القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها

القدس عنوانها وفلسطين بوصلتها
مدونة الفكر القومي التقدمي

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 8 نوفمبر 2015

عروبة فلسطين .. (1)



عروبة فلسطين .. (1) .


نقرأ في كثير من الدراسات والكتب اجتهادات الكتاب والباحثين العرب والمسلمين في اثبات عروبة فلسطين من خلال سرد التاريخ القديم للجماعات التي عاشت وأسّست بعض الحضارات والدويلات منذ ما قبل المبلاد .. مع محاولات تبدو احيانا متعسفة على التاريخ ـ لدى البعض ـ من خلال التأكيد على نفي أي علاقة لليهود بفلسطين ، أو جعل تلك العلاقة عابرة ، لا أثر يذكر لها في التاريخ القديم .. وفي كثير من الأحيان نسمع التهجم على بني اسرائيل الذين عاشوا في تلك الفترة وكأن هؤلاء هم الذين اغتصبوا فلسطين اليوم .. وهذا كله مجانب للحقيقة .. وهو قائم على خلط كبير في فهم مراحل التطور التي مرت بها البشرية .... كما نجد قراءات تاريخية موضوعية تتحدث عن أحداث التاريخ على غرار ما ذكره الدكتور رأفت النبراوي ، العميد بكلية الآثار جامعة القاهرة ـ مجتهدا ـ في احدى الندوات المنعقدة في مصر تحت عنوان " القدس عربية " لاثبات عروبتها : (القدس شيَّدها الملك الصادق ، أحد ملوك اللوسيين الأوائل عام 3000 ق . م ، وهم إحدى بطون العرب في مدينة يوبوس ، وخضعت بعد ذلك لحكم فراعنة مصر خضوعًا تامًا عام 1479 ق . م ، وجاء المصريون القدماء وسموها « أورسالم » ، ويلفت إلى أن هذه الكلمة لها شقان هما « أورو» ومعناها مدينة و« سالم » ومعناها السلام ، فسموها « مدينة السلام » ، ومن هنا اشتقت عبارة «أورشاليم » ، وفي ذلك الوقت خرج بنو إسرائيل من مصر سنة 1292 ق . م متوجهين الى فلسطين فاستوطنوها واستولوا عليها وقتلوا 10 آلاف رجل وامرأة من سكانها ، ولم يرحموا كبيرًا ولا صغيرًا ثم تخلوا عنها وتركوها تحت ضغط اليبوسيين ، وجاء الكنعان في ذلك الوقت وترك اسمها «أورسالم » ولم يغيره وتم تشييد الهيكل المنسوب إليها عام 1007 ق . م .. ويواصل النبراوي سرد الوقائع للتأكيد على عروبة القدس بقوله : في عام 18 ق . م رمَّم الإمبراطور الروماني هيرودوس الهيكل ، ولكن تاتانيوس خرَّب بيت المقدس وأخلى القدس من بني إسرائيل ، وجاء أدرينانوس وأخذ عرش الإمبراطور وعقد العزم على القضاء على اليهود ، فشتتهم ودمَّر مدينة القدس بل حرقها تمامًا بما فيها ثم بنى بعد ذلك.. مدينة إيليا ، نسبة للأسرة الحاكمة ، ولا توجد. بقايا للدولة غير بقايا من هيكل سليمان المزعوم ، ولم يتبق لليهود شيء في القدس ، مما يجعل مزاعمهم لا تقوم على أساس من الصحة ومزاعم كاذبة .. "
والواقع ان كل هذه الاجتهادات مفيدة وهامة ، بذل فيها المجتهدون جهدا يذكر فيشكر ، سعوا من خلاله لاثبات حق العرب في ارضهم التاريخية التي يحق لهم تعميرها.والاقامة عليها وحدهم لا ينازعهم فيها أحد من الغرباء ، الا في نطاق ما تسمح به القوانين المعروفة في شتى انحاء العالم .. بداية بالاقامة والشغل والتنقل والعبور .. وصولا الى قوانين الجنسية ، وحق المواطنة طبقا للشروط التي يحدّدها القانون الخ  ..
