القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 27 يناير 2013

ثنائية العـقل والحرية في الاسلام ..



ثنائية العـقل والحرية في الاسلام ..  


 ان عظمة الدين الاسلامي تكمن في اعـتماده على العـقـل تجسيدا لحرية الانسان . لذلك لم يكلـّـف الله الا العاقل البالغ ، فجعل شرط التكليف اكتمال العـقل .. ثم اعـتمد في ما أمر به من تكليف  على الحجج العـقلية والاقناع .. و قد ورد هذا المعـنى في العديد من آيات القرآن . قال تعالى : " قـل سيـروا في الأرض فانظـروا كيف بدأ الخلق ( العـنكبوت . 20 ) .. وحتى الترهيب والترغيب من خلال وصف النعيم في الجنة أو وصف العذاب في النار، ذكـره سبحانه ليكون  ذلك جزءا من اختيار الانسان .. فـتـكون وقـتها مسألة الكفـر والايمان ، او مسألة الطاعة والمعصية ، هي مسألة تقـرير مصير يقـرّره الانسان بنـفسه وهو يعـلم كل كـبيـرة وصغـيرة لما سيترتب عن اختياره .. ولو لم يكن ذلك كذلك لما صحّ  اصلا مبدأ العـقـاب والثواب . قال تعالى :" وَمَا كُـنَّا مُعَذِّبِيـنَ حَـتَّى نَبْعـَثَ رَسُولًا  " ( الاسراء 15 ) . قال الحافظ ابن كثير في تفسيره لهذه الآية : إخبار عن عدله تعالى، وأنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه ( انتهى ) .

 لذلك فان التشدّد المفرط في وصف الناس بالكفـر والدعاء عليهم وقـذفهم وتعـنيفهم ، هو من اكثر الاساليب تعارضا مع الدين لانه يمثل مصادرة بالغـيب لما منحه الله لعـباده رأفة بهم ، واغلاقا دون مبرر لباب تركه الله مفـتوحا مدى الحياة وهو باب التوبة ... فمن ادرانا بأن من نسمّيه كافرا سيموت على الكفر ؟ وان آيات القرآن الكريم لتغـني عن الكلام . قال تعالى :  وَلاَ تَـقُـولُوا لِمَنْ أَلْـقَى إِلَيْكُمْ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً . ( النساء : ٩٤  )  وقال سبحانه : لَعَـلـّـَـكَ بَاخِعٌ نَـفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِـنِـيـنَ ، إِنْ نَـشَأْ نـُنـَزِّلْ عَـلَيْهِـمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَـظَـلـَّـتْ أَعـْنَـاقُـهُمْ لَهَا خَاضِعـِيـنَ  . ( الشعراء 3 و 4 )   قال بن كثير مفسّرا  : " وقوله :  ( لعلك باخع  ) أي : مهلك  نفسك  .  أي : مما تحرص [ عليهم ] وتحزن عليهم ( ألا يكونوا مؤمنين  ) ، وهذه تسلية من الله لرسوله ، صلوات الله وسلامه عليه ، في عـدم إيمان من لم يؤمن به من الكفار ، كما قال تعالى :  ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) )  فاطر : 8 ) ، وقال :  " فلعـلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) الكهف : 6 ) " .  ثم قال تعالى :  ( إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فـظـلـّـت أعناقهم لها خاضعـين  ) أي :  ( لو شئنا لأنزلنا آية تضطـرّهم إلى الإيمان قهرا ، ولكنا لا نفعل ذلك  ،  لأنا لا نريد من أحد إلا الإيمان الاخـتـياري ، وقال تعالى :  ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تــُـكره الناس حتى يكونوا مؤمنين  )  ) يونس : 99  ) ، وقال :  ( ولو شاء ربــّـك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين . إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) )  هود : 118 ، 119 ) ، فـنفـذ قدره ، ومضت حكمته ، وقامت حجــّـته البالغة على خلقه بإرسال الرسل إليهم ، وإنزال الكتب عليهم " ( انتهى ) ..  
والله أعلم .. 

 

 ( نشرية القدس العدد 56 ) .

الأحد، 20 يناير 2013

في ذكرى المولد النبوي الشريف ..



في ذكرى المولد النبوي الشريف ..

