن كانت قد مهدت لها مقاومة فلسطينية من خارج الأرض تحوم حولها متنقلة من قطر عربي إلى قطر عربي نتيجة الحصار العربي والمطاردة العربية لقوى الثورة . ولكن ما هي دلالة كلمة "استثمار" ؟. هنا دلالتان محتملتان :

الدلالة الأولى إنهاء الإنتفاضة (بيعها) مقابل كسر الفيتو الأمريكي "فيتو على ماذا ؟" هناك فيتو أمريكي على تحرير أرض فلسطين وفيتو أمريكي على دولة فلسطين . وفيتو أمريكي على الإعتراف بمنظمة تحرير فلسطين . فما هو الفيتو الأمريكي الذي يراد كسره ؟.. الراجح من أقوال أصحاب الأقوال أنه الفيتو الأمريكي على الإعتراف بمنظمة تحرير فلسطين ممثلا للشعب الفلسطيني في المفاوضة مع الصهاينة ، هذا يعني ببساطة إنها ثورة التحرير في أعلى مراحلها من أجل قبول أمريكا حضور نفر من قادة المنظمة على مائدة المفاوضات مع الصهاينة لا شئ أكثر.

أي حتى بدون ضمان لما تسفر عنه المفاوضة . فهل هذا هو الإستثمار الذي   يقصدون ؟..

الدلالة الثانية للإستثمار هي الإستفادة من الإنتفاضة بعد أن عبرت بالثورة أصبحت العقبات (اقتحام الأرض المحتلة) لتطويرها إلى مرحلة ثورية أكثر فاعلية منها . لعلها أن تكون انتقال قوى الثورة من أشتات الأرض العربية إلى حيث الإلتحام بالانتفاضة ، أو لعلها أن تكون تحقيق العمق الجماهيري الاستراتيجي للانتفاضة الجماهيرية في الداخل ، بمد الإنتفاضة الى الجماهير العربية خارج فلسطين   المحتلة (هذا ما تخشاه الحكومات العربية حتى الموت ومن أجله تحرص على إنهاء الإنتفاضة) أيا كانت المرحلة القادمة فهي " ثمرة " للانتفاضة وعلى هذا الوجه يكون استثمار الأحداث الثورية . ولكن "وأد " ليس "استثمارا" على أي وجه . إنه قتل لحساب الصهيونية والوأد قد يكون فعليا "بإتمام الصفقة" وقد يكون "دعائيا" بمثل القول أن "الإنتفاضة لن تتكرر قبل جيل كامل" . من أين جاءت هذه الصيغة ؟ هل تنبأ أحد قبل عامين فقط ببداية الإنتفاضة حتى يتنبأ بنهايتها ؟ أم تزعمون علم الغيب فتكفرون . أم رسالة اطمئمان موجهة إلى الصهاينة بأن قد قربت نهاية متاعبكم . أم إنذار بالهزيمة موجه إلى أبطال الإنتفاضة .. شئ محير فعلا . في كل دول العالم قوانين تقضي بإعدام كل من يضعف الروح المعنوية للمقاتلين أثناء الحرب ، وكل الثورات الناجحة طبقت هذا الجزاء الرادع على من أرادوا ـ بأية طريقة ـ سلب الشعوب المناضلة من أجل حريتها الثقة في النصر . ولا أزيد وإن كان ما أريد قوله مفهوما ..

ثالثا : نأتي أخيرا لما يسمى  المؤتمر الدولي . ونسأل ما المقصود بالمؤتمر الدولي ؟  إن كان المقصود مؤتمر يضم كل الدول الراغبة في المشاركة فيه المعبر بالتالي عن الرأي العام الدولي . فإنه منعقد من سنين وينعقد كل سنة وما تزال القضية الفلسطينية على جدول أعماله ولقد انتهى هذا المؤتمر الدولي إلى أن الصهيونية حركة عنصرية ، وأن المقاومة الفلسطينية حركة تحرر وطني لها الحق شرعا في أن تقاتل من أجل تحرير فلسطين كما انتهى إلى عشرات القرارات التي تدين المؤسسة الصهيونية المسماة إسرائيل . يعرف هذا المؤتمر الدولي الجامع لكل دول العالم باسم "الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة" التي أنشأها ميثاق الأمم المتحدة كممثل للمجتمع الدولي . هذا هو المؤتمر الدولي حقا لمن يريد مؤتمرا دوليا صدقا أما مؤتمرهم المسمى "دولي" فهو مجموعة محددة من الدول معروفة بأسمائها اعترفت كلها بدولة الصهاينة وعبرت كلها عن رأيها المعادى لتحرير أرض فلسطين ورفضت كلها أو امتنعت عن إدانة الصهيونية بالعنصرية وتنكر كلها على أية دولة فلسطينية كامل السيادة على الأرض التي ترشحها لقيام الدولة ، وتحمل الدولة التي ترشحها للفلسطينيين حق ارتفاق دولي "يضمن أمن دولة الصهاينة" .. على هذا وغيره هم متفقون ومطلوب أن يذهب وفد يختارون هم أعضاءه ليرقص في ساحة المؤتمر على ألحان تلك الدول وتحت رقابتها . .