ولكن المشكل أن القرآن الكريم يذكر في العديد من آياته الصريحة المحكمة بني اسرائيل كما يذكر جوانب عديدة من حياتهم ، والانبياء الذين بُعثوا اليهم ، حتى أن الله يعتبر جزءا منهم من الصالحين ، قال تعالى في سورة الاعراف  :  " وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك (168) " . بل يقول في سورة الجاثية "  وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) ".. وهي معضلة حقيقية لا تجدي معها اساليب الانكار والنفي للوقائع التاريخية الثابتة بان بني اسرائيل عاشوا فعلا على ارض فلسطين .. وهنا يتوقف الفهم الصحيح للمشكل على المنهجية المتبعة في قراءة التاريخ ، والتي يجب أن تتطابق دائما مع الطرح القرآني .. قال تعالى متحدثا عن " اسرائيل وهو النبي يعقوب في سورة الاسراء : " ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3)  .
ما المشكل اذن ان تكون قبائل بني اسرائيل المنحدرة من اصول عربية وانبياؤهم من الانبياء الصالحين الذين بعثهم الله للهداية والتوحيد مثلما بعث غيرهم من الانبياء ، قد عاشوا قبل الف ومائتي عام من ميلاد المسيح او أكثر على ارض فلسطين ، .. وما المشكل ان كان من بينهم قوم ظالون ذكرهم الله بمثل ما ذكر به أو اقل أحيانا اقوام سابقة عليهم واخرى لاحقة بهم من العرب انفسهم الذين تصدوا للاسلام ، وحاربوا الرسول صلى الله عليه وسلم الخ .. ولكن قد يكون من المهم ان نسأل : هل أن بنو اسرائيل الذين ذكرهم القرآن هم الصهاينة الحاليين .. ؟؟ هل هؤلاء هم الذين جلبتهم الحركة الصهيونية في مطلع القرن العشرين بعد وعد بلفور، من روسيا ورومانيا والمانيا وافريقيا وامريكا وآسيا وغيرها ..؟ ابدا ... فبنو اسرائيل الذين قصدهم القرآن هم شعوب المنطقة الاصليين الذين عاشوا في تلك الفترة وبعدها ، ودخل من دخل منهم في المسيحية ثم في الاسلام ، ومات من مات ، وتشرد من تشرد مثلما روى الدكتور النبراوي ، ثم تعرّب الباقون واصبحوا من اليهود العرب الذين شمل الرسول الكريم بعضهم بالمواطنة حينما ذكرهم في الصحيفة فاصبحوا يهودا عربا بغثهم وسمينم على غرار ما في العرب المسلمين من غث وسمين ..
والواقع ان المشكلة مع اليهود لم تكن لتطرح بمثل ما هي مطروحة عليه اليوم لولا اغتصاب ارض فلسطين من طرف الغزاة ، وهي التي تشهد السموات والارض بعروبتها .. لان بعد تلك الفترات القبلية التي ارادها الله مرحلة من مراحل تطور البشرية ، والتي كانت تتميز بالروابط الدموية والترحال الخ .. جعل سبحانه الانصهار والاستقرار عوامل جديدة لتكوين الشعوب ، قال تعالى في سورة الحجرات : " وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13) " . وهكذا فان فلسطين دخلت منذ الفتح العربي الاسلامي مرحلة التكوين القومي لتكون جزءا من الامة العربية ولم يعد ماضيها القبلي حجة على حاضرها ، مثلما يجري في جميع الامم ..