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهـره على الدين كله ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على آله و اصحابه اجمعـين ..
قال تعالى : ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) . وقال صلى الله عليه و سلم عن انس بن مالك : ( انك مع من أحببت ) . قال أنس فما فـرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي صلى الله عـليه وسلم:  فإنك مع من أحببت ...
في مثل هذه المناسبات ، ترتفع اصوات النهي عـن كثير من الاعمال بغـير حق . مدعـية  ان ما لم يفعله الرسول صلى الله عليه و سلم او اصحابه من بعده هو من البدع . و هم يتناسون القاعدة الشرعـية التي يعتمدها و يقرّها كل العلماء وهي ان " الأصل في الأشياء الإباحة لذلك لا حرام إلا ما ورد فيه نص صحيح صريح . " كما يتناسون ما يتـّـبعونه  من مظاهرالسلوك التي لم تكـن حتى لتخطر على بال الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم زمن الوحي .. اذ هي كلها من امور الغـيب الذي لم يكن يعلمه الا الله .. وهؤلاء ان كانوا صادقين فعلا فيمال يدعونه عن  مقولة البدع عليهم ان يتخلوا عـن كل ما ظهر بعد الرسول صلى عليه وسلم من مظاهر حياتية واكتشافات ووسائل عصرية .. عليهم أن يتخلوا عن ركوب السيارة والقطار والطائرة .. وان لا يستعملوا الهاتف الجوال ، والتلفاز والكهرباء والمكيفات وكل الوسائل المنزلية والشخصية الحديثة التي لم يستعملها الرسول صلى الله عليه و سلم او الصحابة ... ثم عليهم ان لا يقيموا في النزل عندما يسافـرون ، و ان لا يفتـرشوا ما لم يستعمله الرسول فراشا له ، وان ينزعوا تلك الاحذية الثمينة التي يشترونها ، ليلبسوا نعالا من جلود الحيوانات ، وعليهم ان لا يستعملوا الاسلحة المتطوّرة ، والمتفجرات التي يقومون بتهريبها ويتاجرون بها .. فاما ان يعيشوا حياة الرسول كاملة فيقلدونه في كل شئ او ان يكـفوا عـن مغالطة الناس .. و الواقع ان كل ما يروّجونه هو البدعة ذاتها . لانه لا يستند الى نص صريح  من كتاب الله او من سنة رسوله . كما ان الثابت عـن رسول الله و صحابته انهم لم يغـيـروا من مأكلهم او ملبسهم او من نمط حياتهم شيئا اثناء البعـثة .  بل ان الرسول صلى الله عليه و سلم قد واصل حياته كما كان قبل الرسالة .. فهو يلبس ما يلبسه اهله وعشيرته من المسلمين ومن غير المسلمين ، ويجلس كما  يجلسون وياكل ما ياكلون ، ويشاركهم افراحهم واتراحهم دون ان يطلب منهم تغييرا لنمط  عيشهم الا ما خالف مقاصد الدين ، ولم يطلب منهم تعقيدا لحياتهم ، بل على العكس من ذلك فقد كان داعيا لليسر لا للعسر في جميع نواحي الحياة .. وهو ما يؤكد ان كل هذه المسائل متروكة للتطور ، وهي  مسائل متغـيـرة ومتبدّلة من زمان الى زمان ، و من مكان الى مكان ، حسب ظـروف الناس ، وان من يفعل عكس ذلك فهو يعارض الفترة السليمة التي تجعل الناس يغـيّـرون عاداتهم وتقاليدهم عندما تصبح قيدا على حريتهم  وتطوّرهم ..

 ( نشرية القدس العدد 55 ) .

بين الدين والمجتمع .



بين الدين والمجتمع .       