فلماذا تبيعون تأييد دول العالم كلها بأرض دول خمس ، وما الذي تستفيدون من حضور مؤتمر تلك الدول لتسمعوا قراراتها المعلنة من قبل المؤتمر .. أم أن فينا من يريد أن يبحث عن براءة كاذبة من الاستسلام احتجاجا بأن تلك ـ يا أخي إرادة المؤتمر الدولي ..

رابعا : وآخرا ما المقصود بتعبير "شخصيات معتدلة" و "برنامج سياسي معتدل"؟.. أين يقع موقف الإعتدال بين الحرية والعبودية ، بين الإحتلال والتحرير؟ أين موقف الإعتدال بين اغتصاب الأرض أو اغتصاب العرض ؟..

الملف كامل





 

عن الخلاف الصهيوني ـ الصهيوني .

 ملف القبس : المحور الرابع .

عن الخلاف الصهيوني ـ الصهيوني .

د.عصمت سيف الدولة :

- الانتفاضة فرضت الخوف على الغطرسة الصهيونية .

- لا أصدق مقولة أن الانتفاضة أوجدت استقطابا في المجتمع الصهيوني بين مؤيد ومعارض للانسحاب.

القبس عدد 5920 بتاريخ : 4 – 11 - 1988

يقال أخيرا أن الإنتفاضة قد أوجدت استقطابا في الكيان الصهيوني بين مؤيد للإنسحاب من "معظم" الأرض المحتلة وبين معارض للإنسحاب  ولو من شبر واحد مما يسمونه أرض الميعاد ودفعت بهذا الاستقطاب خطوات كبيرة إلى الأمام حيث لم تعد هناك حالة من الوسط السياسي . هناك أغلبية ترفض "التنازل الأول" الذي سيفتح شهية العرب لمزيد من الأرض وأقلية تعترف باستحالة السيطرة على شعب آخر للأبد .

لا أصدق هذه المقولة وأنا عارف تماما وبالتفصيل مبادئ وتكوين وأهداف أولئك الذين يقال أنهم أقلية . الأقلية التي تعترف باستحالة السيطرة على شعب آخر للأبد لا تأتي بجديد . إنها تردد خبرة تاريخ العالم . ومع ذلك فإنها لا تحدد " مساحة " السيطرة ولا تسمي الشعب المقهور أن غايتها أن تستدرج أصحاب الأرض إلى قبول صفقة السلام مقابل الأرض . على أي حال نجحت الإنتفاضة في فرض الخوف على الغطرسة الصهيونية وإثارة الشك في صحة منطلقاتهم الفكرية وغاياتهم السياسية وأساليبهم الإرهابية وخلقت طائفة من الحيارى وهو أول مظاهر انفراط الكيان المصطنع أصلا ، إذن ، إلى الأمام ، مزيد من فاعلية السلاح الذي أثبت فعاليته ، ولكن بالله عليكم ، كيف وأنتم تشهدون آثار ثورة لم تتمم عاما تريدون أن تنقذوا أعدائكم فتكتفون بما تحقق وتتخذون من حجة لإعادة الإيمان بالصهيونية " إلى من بدأوا يشكون في صحتها .. حرام عليكم ..

الملف كامل


هل الدولة الفلسطينية المستقلة على الأبواب ؟

ملف القبس : المحور الاول

هل الدولة الفلسطينية المستقلة على الأبواب ؟

د.عصمت سيف الدولة :

- الحديث عن الدولة يصبح واردا يوم يتحرر أي جزء من الأرض .

- لا توجد دولة على الأبواب .

- أخشى أن يؤدي الحديث عن الدولة الى تعميق الصراع العربي – العربي .

القبس عدد 5915 بتاريخ : 30 – 10 – 1988 .