( القدس عدد 201 ) .

الأحد، 1 نوفمبر 2015

أحداث جامع اللخمي : لعبة السياسة .. في جبة الدين ..



أحداث جامع اللخمي : لعبة السياسة .. في جبة الدين ..

تعيش مدينة صفاقس أزمة حقيقية منذ اسابيع ، لم تشهدها المنطقة سابقا .. وفي الظاهر ، يبدو أن عزل الامام الخطيب في جامع اللخمي ، هو سبب الأزمة ، وهو ما تريد الأطراف المدافعة عنه ، تصويره وتبليغه للرأي العام ..
وطبعا ، ومثلما لا يخفى على أحد فان من قام باقصائه هي السلطة الرسمية ، متمثلة في وزير الشؤون الدينية  ، أما الأطراف المدافعة عنه ، فهي قواعد الحزب الشريك في الحكم وهو حزب حركة النهضة ، وبعض الأطراف الأخرى من نفس الخلفية الايديولوجية ، وقد باتت جميعا تسعى الى تصعيد الموقف مركزة هجومها على الوزير وكأنه قادم الى الوزارة دون علم الحركة  .. وهذا في حد ذاته مثير للعديد من التساؤلات ..
لعل أول تساؤل يمكن طرحه ، هو كيف تكون قيادات حركة النهضة راضية عن تشكيل الحكومة ، وتعتبر نفسها شريكا في الحكم ، بكل هياكله وممثليه ، ووزير الشؤون الدينية واحد منهم ، في حين أن قواعدها تتهم هذا الوزير دون غيره من الوزراء أو من النواب بانتمائه للتجمع وعدائه للاسلام .. ؟؟ والواقع أن مثل هذا التسويغ يمكن مواجهته بسؤال بسيط من جنسه : اذا كان عزل الامام هو سبب الازمة ، فما هو سبب العزل اذن ؟؟
السلطة تتهم الامام بانه يحرّض على الفتنة ، ويسيّس المساجد باثارة الخطب السياسية والتهجم على اطرافر سياسية ونقابية دون غيرها ، فضلا عن انتمائه النقابي لمنظمة موازية لاتحاد الشغل دون فصل بين نشاطه خارج المسجد وداخله ..  والامام ومؤيدوه يقولون أن تعيين الايمة يجب ان يكون خاضعا لاختيار المصلين ويستشهدون في ذلك ببعض الاحاديث  المتداولة مثل ما جاء في حديث بن عباس : " ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً ، فذكر فيه رجلا أمّ قوماً وهم له كارهون .. "
ويقولون أيضا أن الاسلام دين ودولة ، وبالتالي يمكن للامام الخوض في الشأن العام ، وان الوزير يريد ان يحصر دور الايمة والمساجد في مدح السلطة وآداء الشعائر على غرار ما كان يحدث قبل الثورة ..
وأن الحياد المطلوب هو حياد عن الانتماءات الحزبية داخل المسجد ، ولا يعني الكف عن الحديث في القضايا العامة الخ .. ورغم أن السلطة ممثلة في مواقف وزيرها المكلف بالشؤون الدينية تحمل فهما رجعيا للدين ، وتعمل على التوظيف السياسي له ، فان الامام ومؤيديه لا يقلون فهما رجعيا عنهم ، ولا ينقصهم التوظيف السياسي  للدين مثلهم ..  كما أن ما يثار من لغط من طرف أنصار الامام ، لا يخلو من الفهم الخاطئ والتوظيف السياسي المفضوح للأحاديث  والقواعد الشرعية  ، الى جانب المغالطات المتعمدة  للرأي العام  في نفس الوقت ..  اذ أن من ينفي الخلفية الايديولوجية للامام الخطيب بجامع اللخمي بمدينة صفاقس ، انما يتصرف كمن يريد اخفاء الشمس بالغربال كما يقولون في المثل الشعبي .. لأن الخطب المسجلة والمتداولة في كل مكان هي التي تأكد هذه الحقيقة ، حيث يتكرر تهجمه من اعلى المنبر على كل الاطراف السياسية التي يذكرها  بالاسماء ولا يستثني منها الا طرفا واحدا يمثل " الفرقة الناجية " عنده ، المتمثلة في الحركات الدينية التي ينتمي اليها ايديولوجيا ، وهو القائل في احد الخطب : " فليسمع الجميع ، لن يعود التجمع ، لا متستر بالنقابة ، ولا متستر بالشيوعيين ، ولا بالقوميين ، ولا بمافيا الفساد المالي .. "