قبل الاسلام كانت البشرية تمرّ بالمراحل الاولى البدائية التي ميزت المجتمعات العشائرية والقبلية في كل مكان ، فكانت تلك الحقبة الطويلة  تتميز بالعلاقات القائمة أساسا على الروابط الدموية ، بما فيه من  عـزلة وانغلاق وعدوانية في علاقتها بالآخر ... بينما كانت تشوب علاقاتها الداخلية نزعة نحوالسيطـرة ، والاضطهاد  ، والانحراف الخ ..
ولعل انتشار الكثير من مظاهر الفساد التي حاربها الدين منذ البداية ، دليل واضح على ما افرزته تلك النشاة الاولى  ..  مما استوجب بعث الرسل لاصلاحها وهدايتها  .. و لما كانت البشرية في طفولتها الاولى ، فان الديـن كثيرا ما كان مسايرا للوعي الانساني حين اعتمد في تلك المراحل على الحجج الملموسة المتمثلة في المعجزات بدل الحجج العقلية المجرّدة التي جاءت متأخـرة في عصر القرآن .. فبعـث الله النبيين داعين الى التوحيد والهداية وترك المعاصي ، وكان لكل قوم نبي أو رسول من انفسهم ، فـتـعددت الرسالات بتعـدد الاقوام رغم بقاء مضامينها  .. ولعل من يتامّل نظـرة الاسلام للرسالات السابقة كما وردت  في القرآن الكريم ، يدرك كيف كان الدين يتطور في علاقاته بتطور المجتمعات حيث كان يغـيـر اساليبه مع المحافظة على جوهـره ، حتى ان الله سبحانه قد وصف الرسل و اتباعهم بالمسلمين .. قال تعالى : ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا أنك أنت السميع العليم ربنا وإجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) البقرة 127 ، 128. وقال ايضا : (أم كنتم شهداء إذ حضر يعـقوب الموت إذ قال لبنيه ماتعـبدون من بعدي قالوا نعـبد إلهك وإله أبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلها واحدا ونحن له مسلمون ) البقرة 133. .. كما قال على لسان نوح عليه السلام  وهو يخاطب قومه : ( إن توليتم فما سألتكم من أجـر أن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين ) يونس -72 .. و قال تعالى على لسان موسى عليه السلام : ( ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ) الأعراف 126 . كما أخبرنا سبحانه عن قوم عيسى عليه السلام فقال : ( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا أمنا وأشهد بأننا مسلمون ) المائدة 111 .. بل ان الله قد قطع الشك في الدلالة على هذا المعـنى الاجمالي لجوهـر الرسالات السماوية حين ردّ على من يجادل في انتساب ابراهيم عليه السلام الى الديانات السابقة وهو السابق عليها جميعا فيذكرها مرة واحدة ثم يقول : ( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ( آل عمران:67 ) . 
لا يتعارض اذن جوهـر الرسالات مع جوهر الاسلام .. غير ان الدين الاسلامي الذي مهّدت له جميع الاديان السابقة قد جعله الله  خاتما لها و موحدا لجميع الناس باختلاف الوانهم والسنتهم  لذلك اخرجه للناس كافة ، و ميّزه اولا بحججه العقلية ايذانا بدخول البشرية في  مرحلة النضج العقلي والادراك التي تمكـن البشر من الاختيار الحرّ القائم على التمييز بين الخير والشر ، والكفر والايمان .. فكان الاسلام دين العقل والمنطق حيث  كان دائما يحيل الحجة الى العقل ( افلا تنظـرون ، افلا تعقلون ، افلا تبصرون ، افلا يتدبرون ، افلا يتفكرون .. ). .. كما ميزه الله ثانيا بالمسايرة للتطور فكانت احكامه عامة تقبل الاستنباط والاجتهاد في كل زمان ومكان .. الى جانب كونه غير خاص بنمط من انماط المجتمعات في أي عصر ، اقرارا بانتقال البشرية الدائم والمستمر من الاطر الاجتماعية الضيقة الى الاطر الاوسع و الاشمل على المستوى الانساني . أي ان جميع المراحل التي تمر بها البشرية في كل عصر ليست خالدة في الزمان ، و هي متغيرة حتما ، ومتطوّرة من طور الى طور عندما تستنفذ  تلك المكونات طاقاتها فتصبح تلك العلاقات المقتصرة عليها عائقا امام تطوّرها و تقدّمها ، وعندها يحدث تجاوز عن طريق الخروج من تعدد الكيانات الى الوحدة والانصهار طويل المدى الذي يؤدّي الى  ظهور كيانات جديدة اكثـر مقدرة على التطور .. فيتمّ احتواء جميع المكوّنات السابقة  لتصبح مجـتمعة عـناصر اثراء وتـنوّع  لا تقوم الوحدة الا عليها .. بل يظلّ يغـني بعضها بعضا بتـنوّعه و اختلافه ليكون ذلك كله نموذجا لتنوّع الخاص في نطاق العام ، و تـنوّع الجزء في نطاق الكل حتى يصير الخاص  الذي يخص الجزء ملكا للجميع .. فتصبح مثلا جميع الاسر والعشائر والقبائل في عصر الامم ، جزءا لا يتجزأ من الامة .. الذين يتميّزون داخلها بانتماءهم القومي عن غـيرهم دون امتياز . فيكوّنون معا  شعبا واحدا ،  استقر على ارض واحدة  ، فانتج خلال تفاعله الحر ، التلقائي ، الطويل ، ثقافته الخاصة و تاريخه الخاص وحضارته الخاصة ولغته التي يتواصل بها مع شركائه الخ .. كل هذا لا يسير في الكون دون ضوابط بل هو بتدبير واحكام من الله الذي جعله سنة الاهية لا يجدي احدا انكارها ولا يقدر بشرا على تغييرها .. قال تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ . ( الحجرات:13) .
ان هذه الآية لا تدع مجالا للشك في سنة التطور التي يجب ان نتامّلها و نكتشف اسرارها بدل انكارها . كما انها تبين اهم مقصد من مقاصد الدين في ظل تلك الصورة التي خلق الله عليها عباده : حيث الاصل هو الاختلاف والتنوع والتعدد الذي لا يسمح بالتطور الا عندما يتحقق التعايش والتعاون بين جميع البشر في اطار التقوى دون بغي من احد على احد .. لذلك كان للدين مضمونا واحدا ، وجوهرا واحدا هو التوحيد ، والرجوع الى الله لتحقيق كل القيم  الانسانية النبيلة التي اشتركت فيها جميع الرسالات ..
ان هذه الصورة الاجمالية مهمّة لمعـرفة ما حصل من مسايرة و تناسق بين التطور البشري وتطور الأديان . فعندما انتقلت البشرية من اطوار بدائية الى اطوار اكثر شمولا واكثر ارتقاء الى الوحدة الانسانية المنشودة ، كان الدين يتغير كذلك ويتطوّر في اساليبه متحوّلا من الخصوصية القبلية لكل رسالة الى الانفتاح على المجتمعات المجاورة مثلما حصل مع موسى عليه السلام الذي توجه الى مصر لمخاطبة فرعون ، ومثلما فعل السيد المسيح عليه السلام ، الذي بشر قومه برسالة محمد (صلى الله عليه وسلم ) .. وهكذا تم التمهيد لاخراج الرسالة من اطارها القبلي ( القوم ) ، الى الناس كافة ،  بلا قيود ، و لا حدود ..
وقد كان هذا التطور على مستوى شمولية الرسالة الانسانية،  باعثا جديدا لاخراج تلك المجتمعات القبلية من عزلتها ، فاتحا أمامها آفاقا جديد للانصهار و الوحدة على غير الاسس القديمة القائمة على رابطة الدم .. وقد كانت أول خطوة في سبيل ذلك تاسيس  دولة المدينة بعد الهجرة ، ثم توسيع قاعدتها الى مكة بعد الفتح .. وقد قطع الاسلام  قطعا نهائيا  مع الرجوع الى الوراء حين اكد بان الوحي قد انتهى ، و ان الدين قد اكتمل في ظل الشكل الاجتماعي الموجود .. حين قال : ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا ﴾ ( المائدة 3 ) .  و عندما اجزم في قوله ( ان الدين عند الله الاسلام  ) ( آل عمران 13 ) و ان من يبتغي غير ذلك لا يقبل منه .. حيث قال  : ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) . ( آل عمران 85 ) ،  فانه قد قطع ايضا مع الرجوع الى العلاقات القبلية القديمة باعتبار ما تم تاسيسه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم  ، تاركا الآفاق مفتوحة للمزيد من التطوّر ، والوحدة بين البشر .. والله أعلم .