الحديث عن دولة فلسطينية مستقلة "تقف على الأبواب" تنتظر من يفتح لها لتقام وتقيم على أرض فلسطين المحتلة ، حديث شائك . ذلك لأنه لا توجد دولة فلسطينية مستقلة معروضة على الفلسطينيين ، ولا أحد يدري من الذي طرح فكرتها ودفع بها الى مدخل ثورة تحرير فلسطين . العدو الصهيوني يرفضها من حيث المبدأ والتطبيق كليهما منذ أن اغتصب الأرض . حليفه الأساسي الولايات المتحدة الأمريكية تتبنى كعادتها الرفض الصهيوني . دول أوروبا الغربية لم تعرضها على منظمة التحرير الفلسطينية . لا ولا دول أوروبا الشرقية . قد تريد تلك الدول دولة للفلسطينيين ولكنها دولة غير مستقلة بإقرارها جميعا .

الدول العربية لا تملك المقدرة على تأمين استقلالها ذاتها ، فكل منها يحتمي علنا أو خفية بمن يحميه وفاقد الشيء لا يعطيه كما يقول المثل الصادق . فمن أين هبّت رياح الدولة الفلسطينية لتتحوّل الى إعصار جذب الى دوّامته المدمّرة كل فصائل المقاومة الفلسطينية وكل القوى العربية حتى تكاد تبعثرها أكثر مما هي مبعثرة . وانّا لنخشى أن يكون الحديث عن دولة فلسطينية مستقلة تقف على الأبواب حديثا صريحا مشاركة مباشرة أو غير مباشرة في تعميق الصراع العربي - العربي الذي هو العدو الألد لوحدة قوى الثورة العربية التي هي الطريق الواقعي الوحيد لتحرير فلسطين وإقامة دولتها المستقلة .

ومع ذلك فلا بد مما ليس منه بد .

وسنحاول بقدر ما نستطيع أن نجعل حديثنا موضوعيا وذلك بأن نرد الفروع الى أصولها ، ونحتكم في أمر المواقف المرحلية والتكتيكية الى الهدف الاستراتيجي ، ونتخذ من المبدأ الذي يحكم الصراع العربي – الصهيوني معيارا لتحديد هذا الموقف . ثم أن نحدّد دلالات الالفاظ "المتشابهة" لنتجنّب مخاطر التأويل المنحرف .

"المبدأ" الذي فجّر الصراع العربي – الصهيوني هو الجواب عن السؤال الأول والأخير : لمن الحق في أرض فلسطين ؟ وهو مبدأ لا خلاف عليه بين طرفي الصراع . لا خلاف على انه المبدأ وان كان لكل طرف جواب نقيض . الصهاينة يجيبون : نحن اليهود أمة . لنا وطن قومي مثل كل الأمم . هذا الوطن هو فلسطين . شرعية انه وطننا موثقة في كتابنا المقدس ، وفي شرحه التلمودي ، به وعدنا الهنا واليه نعود . أما الفتح العربي الإسلامي فانه كان عدوانا واغتصابا غير مشروع . وقد استطاعت حركتنا المنظمة "الصهيونية" أن توجد قوانا القومية وأن تناضل عالميا ومحليا الى أن تمكّنت من "تحرير" وطننا التاريخي عام 1948 فاستعدنا "بعض" الأرض التي كانت لنا منذ البداية . ويقول العرب ان اليهودية دين وليس قومية ، والصهيونية حركة عنصرية وأداة استعمارية وليست منظمة تحرير ولقد كانت فلسطين أرضا عربية حتى قبل الفتح الإسلامي ، وبالفتح الإسلامي جرى عليها ما أجراه التاريخ من انصهار حضاري أصبحت به جزءا من الامة العربية ولم تكن الهجمة الصهيونية عام 1948 الا اغتصابا للأرض وطردا لشعب استمر يهيمن عليها أكثر من أربعة عشر قرنا ، ولم تكن الصهيونية الا أداة استعمارية عنصرية ، فتحرير فلسطين حق للعرب كما هو حق لكل شعب في أن يحرر ارضه .

وبدأ الصراع ولا يزال قائما .

فاذا سلمنا مع جميع الأطراف أن الهدف الاستراتيجي لثورة تحرير فلسطين ، على ضوء هذا المبدأ ، هو استرداد الأرض وفرض سيادة الشعب عليها نكون قد سلمنا جميعا بان تجسيد النصر يكون بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على ارض فلسطين . هذا استراتيجيا ، أما مرحليا ، فقد عبرت منظمة التحرير الفلسطينية عن الدولة المستقلة كهدف مرحلي تعبيرا صحيحا يوم أعلنت انها ستقيم تلك الدولة على أي جزء من أرض فلسطين يتم تحريره ولو كان مدينة واحدة .