بالنسبة للتاويل الخاطئ ، فان اهل الذكر يؤكدون ان كراهة الامام ( المعين من طرف السلطة ) لا تبرر في المطلق ، ولا توجب تكرار الغاء الصلاة بمثل ما وقع ، خلال ثلاث اسابيع متتالية ، وبالاسلوب الذي يمارس داخل المسجد .. يقول الامام الشافعي عن كره الناس للامام  : " يكره أن يؤم قوما وأكثرهم له كارهون ، ولا يكره إذا كرهه الأقل ، وكذا إذا كرهه نصفهم لا يكره ، صرح به صاحب الإبانة ، وأشار إليه البغوي وآخرون "  .(عن المكتبة الاسلامية ) ، فكيف سنتبين اذا كان النصف كارهين أم أكثر ؟؟ كما قيل : " إنما تكره إمامته إذا كرهوه لمعنى مذموم شرعا كوال ظالم ، وكمن تغلب على إمامة الصلاة ولا يستحقها ، أو لا يتصون من النجاسات ، أو يمحق هيئات الصلاة ، أو يتعاطى معيشة مذمومة ، أو يعاشر أهل الفسوق ونحوهم أو شبه ذلك فإن لم يكن شيء من ذلك فلا كراهة ، والعتب على من كرهه ، هكذا صرح به الخطابي والقاضي حسين والبغوي وغيرهم .. (المصدر السابق ) .
أما بالنسبة للمغالطات فهي عديدة وأولها أن النهضة هي التي أعادت التجمعيين ، وهي التي خاضت معهم رحلة طويلة من الحوار ، والتنازلات بدءا بقوانين تحصين الثورة ، التي أدى سحبها الى تمكينهم من الرجوع الى الساحة السياسية ، والفوز في الانتخابات ، فهي اذن التي قدمت لهم السلطة على طبق من ذهب ، ثم تحالفت معهم لتصبح شريكا لهم في الحكم ، وهاهي الآن تقف  الى جانبهم لتمرير قوانين المصالحة .. فعن أي تجمعيين يتكلم الامام ، وعن أي أطراف أرجعتهم الى الحكم ؟؟؟
وثانيها مقولة الاسلام دين و دولة ، التي هي حق يراد به باطل .. اذ كون الامام يحق له التعاطي مع الشأن العام لا يجعله ينقل داخل المسجد وجه نظره الخاصة على أساس أنه موقف الاسلام ، بل يجب عليم من موقع اطلاعه على آراء الفقهاء والمجتهدين ، نقل آرائهم واجتهادتهم الى المصلين ليختاروا منها ما يرونه صالحا ، دون التضييق عليهم وحصر اختياراتهم  في زاوية الراي الواحد الذي هو في الواقع راي حزبي صريح .. وثالها هو مسالة اختيار الايمة ، التي هي جزء من مشكلة عامة تخص استقلال المؤسسات عن السلطة التنفيذية ، وهي التي رفضتها النهضة في التشريعات خلال وضع الدستور ، لعل التضييق على هيئة القضاء والاعلام جزء من منها ..
ورابعها هي مسألة الانتماء والدعاية الحزبية ، فماذا يعني اذن ، التهجم على كل الاطراف السياسية باستثناء طرف واحد ..؟؟ ألا يعني أن هذا الاستثناء دعاية غير مباشرة للطرف المستثنى من التهجم ..؟؟
وخامسها  يمثل نموذجا صارخا للاستخفاف بالعقول ، وهو حشد قواعد النهضة من كل الجهات في شوارع صفاقس تاييدا للامام ، والادعاء أنهم غير متحزبين .. !!