 ( نشرية القدس العدد 55 ) .

الأحد، 13 يناير 2013

في ذكرى الثورة : من يكرم الشهيد يتبع خطاه ..

في ذكرى الثورة : من يكرم الشهيد  يتبع  خطاه ..

الثورة هي تغيير الى الافضل بالنسبة للسواد الاعظم من الناس .. اما عكس ذلك فهو انتكاسة وانحراف وتراجع الى الوراء . ففي مجتمع استقوت فيه فئة على فئة  ، حتى أصبحت  تحتكم الى شريعة الغاب وجعلت الظلم والجور يفوقان اي احتمال ، و هي لا تزال الآن تسيطر على مفاصل الدولة والاقتصاد .. لا يمكن ان تكون فيه حكومة الثورة محايدة تقف على نفس المسافة بين جميع الفرقاء قبل تصحيح المسار وارجاع الامور الى نصابها ..
ولا يمكن لتلك الحكومة ان تغمض عينيها عن المحاسبة التي ستحقق هدوء النفوس وتساههم بشكل مباشر في قبول التعايش على ارضية واحدة لامكانية تحقيق الامن والاستقرار  ..
 ولا يـُـقبل ان تقوم الجهات التابعة للحكومة في المجلس التاسيسي بتعـطـيـل عملية استكمال بناء المؤسسات المستقلة التي تقطع نهائيا مع الاستبداد ، فتتلاعب بالقوانين المنظـّـمة للهيآت الثلاث ذات الصلة بالقضاء والاعلام والانتخابات ، وتفوّت على الشعـب على المدى القريب والبعيد امكانية التاسيس لدولة المؤسسات التي لا تخضع لتبدّل الاشخاص واهوائهم بل تجعلهم جميعا يخضعون للقانون ..  
كما لا يعقل ان تحصر دورها في استجداء عطف المستثمرين  الذين ترى فيهم وحدهم المنقذ من البطالة ، او ان تستمر في بيع ممتلكات مُربحة للدولة بنفس الطريقة التي تبيع بها الممتلكات المنهوبة ....  ثم يتحدثون عـن الارقام المذهلة للنمو.. !  فماذا يعـني غلاء المعـيشة وقلة السيولة وانخفاض قيمة الدينار والعجز عـن الادخار و تدهور القدرة الشرائية والعجز عن انجاز المشاريع ، و الزيادة في الضرائب ، وتدهور البنية التحتية في الطرقات والمنشآت العمومية وعجـز الدولة حتى عن صيانتها واصلاحها ، وارتفاع مؤشر الفساد والجرائم ..؟ هل يوجد نمو دون انعكاس على حياة الناس ؟ ولماذا نحتـفل بالثورة اذن ؟ هل نقول للشهداء ، والجرحى والمهمشين والقابعين بلا شغل والمحرومين من عامة الشعب يوم الاحتفال اننا حققـنا السراب ..؟  