وهو تعبير صحيح لأن قيام الدولة ، أية دولة ، مرتبط موضوعيا ، ومتوقف دوليا وواقعيا على سيادة شعبها على ارضها (اقليمها) . لم يحدث أن أحدا قد قال ، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى على الأقل ، أن الدولة يمكن ان تقوم مستقلة دون كامل سيادة شعبها على كامل ارضها . ولم يعترف المجتمع الدولي أبدا بدولة لا سيادة لها على الأرض .

متى يصبح الحديث عن الدولة الفلسطينية المستقلة واردا ومفيدا ؟ .. مرحليا يوم أن يتحرر أي جزء من ارض فلسطين فتقوم وتفرض سيادة الشعب عليه . واستراتيجيا يوم أن تتحرر ارض فلسطين من البحر الى النهر . في الحالتين يأتي الاعتراف تلقائيا دون مطالبة ودون مساومة ولو جاء بالتدريج . لأن الاعتراف لا ينشئ الدولة ولكنه تعبير عن قيام دولة ذات سيادة على إقليم معين . وهو لا يقيّد الا الدولة المعترفة .

هذا في نظرنا المعيار الموضوعي الذي يُمكننا بتطبيقه على الواقع معرفة ما اذا كانت الدولة الفلسطينية المستقلة على الأبواب أم لا . والواقع غير القابل للإنكار أو التزييف هو أن لا الثورة الفلسطينية ولا الدول العربية ، ولا الدول الغربية أو الشرقية أو دول العالم الثالث استطاعت أن تحرر شبرا واحدا من أرض فلسطين لتقوم عليه دولة . اذن الركن الأول لقيام دولة فلسطينية مستقلة مفتقد في الواقع . وبالتالي لا توجد دولة فلسطينية على الأبواب ، لأن أبواب الأرض الفلسطينية مغلقة دون سيادة الشعب العربي يمارسها على ارضه ، وعندما تفتح أبواب الأرض لأصحاب السيادة عليها ستقوم الدولة الفلسطينية المستقلة عليها .. اما قبل ذلك فسراب ..

الملف كامل




الاثنين، 3 مارس 2025

مقوّمات الدولة الفلسطينية المقبلة ؟

 ملف القبس : المحور الثالث

مقوّمات الدولة الفلسطينية المقبلة ؟

الدكتور عصمت سيف الدولة :

- اذا كان المعروض دولة مستقلة دون اعتراف اقبلوها دون تردد .

- القومية العربية هي النقيض الحقيقي للحركة الصهيونية .

- لن يُحل التناقض نهائيا الا بانتهاء الصراع بنصر حاسم .

القبس عدد 5919 بتاريخ : 3 – 11 - 1988

هناك رأيان مختلفان حول مقومات الدولة الفلسطينية القادمة (التي لم تقم بعد) ، أحدهما يرى أن هذه الدولة ستكون ضعيفة ومحاصرة وانها لا تملك المقومات الاقتصادية للتطور ولن تكون قادرة على حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين ولا تستطيع استيعابهم وستخضع للتهديد الإسرائيلي على الدوام وستدفع ثمنا كبيرا لقيامها . هذا رأي مبتسر ، اذ لو أخذ على ما هو عليه يعني أن الأفضل بقاء الاحتلال . ولكن لا أعتقد أن أصحابه يذهبون الى هذا المذهب الخائن بل يخفون حلا يضيف الى فلسطين الضعيفة ما يعتقدون أنه مصدر للقوّة وفك للحصار قد يكون الحاقها بإحدى الدول العربية . على أي حال ضعف الدولة المستقلة ليس حجة مقبولة ضد اقامتها على أرض متحررة من الاحتلال . ولو كانت حجة مقبولة لفقدت أغلب دول العالم الثالث بما فيها جميع الدول العربية مبرر استقلالها ولعرضت أرضها وشعوبها للبيع الى بعض الدول المتقدمة القادرة على حل مشكلات الحياة فيها . وهو كلام صغير . الاستقلال الوطني هو بداية تحقيق الممكن من التطور الاقتصادي والاجتماعي وهو بذاته يشبع في الانسان حاجة ذات أولوية مطلقة على كافة الاحتياجات الاقتصادية هي الحاجة الى الحرية وتحقيق الذات واحترام النفس والاعتزاز بالانتماء الى مجتمع من الأحرار ثم التقدم بما هو ممكن على طريق التطور الممتد الى ما لا نهاية .