 ( نشرية القدس العدد 200 ) .

وعد بلفور : كيف تحوّل الوعد الى واقع .. ؟



وعد بلفور : كيف تحوّل الوعد الى واقع .. ؟ 

مضى الآن حوالي قرن من الزمن عن صدور وعد بلفور في الثاني من نوفمبر 1917 ، استطاعت الحركة الصهيونية خلالها أن تحقق أهم أهدافها ، المتمثلة في بناء دولة يهودية آمنة ومستقرة وذات سيادة ، لها اليد الطولى في المنطقة ، مع اضعاف العرب وتشتيتهم والهائهم بالصراعات والفتن الداخلية ، لمنعهم من تحقيق اي مشروع نهضوي يهدد وجودها .. وهكذا وجدت بعض القوى العظمى في هذه الأهداف ، قاسما مشتركا يحقق مصالحها ، فوقفت الى جانب المشروع .. ولكن بعد كل هذه المدة التي أفرزت هذا الوضع العربي المتردي ، يحق لنا ان نتوقف لنتساءل عن سر النجاح  الذي حالف الحركة الصهيونية في تحقيق أهدافها ، مقابل الفشل الذي يواجه السياسة العربية عامة ، والحركة القومية خاصة وهي تتصدى للدفاع عن الامة بعد أكثر من نصف قرن ، رغم ما تبذله من التضحيات  ..   والغريب أننا لو تأملنا مشروع بناء " وطن قومي لليهود " كما عبر عنه وزير خارجية بريطانيا الذي أصدر الوعد ، لوجدنا أنه كان مجرد حلم من أحلام الصهاينة الأوائل ، لا شك أن اليهود الذين سمعوا به في تلك الفترة قد استهزأوا بالرسالة ومضامينها ، وربما سخر جزء كبير منهم من الفكرة ، لذلك لم يتحوّل هذا الوعد ـ في بداية الأمر ـ  الى مشروع مقنع لليهود كافة .. الا أن الفكرة سرعان ما  تحوّلت الى مخطط ، وتنظيم عالمي موحد يعقد المؤتمرات ، ويرسم الخطط التكتيكية والاستراتيجية والسياسات ، ويجمع الأموال والارهابيين ليكوّن تنظيمات ارهابية في فلسطين مطلع العشرينات ، مهمتها الاستيلاء على الارض وتشريد العرب والتنكيل بهم ، وقتلهم بدم بارد أمام العالم الذي عانى من ويلات الحرب ، ثم اصبح يدعو لحفظ الأمن والسلم ، واحترام سيادة الشعوب على ارضها ، خلال مؤتمر باريس للسلام سنة 1919 ،  الذي انبثقت عنه هيئة دولية تدعو الى السلم العالمي تسمّى عصبة الأمم .. !! ولكن يبقى السؤال مطروحا لماذا فشلنا ونجحت الصهيونية ..؟؟ والواقع ، رغم أن الاجابة يمكن أن تحتمل عدة تفسيرات وتاويلات ، الا أن الثابت هو أن الحركة الصهيونية كانت تتبع دائما أساليب علمية  في كل مراحل نشاطها المعادي لنا ، أهمّها :
ـ وحدة الآداة ، ووحدة الاستراتيجيا ووحدة القيادة ، التي تتحقق بها وحدة الهدف ، ولو بتحركات مختلفة لكل فروع التنظيم  وعناصره ، الذين تجمعهم في الأصل خطة واحدة مرسومة مسبقا ..
ـ اعتماد التخطيط الشامل على المدى القريب والبعيد ، والخاضع بصرامة لقوانين ومؤسسات وأجهزة معقدة تراقب وتراجع وتحاسب وتصحح الاخطاء ، وهي من أهم العوامل الضامنة للنجاح ، حيث يقع وضع الحسابات  لكل طارئ ، فلا وجود للصدفة أو للعمل العشوائي الخاضع لمزاج الافراد الا وفقا لما يقتضيه العمل الضروري لتحقيق الاهداف .. باختصار ، حضور الاسلوب العلمي هو سر النجاح عندهم ، وغيابه هو الداء عندنا ..

 ( نشرية القدس العدد 200 ) .

الأحد، 25 أكتوبر 2015

كأنك يا أبو زيد ما غزيت .. !!

كأنك يا أبو زيد ما غزيت .. !!