 ( نشرية القدس العدد 54 ) . 

شرعـية .. بلا ثورية ..

شرعـية .. بلا ثورية ...

عندما تقوم الثورة – اي ثورة –  في اي مجتمع ، معناه ان الظلم والحيف الاجتماعي قد بلغ مداه .. وان العلاقات الاجتماعية لم يعـد يحكمها اي قدر من التكافئ بين الناس في جميع مجالات الحياة ..  ومعناه ان الاستبداد قد الغى كرامة الانسان و داسها بالاقدام ...الخ ، و تلك جميعا مبررات الثورة التي تصبح وقتها حلا حتميا وحيدا لاسترداد تلك الحقوق .. و هذا فعلا ما حدث في تونس قبل الثورة وهو الذي ادّى في النهاية الى قيامها ..
وقد كان ما عاشته تونس ومحيطها العربي  - الذي بلغت ارتدادات ثورتها المزلزلة الى اقصاه - يبعث على التفاؤل ، فظن الناس انه يمكن ان يحدث التغيير المطلوب بمجـرد ان يمارس الشعب لعبة الديمقراطية ، غير ان الواقع لم يكن كذلك بل انه قد اصبح اكثر تعقيدا عندما عادت الشرعية الى الحكم اثرالانتخابات .. وتبين بكل وضوح ان الشرعية يمكن ان تكون خدعة ، و مطـية للنفوذ والاقصاء ، فتصبح عائقا امام تقدم المجتمع ، اذا كانت الاحزاب التي صعدت الى السلطة تتـمسّـك بالشرعـية وهي لا تملك أي قدر من الثورية .. اي انها ستكون فاشلة مهمى كانت نواياها حسنة  ، ومهما كان المسؤولون مخلصين .. ولعـل مردّ هذا الفشل يعود الى سببين رئيسيين :
- أولا ان اسلوب التعامل مع الواقع لم يعـتمد نهجا ثوريا يقطع نهائيا مع الماضي و يعجـّـل بمعالجة الوضع ، لان الواقع الذي بلغ فيه التفاوت بين الجهات وبين فئات المجتمع الى اقصاه ، اصبح لا يحتمل الانتظار ، ولا يحتمل حياد الدولة و جبنها المفرط و تردّدها ومساوماتها للفاسدين واطلاقها العنان لهم ليعيثوا في الارض فسادا اضاعف ما كانوا يفعلون .. مما حوّل الحياة زمن الشرعية الى جحيم .. و قد كان على الدولة ان تتدخل تدخلا ناجعا على جميع المستويات تعلن من خلاله انحيازها الكامل والصريح الى الشعب الذي سيـهب وقـتها هـبّة واحدة لحمايتها من الذين تخافهم ، فيتحقق وقتها الامن المطلوب والاستقرار ..  
 - ثانيا تصرّف الحكومة مع الشرعية الانتخابية كما لو كانت الانتخابات في امريكا او فرنسا ، ظنا منها انها باستعمال مؤسسات الدولة التي ستصبح تحت تصرّفها ،   وببعض الوعود الزائفة من قطر ودول خليجية اخرى ، تستطيع ان تنفـّـذ ما تريد ، و قد كان ذلك أكبر خطأ تسبّب في الاحتقان واتساع الهوة بين فئات المجتمع ، وهو عكس ما كانت تتطلبه المرحلة الانتقالية من تعاون من خلال  التوافق بين جميع القوى الوطنية لمواجهة الثورة المضادة التي لا تستطيع اي حكومة ان تواجهها منفردة دون التفاف شعـبي واسع على اساس هذه القاعدة ...

 ( نشرية القدس العدد 54 ) .

الأحد، 6 يناير 2013

من سيرة العظماء ..

من سيرة العظماء ..