ثم ان فلسطين المستقلة لن تبقى طويلا مستقلة .. فبدءا من الاستقلال تأخذ دورها مع باقي الدول العربية ، الضعيفة مثلها ، الى المصير المشترك في دولة الوحدة العربية ان لم يكن بالوعي القومي فبضرورات الحياة في عصر الدول الكبرى والإنتاج الكبير . وفي دولة الوحدة تجد دولة فلسطين وكافة الدول العربية المقومات الاقتصادية وغير الاقتصادية التي تعوض ضعفها وعجزها عن حل مشكلات الحياة فيها .

الرأي الثاني هو أن في الدولة الفلسطينية بداية العد العكسي للصهيونية وبداية التراجع التاريخي لوجودها لأنها النقيض للحلم الصهيوني .

لا . الدولة الفلسطينية ان قامت فهي الجارة الشرقية للدولة الصهيونية حيث تؤكد كل منها وجود الأخرى وتشتركان في الحفاظ على الحدود المشتركة . التناقض لا يقوم بين الأهداف المرحلية القابلة للتغيير مع استمرار الصراع . من هنا نقول أن نقيض الصهيونية في نظري هي القومية العربية نظرية . ونقيض الصهيونية كحركة هي وحدة القوى العربية التقدمية . ونقيض الصهيونية غاية (دولة من النيل الى الفرات) هي الوحدة العربية (من المحيط الى الخليج) ولا يحل التناقض نهائيا الا بانتهاء الصراع بنصر حاسم لأحد النقيضين على المستويات النظري والحركي والاستراتيجي . تحرير ارض فلسطين ينهي وجود الدولة الصهيونية ، ولكن الصراع لن ينتهي ، فليس ثمة ما يحول دون محاولة المنظمة الصهيونية العالمية العودة الى محاولة اغتصاب الأرض العربية الا بقيام دولة الوحدة العربية القادرة على احتضان الأرض العربية كلها وحمايتها ضد الصهيونية وكل قوى العدوان كبيرة أو صغيرة .

ثم يقولون حقا يراد به باطل : ان الأجيال القادمة ستكون قادرة على تحرير مهامها المستقبلية بعد أن وجدت لها قاعدة امنة في دولة مستقلة .. ويزيدون تفضلا ، فيقولون أن الأمر نفسه ينطبق على الأجيال العربية القادمة وإمكانات النهوض القومي .

هذا حق بشرط الّا تفرضوا على الأجيال القادمة أعباء من عندكم . الّا تقيّدوا ارادتهم بقيود من صنعكم . ان كنتم غير قادرين على التقدم فاثبتوا ولكن لا تستسلموا لأعدائكم . افعلوا ما أنتم قادرون عليه ، ناوروا مناورة المنتصرين أو المنهزمين ولا احد يلومكم ، وكل الناس يعرفون الظروف الصعبة المعقدة التي تحيط بحركتكم ولكن لا تعترفوا تحت أي ظرف ومقابل أي ثمن بدولة الصهاينة . لأن اعترافكم سيكون حجة ثقيلة ضد الأجيال القادمة . ستعوق أولا إعادة تعبئة قوى التحرير ، وستحمّلهم ثانيا عبء مواجهة العالم كله الذي لن يقبل بسهولة التراجع عن الاستسلام ، وستحرمهم ثالثا من شرعية القتال من أجل استرداد الأرض التي اعترفتم بان لا حق لكم فيها ، وستمكن الصهيونية رابعا من التخطيط للمرحلة التالية لتحقيق حلمها الكبير ، وستجبرهم إسرائيل – بتأييد العالم كله – على التعامل معها و"تطبيع" العلاقات المتبادلة كما يحدث بين الدول التي تتبادل الاعتراف .. لا تأخذوا دولة على طريقة كمب دايفيد .

أما ان كان المعروض عليكم دولة فلسطينية مستقلة على أي جزء من أرض فلسطين لا يتضمن قبولها اعترافا صريحا أو ضمنيا مباشرا أو غير مباشر بدولة الصهاينة فاقبلوها بدون تردد على أية مساحة من الأرض وسيبقى التأييد العالمي مساندا للأجيال القادمة ، والا فحذار من أن تقبلوا دولة فلسطينية يكون قبولها تأييدا وتأكيدا وشهادة منكم أنتم أصحاب الأرض بان للصهاينة حقا من الأرض .

بالمناسبة ، هل هناك دولة فلسطينية مستقلة معروضة عليكم بدون شروط صهيونية ؟

كفى أحلاما اذن .

الملف كامل




الأحد، 2 مارس 2025

حوار مع الدكتور عصمت سيف الدولة حول الأزمة المعيشية في مصر .