لقد عاشت تونس اكثر من خمسين عام في ظل  الاستبداد الذي أخذ صبغة دستورية  بعد صدور  قرار الرئاسة مدى الحياة سنة 1974 ، كاحسن تعبير عن الحكم المطلق للفرد والحزب في نفس الوقت ، محولا كل المؤسسات الدستورية الى آداة لخدمة النزعات الفردية ، لاغيا اي دور للمجتمع والشعب ، الذي أصبح دوره  مقتصرا على التصفيق ، والنفاق ، والتزلف بشتى الطرق لاسترضاء الحاكم وحاشيته وعيونه المنتشرة في كل مكان .. وهكذا بدأت مسيرة البحث عن مآثر الرئيس من قبل الانتهازيين والمنافقين في مجالات السياسة والاعلام والفن والادب حتى صار الزعيم  والمجاهد الأكبر ، والمفكر والمقرر الاوحد في كل المجالات ، والحاضر الاول في كل المناسبات ، وهو ما أدى في النهاية الى الغاء أي دور للانسان والمجتمع في آن واحد .. !! وتلك هي الارضية الخصبة والحاضنة السياسية والاجتماعية التي نما فيها نظام بن على ، الذي لم يجد صعوبة في تحقيق اغراضه وهو القادم الى السلطة طمعا في منافعها ، وهوأيضا  ابن تلك البيئة الفاسدة التي تعج بالصراعات على النفوذ والمصالح بين المتآمرين .. وهو كذلك بن ذلك الحزب الذي تربى فيه كل المتسلقين والوصوليين الذين لم يشغلوا انفسهم كثيرا بحيثيات الانقلاب الابيض على قائدهم الاوحد ، وسرعان ما غيروا جلودهم كما تفعل الحشرات والزاحف وانتقلوا يهللون بالرئيس الجديد : " الله وحد الله وحد بن علي ما كيفو حد " .. وفي مثل هذه الظروف والملابسات ، لم يجد الرئيس الجديد صعوبة في استرضاء الشعب الذي بات يحلم بأي تغيير تحمله الأقدار ، بعد انسداد الافق أمامه ، وفشل كل محاولات التغيير ، سواء العسكرية ، او الشعبية التي كانت كل نهاياتها دموية  ..   
وهكذا دخلت تونس في تجربة جديدة مع الاستبداد .. حتى جاءت ثورة الشعب بالامل .. ثم بالانتخابات .. وعاد جهابذة المال والاعمال الى المربع الاول من الباب الكبير ،  يحققون بالديمقراطية ما لم يستطيعوا تحقيقه بواسطة الاستبداد  .. بل اصبحت الديمقراطية تعني التوزيع العادل للنفوذ والنهب والاستغلال بين صفوفهم بعد ان كان ذلك مقتصرا على الأقربين وحدهم  في نظام المخلوع .. وصدق من قال :  كأنك يا أبو زيد ما غزيت .. !!


 ( نشرية القدس 199 ) .

الأحد، 18 أكتوبر 2015

الشر برّة وبعيد ..

الشر برّة وبعيد ...