ان في التاريخ لعـبرة وموعضة ودروس يجب ان نستخلصها ونعمل بها ، خاصة عندما تأتينا من هؤلاء العظماء ، و أولهم  رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين نجد منهم  من كان ضد الإسلام وأصبح من كبار المدافعين عنه ، أمثال  عمر بن الخطاب  و خالد بن الوليد وغيرهم الكثير كما نرى في هذه القصة :
فى غزوة بدر كان سهيل أبن عمر لا يزال على كفره حين وقع فى الأسر ، وقد بدأ يخطب في الناس ، ويهاجم الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، خاصة وانه يتمتع باسلوب خطابي مؤثر  .. فوقف عمر بن الخطاب  وقال يا رسول الله دعـنى أنزع أسنان سهيل بن عمر حتى لا يقوم عليك خطيبا بعد اليوم  .. 

لكن النبي صلى الله عليه و سلم لم يوافق على طلبه ، ورفض التمثيل بسهيل ، قائلا له : " ومن يدريك يا عمر لعله يقف فى يوم من الأيام موقفا تفرح به " .. وبالفعل ، فبعد موت النبى وقف سهيل خطيبا في قومه ـ وهو مسلم ـ ينهاهم عن اتباع المرتدين قائلا  : يا معشر قريش كنتم أخر من أسلم فلا تكونوا اوّل من أرتد  .. وثبت أهل قريش كلهم على اسلامهم بسبب هذا القول ، فتذكر عمر قول النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : صدقت يا رسول الله ..

 ( نشرية القدس العدد 53 ) .

كتاب عن العـروبة والاسلام : دراسة عميقة ، للعلاقة الوثيقة ، بين العـروبة والاسلام ..

كتاب عن العـروبة والاسلام :

دراسة عميقة ، للعلاقة  الوثيقة ، بين العـروبة والاسلام ..


في الوقت الذي كانت فيه القوى الاستعمارية تتكالب على الامة العـربية و تحاصر ثوراتها الصاعدة وقواها الثورية التي تمثلت خلال النصف الثاني من القرن العشرين في ثورة يوليو 1952 كمركـز متقدّم للنضال القومي يقود نضالات الجماهير العربية في كل الاقطار ، كانت القوى الرجعـية العربية المتمثلة في الانظمة الحاكمة التي وجدت نفسها مستهدفة من قبل الثورات الصاعدة فحدّدت مصلحتها بالتحالف مع الاستعمار الخارجي ، ثم عملت على تقديم كل الدعم و التمويل للحركات الرجعـية في الداخل كما كان الشان مع الاخوان المسلمين ..الخ
ولما كان توجه ثورة 23 يوليو توجها قوميا ، نجح في تاجيج المشاعـر القومية و استقطاب قاعدة جماهيرية على المستوى العربي منقطعة النظير ترفع  شعار الوحدة و التصدي للاستعمار و تنادي بالعدالة الاجتماعية .. و هي جميعا اهداف جوهرية  ومبادئ اساسية من مبادئ الاسلام ، ومناهضة للقوىالرجعية والاستعمار ، فان تلك القوى لم تجد غير التخفـّي وراء شعار الدين لاستهداف الفكر القومي ، و افتعال تناقض وهمي بينهما  ، او بين الدعوة الى الوحدة العربية كمشروع خاص بامة تبحث عن تقدمها ونهضتها مثل بقية الامم التي تملا الارض ، و بين عالمية الاسلام كدين لا يخص أمة بعينها .. و قد كانت ثورة 23 يوليو بافكارها الثورية  تجسّد مشروعا حضاريا مستقبليا لا يناسب مراكزهم في السلطة ، ويهدّد مصالحهم جميعا و ينذر بزوال عروشهم .. لذلك قاموا بتسخير الاموال و جندوا اشباه العلماء و دعاة السلاطين و الاحزاب الدينية ، و الكتاب و المؤرخين و كل من له مصلحة  معهم في ضرب المشروع القومي من خلال افتعال تناقض بينه و بين الدين الاسلامي الحنيف ..