 حوار مع الدكتور عصمت سيف الدولة حول الأزمة المعيشية في مصر .

جريدة الأهالي بتاريخ 31 – 10 – 1984 . ص 6 .

لماذا يصر حكامنا على تحويل البحر الى طحينة ، ويُغرقون الناس في الأوهام ؟ هل يتصوّرون أنهم قادرون في ظل نفس السياسات السائدة على تنفيذ ما يعدون به ؟ أم أنهم يدارون عجزهم الى حين ، بالتلفيق والتحايل ؟ وما هو الطريق الصحيح والسياسات الصائبة لمواجهة مشاكل الجماهير وحلها ؟

(وقد التقت الأهالي مجموعة من السياسيين الذين تحاورت معهم حول الأزمة المعيشية في مصر : د.رفعت السعيد ، د.حلمي مراد ، د.محمد إسماعيل ، محمد المسماري ، وقد كان من ضمنهم الدكتور عصمت سيف الدولة الذي كان معه الحوار التالي) :

نقد الحكومة والمعارضة 

- أما د.عصمت سيف الدولة فيطرح أفكارا مختلفة اذ يقول :

- أرجو أن يتسع صدر جريدة الأهالي لأقول على صفحاتها ، انني أكاد أضيق ذرعا بالمعارضة وصحفها وأسئلتها ، والواقع أن المعارضة بشكل عام قد استثمرت الحديث عن الحكومة ومع الحكومة ، وفي رأيي ان هذا لا بد أن يتوقف فورا ، حتى لا تختفي مشاكل الشعب الموضوعية في حوار عاصف أو عاطف مع الحكومة ، ذلك لأني أعتقد أن وظيفة المعارضة وصحفها هي مخاطبة الشعب وتوعيته على حقيقة مشكلاته والامكانيات المتاحة لحلها ، ثم يترك للشعب ولو كتعبير عن الثقة به أن يطالب حكومته أو يحاسبها .. ومن قبل أكثر من قرن ، قال فيلسوف الحرية جان جاك روسو "ان الناس العاديين هم الذين يؤلفون الجنس البشري ، وليس هناك من هو جدير بالاهتمام غير الشعب " .. بناء على هذا فأنا لست معنيا بما تقوله الحكومة وما تعد به أو ما تخلف وعدها . واذا كان الشعب يقبل من الحكومة أن تعد وأن تخلف وعودها ، ويقبل عذرها ويصبر عليها فلا أحد من حقه أن يقيم من نفسه وصيا على الشعب . انما من حق كل مواطن وواجب عليه أن يضع تحت نظر الشعب ما يعتقد أنه السبب الموضوعي لمعاناته .   

- وماذا عن اثار هذا التناقض بين أقوال الحكومة وأفعالها على الشارع المصري ؟

الشحم القذر 

والمشكلة كما يراها د.عصمت سيف الدولة ، هي في النظام الرأسمالي ذاته ، فهو يقول :

- ان ما تعاني منه أغلبية الشعب بصفة أساسية هو ارتفاع أسعار مواد الحياة الضرورية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وعلاج ، واضطراد هذا الارتفاع على وجه لم يعد في مقدرة الأغلبية الساحقة من الشعب أن تلاحق بدخولها المحدودة حركة الأسعار الصاعدة بدون توقف . ومع أن هناك أصواتا تشكو وتدين بل وتستغيث مطالبة الحكومة بأن تضع حدا لهذه المأساة . كما أن هناك أصوات تحمّل الحكام مسؤولية هذا الصعود القاسي في تكلفة الحياة .. فإنني من جانبي أعتقد أن كل هذا بدون جدوى ، بل وبدون حق ، ذلك لأن ظواهر التضخم وبالتالي انخفاض القوة الشرائية للنقود وبالتالي عجز أغلبية الشعب عن اشباع حاجاته الضرورية ، وما يصاحب كل هذا من استحواذ أقلية على النسبة الكبرى من الدخل القومي ، وتحول كثير منهم الى مليونيرات لا يشعرون بمعاناة مهما ارتفعت الأسعار ، وما يتخلله من مسالك الربح السريع عن طريق المضاربة على قدرة القادرين وعجز العاجزين والربح من الطرفين بدون عمل .. الخ . كل هذه ظواهر طبيعية متكررة في كل الدول التي تأخذ بالنظام الرأسمالي . حتى الاختلاسات والسرقات والرشاوي والانحلال ليست أكثر من الشحم القذر ، أو العادم الخانق الذي يعتبر كل منهما ضروريا لحسن سير الالة الرأسمالية . فالمسألة اذن هي اما أن يقبل الشعب النظام الرأسمالي أو لا يقبل . ان كان يقبله فليس من حقه أن يشكو منه ، وليس من حق المعارضة أن تحمّل الحكومة مسؤولية نتائج حتمية لنظام رأسمالي لا تعارضه .