بعض الامثال الشعبية لها مدلول عميق وتغني أحيانا عن أي توضيح ، وفي بعض الاحيان يجد الانسان تعبيرا بليغا عن فكرة أو موقف مختزل في كلمتين من كلمات الامثال الشعبية المتداولة ، وهكذا تقريبا يمكن أن نعبر عن الوضع في تونس من خلال العديد من الأمثال والحكم التي تقفز الى الذهن سواء  بالعامية أو بالفصحى ومنها على سبيل المثال في جانب الحديث عن مرور سنة من الانتخابات الاخيرة الرئاسية والنيابية المثل القائل : " كراع البهيم ما تجيش منها زمارة " ، و" فاقد الشئ لا يعطيه " ، والمدلول واضح في هذين المثلين والمقصود بالتحديد عدد كبير من المسؤولين الحاليين الذين اتت بهم الانتخابات بطرق غير نزيهة ، لعب فيها المال السياسي الملوّث دورا كبيرا  ، ليتولوا بدورهم ، جلب مسؤولين آخرين على خلفية المحاصصة واقتسام المواقع و الأدوار والمصالح ، باسم التوافق أحيانا ، والمصالحة احيانا اخرى .. وفي مثل هذه الظروف جميعا عادت الى المشهد تلك الوجوه القديمة الكالحة بداية برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والعديد من المسؤولين الذين ارتبطوا بالسياسات الفاشلة للانظمة السابقة التي كرست الخيارات الليبرالية اللاشعبية المتوحشة والتي كانت سببا في قيام الثورة سنة 2011 ..               
كما نجد في مجال الوضع الامني والوضع الاقتصادي المثل القائل " العزوزة هازها الواد وتقول العام صابة " حيث نسمع الكثيرمن الحديث عن الجهود المبذولة في محاربة الارهاب قي الداخل من خلال الحلول الأمنية الصرفة ، في حين يبدو ان التهديد الخارجي أكثر رعبا وخطورة اذا نظرنا الى  تتمركز الجماعات الارهابية في على مقربة  من الحدود ، وهي  تقوم  بتدريب عناصرها  على شتى انواع الاسلحة بما فيها الثقيلة كالمدرعات  والطائرات بعد أن غنمت ترسانة لا يستهان بها من المعدات العسكرية في المواقع التي سيطرت عليها .. وهي القادرة أيضا على تجميع الارهابين من كل صوب وحدب في وقت قياسي على غرار ما وقع في سوريا ، وخاصة بعد الفشل الذي يلقونه هناك والذي يمكن ان يدفعهم لتغيير مواقعهم  وأهدافهم بالقدوم الى ليبيا للهجوم غربا .. ومما يزيد الطين بلة ، في الداخل هو عجز الحكومة والمسؤولين في الدولة على محاربة عصابات التهريب التي تغذي الارهابيين ، بل على العكس من ذلك نجد الاحزاب الحاكمة تعمل على سن التشريعات الجديدة التي تساهم في تبيض الاموال وتشجع اللصوص على المزيد من الفساد باعفائهم من المحاسبة عن الجرم الذي اقترفوه سابقا  ..
قد لا يساعنا في مثل هذا الوضع الا أن نردّد مقولة العاجزين المتفائلين : " الشر برّة وبعيد .. "


 ( نشرية القدس 198 ) .

الأحد، 11 أكتوبر 2015

الوضع العربي بين الواقع والضرورة ..

الوضع العربي بين الواقع والضرورة ..

 الامة العربية أمة واحدة ، والشعب العربي بجميع مكوناته شعب واحد من المحيط الى الخليج .. هذا هو الواقع القومي كما هو غصبا عن الجميع ، سواء  أدركه الناس أو تجاهلوه .. وغدا أو بعد غد ستداهمهم جميعا المشاكل القومية وهم جالسون في بيوتهم .. وقتها ستفرض عليم نفسها ليتعاملوا معها كما هي .. بطبيعتها القومية  ..
فهذه الامة لم تتوحد اعتباطا .. بل وحدتها القوانين والسنن الالهية التي تجري تحت انوف الجميع .. ولن تعود مسيرة التاريخ الى الوراء .. لان الامة العربية أمة مكتملة التكوين منذ اكثر من الف عام ، فهي ليست مثل الهنود الحمر الذين أبادهم الاروبيون وهم في مراحل التطور القبلي التي لم ترقى بعد الى الطور القومي ..
واننا  لو تأملنا الازمات الحالية التي يعيشها كل قطر ، حيث النمو السريع في عدد السكان مقابل النقص المتزايد في الموارد والامكانيات ، وفي ظل فوضى اقتصادية تحكمها  مافيا الاحتكار والتهريب ، والنهب ، سوف ندرك  بجهد يسير ، أن الاقطار العربية التي وصلت الى أقصى حالات العجز بسبب البطالة والفقر وتفشي الامراض والجوع ، هي التي ستنطلق منها موجات التحرير والتوحيد ، ان كان ذلك طوعا أو قصرا .. لان البقاء في الوضع الحالي قد اصبح  مستحيلا ، ولا بد من الرجوع الى الوضع الطبيعي ، الأكثر امكانيات ، والاكثر تحرر ا وتقدما ، ولو كان بأثمان باهضة ..
غير أن الوعي بالمشكلة ، والسير اليها تلقائيا بفعل الارادة الانسانية ، الواعية بمسيرة التاريخ ، يمثل فرصة وحيدة  لتجنب ، ما في طريق الذهاب اليها ـ بواسطة الحتمية ـ من مخاطر وكوارث حقيقية ..