و في الواقع فان القوميون لم تكن تنقصهم الحجة و لا القدرة على فضح مخططاتهم و نفاقهم و ابراز العلاقة الصحيحة بين الدين والمجتمع ، على مدى عقود للوقوف في وجه التضليل ..غير ان ما اضافه الدكتور عصمت سيف الدولة منتصف الثمانينات من قول حاسم في موضوع العلاقة بين العروبة و الاسلام ، كان فعلا اسهاما منقطع النظير استطاع من خلاله فك العديد من الرموز، سواء بالنسبة لمفهوم الامة في القرآن الكريم ، او في ما يخص دولة الخلافة التي اعتبرها اختيارا تاريخيا ارتبط بمرحلة منتهية ، كـواحدة من الدول التي كانت سائدة في عصرها و لم تكن مطلقا اختيارا اسلاميا ملزما للمسلمين .. او في مجال الحديث عن العلمانية كظاهـرة مرتبطة بظرف تاريخي خاص بالمجتمعات الاوروبية وعلاقتها بالمسيحية ، و لا علاقة له بمجتمعنا و بالدين الاسلامي الذي لم يشهد عندنا نموذجا للسلطة الدينية المطلقة ، كما لم  يشهد فصلا تاما بين الدين والدولة بالمعـنى السائد في اوروبا ... وهذا نموذج مما قاله ـ  رحمه الله ـ في هذا المجال :
" ان الاسلام علاقة انتماء الى دين خالد في الزمان بحكم انه خاتم الرسالات والاديان . ( ماكان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) { الأحزاب : 40 } . وخالد في المكان بحكم أنه رسالة إلى كل البشر . ( قل يأيها الناس اني رسول الله اليكم جميعاً ) { الأعراف : } . (158 وما أرسلناك إلا كافة للناس ) { سبأ : 28 } . أما العروبة فعلاقة انتماء مقصورة على شعب معين من بين الشعوب ومكان معين من الأرض ، علاقة انتماء الى أمة تكونت خلال مرحلة تاريخية طويلة كاستجابة موضوعية لحتمية تقدم الشعوب بعد أن استنفذت العلاقة الأسرية ثم العشائرية ثم القبلية ثم الشعوبية كل طاقاتها على تحقيق التقدم . فهي لم تواكب الزمان بداية . وحين تستنفذ الأمة العربية كل طاقاتها على تحقيق التقدم سيتقدم البشر الى علاقات انتماء تتجاوزها تكويناً وطاقة . فهي ليست خالدة في الزمان  .

لامجال ، إذن للخلط بين علاقة الانتماء إلى العـروبة وعلاقة الانتماء إلى الاسلام لافي الأشخاص ، ولا في المضمون ، ولا في حدود الانتماء من الزمان أو المكان . وما تزال علاقة الانتماء إلى الأسرة ، أو الى القرية ، أو الى المهنة ، أو الى الحزب قائمة بجوار علاقة الانتماء إلى الدولة أو الوطن أو الشعب بدون خلط أو اختلاط . فلا يقوم لدى الشعب العربي سبب للخلط بين العـروبة والاسلام . ومع ذلك ، أوبالرغم من ذلك ، فإن الشعب العربي في حاجة إلى الحديث عن العلاقة بين العروبة والاسلام .. "

 ( نشرية القدس العدد 53 ) .
                                                               

 

مصيبة الجهل ..

مصيبة الجهل ..

لكلّ زمان جهلة . و جهلة هذا الزمان هم بالتأكيد أعداء القومية ، الذين يأتي في مقدمتهم من يناهضون القومية بالدين ، فيرفضون الاعتراف بظاهـرة إنسانية لم يفتعلها بشر بل أوجدتها السّـنن الكونية التي وضعها الله ، والتي جعلت المجتمعات البشرية ترتقي من طور الى طور، ممتدّة من الأسرة إلى العشيرة إلى القبيلة ، إلى الأمة .. فـتــمـدّدت في المكان حتى غطت جميع أنحاء المعمورة .. و قد كان حري بهم إن يتأملوا هذه الظاهرة ، ويفهموا أسرارها بدل أن ينكروها .. ليعرفوا أنها ليست مجرد حالة شاذة و معـزولة لا يُعـتـدّ بها ، بل هي ظاهـرة إنسانية عامة غير مقـتصرة على دعاتها من العرب بحكم  هذا التخلف التاريخي الذي وقعوا فيه .. 
واذا كان في تاريخ البشرية ما يثبت أن الامم قائمة فعلا ، فان في تاريخ الأديان أيضا حقائق تثبت أن الأديان لا تتعارض مع الأوطان .. وهي التي جاءت داعية الى عقيدة التوحيد ، ومسايرة  لتطوّر المجتمعات .. ويكفي أن  نتأمل  علاقة الوضع القبلي بالدين لنقيس عليها علاقة الإسلام بالأمم ، باعتبار أن عصر القوميات لم يكن سائدا في عصر الإسلام .. وبهذا  نستطيع أن نحكم عن علاقة الدين بأي وضع اجتماعي قبلي أو قومي  .. 
في البداية كان الوضع القبلي والعشائري هو السائد ، فكانت الأديان موجّهة لأقوام دون غيرهم ( مجتمع قبلي ) ، وقد كان الخطاب الديني ذاته خطابا قبليا خاصّا ، يبلــّــغه رسول خاص .. ( قوم ابراهيم ، قوم نوح ، قوم موسى ، قوم لوط ، قوم عاد .. ) حتى جاء الإسلام بدعوته الإنسانية الشاملة ليكون للناس كافة .. ثم دعاهم بالحجج العـقلية فاعتنقوا هذا الدين وصاروا مسلمين يأمرون بالمعـروف وينهون عن المنكر .. ولما كان الدين وضعا إلهيا قائما على الإيمان فحسب في حين أن القبيلة وضع تاريخي قائم على الانتماء إلى قوم ، فان اعتناق تلك الرسالات السماوية لم يترتب عنه افتعال تناقض بين الدين والوضع القبلي في تلك المرحلة .. ولم يكن الرسل وأتباعهم متعصّبين للدين على حساب انتمائهم لأقوأمهم وقبائلهم  .. 