فرض غير صحيح

ويستطرد د.عصمت سيف الدولة :

- ليس هناك أسخف ولا  أتفه في العالم من الدعوة الى رأسمالية بدون طفيليين ، لم يحدث ابدا في تاريخ النظام الرأسمالي ، أن عاشت الرأسمالية بدون النشاطات الطفيلية . كما لم يحدث أبدا أن قام نظام رأسمالي بدون بطالة صريحة أو مقنعة ، وعلى الذين لا يعجبهم النظام الرأسمالي أن يكفوا عن محاولة ايهام الشعب بأنه يستطيع أن يتحوّل الى نظام اقتصادي منتج بصرف النظر عن العلاقة الجوهرية بين اتجاه رؤوس الأموال والربح ، وما دام الربح هو الذي يحكم نشاطات النظام الرأسمالي فانه من الغباء القاء مواعظ وطنية أو أخلاقية على الرأسماليين . ولا أستطيع أن أعزل  عشرات الظواهر الرأسمالية في مصر عن تخلي بعض الذين يشكون منه عن رفع رايات الاشتراكية والدفاع عنها علنا ، وانه لمن المشاركة المحزنة من جانب بعض فصائل المعارضة ، أنها قد تخلت عن نضالها المشروع من أجل الاشتراكية صراحة ، قد تخلت عن استهداف نقدها للنظام الرأسمالي القائم ، وبالتالي تخلت عن وظيفة الدفاع عن الشعب الذي يعاني ، أو فلنقل وظيفة توعية الشعب بأصل بلاءه وسبب معاناته وعلاج مشاكله . اني أقول لمن يعانون من الشعب أن أصل البلاء وسبب المعاناة هو ما يسمى الانفتاح الاقتصادي . وأنه مهما حاولت الحكومة ومهما تكن حسن نيتها فان الأسعار ستواصل ارتفاعها علنا أو خفية الى أن توازي الأسعار السائدة في السوق الرأسمالي العالمي اذا ما استمر الانفتاح الاقتصادي ، وان اتهام الحكومة بأنها مقصرة في الحد من هذا الارتفاع اتهام قائم على فرض غير صحيح ، هو أن الحكومة تستطيع أن توقف فاعلية قوانين السوق الرأسمالي . وهو فرض غير صحيح . وأتحدى من يستطيع أن يدلني على دولة رأسمالية ، الأسعار فيها أقل من مصر .

- وما هو المخرج من هذا المشكل وتلك الأزمة ؟

على بلاطة

د.عصمت سيف الدولة يقول :

بصراحة "وعلى بلاطة" النظام الاشتراكي هو البديل المنقذ ولا بديل عنه . والنظام الاشتراكي ليس هو هذه الترهات التي ينسبونها اليه من تأميم ومصادرة وحراسة ..الخ . بل النظام الاشتراكي هو ببساطة توظيف كافة الموارد المتاحة ماديا وبشريا لإشباع الحاجات المتجدّدة للشعب طبقا لأولويات تحدّدها احتياجات الأغلبية تنفيذا لخطة مركزية شاملة وملزمة لكل النشاط الاقتصادي العام والخاص . والجوهري في الخطة أن تكون شاملة وملزمة . فالخطة المقصورة على القطاع العام ، والخطة التي ليس لها قوة الالزام القانوني ، هي من قبيل الخطط المعمول بها في كثير من الدول الرأسمالية ، فهي لا تمت بصلة للنظام الاشتراكي .

وهكذا .. يتفق الكل على اختلاف اتجاهاتهم الحزبية والسياسية ، على مواجهة المشكلات الضخمة بالوعود والتصريحات والمانشيتات .... ويطرحون العديد من الآراء والحلول والبدائل ، بعضها موجه لنقد الحكومة ـ وبعضها للمعارضة .. وأخرى للشعب ..



الجمعة، 28 فبراير 2025

دفاع الدكتور عصمت سيف الدولة عن الحزب الناصري .

 دفاع الدكتور عصمت سيف الدولة عن الحزب الناصري .

الرأي العام عدد 7362 بتاريخ 17 – 5 - 1984 .