 ( نشرية القدس 197 ) .

الأحد، 4 أكتوبر 2015

نصر أكتوبر المجيد ..

نصر أكتوبر المجيد ..

عاشت الامة العربية مجدا حقيقيا ، وشموخا وكبرياء خلال حرب السويس وما رافقها من نخوة واعتزاز بالمواقف الوطنية والقومية الصامدة لثورة يوليو ، رغم العدوان العسكري الهمجي لثلاث دول معتدية ، ورغم الخسائر التي لحقت بمصر وشعبها خلال تصديه للعدوان ..
كما عاشت الامة العربية اياما ملؤها العزة والكبرياء والنخوة العربية اثناء قيام الوحدة العربية الاولى بين مصر وسوريا ، حيث بلغ الشعور القومي أوج انتشاره بين المحيط والخليج ، معبرا عن نفسه بكل تلقائية في تلك اللقاءات الجماهيرية الجارفة التي جمعت الرئيس جمال عبد الناصر بجماهير الامة العربية حيثما التقى بها على امتداد الوطن الكبير .. وقد كان هذا الشعور الفياض شعورا صادقا فعلا ، حينما عبر عن نفسه مرة أخرى يومي 9 و 10 يوينو 67 بعد الهزيمة ، عندما خرجت تلك الامواج الهادرة في  مصر والعواصم العربية منادية بتراجع قائدها عن التنحي ، رغم الهزيمة العسكرية المرة  ..  وهو ما حدث فعلا ، محملا  زعيم الامة مسؤوليات أكبر جسامة وأكثر خطورة ، وهو العائد بارادة شعبية جارفة في ظروف فقدت فيها مصر أغلب وسائلها الهجومية ، الى جانب اراضيها وأراضي أثلاث دول عربية أخرى هي فلسطين والاردن وسوريا .. وهكذا كانت جسامة المسؤولية تقتضي البداية مبكرا في الاعداد للحرب .. لكن بعقلية واساليب جديدة ، ومسؤولين آخرين .. وهو ما حدث فعلا حين بدأ الزعيم مشواره الجديد بالتطهير الشامل لمراكز القوى في الجيش والدولة ، ثم باعادة التسليح ورسم الخطط  المستقبلية ، متبعا سياسة عربية تقوم على التضامن ووحدة الصف .. وهكذا تمكنت مصر في مدة وجيزة من اعادة الثقة والتوازن النفسي لجيش وشعب وأمة بأكملها من خلال خوضها لحرب الاستنزاف ..
الا ان الاقدار كانت لها أحكامها ومشيئتها .. فلم تمهل القائد حتى يستكمل مشواره في تحقيق النصر الذي هيأ له كل اسباب النجاح .. وكان الرحيل يوم 28 يوليو في ذكرى الانفصال تحديدا ..  وبقيت الجماهير في مصر والامة العربية تنتظر ثلاث سنوات ، حتى قامت  حرب اكتوبر بنفس الاسلوب المباغت الذي استعمله العدو ، وهي تفتح جبهتين ملتهبتين من الشرق والغرب ،، فكان العبور  في 6 أكتوبر 1973 ، علامة فارقة في تاريخ العرب الحديث ، تؤكد أن النصر له شروط واسباب لا بد ان تتوفر ، وأولها الارادة والعزيمة والتخطيط المحكم الذي يقود الى الهدف  ..  وهو ما حدث فعلا لولا الانحراف الذي حوّل  ذلك النصر الى هزيمة حقيقية ، بعد الخضوع المجاني  للعدو ..


( نشرية القدس 196 ) .