وهكذا جاءت الأديان مسايرة لوضع الناس في جميع العصور، فآمن من آمن وكفر من كفر ، وتوعد الله سبحانه من خالف رسالاته بالعذاب في الآخرة ، وعاقب بعضهم في الدنيا ، فارسل عليهم ريحا صرصر ، أو أغرقهم في الطوفان أو في البحر .. و بشــّــر من آمن منهم بأحسن الجزاء .. وكان ذلك يتم في الحالتين على أساس معتقدهم وايمانهم الذي يختارونه بأنفسهم ، وليس على اساس انتمائهم الاجتماعي الذي لا دخل للاختيار فيه .. لذلك لم ترد ولو كلمة واحدة تنبه الى ضرورة الفصل بين الدين والوضع الاجتماعي السائد في عصر القرآن ، أو تدعو الى التفاضل بينهما و محاربة أحدهما للآخر كما يعتقد الكثيرون اليوم ، وهو الذي اخبرنا بتفاصيل دقيقة عن تلك الرسالات ، وجوهرها ، فتحدد نوع العلاقات والاحكام التي يجب ان تسود بين الناس .. وهذا ما ينفي كل ادعاء بوجود تناقض أو تعارض بين الدين والقومية ، أو بين الإسلام والعـروبة ، سواء في تعاليم الأديان أو في الواقع .. لان التعدد القومي في عصرنا ظاهـرة لا يمكن إنكارها وهي سمة من سماته ، مثلما كان التعدد القبلي خاصية من خاصيات العصور السابقة .. و قد أشار القرآن بشكل صريح وواضح في العديد من الآيات الى تعدد الأقوام والشعوب والأمم ، وتمايز الناس فيها بألوانهم ولغاتهم التي تنطق بها السنتهم ، كأفضل تعبير عن تطوّر المجتمعات وفقا لسنن الخلق التي لا يمكن الغاؤها أو محاربتها  .. 
والقومية في النهاية لا تمثل خروجا عن الدين أو المعتقد أو العرف ، بل هي مجرد اعتراف بوضع تاريخي متطوّر وغير ثابت ، قائم على الإقرار بأننا امة واحدة مع ما يترتب عن ذلك من سعي لتحقيق تلك الوحدة في اطار هذا الإقرار ... و تـنـتـفي الدعوة إليها وتـنـتهي بتحقـــّــق غايتها ، كما انتهت تلك الدعوات في المجتمعات التي بلغـت وحدتها القومية  ..
أما الإسلام فهو وضع الهي دائم غير مرتبط بالوضع الاجتماعي ، و قائم على الإقرار بان لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله ، مع ما يترتــّــب عن ذلك من التزام بقواعد الإسلام عـند كل مسلم في إطار هذا الإقرار ... دون أن يفقد انتمائه إلى وطنه ، أو مدينته وقريته وأسرته .. أوان يناقض ذلك علاقته بجميع المسلمين في بقية الأمم الأخرى   .. 
لذلك فان اي دعوة في عصرنا تناهض الدعوة الى الوحدة القومية هي دعوة باطلة ، وفاشلة وجاهلة في آن واحدر  ..
هي دعوة باطلة لأنها ليست من روح الإسلام الذي اعترف بالتعدد على خلفية الانتماء القبلي والشعوبي كما كان سائدا في عصر الإسلام فقال تعالى : ( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم ) ، كما اعترف بتعدد الأمم فقال سبحانه : ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ) .. كما اعترف بكل أنواع الاختلاف والتعدد ومنها تعدد اللغات والألوان حينما قال : ( ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ان في ذلك لآيات للعالمين   )  ..
وهي دعوة فاشلة لأنها لا تساير عصرها الذي هو عصر القوميات كما هو ظاهر في مشارق الأرض ومغاربها ..
ثم هي دعوة جاهلة لأنها ناتجة عن جهل بالإسلام وبالقومية معا ، وتلك مصيبة أدهى وأكبر  ..


( نشرية القدس العدد 53 ) .