لجنة الأحزاب ومداراة الرفض

يبدو أن لجنة الأحزاب ، منذ نشأتها بعد القواعد الأخيرة التي صاغها السادات في عام 1977 ، لم توافق على أي حزب سياسي عدا حزب الوفد الجديد . فلقد رفضت كافة الأحزاب التي قدمت لها خلال السنوات الخمس الماضية ...

وبالرغم من اختلاف الأسباب ، في كل حالة من حالات رفض اللجنة ، الا أن الحزب الناصري تميز عن الأحزاب الأخرى بنقد برنامجه نقدا حادا من الناحية السياسية بما اخرج قرار اللجنة – كما يقول كثير من القانونيين – عن دائرة اختصاصها كلجنة تطبق قانونا واضحا ..

وبالرغم من حدة لجنة الأحزاب الا أن أغلب القانونيين يؤكدون أن مذكرة الطعن التي تقدم بها الدكتور عصمت سيف الدولة ، محامي الناصريين ، قد فنّدت دعاوي اللجنة تفنيدا قانونيا بارعا ، حيث جاء فيها :

1 – ردا على السبب الأول (برنامج الحزب ونشاطه ونظامه الداخلي تدل بوضوح على أنه يقوم على النظام الشمولي ولا يؤمن بالديمقراطية ) يقول الدكتور سيف الدولة في مذكرته : المذكرة الايضاحية لقانون الأحزاب نصت على أنه لا يجوز للجنة الأحزاب الاعتراض الا استنادا الى عدم توافر الشروط اللازمة قانونا لتأسيس حزب .

ويضيف :

ان شروط تأسيس أي حزب أو استمراره ليس من بينها السبب الأول الذي استندت اليه اللجنة . وبذلك قد تكون اللجنة قد خالفت القانون ، بل خالفت الدستور ، حين سمحت لنفسها بالتشريع الذي لا يملك الحق فيه سوى مجلس الشعب وحده .

هذا بالإضافة الى ان مجرد طلب الناصريين لتأسيس حزب سياسي يعني ايمانهم بالتعدد الحزبي كاطار سيعملون من خلاله ، كما أن اللجنة قد نزعت انتزاعا تعسفيا بعض العبارات من سياقها لتستند عليها في قرار رفضها .

2 – وفي مواجهة السبب الثاني (ان ما جاء في برنامج الحزب يتعارض مع الشرعية الدستورية التي يقوم عليها نظام الحكم في مصر ، ويرمي الى عودة الشرعية الثورية ) يرى الدكتور عصمت سيف الدولة أن الشرعية معناها الالتزام بالدستور والثورية معناها الخروج على الدستور فكيف تجتمع الشرعية والثورية في تعبير واحد ، مما يؤكد أن اللجنة تختلق المبررات اختلاقا .

3 – وفي الرد على السبب الثالث (ان برنامج الحزب يقرر أن واقع المجتمع المصري فرض أن تكون الاشتراكية العلمية هي المخرج العلمي من قيود التخلف ، وأن الاشتراكية العلمية هي بعينها الماركسية التي تختلف عن النظام الاشتراكي الديمقراطي) يرى الدكتور سيف الدولة أن "الاشتراكية العلمية" لا تعني الماركسية . وأن اتهام لجنة الأحزاب للحزب بهذه الصفة غير مستند الى أي أساس علمي .

وهي بالتالي قد قصرت "العلمية" على الماركسية ، فهل معنى ذلك أن الاشتراكية الديمقراطية التي ينص عليها قانون البلاد : اشتراكية غير علمية ؟ !

4 – وتقول المذكرة في مواجهة السبب الرابع ، ان اللجنة قد رفضت قيام الحزب لأنه يتبنى الميثاق الوطني .. رغم أن قانون الأحزاب قد جعل الالتزام به شرطا لازما لتأسيس أي حزب . ذلك أن دستور 1971 يعتبر الميثاق أحد الوثائق الأساسية التي استرشد بها في أحكامه . بالإضافة الى أن الميثاق هو المعبر عن فكر ثورة يوليو التي ينص قانون الأحزاب على التزام أي حزب بمبادئها .

عدم صلاحية لجنة الأحزاب

ولم تكتف المذكرة بالرد على مبررات لجنة الأحزاب ، بل امتدت الى النيل من اللجنة نفسها ، اذ اعتبرتها "لجنة غير محايدة" وغير صالحة للنظر في طلبات تأسيس أي حزب سياسي ، وذلك لأن رئيسها عضو قيادي في الحزب الوطني الحاكم ، مما ينفي عنه صحة الحياد اللازمة في مثل هذه المهام .